ثم حج أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم عمر، ثم عثمان مثل ذلك. متفق عليه.
2588 – (4) وعن ابن عمر، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف ومشى أربعة، ثم سجد سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة.
ــ
تصحيف، وقال النووي: لها وجه أي لم يكن غير الحج، وكذا وجه القرطبي – انتهى. وقال التوربتشي: قوله ((ثم لم تكن عمرة)) أي لم يحل عن إحرامه ذلك ولم يجعلها عمرة، والمراد من قوله ((ثم لم يكن غيره)) أي لم يكن هناك تحلل بالطواف من الإحرام بل أقام على إحرامه حتى نحر هديه (ثم حج أبو بكر) أي بعده صلى الله عليه وسلم (فكان أول شيء) بالرفع (ثم عمر ثم عثمان مثل ذلك) قال القاري: بالنصب أي فعلا مثل ذلك، وفي نسخة بالرفع أي فعلهما مثل ذلك وقوله ((ثم عمر ثم عثمان مثل ذلك)) كذا في جميع النسخ، وهكذا في المصابيح، ولفظ الصحيحين ((ثم عمر مثل ذلك ثم حج عثمان فرأيته أول شيء بدأ به بالطواف بالبيت ثم لم يكن عمرة)) وفي مسلم ((لم يكن غيره)) قال الداودي: ما ذكر من حج عثمان هو من كلام عروة وما قبله من كلام عائشة. وقال أبو عبد الملك: منتهى حديث عائشة عند قوله ((ثم لم تكن عمرة)) ومن قوله ((ثم حج أبو بكر)) إلخ. من كلام عروة – انتهى. قال الحافظ: فعلى هذا يكون بعض هذا منقطعًا لأن عروة لم يدرك أبا بكر ولا عمر، نعم أدرك عثمان، وعلى قول الداودي يكون الجميع متصلاً وهو الأظهر – انتهى. (متفق عليه) قد عرفت مما قدمنا أن مسلمًا رواه مطولاً والبخاري مختصرًا دون قصة الرجل أي حذف صورة السؤال وجوابه، واقتصر على المرفوع منه كما في المشكاة، والحديث أخرجه البيهقي مطولاً من طريق مسلم.
2588 – قوله (إذا طاف في الحج أو العمرة) كذا عند البخاري بحرف ((أو)) وعند مسلم ((في الحج والعمرة)) أي بالواو، والظاهر أن أو للتنويع (أول ما يقدم) ظرف (سعى) جواب للشرط. قال القاري: ولا يبعد أن يكون ظرف طاف. قلت: ويقويه رواية مسلم بلفظ: كان إذا طاف في الحج والعمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاث أطواف بالبيت. والمراد بالسعي الرمل كما في الروايات الأخرى (ثلاث أطواف) أي أشواط ونصبه على أنه مفعول فيه (ثم سجد سجدتين) أي صلى ركعتين للطواف (ثم يطوف) أي يسعى، والتعبير بالمضارع فيه وفي ((يقدم)) لحكاية الحال الماضية، وفي رواية لابن عمر عند الشيخين ((كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثًا ومشى أربعًا)) ، وفيها وفي رواية الباب دليل على أن الرمل إنما يشرع في طواف القدوم لأنه الطواف الأول، وهو الذي عليه الجمهور. قال أصحاب الشافعي: ولا يستحب الرمل إلا في طواف واحد في حج أو عمرة، أما إذا طاف في غير حج أو عمرة فلا رمل. قال النووي: بلا خلاف. ولا يشرع أيضًا في كل طوافات الحج بل إنما يشرع في واحد منها، وفيه قولان
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 88)
.............................................................................................
ــ
مشهوران للشافعي أصحهما طواف يعقبه سعي ويتصور ذلك في طواف القدوم وفي طواف الإفاضة، ولا يتصور في طواف الوداع، والقول الثاني: أنه لا يشرع إلا في طواف القدوم، وسواء أراد السعي بعده أم لا، ويشرع في طواف العمرة إذ ليس فيها إلا طواف واحد، وفيها أيضًا دليل على أن السنة أن يرمل في الثلاثة الأول من أول طواف يطوفه القادم إلى مكة سواء كان عمرة أو طواف قدوم في حج ويمشي على عادته في الأشواط الأربعة الباقية ولا يرمل فيها وإن ترك الرمل في الأشواط الأول لم يقضه في الأشواط الأخيرة على الصواب ولا يلزم بتركه دم على الأظهر لعدم الدليل خلافًا لمن أوجب فيه الدم. قال الحافظ في الفتح: لا يشرع تدارك الرمل، فلو تركه في الثلاث لم يقضه في الأربع لأن هيأتها السكينة فلا تغير، ويختص بالرجال فلا رمل على النساء ويختص بطواف يعقبه سعي على المشهور، ولا فرق في استحبابه بين ماش وراكب ولا دم بتركه عند الجمهور، واختلف في ذلك المالكية. قال الشوكاني: وقد رُوي عن مالك أن عليه دمًا ولا دليل على ذلك. ثم قال: يؤيده أنهم اقتصروا عند مراآة المشركين على الإسراع إذا مروا من جهة الركنين الشاميين، لأن المشركين كانوا بإزاء تلك الناحية يعني ناحية الحجر، فإذا مروا بين الركنين اليمانيين مشوا على هيأتهم كما هو مبين في حديث ابن عباس (عند الشيخين) ولما رملوا في حجة الوداع أسرعوا في جميع كل طوفة فكانت سنة مستقلة. وقال الطبري: قد ثبت أن الشارع سعى ولا مشرك يومئذ بمكة يعني في حجة الوداع فعلم أنه من مناسك الحج إلا أن تاركه ليس تاركًا لعمل بل لهيأة مخصوصة فكان كرفع الصوت بالتلبية فمن لبى خافضًا صوته لم يكن تاركًا للتلبية بل لصفتها ولا شيء عليه – انتهى. قال النووي: ولو لم يمكنه الرمل بقرب الكعبة وأمكنه إذا تباعد عنها فالأولى أن يتباعد ويرمل، لأن فضيلة الرمل هيأة للعبادة في نفسها والقرب من الكعبة هيأة في موضع العبادة لا في نفسها، فكان تقديم ما تعلق بنفسها أولى. تنبيه: إن قيل: ما الحكمة في الرمل بعد زوال علته التي شرع من أجلها، والغالب اطراد العلة وانعكاسها بحيث يدور معها المعلل بها وجودًا وعدمًا. فالجواب أن بقاء حكم الرمل مع زوال علته لا ينافي أن لبقائه علة أخرى، وهي أن يتذكر به المسلمون نعمة الله عليهم حيث كثرهم وقواهم بعد القلة والضعف كما قال الله تعالى: {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره} (8: 26) الآية. وقال تعالى عن نبيه شعيب: {واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم} (7: 86) وصيغة الأمر في قوله ((اذكروا)) في الآيتين تدل على تحتم ذكر النعمة بذلك، وإذًا فلا مانع من كون الحكمة في بقاء حكم الرمل هي تذكر نعمة الله بالقوة بعد الضعف والكثرة بعد القلة، وقد أشار إلى هذا الحافظ في الفتح كما سيأتي. ومما يؤيده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل في حجة الوداع بعد زوال العلة المذكورة فلم يمكن بعد ذلك تركه لزوالها. قال الحافظ: إن عمر كان هم بترك الرمل في الطواف لأنه عرف سببه وقد انقضى، فهم أن يتركه لفقد سببه، ثم رجع عن ذلك الاحتمال أن تكون له حكمة ما اطلع عليها فرأى أن الإتباع أولى من طريق المعنى. وأيضًا إن فاعل ذلك إذا فعله تذكر السبب الباعث على ذلك فيتذكر نعمة الله على
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 89)
متفق عليه.
2589 – (5) وعنه، قال: رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم
ــ
إعزاز الإسلام وأهله – انتهى. وقال الشاه ولي الله الدهلوي: إن مشروعية الرمل والاضطباع في الطواف لمعان، منها ما ذكره ابن عباس من إخافة قلوب المشركين وإظهار صولة المسلمين، وكان أهل مكة يقولون: وهنتهم حمى يثرب، فهو فعل من أفعال الجهاد، وهذا السبب قد انقضى ومضى، ومنها تصوير الرغبة في طاعة الله وأنه لم يزده السفر الشاسع والتعب العظيم إلا شوقًا ورغبة كما قال الشاعر:
إذا اشتكت من كلال السير واعدها _ … روح الوصال فتحيى عند ميعاد
وكان عمر رضي الله عنه أراد أن يترك الرمل والاضطباع لانقضاء سببهما، ثم تفطن إجمالاً أن لهما سببًا آخر غير منقض فلم يتركهما – انتهى. وفي الحديث دليل لما أجمع عليه العلماء من مشروعية صلاة ركعتين بعد الطواف واختلفوا هل هما واجبتان أم سنتان، والصحيح عند الحنفية أنهما واجبتان، والأصح عند الشافعية أنهما سنة. واستدل للوجوب بصيغة الأمر في قوله تعالى: {اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} (2: 125) على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي. قيل: والنبي صلى الله عليه وسلم لما طاف قرأ هذه الآية الكريمة وصلى ركعتين خلف المقام ممتثلاً بذلك الأمر، وقد قال صلى الله عليه وسلم ((خذوا عني مناسككم)) والأمر في قوله ((واتخذوا)) على القراءة المذكورة يقتضى الوجوب. وأجيب عن ذلك الاستدلال بأن الأمر في الآية إنما هو باتخاذه المصلى لا بالصلاة، وقد قال: الحسن البصري وغيره أن قوله ((مصلى)) أي قبلة، ولا يخفى ما في هذا الجواب من التعسف، واستدل لعدم الوجوب بحديث ضمام بن ثعلبة لما قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أخبره بالصلوات الخمس: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع، ففي هذا الحديث التصريح بأنه لا بجب شيء من الصلاة غير الخمس المكتوبة. وقد يجاب عن هذا الاستدلال بأن الأمر بصلاة ركعتي الطواف وارد بعد قوله صلى الله عليه وسلم: لا إلا أن تطوع، قال النووي: وفي قوله ((ثم يطوف بين الصفا والمروة)) دليل على وجوب الترتيب بين الطواف والسعي، وأنه يشترط تقدم الطواف على السعي، فلو قدم السعي لم يصح السعي، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وفيه خلاف ضعيف لبعض السلف (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي.
2589- قوله (رَمَل رسول الله صلى الله عليه وسلم) الرَّمَل بفتح الراء والميم في الاسم والفعل الماضي: سرعة المشي مع تقارب في الخطو، والخبب هو الإسراع في المشي مع هز المنكبين دون وثب هكذا فسره أكثر المفسرين. وقال بعضهم: الخبب هو وثب في المشي مع هز المنكبين، والهرولة ما بين المشي والعدو، والسعي يقع على الجميع، فلهذا يقال سعي خفيف وسعي شديد فيحمل السعي المذكور في الحديث المتقدم على الرمل والخبب جمعًا بينهما، هكذا ذكره الطبري وقال
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 90)
من الحجر إلى الحجر ثلاثًا، ومشى أربعًا، وكان يسعى ببطن المسيل
ــ
الشنقيطي: الرمل مصدر رمَل بفتح الميم يرمُل بضمها رمَلاً بفتح الميم ورملانًا إذا أسرع في مشيته وهز منكبيه وهو في ذلك لا ينزو أي لا يثب وهو الخبب، ولذا جاء في بعض روايات الحديث رمل، وفي بعضها خبّ، والمعنى واحد (من الحجر) أي الأسود (إلى الحجر) هذا نص في استيعاب الرمل لجميع الطوفة يعني في مشروعية الرمل في جميع المطاف من الحجر إلى الحجر، وحديث ابن عباس المروي في بيان سبب الرمل نص في عدم الاستيعاب وأن يمشوا ما بين الركنين اليمانيين، والجواب عن هذا الاختلاف أن حديث ابن عباس الذي فيه أنهم مشوا ما بين الركنين كان في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، وما في الروايات الأخرى من الرمل من الحجر إلى الحجر في حجة الوداع سنة عشر فهو ناسخ لحديث ابن عباس وقيل إن الرمل سنة فعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء في استيعاب الرمل بجميع الطوفة لضعفهم بالحمى، قال الباجي: إن جابراً عاين ما روى عام حجة الوداع وابن عباس إنما روى عن غيره فإنه لم يشاهد عام القضية لصغره مع أنه يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ترك رمل ما بين الركنين وإن كان مشروعاً لحاجته إلى الإبقاء على أصحابه، فلما ارتفعت هذه العلة لزم استدامة الرمل المشروع – انتهى. وقال ابن قدامة: الرمل سنة في الأشواط الثلاثة بكمالها يرمل من الحجر إلى أن يعود إليه، لا يمشي في شيء منها، روى ذلك عن عمر وابنه وابن مسعود وابن الزبير، وبه قال عروة والنخعي ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي. وقال طاوس وعطاء والحسن وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله: يمشي ما بين الركنين لرواية ابن عباس. ولنا ما روى ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر إلى الحجر، وحديث جابر عند مسلم " قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف ". وهذا يقدم على حديث ابن عباس لوجوه، الأول: أنه مثبت. والثاني: أن رواية ابن عباس إخبار عن عمرة القضية، وهذا إخبار عن حجة الوداع فيكون متأخرًا ويجب العمل به. والثالث: أن ابن عباس كان في تلك الحال صغيرًا. والرابع: أن جلة الصحابة عملوا بما ذكرنا، ولو علموا من النبي صلى الله عليه وسلم ما قال ابن عباس ما عدلوا عنه إلى غيره، ويحتمل أن ما رواه ابن عباس يختص بالذين كانوا في عمرة القضية لضعفهم والإبقاء عليهم، وما رويناه سنة في سائر الناس – انتهى. ويظهر من كلام ابن حزم في المحلى أنه مال إلى أن الرمل من الحجر الأسود إلى الركن اليماني وفيما بينهما جائز (وكان يسعى) أي يسرع ويشتد عدوًا، قاله القاري. واعلم أن السعي في كلامهم يطلق على معنيين، الأول: المشي بين الصفا والمروة وهو المذكور في كلامهم إذا أطلقوا السعي بين الصفا والمروة. والثاني: شدة المشي بين الميلين الأخضرين وهو المراد في هذا الحديث، وهو مندوب وسنة عند الجمهور، منهم الحنفية وهو المرجح عند المالكية (ببطن المسيل) أي المكان الذي يجتمع فيه السيل. قال الحافظ: المراد ببطن المسيل الوادي لأنه موضع السيل. وقال القاري بطن المسيل
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 91)
إذا طاف بين الصفا والمروة.
ــ
اسم موضع بين الصفا والمروة، وجعل علامته بالأميال الخضر – انتهى. والميلان الأخضران هما العلمان، أحدهما بركن المسجد والآخر بالموضع المعروف بدار العباس، وقد أزيلت الدار للتوسعة، وهما بعد العمارة الجديدة بجداري المسعى. قال النووي: السعي ببطن المسيل مجمع على استحبابه وهو أنه إذا سعى بين الصفا والمروة استحب أن يكون سعيه شديداً في بطن المسيل وهو قدر معروف. وقال ابن قدامة: إن الرمل في بطن الوادي سنة مستحبة لأن النبي صلى الله عليه وسلم سعى وسعى أصحابه فروت صفية بنت شيبة عن أم ولد شيبة قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى بين الصفا والمروة ويقول: لا يقطع الأبطح إلا شدًا. وليس ذلك بواجب، ولا شيء على تاركه، فإن ابن عمر قال: إن أسع بين الصفا والمروة فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى، وإن أمش فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وأنا شيخ كبير، رواهما ابن ماجة وروى هذا أبو داود، ولأن ترك الرمل في الطواف بالبيت لا شيء فيه فبين الصفا والمروة أولى – انتهى. وكذلك عند الحنفية والمالكية كما صرح به في فروعهم. تنبيه: قيل في وجه مشروعية السعي الشديد والجري في بطن الوادي: ما رواه البخاري عن ابن عباس، ومحصله: أن هاجر لما تركها إبراهيم عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد عطشت وعطش ابنها حين نفد ما في السقاء من الماء وانقطع درها واشتد جوعهما حتى نظرت إلى ابنها يتشحط ويتلوى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فقامت على الصفا وهو أقرب جبل يليها، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: فلذلك سعى الناس بينهما. فجعل ذلك نسكًا إظهارًا لشرفهما وتفخيمًا لأمرهما. قال الشاه ولي الله الدهلوي: السر في السعي بين الصفا والمروة على ما ورد في الحديث أن هاجر أم إسماعيل عليه السلام لما اشتد بها الحال سعت بينهما سعي الإنسان المجهود فكشف الله عنهما الجهد بإبداء زمزم وإلهام الرغبة في الناس أن يعمروا تلك البقعة، فوجب شكر تلك النعمة على أولاده ومن تبعهم، وتذكر تلك الآية الخارقة لتبهت بهيمتهم وتدلهم على الله، ولا شيء في هذا مثل أن يعضد عقد القلب بهما بفعل ظاهر منضبط مخالف لمألوف القوم فيه تذلل عند أول دخولهم مكة، وهو محاكاة ما كانت فيه من العناء والجهد، وحكاية الحال في مثل هذا أبلغ بكثير من لسان المقال – انتهى. وروى أحمد عن ابن عباس أن إبراهيم عليه السلام لما أمر بالمناسك عرض الشيطان له عند السعي فسابقه فسبقه إبراهيم. وقبل: إنما سعى نبينا صلى الله عليه وسلم إظهارًا للجلد والقوة للمشركين الناظرين إليه في الوادي، وهذا كان في عمرة القضاء، ثم بقي بعده كالرمل في الطواف إذ لم يبق في حجة الوداع مشرك بمكة (إذا طاف بين الصفا والمروة) أي سعى بينهما، واختلف
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 92)
رواه مسلم.
2590 – (6) وعن جابر، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة، أتى الحجر فاستلمه، ثم مشى على يمينه،
ــ
أهل العلم في حكم السعي على ثلاثة أقوال، أحدها: أنه ركن لا يصح الحج، إلا به، وهو قول ابن عمر وعائشة وجابر، وبه قال الشافعي ومالك في المشهور، وأحمد في أصح الروايتين عنه، وإسحاق وأبو ثور، والقول الثاني: أنه واجب يجبر بدم، وبه قال الثوري وأبو حنفية ومالك في العتبية كما حكاه ابن العربي، والثالث: أنه ليس بركن ولا واجب بل هو سنة ومستحب، وهو قول ابن عباس وابن سيرين وعطاء ومجاهد وأحمد في رواية، قال الحافظ في الفتح بعد ذكر الأقوال الثلاثة المذكورة: واختلف عن أحمد كهذه الأقوال الثلاثة، وعند الحنفية تفصيل فيما إذا ترك بعض السعي كما هو عندهم في الطواف بالبيت. وقال ابن قدامة: اختلفت الرواية في السعي، فرُوي عن أحمد أنه ركن لا يتم الحج إلا به، وهو قول عائشة وعروة ومالك والشافعي لما رُوي عن عائشة، قالت: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاف المسلمون يعني بين الصفا والمروة فكانت سنة، ولعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة، رواه مسلم. ثم ذكر حديث صفية بنت شيبة الآتي من رواية ابن ماجة وفيه " سمعته يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي ". وسيأتي الكلام عليه، ورُوي عن أحمد أنه سنة لا يجب بتركه دم، رُوي ذلك عن ابن عباس وأنس وابن الزبير وابن سيرين، لقول الله تعالى {فلا جناح أن يطوف بهما} (2: 185) ونفي الحرج عن فاعله دليل على عدم وجوبه، فإن هذا رتبة المباح وإنما تثبت سنيته بقوله " من شعائر الله " ورُوي أن في مصحف أُبيّ وابن مسعود " فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ". وهذا إن لم يكن قرآنًا فلا ينحط عن رتبة الخبر لأنهما يرويانه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال القاضي: هو واجب وليس بركن، إذا تركه وجب عليه دم، وهو مذهب الحسن وأبي حنيفة والثوري، وهو أولى، لأن دليل من أوجبه دل على مطلق الوجوب لا على كونه لا يتم الحج إلا به، وقول عائشة في ذلك معارض بقول من خالفها من الصحابة، وحديث صفية بنت شيبة عن أبي تجراة، قال ابن المنذر: يرويه عبد الله بن المؤمل وقد تكلموا في حديثه، ثم هو يدل على أنه مكتوب وهو الواجب وأما الآية فإنها نزلت لما تحرج ناس من السعي في الإسلام لما كانوا يطوفون بينهما في الجاهلية لأجل صنمين كانا على الصفا والمروة، كذلك قالت عائشة – انتهى. وسيأتي مزيد الكلام في مسألة السعي في شرح حديث صفية بنت شيبة عن بنت أبي تجراة (رواه مسلم) . قال صاحب تنقيح الرواة: أخرجه أيضًا أحمد والبخاري ثلاثتهم في حديثين، فالحديث متفق عليه، أخرجه البيهقي كذلك.
2590- قوله (لما قدم مكة أتى الحجر) أي الأسود وهو في ركن الكعبة القريب بباب البيت من جانب الشرق وارتفاعه من الأرض ذراعان وثلثا ذراع (فاستلمه) أي لمسه وقبله (ثم مشى على يمينه) أي يمين نفسه مما يلي الباب،
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 93)
فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا. رواه مسلم.
2591 - (7) وعن الزبير بن عربي، قال: سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر. فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه
ــ
وقيل على يمين الحجر، والمعنى يدور حول الكعبة على يساره. وفيه دليل على أنه يستحب أن يكون ابتداء الطواف من الحجر الأسود بعد استلامه، وحكى في البحر عن الشافعي أن ابتداء الطواف من الحجر الأسود فرض. وفيه أيضًا دليل على مشروعية مشى الطائف بعد استلام الحجر على يمينه جاعلاً للبيت عن يساره، وقد ذهب إلى أن هذه الكيفية شرط لصحة الطواف الأكثر، قالوا: فلو عكس لم يجزه. قال الشوكاني: ولا يخفاك أن الحكم على بعض أفعاله صلى الله عليه وسلم في الحج بالوجوب لأنها بيان لمجمل واجب، وعلى بعضها بعدمه تحكم محض لفقد دليل يدل على الفرق بينهما (فرمل ثلاثًا) أي في ثلاث مرات من الأشواط (ومشى أربعًا) أي بالسكون والهينة. قال النووي: في هذا الحديث أن السنة للحاج أن يبدأ أول قدومه بطواف القدوم ويقدمه على كل شيء وأن يستلم الحجر الأسود في أول طوافه، وأن يرمل في ثلاث طوفات من السبع ويمشى في الأربع الأخيرة، (رواه مسلم) . وأخرجه أيضًا النسائي والترمذي والبيهقي.
2591- قوله (وعن الزبير بن عرَبيّ) بفتح الراء بعدها موحدة ثم ياء مشددة، النمري أبو سلمة البصري تابعي ثقة قال الحافظ في تهذيب التهذيب: روى عن ابن عمر، وعنه ابنه إسماعيل وحماد بن زيد وسعيد بن زيد ومعمر، قال الأثرم عن أحمد: أراه لا بأس به. وقال ابن معين: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. أخرج البخاري والترمذي والنسائي له حديثًا واحدًا في استلام الحجر، وذكره ابن حبان في الثقات – انتهى. تنبيه: قال الحافظ في الفتح: قال أبو علي الجياني: وقع عند الأصيلي عن أبي أحمد الجرجاني، الزبير بن عدي بدال مهملة بعدها ياء مشددة وهو وهم وصوابه ((عربي)) براء مهملة بعدها موحدة ثم ياء مشددة كذلك رواه سائر الرواة عن الفربري – انتهى. وكأن البخاري استشعر هذا التصحيف فأشار إلى التحذير منه فحكى الفربري أنه وجد في كتاب أبي جعفر يعني محمد بن أبي حاتم وراق البخاري قال: قال أبو عبد الله يعني البخاري: الزبير بن عربي هذا بصري والزبير بن عدي كوفي – انتهى. هكذا وقع عند أبي ذر عن شيوخه عن الفربري، وعند الترمذي من غير رواية الكروخي عقب هذا الحديث ((الزبير هذا هو ابن عربي، وأما الزبير بن عدي فهو كوفي)) ويؤيده أن في رواية أبي دواد الطيالسي الزبير بن العربي بزيادة الألف ولام، وذلك مما يرفع الإشكال (سأل رجل) قال الحافظ: هو الزبير الرواي كذلك وقع عند أبي داود الطيالسي عن حماد حدثنا الزبير سألت ابن عمر (عن استلام الحجر) أي هو سنة؟ (يستلمه) أي باللمس ووضع اليد عليه، قاله القاري. وقال في اللمعات: الاستلام يتناول اللمس والتقبيل بعده فذكر التقبيل بعد الاستلام في حكم ذكر الخاص بعد العام، أو يراد هنا اللمس بقرينه ذكر
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 94)
ويقبله. رواه البخاري.
2592 – (8) وعن ابن عمر، قال: لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين.
ــ
التقبيل بعده – انتهى. والمراد أن يستلمه بيمينه فإن عجز فبيساره أي يمسحه بها (ويقبله) قال الشوكاني: فيه دليل على أنه يستحب الجمع بين استلام الحجر وتقبيله، والاستلام المسح باليد والتقبيل لها، كما في حديث نافع، قال: رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده ثم قبل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. قال الحافظ: يستفاد منه استحباب الجمع بين الاستلام والتقبيل بخلاف الركن اليماني فيستلمه فقط. والاستلام المسح باليد. والتقبيل يكون بالفم فقط. وروى الشافعي من وجه آخر عن ابن عمر قال: استقبل النبي صلى الله عليه وسلم الحجر فاستلمه ثم وضع شفتيه عليه طويلاً يبكي – الحديث. واختص الحجر الأسود بذلك لاجتماع الفضيلتين له كما تقدم. وقال الطبري بعد ذكر رواية الشافعي: والعمل على هذا عند أهل العلم في كيفية التقبيل من غير تصويت كما يفعله كثير من الناس. وقال الحافظ: المستحب في التقبيل أن لا يرفع به صوته، وروى الفاكهي عن سعيد بن جبير قال: إذا قبلت الركن فلا ترفع بها صوتك كقبلة النساء – انتهى. قلت: أباح التقبيل بالصوت غير واحد من المالكية خلافًا للجمهور. (رواه البخاري) وأخرجه أيضًا النسائي وأبو داود الطيالسي والبيهقي وعزاه الحافظ في تهذيبه للترمذي أيضًا كما تقدم، وليس هو قي رواية الكروخي للترمذي.
2592- قوله (لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت) أي من أركانه أو من أجزائه (إلا الركنين اليمانيين) أي دون الركنين الشاميين، واليماني بتخفيف الياء على المشهور لأن الألف عوض عن ياء النسب فلو شددت لكان جمعًا بين العوض والمعوض، وجوز سيبويه التشديد وقال: إن الألف زائدة، كذا في الفتح، وقال الشيخ الدهلوي: الأشهر في اليمانيين تخفيف الياء وقد يشدد، والأصل في النسبة يمني، وقد جاء يمان بمعنى النسبة. والمراد بالركنين اليمانيين الركن الأسود والركن اليماني الذي يليه من نحو دور الجمحيين، وإنما قيل لهما اليمانيان للتغليب كما في الأبوين والقمرين والعمرين وأمثالها، والركنان الآخران أحدهما شامي وثانيهما عراقي، ويقال لهما الشاميان تغليبًا. وإنما اقتصر صلى الله عليه وسلم على استلام اليمانيين لما ثبت في الصحيحين من قول ابن عمر: أنهما على قواعد إبراهيم دون الشاميين ولهذا كان ابن الزبير بعد عمارته للكعبة على قواعد إبراهيم يستلم الأركان كلها كما روى ذلك عنه الأزرقي في كتاب مكة، فعلى هذا يكون للركن الأول من الأركان الأربعة فضيلتان: كون الحجر الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم. وللثاني الثانية فقط. وليس للآخرين أعنى الشاميين شيء منهما فلذلك يقبل الأول ويستلم الثاني فقط، ولا يقبل الآخران ولا يستلمان على رأي الجمهور، وروى ابن المنذر وغيره استلام الأركان جميعًا عن جابر وأنس والحسن والحسين من الصحابة وعن
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 95)
متفق عليه.
2593 - (9) وعن ابن عباس، قال: طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على بعير،
ــ
سويد بن غفلة من التابعين، وقد أخرج البخاري ومسلم ((أن عبيد بن جريج قال لابن عمر: رأيتك تصنع أربعًا لم أر أحدًا من أصحابك يصنعها)) فذكر منها ((ورأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين)) وفيه دليل على أن الذين رآهم عبيد ابن جريج من الصحابة والتابعين كانوا لا يقتصرون في الاستلام على الركنين اليمانيين. وقال بعض أهل العلم: اختصاص الركنين مبين بالسنة ومسند التعميم القياس، كذا في النيل والفتح. وقال القاضي أبو الطيب: أجمع أئمة الأمصار والفقهاء على أن الركنين الشاميين لا يستلمان، قال: وإنما كان فيه خلاف لبعض الصحابة والتابعين، وانقرض الخلاف وأجمعوا على أنهما لا يستلمان. وفي رواية لابن عمر عند مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني. قال النووي: يحتج به الجمهور في أنه يقتصر بالاستلام في الحجر الأسود عليه دون الركن الذي هو فيه خلافًا للقاضي أبي الطيب من الشافعية (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي، وللترمذي معناه من رواية ابن عباس.
2593 – قوله (طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على بعير) كان هذا في طواف الإفاضة يوم النحر أو في طواف الوداع، وأما طوافه ماشيًا فكان في طواف القدوم كما يفيده حديث جابر الطويل. قال الشيخ الدهلوي: إنما طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم راكبًا لكثرة ازدحام الناس وسؤالهم عنه صلى الله عليه وسلم الأحكام، وكانت ناقته محفوظة من الروث والبول فيه. وأما الطواف راكبًا لغيره صلى الله عليه وسلم فجائز أيضًا، والأفضل المشي انتهى. وقال الحافظ: حمل البخاري سبب طوافه صلى الله عليه وسلم راكباً على أنه كان عن شكوى (حيث أدخل حديث ابن عباس في باب المريض يطوف راكباً) وأشار بذلك إلى ما أخرجه أبو داود (وأحمد) من حديث ابن عباس أيضًا بلفظ ((قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته)) . ووقع في حديث جابر عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكبًا ليراه الناس وليسألوه، فيحتمل أن يكون فعل ذلك للأمرين وحيئذٍ لا دلالة فيه على جواز الطواف راكبًا لغير عذر، وكلام الفقهاء يقتضى الجواز إلا أن المشي أولى والركوب مكروه تنزيهًا، قال: والذي يترجح المنع، لأن طوافه صلى الله عليه وسلم وكذا أم سلمة كان قبل أن يحوط المسجد، فإذا حوط امتنع داخله، إذ لا يؤمن التلويث فلا يجوز بعد التحويط بخلاف ما قبله، فإنه كان لا يحرم التلويث كما في السعي، قال: وأما طواف النبي صلى الله عليه وسلم راكبًا فللحاجة إلى أخذ المناسك عنه، ولذلك عده بعض من جمع خصائصه فيها واحتمل أيضًا أن تكون راحلته عصمت من التلويث حينئذ كرامة له، فلا يقاس غيره عليه، وأبعد من استدل به على طهارة بول البعير وبعره – انتهى. وسيأتي الكلام في هذا في شرح حديث أم سلمة
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 96)
يستلم الركن
ــ
في الفصل الثالث. قال ابن قدامة في المغنى (ج 3: ص 397) : لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في صحة طواف الراكب إذا كان له عذر، فإن ابن عباس روى أنه صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن. وعن أم سلمة قالت: شكوت – الحديث، متفق عليهما، وقال جابر: طاف النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة ليراه الناس وليشرف عليهم ليسألوه، فإن الناس غشوه. والمحمول كالراكب فيما ذكرناه. قال: فأما الطواف راكبًا أو محمولاً لغير عذر فمفهوم كلام الخرقي أنه لا يجزئ وهو إحدى الروايات عن أحمد لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الطواف بالبيت صلاة. والثانية: يجزئه ويجبره بدم وهو قول مالك، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه قال: يعيد ما كان بمكة، فإن رجع جبره بدم، لأنه ترك صفة واجبة في ركن الحج. والثالثة: يجزئه ولا شيء عليه، اختارها أبو بكر، وهي مذهب الشافعي وابن المنذر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكبًا. قال ابن المنذر: لا قول لأحد مع فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن الله تعالى أمر بالطواف مطلقًا فكيفما أتى به أجزاه. ولا يجوز تقيد المطلق بغير دليل. ولا خلاف في أن الطواف راجلاً أفضل لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم طافوا مشيًا، والنبي صلى الله عليه وسلم في غير حجة الوداع طاف مشيًا، وفي قول أم سلمة: شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أني أشتكي؟ فقال ((طوفي من وراء الناس وأنت راكبة)) دليل على أن الطواف إنما يكون مشيًا، وإنما طاف النبي صلى الله عليه وسلم راكبًا لعذر، فإن ابن عباس روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد هذا محمد، حتى خرج العواتق من البيوت، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثروا عليه ركب. رواه مسلم. وكذلك في حديث جابر ((فإن الناس غشوه)) ورُوي عن ابن عباس ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف راكبًا لشكاة به)) وبهذا يعتذر من منع الطواف راكبًا عن طواف النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث الأول (يعني حديث ابن عباس الأول) أثبت. قال: فعلى هذا يكون كثرة الناس وشدة الزحام عذرًا، ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قصد تعليم مناسكهم فلم يتمكن منه إلا بالركوب، والله أعلم – انتهى. وقال النووي في شرح المهذب: قال أصحابنا: الأفضل أن يطوف ماشيًا ولا يركب إلا لعذر مرض أو نحوه أو ما كان ممن يحتاج الناس إلى ظهوره ليستفتى ويقتدى بفعله، فإن طاف بلا عذر جاز بلا كراهية لكنه خالف الأولى، كذا قاله جمهور أصحابنا، وكذا نقله الرافعي عن الأصحاب. وقال إمام الحرمين: في القلب من إدخال البهيمة التي لا يؤمن تلويثها المسجد شيء، فإن أمكن الاستيثاق فذلك، وإلا فإدخالها المسجد مكروه، هذا كلام الرافعي. وجزم جماعة من أصحابنا بكراهة الطواف راكبًا من غير عذر، والمرأة والرجل في الركوب سواء فيما ذكرناه. قال الماوردي: وحكم طواف المحمول على أكتاف الرجال كالراكب فيما ذكرناه. قال: وإذا كان معذورًا فطوافه محمولاً أولى منه راكبًا صيانة للمسجد من الدابة، قال: وركوب الإبل أيسر حالاً من ركوب البغال والحمير (يستلم الركن
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 97)
بمحجن. متفق عليه.
2594 – (10) وعنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت على بعير، كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده، وكبر. رواه البخاري.
2595 – (11) وعن أبي الطفيل، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
ــ
بمحجن) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الجيم بعدها نون هو عصا محنية الرأس، والحجن الاعوجاج، وبذلك سمي الحجون، والمعنى أنه يؤمئ بعصاه إلى الركن حتى يصيبه، قال ابن التين: هذا يدل على قربه من البيت لكن من طاف راكبًا يستحب له أن يبعد إن خاف أن يؤذي أحدًا، فيحمل فعله صلى الله عليه وسلم على الأمن من ذلك – انتهى. ويحتمل أن يكون في حال استلامه قريبًا حيث أمن ذلك وأن يكون في حال إشارته بعيدًا حيث خاف ذلك. وزاد مسلم من حديث أبي الطفيل كما سيأتي ((ويقبل المحجن)) . وله من حديث ابن عمر أنه استلم الحجر بيده ثم قبل يده ورفع ذلك، ولسعيد بن منصور من طريق عطاء قال: رأيت أبا سعيد وأبا هريرة وابن عمر وجابرًا إذا استلموا الحجر قبلوا أيديهم. قيل: وابن عباس؟ قال: وابن عباس. أحسبه قال: كثيرًا. وبهذا قال الجمهور أن السنة أن يستلم الركن ويقبل يده، فإن لم يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشيء في يده وقبل ذلك الشيء، فإن لم يستطع أشار إليه واكتفى بذلك، وعن مالك في رواية ((لا يقبل يده)) وكذا قال القاسم بن محمد بن أبي بكر، وفي رواية عند المالكية يضع يده على فمه من غير تقبيل، كذا في الفتح (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
2594 – قوله (طاف بالبيت على البعير) قال الطبري بعد ذكر الأحاديث التي تدل على إباحة الطواف على الرحلة: هذه الأحاديث تدل على جواز الركوب في الطواف، وخصه مالك بالضرورة استدلالاً بحديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة وهو يشتكي وطاف على راحلته)) وبقوله في حديث جابر ((ليراه الناس وليشرف عليهم)) واختاره الشافعي مطلقًا مع كراهية، وعند مالك وأبي حنيفة إن قرب أعاد وإن بعد فعليه دم. (كلما أتى على الركن) أي الحجر الأسود (أشار إليه بشيء) المراد بالشيء المحجن الذي تقدم في الرواية الماضية. قال القاري: وفيه إشارة إلى أن الركن اليماني لا يشار إليه عند العجز عن الاستلام كما هو الصحيح من مذهبنا (في يده) كذا في المشكاة، وهكذا نقله الطبري في القرى والمجد في المنتقى، وفي البخاري ((عنده)) بدل ((في يده)) (وكبر) أي قال: الله أكبر، وفيه استحباب التكبير عند الركن الأسود في كل طوفة. (رواه البخاري) وأخرجه أيضًا أحمد (ج 1: ص 264) والترمذي والدارمي وغيرهم.
2595 – قوله (وعن أبي الطفيل) هو عامر بن وثلة بن عبد الله بن عمرو بن جحش الكناني الليثي أبو الطفيل،
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 98)
يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبل المحجن. رواه مسلم.
2596 – (12) وعن عائشة، قالت: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم لا نذكر إلا الحج، فلما كنا بسرف
ــ
ويقال اسمه عمرو، والأول أصح وهو بكنيته أشهر، وقال المصنف: غلبت عليه كنيته. ولد عام أحد، أدرك من حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثمان سنين، وكان يسكن الكوفة ثم انتقل إلى مكة، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر وعمر وعليّ وغيرهم من الصحابة والتابعين، وكان من أصحاب على المحبين له وشهد مع مشاهده كلها، وكان ثقة مأمونًا يعترف بفضل أبي بكر وعمر وغيرهما إلا أنه كان يقدم عليًا، وقال ابن سعد: كان أبو الطفيل ثقة في الحديث متشيعًا، وعُمّر إلى أن مات سنة عشر ومائة على الصحيح. وهو آخر من مات من الصحابة، قاله مسلم وغيره (يطوف بالبيت) أي راكبًا (ويقبل المحجن) أي بدل الحجر للماشي، قال الأمير اليماني في السبل: الحديث دال على أنه يجزئ عن استلامه باليد استلامه بآلة ويقبل الآلة كالمحجن والعصا، وكذلك إذا استمله بيده قبَّل يده، فقد روى الشافعي أنه قال ابن جريج لعطاء: هل رأيت أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استلموا قبَّلوا أيديهم؟ قال: نعم؛ رأيت جابر بن عبد الله وابن عمر وأبا سعيد وأبا هريرة إذا استلموا قبَّلوا أيديهم، فإن لم يمكن استلامه لأجل الزحمة قام حياله ورفع يديه وكبر لما رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا عمر إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعفاء، إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله وهلل وكبر، رواه أحمد والأرزقي. وإذا أشار بيده فلا يقبَّلها لأنه لا يقبل إلا الحجر أو ما مس الحجر – انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضًا أحمد (ج 5: ص 454) وأبو داود وابن ماجة.
2596 – قوله (لا نذكر) قال القاري: أي في تلبيتنا أو في محاورتنا، وقال بعضهم: أي لا نقصد (إلا الحج) فإنه الأصل المطلوب، وأما العمرة فإنها أمر مندوب، فلا يلزم من عدم ذكرها في اللفظ عدم وجودها في النية. وقال أيضًا: هذا الحديث بظاهره ينافي قولها السابق ((ولم أهلل إلا بعمرة)) إلا أن يقال: قولها: ((لا نذكر إلا الحج)) أي ما كان قصدنا الأصلي من هذا السفر إلا الحج بأحد أنواعه من القران والتمتع والإفراد، فمنا من أفرد ومنا من قرن ومنا من تمتع وإني قصدت التمتع فاعتمرت، ثم لما حصل لي عذر الحيض واستمر إلى يوم عرفة ووقت وقوف الحج أمرني أن أرفضها وأفعل جميع أفعال الحج إلا الطواف، وكذلك السعي إذ لا يصح إلا بعد الطواف – انتهى. وقال السندي: أرادت (عائشة رضي الله عنها بهذا المقصود الأصلي من الخروج ما كان إلا الحج، وما وقع الخروج إلا لأجله، ومن اعتمر فعمرته كانت تابعة للحج فلا يخالف ما سبق أنها كانت معتمرة وكان في الصحابة رجال معتمرون، ويحتمل أنها حكاية عن غالب من كان معه صلى الله عليه وسلم من الصحابة في ذلك السفر – انتهى. وتقدم شيء من الكلام في هذا في شرح حديث عائشة في باب الإحرام والتلبية (بسرف) بفتح المهملة وكسر الراء بعدها فاء موضع قريب من مكة بينهما نحو عشرة أميال، وهو ممنوع من الصرف
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 99)
طمثت، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقال: " لعلك نفست؟ " قلت: نعم. قال: " فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري ".
ــ
وقد يصرف، قاله الحافظ. وقال النووي: هو ما بين مكة والمدينة بقرب مكة على أميال منها، قيل ستة، وقيل سبعة، وقيل تسعة، وقيل عشرة، وقيل اثني عشر ميلاً - انتهى. وفيه قبر ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اتفق التزوج والبناء بها وموتها في هذا الموضع (طمثت) قال النووي: هو بفتح الطاء وكسر الميم أي حضت، يقال حاضت المرأة وتحيضت وطمثت وعرَكت - بفتح الراء - ونفست وضحكت وأعصرت وأكبرت، كله بمعنى واحد، والاسم منه الحيض والطمث والعراك والضحك والإكبار والإعصار، وهي حائض وحائضة في لغة غربية حكاها الفراء، وطامث وعارك ومكبر ومعصر - انتهى. (وأنا أبكي) أي ظنًا مني أن الحيض يمنع الحج (لعلك نفِست) بفتح النون وضمها لغتان مشهورتان، الفتح أفصح، والفاء مكسورة فيهما، أي حضت، وأما النفاس الذي هو الولادة فيقال فيه نفست - بالضم - لا غير، ذكره النووي (فإن ذلك) بكسر الكاف أي نفاسك بمعنى حيضك (كتبه الله) أي قدره الله (على بنات آدم) قال القاري: فيه تسلية لها، إذ البلية إذا عمت طابت - انتهى. وقال النووي: هذا تسلية لها وتخفيف لهمها، ومعناه أنك لست مختصة به، بل كل بنات آدم يكون منهن هذا كما يكون منهن ومن الرجال البول والغائط. واستدل البخاري في صحيحه في كتاب الحيض بعموم هذا اللفظ على أن الحيض كان في جميع بنات آدم، وأنكر به على من قال إن الحيض أول ما أرسل ووقع في بني إسرائيل. قال الحافظ: وكأنه يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن مسعود بإسناد صحيح قال: كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا فكانت المرأة تتشوف للرجل، فألقى الله عليهن الحيض ومنعهن المساجد، وعنده عن عائشة نحوه، قال الداودي: ليس بينهما مخالفة، فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم فعلى هذا فقوله ((بنات آدم)) عام أريد به الخصوص. قلت (قائله الحافظ) : ويمكن أن يجمع بينهما مع القول بالتعميم بأن الذي أرسل على نساء بني إسرائيل طول مكثه بهن عقوبة لهن لا ابتداء وجوده، وقد روى الطبري وغيره عن ابن عباس وغيره أن قوله تعالى في قصة إبراهيم} وامرأته قائمة فضحكت} (11: 71) أي حاضت، والقصة متقدمة على بني إسرائيل بلا ريب؛ وروى الحاكم وابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس: أن ابتداء الحيض كان على حواء بعد أن أهبطت من الجنة، وإذا كان كذلك فبنات آدم بناتها - انتهى (غير أن لا تطوفي بالبيت) قال الطيبي: استثناء من المفعول به ولا زائدة (حتى تطهري) أي بانقطاع الدم والاغتسال، وهو بفتح التاء والطاء المهملة وتشديد الهاء أيضًا، وهو على حذف إحدى التائين وأصله تتطهري والمراد بالطهارة الغسل كما وقع في رواية لمسلم حتى تغتسلي، وفي الحديث دليل على أن الحائض والنفساء والمحدث والجنب يصح منهم جميع أفعال الحج وأقواله وهيئاته إلا الطواف وركعتيه، فيصح الوقوف بعرفات وغيره،
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 100)
متفق عليه.
2597 – (13) وعن أبي هريرة، قال: بعثني أبو بكر في الحجة التي أمره النبي صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع، يوم النحر في رهط، أمره أن يؤذن في الناس: " ألا
ــ
وكذلك الأفعال المشروعة في الحج تشرع للحائض وغيرها. وفيه دليل على أن الطواف لا يصح من الحائض. وهذا مجمع عليه. وأما السعي فكالطواف إذ لا يصح إلا بعد الطواف. قال الشوكاني: الحديث ظاهر في نهي الحائض عن الطواف حتى ينقطع دمها وتغتسل والنهي يقتضي الفساد المرادف للبطلان فيكون طواف الحائض باطلاً، وهو قول الجمهور – انتهى. وقد تقدم الكلام في اشتراط الطهارة للطواف في شرح حديث عروة عن عائشة ثالث أحاديث هذا الباب. (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي وابن ماجة والبيهقي.
2597 – قوله (بعثني) أي أرسلني (أبو بكر) الصديق، قال الطحاوي في مشكل الآثار: هذا مشكل لأن الأخبار في هذه القصة تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بعث أبا بكر بذلك، ثم أتبعه عليًا فأمره أن يؤذن فكيف يبعث أبو بكر أبا هريرة ومن معه بالتأذين مع صرف الأمر عنه في ذلك إلى عليّ؟ ثم أجاب بما حاصله أن أبا بكر كان الأمير على الناس في تلك الحجة بلا خلاف، وكان عليّ هو المأمور بالتأذين بذلك، وكأن عليًا لم يطق التأذين بذلك وحده، واحتاج إلى من يعينه على ذلك، فأرسل معه أبو بكر أبا هريرة وغيره ليساعدوه على ذلك، ثم ساق من طريق المحرز بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع علي حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم ببراءة إلى أهل مكة فكنت أنادي معه بذلك حتى يصحل صوتي وكان هو ينادي قبلي حتى يعيي. وأخرجه أحمد أيضًا وغيره من طريق محرز بن أبي هريرة، فالحاصل أن مباشرة أبي هريرة لذلك كانت بأمر أبي بكر وكان ينادي بما يلقيه إليه عليّ مما أمر بتبليغه، كذا في الفتح (في الحجة التي أمره النبي صلى الله عليه وسلم) بتشديد الميم أي جعله أميرًا على قافلة الحج في الستة التاسعة من الهجرة (عليها) متعلق بأمره أي على الحجة (قبل حجة الوداع) أي بسنة. قال ابن القيم: يستنبط منه أنها كانت سنة تسع لأن حجة الوداع كانت سنة عشر اتفاقًا، وذكر ابن إسحاق أن خروج أبي بكر كان في ذي القعدة. وذكر الواقدي أنه خرج في تلك الحجة مع أبي بكر ثلاث مائة من الصحابة، وبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين بدنة. قال الحافظ: وقد وقفت ممن سمي ممن كان مع أبي بكر في تلك الحجة على أسماء جماعة منهم سعد بن أبي وقاص وجابر بن عبد الله فيما أخرجه الطبري (يوم النحر) ظرف بعث (في رهط) أي في جملة رهط أو مع رهط، والرهط – بسكون الهاء ويحرك – عدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة أو ما دون العشرة وما فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه (أمره) بالتخفيف (أن يؤذن) بالتشديد، والمراد بالتأذين الإعلام، وهو اقتباس من قوله تعالى: {وأذان من الله ورسوله} (9: 3) أي إعلام. قال الطيبي: والضمير راجع إلى الرهط، والإفراد باعتبار اللفظ، ويجوز أن يكون لأبي هريرة على الالتفات. قال القاري: أو على التجريد أو التقدير ((أمر أحد الرهط أن ينادي)) (ألا)
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 101)
لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان ". متفق عليه.
(الفصل الثاني) .
2598 - (14) عن المهاجر المكي،
ــ
للتنبيه (لا يحجُ) بضم الجيم، نهى أو نفى معناه نهى، ويفتح، ويكسر على أنه نهى ويؤيده رواية ((لا يحججن)) قاله القاري. وفي رواية ((أن لا يحج)) قال الحافظ:كذا للأكثر، وللكشميهني ((ألا لا يحج)) بأداة الاستفتاح قبل حرف النهي، وللبخاري في التفسير ((أن لا يحجن)) وهو يعين ذلك للنهي (بعد العام) أي بعد هذه السنة. وقال الحافظ: أي بعد الزمان الذي وقع فيه الإعلام بذلك (مشرك) أي كافر. قال الحافظ: هو منتزع من قوله تعالى: {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} (9: 28) والآية صريحة في منعهم دخول المسجد الحرام ولو لم يقصدوا الحج ولكن لما كان الحج هو المقصود الأعظم صرح لهم بالمنع منه فيكون ما وراءه أولى بالمنع، والمراد بالمسجد الحرام هنا الحرم كله. قال النووي: فلا يمكن مشرك من دخول الحرم بحال حتى لو جاء في رسالة أو أمر مهم لا يمكن من الدخول بل يخرج إليه من يقضي الأمر المتعلق به، ولو دخل خفية ومرض ومات نبش وأخرج من الحرم - انتهى. وقال العيني: وكذلك لا يمكن أهل الذمة من الإقامة بعد ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب. قاله في مرض موته صلى الله عليه وسلم (ولا يطوفن بالبيت عريان) أي مطلقًا في جميع الأيام غير مقيد بعام دون عام لقوله تعالى {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} (7: 31) وصح عن ابن عباس أنه نزل ردًا لما كانوا يفعلونه من الطواف بالبيت مع العري، يعني زعمًا منهم أنهم لا يعبدون ربهم في ثياب أذنبوا فيها. قال الحافظ: ذكر ابن إسحاق في سبب هذا الحديث أن قريشًا ابتدعت قبل الفيل أو بعده أن لا يطوف بالبيت أحد ممن يقدم عليهم من غيرهم أول ما يطوف إلا في ثياب أحدهم، فإن لم يجد طاف عرياناً، فإن خالف وطاف بثيابه ألقاها إذا فرغ ثم لم ينتفع بها، فجاء الإسلام فهدم ذلك كله. وفي الحديث حجة لاشتراط ستر العورة في الطواف كما يشترط في الصلاة والمخالف في ذلك الحنفية، قالوا: ستر العورة في الطواف ليس بشرط فمن طاف عرياناً أعاد ما دام بمكة، فإن خرج لزمه دم، قلت: قد اختلف هل ستر العورة في الطواف ليس بشرط فمن طاف عرياناً أعاد ما دام بمكة، فإن خرج لزمه دم. قلت: قد اختلف هل ستر العورة شرط لصحة الطواف أو لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه شرط، وذهبت الحنفية إلى أنه ليس بشرط، فمن طاف عرياناً أعاد ما دام بمكة، فإن خرج لزمه دم، فهم ينكرون الاشتراط دون الوجوب، قالوا: وهو مدلول الحديث. (متفق عليه) أخرجه البخاري في أوائل الصلاة، وفي الحج، وفي تفسير سورة براءة، ومسلم في الحج، وأخرجه أيضًا النسائي والبيهقي.
2598 - قوله (عن المهاجر المكي) هو مهاجر بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث القرشي المخزومي. قال
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 102)
قال: سئل جابر عن الرجل يرى البيت يرفع يديه؟ فقال: قد حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم نكن نفعله.
ــ
الحافظ في تهذيب التهذيب: روى عن جابر وابن عمه عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث والزهري وهو من أقرانه، وعنه أبو قزعة سويد بن حجير الباهلي ويحيى بن أبي كثير، ذكره ابن حبان في الثقات. قلت: قال أبو حاتم في العلل: لا أعلم أحداً روى عن المهاجر بن عكرمة غير يحيى بن أبي كثير، والمهاجر ليس بالمشهور – انتهى. وقال في التقريب: إنه مقبول. قلت: ذكره البخاري في تاريخه (ج 4: ص 380) وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (ج 4/1/220) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلاً (عن الرجل يرى البيت) أي الرجل الذي يرى البيت (يرفع يديه) أي هو مشروع أم لا؟ وهذا لفظ أبي داود، وفي رواية الترمذي ((أيرفع الرجل يديه إذا رأى البيت؟)) (فلم نكن نفعله) أي رفع اليدين عند رؤيته في الدعاء، وهذا لفظ النسائي. وعند أبي داود ((فلم يكن يفعله)) وللترمذي ((أفكنا نفعله)) والهمزة للإنكار، والحديث يدل على عدم رفع اليد في الدعاء عند رؤية البيت، وقد ورد ما يدل على استحباب ذلك فروى الشافعي عن ابن جريج أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال: اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًا. وهذا مرسل معضل فيما بين ابن جريج والنبي صلى الله عليه وسلم، وفي إسناده سعيد بن سالم القداح وفيه مقال. وروى البيهقي عن مكحول، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل مكة فرأى البيت رفع يديه وكبر وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا، إلخ. وهذا مرسل. وروى البيهقي أيضًا من طريق الشافعي عن سعيد بن سالم عن ابن جريج قال: حدثت عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ترفع الأيدي في الصلاة، وإذا رأى البيت، وعلى الصفا والمروة " – الحديث قال البيهقي: هو منقطع، لم يسمعه ابن جريج من مقسم، ورواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس، وعن نافع عن ابن عمر مرة موقوفًا عليهما ومرة مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وابن أبي ليلى هذا غير قوي في الحديث وقد اختلف العلماء في ذلك كما اختلفت الروايات. فذهب أبو حنيفة ومالك إلى عدم الرفع. قال في اللباب وشرحه للقاري: ولا يرفع يديه عند رؤية البيت ولو حال دعائه لعدم ذكره في المشاهير من كتب الأصحاب كالقدوري والهداية والكافي والبدائع، بل قال السروجي: المذهب تركه. وكلام الطحاوي في شرح معاني الآثار صريح أنه يكره الرفع عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وقيل: يرفع. ونقل عن جابر رضي الله عنه أن ذلك من فعل اليهود، وسماه البصروي مستحبًا إلخ. وقال في غنية الناسك: استحب المحققون من أهل المذهب للقادم رفع اليدين عند رؤية البيت للدعاء، منهم الكرماني والبصروي وابن الهمام وعلى القاري وهو مذهب الشافعي وأحمد – انتهى. واحتج لمن ذهب إلى كراهة الرفع وعدم مشروعيته بحديث جابر، وهو حديث حسن وقال سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق: يرفع
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 103)
.............................................................................................
ــ
يديه. قال ابن المنذر: وبه أقول. قال النووي: وهو مذهبنا. وقال الشافعي بعد أن أورد حديث ابن جريج: ليس في رفع اليدين عند رؤية البيت شيء فلا أكرهه ولا أستحبه. قال البيهقي: وكأنه لم يعتمد على الحديث لانقطاعه. قال ابن قدامة (ج 3: ص 369) : ويستحب رفع اليدين عند رؤية البيت، رُوي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وبه قال الثوري وابن المبارك والشافعي وإسحاق بن راهويه، وكان مالك لا يرى رفع اليدين لما رُوي عن المهاجر المكي، قال سئل جابر بن عبد الله فذكر حديث الباب ثم قال: ولنا ما روى أبو بكر بن المنذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: افتتاح الصلاة واستقبال البيت – الحديث. قال ابن قدامة: وهذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم وذاك من قول جابر، وخبره عن ظنه وفعله، وقد خالفه ابن عمر وابن عباس، ولأن الدعاء مستحب عند رؤية البيت، وقد أمر برفع اليدين عند الدعاء – انتهى. وقال النووي في شرح المهذب: قال أصحابنا رواية المثبت للرفع أولى، لأن معه زيادة علم، وقال البيهقي رواية غير جابر في إثبات الرفع مع إرسالها أشهر عند أهل العلم من حديث مهاجر وله شواهد، وإن كانت مرسلة. والقول في مثل هذا قول من رأى وأثبت. وقال الخطابي في المعالم: قد اختلف الناس في هذا فكان ممن يرفع يديه إذا رأى البيت سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وضعف هؤلاء حديث جابر لأن مهاجراً راويه عندهم مجهول، وذهبوا على حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ترفع الأيدي في سبعة مواطن، إلخ – ورُوي عن ابن عمر أنه كان يرفع اليدين عند رؤية البيت، وعن ابن عباس مثل ذلك – انتهى. قلت: قد تقدم أن مهاجرًا المكي وثقه ابن حبان، وقال الحافظ: إنه مقبول. فحديث جابر على الأقل حسن. وأما حديث ابن عباس في رفع الأيدي في سبعة مواطن ففي سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو سيء الحفظ. قال الشوكاني: ليس في الباب ما يدل على مشروعية رفع اليدين عند رؤية البيت وهو حكم شرعي لا يثبت إلا بالدليل، وأما الدعاء عند رؤية البيت فقد رويت فيه أخبار وآثار، منها ما أخرجه ابن المغلس أن عمر كان إذا نظر إلى البيت قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام. ورواه سعيد بن منصور في السنن عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد ولم يذكر عمر، ورواه الحاكم عن عمر أيضًا. وكذلك رواه البيهقي عنه – انتهى. تنبيه: قال الطبري: وأول موضع يقع فيه بصره على البيت رأس الردم لمن يأتي من أعلى مكة، وقد كان ذلك فأما اليوم فقد سد بالأبنية. وقال ابن جاسر: والدعاء المذكور يقوله إذا عاين البيت لا عند وصوله للمحل الذي كان يرى منه البيت قبل ارتفاع الأبنية وهو المسمى أولاً برأس الردم والآن يسمى بالمدعى. قال شيخ الإسلام: ولم يكن قديمًا بمكة بناء يعلو على البيت ولا كان فوق الصفا والمروة والمشعر الحرام بناء ولا كان بمنى بناء ولا بعرفات مسجد ولا عند الجمرات مسجد، بل كل هذه محدثة بعد الخلفاء الراشدين، ومنها ما أحدث بعد الدولة الأموية، فكان البيت يرى قبل دخول المسجد، فمن رأى البيت قبل دخول المسجد فعل ذلك أي الرفع
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 104)
رواه الترمذي، وأبو داود.
2599 – (15) وعن أبي هريرة، قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل مكة، فأقبل إلى الحجر فاستلمه، ثم طاف بالبيت، ثم أتى الصفا فعلاه حتى ينظر إلى البيت، فرفع يديه فجعل يذكر الله ما شاء ويدعو. رواه أبو داود.
2600 – (16) وعن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الطواف حول البيت
ــ
والدعاء، وقد استحب ذلك من استحبه عند رؤية البيت، ولو كان بعد دخول المسجد - انتهى. (رواه الترمذي وأبو داود) وأخرجه البيهقي (ج 5: ص 73) وهو حديث حسن كما عرفت.
2599 – قوله (أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي توجه من المدينة (فدخل مكة) قال القاري: أي للحج أو للعمرة، والظاهر أن المراد يوم فتح مكة كما يدل عليه حديث أبي هريرة الطويل عند مسلم في باب فتح مكة (فأقبل إلى الحجر) أي توجه إلى الحجر الأسود، أو إلى بمعنى على (فاستلمه) أي باللمس والتقبيل (ثم طاف بالبيت)
أي سبعة أشواط (ثم أتى الصفا) أي بعد ركعتي الطواف (فعلاه) أي صعده (حتى ينظر إلى البيت) وفي أبي داود ((حيث ينظر إلى البيت)) وفي حديث جابر الطويل المتقدم ((فرقى عليه حتى رأى البيت، وأنه فعل في المروة مثل ذلك)) قال القاري: وهذا كان في الصفا باعتبار ذلك الزمن، وأما الآن فالبيت يُرى من باب الصفا قبل رقيه لما حدث من ارتفاع الأرض ثمه حتى اندفن كثير من درج الصفا. وقيل بوجوب الرقي مطلقاً. وأما الرقي الآن في المروة فلا يمكن كما أن رؤية البيت منها لا تمكن لكن بصدر العقد المشرف عليها دكة فيستحب رقيها عملاً بالوارد ما أمكن (فرفع يديه) أي للدعاء على الصفا لا لرؤية البيت لما سبق، وأما ما يفعله العوام من رفع اليدين مع التكبير على هيأة رفعهما في الصلاة فلا أصل له (فجعل يذكر الله ما شاء) أي من التكبير والتهليل والتحميد والتوحيد (ويدعو) أي بما شاء. قال القاري: وفيه إشارة إلى المختار عند محمد أن لا تعين في دعوات المناسك لأنه يورث خشوع الناسك. وقال ابن الهمام: لأن توقيتها يذهب بالرقة لأنه يصير كمن يكرر محفوظة وإن تبرك بالمأثور فحسن – انتهى. وقوله ((يذكر الله ما شاء ويدعو)) كذا في جميع النسخ، وفي أبي داود ((يذكر الله ما شاء أن يذكره ويدعوه)) . وفي الحديث الابتداء بالطواف في أول دخول مكة سواء كان محرمًا بحج أو بعمرة أو غير محرم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم دخلها في هذا اليوم، وهو يوم الفتح غير محرم بإجماع المسلمين وكان على رأسه المغفر. والأحاديث متظاهرة على ذلك، والإجماع منعقد عليه، قاله النووي. وفيه أيضًا رفع اليدين للدعاء على الصفا عند رؤية البيت (رواه أبو داود) قال المنذري: وأخرجه مسلم بنحوه في الحديث الطويل في الفتح يعني فتح مكة.
2600- قوله (الطواف حول البيت) أي الدوران حول الكعبة. وقوله ((حول البيت)) احتراز من الطواف
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 105)
مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير ".
ــ
بين الصفا والمروة (مثل الصلاة) بالرفع على الخبرية، وجوز النصب أي نحوهما، وفي رواية ((الطواف بالبيت صلاة)) أي مثلها في عدة من الأحكام كستر العروة والطهارة، وقيل أي مثلها في الثواب أو في التعليق بالبيت (إلا أنكم تتكلمون فيه) أي يجوز لكم الكلام في الطواف بخلاف الصلاة. وقال القاري: أي تعتادون الكلام فيه قال الطيبي: يجوز أن يكون الاستثناء متصلاً أي الطواف كالصلاة في الشرائط التي هي الطهارة وغيرها إلا في التكلم، ويجوز كونه منقطعًا أي الطواف مثل الصلاة لكن رخص لكم في التكلم فيه. وقال القاري: الاستثناء إما متصل أي مثلها في كل معتبر فيها وجودًا وعدمًا إلا التكلم يعني وما في معناه من المنافيات من الأكل والشرب وسائر الأفعال الكثيرة، وإما منقطع أي لكن رخص لكم في الكلام. وفي العدول عن قوله ((إلا الكلام)) نكتة لطيفة لا تخفى، ويعلم من فعله عليه الصلاة والسلام عدم شرطية الاستقبال، وليس لأصل الطواف وقت مشروط وبقى بقية شروط الصلاة من الطهارة الحكمية والحقيقية وستر العورة، فهي معتبرة عند الشافعي كالصلاة وواجبات عندنا. لأنه لا يلزم من مثل الشيء أن يكون مشاركًا له في كل شيء على الحقيقة مع أن الحديث من الآحاد، وهو ظني لا يثبت به الفرضية – انتهى. وقال المناوي: استدل به الخطابي على اشتراط الطهارة له. وقول ابن سيد الناس: المشبه لا يعطي قوة المشبه به من كل وجه وقد نبه على الفرق بينهما بحل الكلام فيه، رده المحقق أبو زرعة، لأن التحقيق أنه صلاة حقيقة إذ الأصل في الإطلاق الحقيقة وهي حقيقة شرعية، ويكون لفظ الصلاة مشتركًا اشتراكًا لفظيًا بين المعهودة والطواف، ولا يرد إباحة الكلام فيه، لأن كل ما يشرط في الصلاة يشترط فيه إلا ما يستثنى، والمشي مستثنى، إذ لا يصدق اسم الطواف شرعًا إلا به. وقال المحب الطبري: في قوله صلى الله عليه وسلم: " الطواف بالبيت صلاة ". دليل على أن الطواف يشترط فيه الطهارة والستارة، وأن حكمه حكم الصلاة إلا فيما وردت فيه الرخصة من الكلام بشرط أن يكون بخير، ووجهه أنه جعله صلاة أو مثل الصلاة، ومقتضى ذلك إبطاله بالكلام مطلقًا، فلما رخص في كلام خاص وجب أن يقتصر عليه، فلا يلحق به ما عداه تقليلاً لمخالفة الدليل وما ورد في إباحة الكلام مطلقًا، فيحمل على هذا المقيد (فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير) أي من ذكر الله وإفادة علم واستفادته على وجه لا يشوش على الطائفين. وقال الطبري: من الخير المشار إليه في الحديث أن يسلم الرجل على أخيه ويسأله عن حاله وأهله ويأمر الرجل الرجل بالمعروف وينهاه عن المنكر وأشباه ذلك من تعليم جاهل أو إجابة مسألة، وهو مع ذلك كله مقبل على الله تعالى في طوافه، خاشع بقلبه، ذاكر بلسانه، متواضع في مسألته، يطلب فضل مولاه ويعتذر إليه، فمن كان بهذا الوصف رجوت أن يكون ممن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تبارك وتعالى يباهي بالطائفين. وقال أيضًا: واعلم أن التحدث في الطواف على غير النحو المتقدم خطأ كبير وغفلة عظمية، ومن لابس ذلك فقد لابس ما يمقت عليه، خصوصًا إن صدر ممن ينسب
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 106)
رواه الترمذي، والنسائي، والدارمي، وذكر الترمذي جماعة وقفوه على ابن عباس.
ــ
إلى العلم والدين فإنه إذا أنكر على من دونه احتج به فصار فتنة لكل مفتون، ومن آثر محادثة المخلوق في أمر الدنيا والإقبال عليه والإصغاء لحديثه على ذكر خالقه والإقبال عليه وعلى ما هو متلبس به من عبادته فهو غبين الرأي، لأن طوافه بجسده وقلبه لاه ساه قد غلب عليه الخوض فيما لا يعنيه حتى استرسل في عبادته كذلك، فهو إلى الخسران أقرب منه إلى الربح، ومثل هذا خليق بأن يشكوه البيت إلى الله عز وجل وإلى جبريل، ولعل الملائكة تتأذى به، وكثير من الطائفين يتبرمون منه، فعلى الطائف أن يبذل جهده في مجانبة ذلك – انتهى. والحديث رواه أحمد من طريق حسن بن مسلم عن طاوس عن رجل أدرك النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنما الطواف صلاة، فإذا طفتم فأقلوا الكلام ". ورواه النسائي من هذا الطريق موقوفًا، ثم رواه من طريق حنظلة بن أبي سفيان عن طاوس، قال: قال عبد الله بن عمر: أقلوا الكلام في الطواف فإنما أنتم في الصلاة. وقوله ((فأقلوا الكلام)) أي فلا تكثروا فيه الكلام، وإن كان جائزًا، لأن مماثلته للصلاة تقتضي أن لا يتكلم فيه أصلاً كما لا يتكلم فيه الصلاة، فحين أباح الله تعالى فيه الكلام رحمة منه تعالى على العبد فعليه أن يشكر الله عز وجل ولا يكثر فيه الكلام ولا يتكلم إلا بخير أو لضرورة (رواه الترمذي والنسائي والدارمي) واللفظ للترمذي، وأخرجه أيضًا الحاكم (ج 1: ص 459) والدارقطني وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي وغيرهم، وفي قول المصنف ((والنسائي)) نظر، فإن الحديث عنده من طريق طاوس موقوف ولم يسم الصحابي كما تقدم (وذكر الترمذي جماعة وقفوه على ابن عباس) قلت: قال الترمذي بعد رواية الحديث من طريق جرير عن عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس مرفوعًا ما لفظه ((وقد رُوي عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن السائب)) – انتهى. قال الحافظ في التلخيص: الحديث رواه الترمذي والحاكم والدارقطني من حديث ابن عباس، وصححه ابن السكن وابن خزيمة وابن حبان. وقال الترمذي: رُوي مرفوعًا وموقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء ومداره على عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس. واختلف في رفعه ووقفه ورجح الموقوف النسائي والبيهقي وابن الصلاح والمنذري والنووي، وزاد أن رواية الرفع ضعيفة، وفي إطلاق ذلك نظر، فإن عطاء بن السائب صدوق، وإذا رُوي عنه الحديث مرفوعًا تارة وموقوفًا أخرى فالحكم عند هؤلاء الجماعة للرفع، والنووي ممن يعتمد ذلك ويكثر منه، ولا يلتفت إلى تعليل الحديث به إذا كان الرافع ثقة فيجيء على طريقته أن المرفوع صحيح، فإن اعتل عليه بأن عطاء بن السائب اختلط ولا تقبل إلا رواية من رواه عنه قبل اختلاطه، أجيب بأن الحاكم أخرجه من رواية سفيان الثوري عنه، والثوري ممن سمع قبل اختلاطه باتفاق، وإن كان الثوري قد اختلف عليه في وقفه ورفعه. فعلى طريقتهم تقدم رواية الرفع أيضًا، والحق أنه.
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 107)