2627 – (12) وعن عباس بن مرداس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة فأجيب: " أني قد غفرت لهم ما خلا المظالم، فإني آخذ للمظلوم منه ". قال: " أي رب! إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة وغفرت للظالم ". فلم يجب عشيته، فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء، فأجيب إلى ما سأل. قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قال: تبسم. فقال له أبو بكر وعمر: بأبي أنت وأمي إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها
ــ
الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة. قال البوصيري في الزوائد: الحديث موقوف ولكن حكمه الرفع لأنه في شأن نزوله.
2627- قوله (وعن عباس بن مرداس) بكسر الميم هو العباس بن مراداس بن أبي عامر أبو الهيثم ويقال أبو الفضل السلمي الشاعر الصحابي المشهور، أسلم قبل فتح مكة بيسير، وقيل: أسلم بعد يوم الأحزاب، وعداده في المؤلفة قلوبهم وحسن إسلامه، وشهد فتح مكة وحنينًا، وكان ممن حرم الخمر في الجاهلية ونزل ناحية البصرة. قال الحافظ في تهذيب التهذيب: روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعنه ابنه كنانة وعبد الرحمن بن أنس السلمي، روى له أبو داود وابن ماجه حديثًا واحدًا في يوم عرفة – انتهى (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لأمته) قال القاري: الظاهر لأمته الحاجين معه مطلقًا. لا مطلق الأمة فتأمل. وقال السندي: قوله " لأمته " أي لمن معه في حجه ذلك أو لمن حج من أمته إلى يوم القيامة أو لأمته مطلقًا من حج أو لم يحج (عشية عرفة) أي وقت الوقفة (بالمغفرة) أي التامة (فأجيب أني) أي بأني. قال السندي: بفتح الهمزة أي أجابه الله بأني قد غفرت أو بكسرها أي أجابه قائلاً: إني قد غفرت (ما خلا المظالم) أي ما عدا حقوق الناس جمع مظلمة بكسر اللام وفتحها وهي ما تطلبه من عند الظالم مما أخذه منك بغير حق، وهي في الأصل مصدر بمعنى الظلم، وقيل جمع مظلم بكسر اللام والمظالم أعم من أن تكون مالية وعرضية (فإني آخذ) بصيغة المتكلم أو الفاعل (للمظلوم منه) أي من الظالم إما بالعذاب وإما بأخذ الثواب إظهارًا للعدل (أعطيت) أي من عندك (المظلوم من الجنة) أي ما يرضيه منها أو بعض مراتبها العلية. وقال السندي: ظاهره أنه سأل مغفرة مظالم المؤمنين بخلاف مظالم أهل الذمة إلا أن يقال: قوله " من الجنة " أي مثلاً أو تخفيف العذاب والله تعالى أعلم الصواب (وغفرت للظالم) فضلاً (فلم يجب) بصيغة المجهول والضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم (عشيته) أي في عشية عرفة، والتذكير باعتبار الزمان أو المكان. ويمكن أن يكون الضمير راجعًا إليه صلى الله عليه وسلم، فالإضافة لأدني ملابسة، قاله القاري (فلما أصبح بالمزدلفة) أي ووقف بها (أعاد الدعاء) أي المذكور (فأجيب إلى ما سأل) أي ما طلبه على وجه العموم. قيل إلى بمعني اللام ويمكن أن يكون لضمين معنى الرجوع والوصول. قال القاري: وكان العباس سمع هذه الأمور منه صلى الله عليه وسلم فرواها كأنه علمها (قال) أي العباس (فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال: تبسم) أو للشك من الراوي عن العباس لقوله قال (ما كنت تضحك فيها) أي من شأنها أن لا تضحك فيها، أو المراد في مثلها مما تبكي وتتضرع فيه
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 148)
فما الذي أضحكك، أضحك الله سنك. قال: " إن عدو الله إبليس لما علم أن الله عز وجل قد استجاب دعائي وغفر لأمتي، أخذ التراب فجعل يحثوه على رأسه، ويدعو بالويل والثبور، فأضحكني ما رأيت من جزعه ".
ــ
وإلا لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الساعة قبل، لأنه لم يحج إلا أول حجها، وإن قيل إنه صلى الله عليه وسلم قد حج قبل عهد الإسلام فأبو بكر وعمر لم يرياه، كذا في اللمعات (أضحك الله سنك) أي أدام الله لك السرور الذي سبب ضحكك (فجعل يحثوه على رأسه) أي يلقي التراب بكفيه على رأسه (ويدعو بالويل) أي العذاب (والثبور) بضم الثاء أي الهلاك يعني يقول: وا ويلاه ويا ثبوراه. قال الطيبي: كل من وقع في تهلكة دعا بالويل والثبور أي يا هلاكي وعذابي احضر فهذا أوانك. وقال الطبري: الويل الحزن والهلاك المشقة وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومعنى النداء فيه يا حزني ويا عذابي ويا هلاكي احضر فهذا وقتك، فكأنه نادى الويل أن يحضره بما عرض له، والثبور هو الهلاك، وقد ثبر يثبر ثبورًا إذا هلك (فأضحكني ما رأيت من جزعه) أي مما صدر من فضل ربي على رغمه. قال القاري: وظاهر الحديث عموم المغفرة وشمولها حق الله وحق العباد إلا أنه قابل للتقييد بمن كان معه صلى الله عليه وسلم في تلك السنة (يعني المراد من الأمة هم الواقفون معه صلى الله عليه وسلم بعرفة) أو بمن قبل حجه بأن لم يرفث ولم يفسق. ومن جملة الفسق الإصرار على المعصية وعدم التوبة، ومن شرطها أداء حقوق الله الفائتة كالصلاة والزكاة وغيرهما وقضاء حقوق العباد المالية والبدنية والعرضية اللهم إلا أن يحمل على حقوق لم يكن عالمًا بها أو يكون عاجزًا عن أدائها. قال: ولا تغتر بكون هذا الحديث مجملاً مع اعتقاد أن فضل الله واسع، وقد قال تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (4: 48، 116) ?ولذا قال عليه الصلاة والسلام: أي رب إن شئت، فما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن ولا يسئل عما يفعل وهم يسئلون. ثم قال القاري بعد ذكر الكلام في هذا الحديث وما ورد في معناه من الروايات قال: بعضهم إذا تأملت ذلك كله علمت أنه ليس في هذه الأحاديث ما يصلح متمسكًا لمن زعم أن الحج يكفر التبعات لأن الحديث ضعيف، على أنه ليس نصًا في المدعى لاحتماله ومن ثمة قال البيهقي: يحتمل أن تكون الإجابة إلى المغفرة بعد أن يذيقهم شيئًا من العذاب دون ما يستحقه فيكون الخبر خاصًا في وقت دون وقت، يعني ففائدة الحج حينئذ التخفيف من عذاب التبعات في بعض الأوقات دون النجاة بالكلية، ويحتمل أن يكون عامًا ونص الكتاب يدل على أنه مفوض إلى مشيئته تعالى. وحاصل هذا الأخير أنه بفرض عمومه محمول على أن تحمله تعالى التبعات من قبيل {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وهذا لا تكفير فيه وإنما يكون فاعله تحت المشيئة فشتان ما بين الحكم بتكفير الذنوب وتوقفه على المشيئة ولذا قال البيهقي: فلا ينبغي لمسلم أن يغر نفسه بأن الحج يكفر التبعات فإن المعصية شؤم، وخلاف الجبار في أوامره ونواهيه عظيم. قال: وهذا لا ينافي
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 149)
رواه ابن ماجة، وروى البيهقي في كتاب البعث والنشور نحوه.
ــ
قول ابن المنذر فيمن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه: إن هذا عام يرجى أن يغفر له جميع ذنوبه صغائرها وكبائرها، وإنما الكلام في الوعد الذي لا يخلف – انتهى. (رواه ابن ماجة) أي بهذا اللفظ من طريق عبد القاهر بن السري السلمي عن عبد الله بن كنانة (بكسر كاف وبنونين بينهما ألف وأولاهما خفيفة) بن عباس بن مرداس السلمي عن أبيه كنانة عن جده عباس (وروى البيهقي في كتاب البعث والنشور نحوه) أي بمعناه، وكذا رواه في شعب الإيمان وفي السنن الكبرى (ج 5: ص 118) ورواه أيضًا عبد الله بن أحمد في زوائد المسند لأبيه (ج 4: ص 14) والطبراني في الكبير وأخرج أبو داود في كتاب الأدب من سننه طرفًا منه من الوجه الذي رواه ابن ماجة لكنهم قالوا حدثني ابن لكنانة بن العباس ولم يسموه عن أبيه عن جده عباس، وعبد الله بن كنانة بن عباس، قال الحافظ في التقريب في كليهما أنه مجهول. وذكر في تهذيب التهذيب في ترجمتهما عن البخاري أنه قال: لم يصح حديثه. وقال في ترجمة كنانة بعد ذكر كلام البخاري هذا: وذكره ابن حبان في الثقات، وذكره أيضًا في كتاب الضعفاء قال: حديثه منكر جدًا لا أدرى التخليط منه أو من ابنه ومن أيهما كان فهو ساقط الاحتجاج به – انتهى. وقال البوصيري في الزوائد: في إسناده عبد الله بن كنانة قال البخاري: لم يصح حديثه – انتهى. ولم أر من تكلم بجرح ولا توثيق – انتهى. والحديث سكت عنه أبو داود بعد رواية طرف منه من الوجه المذكور، ونقل المنذري في مختصر السنن (8 / 97) كلام ابن حبان وزاد: " لعظم ما أتى من المناكير عن المشاهير ". وقد ظهر بهذا كله أن حديث عباس هذا ضعيف لكن له شواهد يبلغ بها إلى درجة الحسن. قال في المواهب اللدنية بعد ذكر حديث عباس بن مرداس من رواية ابن ماجة: ورواه أبو داود من الوجه الذي رواه ابن ماجة ولم يضعفه. قال الزرقاني: أي سكت عليه فهو عنده صالح للحجة، وقد أخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي في الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين من طرق وقد صنف الحافظ ابن حجر فيه كراسًا سماه " قوة الحجاج في عموم المغفرة للحجاج ". قال في أوله: إنه سئل عن حال هذا الحديث هل هو صحيح أو حسن أو ضعيف أو منكر أو موضوع؟ قال: فأجبت بأنه جاء من طرق أشهرها حديث عباس بن مرداس فإنه مخرج في مسند أحمد، وأخرج أبو داود طرفًا منه وسكت عليه، فهو عنده صالح. وعلى رأى ابن الصلاح ومن تبعه حسن، وعلى رأى الجمهور كذلك، لكن باعتبار انضمام الطرق الأخرى إليه، ثم قال الحافظ أثناء كلامه. حديث العباس بمفرده يدخل في حد الحسن على رأى الترمذي ولا سيما بالنظر إلى مجموع هذه الطرق لطرق ذكرها، قال: وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من حديث ابن مرداس، وقال: فيه كنانة منكر الحديث جدًا لا أدرى التخليط منه أو من ولده. وهذا لا ينتهض دليلاً على أنه موضوع فقد اختلف قول ابن حبان في كنانة فذكره في الثقات وفي الضعفاء، وذكر ابن مندة أنه قيل إن له رؤية منه
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 150)
..............................................................................................
ــ
صلى الله عليه وسلم، وأما ولده عبد الله بن كنانة ففيه كلام لابن حبان أيضًا وكل ذلك لا يقتضي وضعه، بل غايته أن يكون ضعيفًا ويتعضد بكثرة طرقه، وأورد حديث ابن عمر في الموضوعات أيضًا وقال: فيه عبد العزيز بن أبي رواد، تفرد به نافع عن ابن عمر، قال ابن حبان: كان يحدث على التوهم والحسبان فبطل الاحتجاج به وهو مردود فإنه لا يقضي أنه موضوع مع أنه لم ينفرد به، بل له متابع عند ابن حبان في كتاب الضعفاء، هذا كلام الحافظ ملخصًا وهو كلام متقن إمام في الفن فلا عليك ممن أطلق عليه اسم الضعيف الذي لا يحتج به. وقال الطبري بعد روايته حديث ابن عمر: إنه محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب وعجز عن وفائها مع العزم على أنه يوفي إذا قدر ما يمكن توفيته. وقد رواه أي حديث العباس بن مرداس البيهقي في السنن الكبرى بنحو رواية ابن ماجة وكذا الطبراني في الكبير وعبد الله أحمد في زوائد المسند لأبيه وابن عدي وصححه الضياء كما مر. وقد قالوا إن تصحيحه أعلى من تصحيح الحاكم. وقال البيهقي بعد أن أخرجه في كتاب البعث: هذا الحديث له شواهد كثيرة، فأخرجه عبد الرزاق والطبراني من حديث عبادة بن الصامت وأبو يعلى وابن منيع من حديث أنس وابن جرير وأبو نعيم وابن حبان من حديث ابن عمر والدارقطني وابن حبان من حديث أبي هريرة وابن مندة من حديث عبد الله بن زيد (ذكر رواياتهم الحافظ في مؤلفه بنحو حديث عباس بن مرداس) وارجع إلى تنزيه الشريعة لابن عراق (ج 2: ص 169، 170) والقول المسدد (ص 37 – 40) فإن صح بشواهده فقيه الحجة وإن لم يصح فنحن في غنية عن تصحيحه فقد قال الله تعالى {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وظلم بعضهم بعضًا دون الشرك فيدخل في الآية – انتهى. وهو حسن، وفي الحديث الصحيح: من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه، وهو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بالحقوق ولا تسقط الحقوق أنفسها، فمن كان عليه صلاة أو صيام أو زكاة أو كفارة ونحوها من حقوق الله أو شيء من حقوق العباد لا تسقط عنه لأنها حقوق لا ذنوب، إنما الذنب تأخيرها فنفس التأخير يسقط بالحج لا هي نفسها، فلو أخره، بعد الحج تجدد إثم آخر، فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا الحقوق؛ ولا يسقط حق الآدمي بالحج إجماعاً والله أعلم، كذا في شرح المواهب، وقال ابن عابدين: قد يقال بسقوط نفس الحق إذا مات قبل القدرة على أدائه سواء كان حق الله تعالى أو حق عباده وليس في تركته ما بقي به لأنه إذا سقط إثم التأخير ولم يتحقق منه إثم بعده فلا مانع من سقوط نفس الحق، أما حق الله تعالى فظاهر، وأما حق العبد فالله تعالى يرضي خصمه عنه كما مر في الحديث. ثم قال: اعلم أن تجويزهم تكفير الكبائر بالهجرة والحج مناف لنقل عياض الإجماع على أنه لا يكفرها إلا التوبة، ولا سيما على القول بتكفير المظالم أيضًا، بل القول بتكفير إثم المطل وتأخير الصلاة ينافيه لأنه كبيرة، وقد كفرها الحج بلا توبة، وكذا ينافيه عموم قوله تعالى {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وهو اعتقاد أهل الحق أن مات مصرًا على الكبائر كلها سوى الكفر فإنه قد يعفى بشفاعة أو بمحض الفضل، والحاصل كما في البحر أن المسألة ظنية فلا يقطع بتكفير الحج للكبائر من حقوقه تعالى فضلاً عن حقوق العباد والله تعالى أعلم – انتهى. وقال القاري بعد ذكر كلام البيهقي:
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 151)
(5) باب الدفع من عرفة والمزدلفة
(الفصل الأول)
2628 - (1) عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: سئل أسامة بن زيد: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العنق فإذا وجد فجوة
ــ
ولا يخفى أن الأحاديث الصحيحة الصريحة لا تكون إلا ظنية فما بالك بالأحاديث الضعيفة؟ ولا شك أن المسائل الاعتقادية لا تثبت إلا بالأدلة القطعية رواية ودراية، نعم يغلب على الظن رجاء عموم المغفرة لمن حج حجًا مبرورًا، وأين من يجزم بذلك في نفسه أو غيره وإن كان عالماً أو صالحاً في علو مقامه هنالك، فمن المعلوم أن غير المعصوم يجب أن يكون بين الخوف والرجاء - انتهى.
(باب الدفع من عرفة) أي الرجوع منها (والمزدلفة) عطف على الدفع، أي والنزول فيها، وفي بعض النسخ " إلى المزدلفة " ويجوز عطفه على عرفة أي وباب الدفع من المزدلفة ويؤيده نسخة " ومن المزدلفة إلى منى ".
2628- قوله (عن هشام بن عروة) هو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام أبو المنذر القرشي الأسدي المدني أحد تابعي المدينة المشهورين المكثرين من الحديث المعدودين في أكابر العلماء وجلة التابعين، ثقة ثبت حجة أمام فقيه، رأي ابن عمر ومسح رأسه ودعا له، وسهل بن سعد وجابر وأنسًا، وروى عن أبيه وعمه عبد الله بن الزبير وأخويه عبد الله وعثمان وامرأته فاطمة بنت المنذر بن الزبير وخلق، وروى عنه خلق كثير منهم شعبة ومالك بن أنس والسفيانان والحمادان. ولد سنة إحدى وستين ومائة، ومات ببغداد سنة خمس أو ست وأربعين ومائة، وله سبع وثمانون سنة (عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام الأسدي أحد الفقهاء السبعة وأحد علماء التابعين تقدم ترجمته (سئل أسامة بن زيد) ابن حارثة بن شراحيل الكلبي الصحابي المشهور، حِب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولاه وابن حِبه زيد بن حارثة تقدم ترجمته، وخص بالسؤال لأنه كان رديفه صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى المزدلفة، وزاد في رواية مالك والبخاري وأبي داود وغيرهم " وأنا جالس معه " ولمسلم " سئل أسامة وأنا شاهد أو قال: سألت أسامة بن زيد " ولم يتعرض أحد من الشراح لتسمية السائل (حين دفع) أي حين انصرف من عرفة إلى المزدلفة، سمي دفعًا لازدحامهم إذا انصرف فيدفع بعضهم بعضًا (قال) أي أسامة (كان يسير العَنَق) بفتح المهملة والنون آخره قاف هو السير الذي بين الإبطاء والإسراع، قال في المشارق: هو سير سهل في سرعة، وقال القزاز: العنق سير سريع، وقيل المشي الذي يتحرك به عنق لدابة، وفي الفائق العنق الخطو الفسيح، وانتصب على المصدر المؤكد من لفظ الفعل كذا في الفتح، وقال السيوطي: نصبه على المصدر النوعي كرجعت القهقري. وقال القاري: انتصابه على المصدرية انتصاب القهقري أو الوصفية أي يسير السير العنق (فإذا وجد فجوة)
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 152)
نص. متفق عليه.
2629 – (2) وعن ابن عباس، أنه دفع مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجرًا شديدًا وضربًا للإبل، فأشار بسوطه إليهم،
ــ
بفتح الفاء وسكون الجيم فواو مفتوحة، والمكان المتسع بين الشيئين والجمع فجوات بفتحتين وفِجاء بكسر الفاء والمد، ورواه بعض الرواة في الموطأ بلفظ " فرجة " بضم الفاء وسكون الواو وهو بمعنى الفجوة (نص) بفتح النون وتشديد الصاد المهلة فعل ماض وفاعله النبي صلى الله عليه وسلم أي أسرع، قال أبو عبيد: النص تحريك الدابة حتى يستخرج به أقصى ما عندها، وأصل النص منتهى الأشياء وغايتها ومبلغ أقصاها، ومنه نصصت الشيء رفعته. قال الشاعر:
ونص الحديث إلى أهله _ … فإن الوثيقة في نصه
أي أرفعه إليهم وأنسبه، ثم استعمل في ضرب سريع من السير، وقال هشام بن عروة راوي الحديث كما في رواية البخاري وغيره: النص فوق العنق أي أرفع منه في السرعة. قال النووي: هما نوعان من إسراع السير وفي العنق نوع من الرفق. قال الطبري: وفي هذا دلالة على أن السكينة المأمور بها في الحديث بعده إنما هي من أجل الرفق بالناس، فإن لم يكن زحام سار كيف شاء، وذكر العيني عن الطبري أنه قال: الصواب في السير في الإفاضتين جميعًا ما صحت به الآثار إلا في وادي محسر فإنه يوضع لصحة الحديث بذلك فلو أوضع أحد في مواضع العنق أو العكس لم يلزمه شيء لإجماع الجميع على ذلك غير أنه يكون مخطئًا طريق الصواب. وقال ابن خزيمة: في هذا الحديث دليل على أن الحديث الذي رواه ابن عباس عن أسامة (عند أبي داود وغيره) أنه قال: فلما رأيت ناقته رافعة يديها حتى أتى جمعًا. محمول على حال الزحام دون غيره، ذكره الحافظ. وقال ابن عبد البر: ليس في هذا الحديث أكثر من معرفة كيفية السير في الدفع من عرفة إلى المزدلفة وهو مما يلزم أتمة الحاج فمن دونهم فعله لأجل الاستعجال للصلاة لأن المغرب لا تصلى إلا مع العشاء بالمزدلفة أي فيجمع بين المصلحتين من الوقار والسكينة عند الزحمة ومن الإسراع عند عدمها لأجل الصلاة، فيه أن السلف كانوا يحرصون على السؤال عن كيفية أحواله صلى الله عليه وسلم في جميع حركاته وسكونه ليقتدوا به في ذلك (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي الجهاد وفي المغاري ومسلم في الحج، وأخرجه أيضًا أحمد (ج 5: ص 205، 210) ومالك وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحميدي (ج 1: ص 248) والدارمي وأبو داود الطيالسي وابن خزيمة في صحيحة وأبو عوانة وابن جرير والبيهقي (ج 5: ص 119) .
2629- قوله (دفع مع النبي صلى الله عليه وسلم) أي أفاض معه (يوم عرفة) أي من عرفة إلى المزدلفة (زَجْرًا) بفتح الزاي وسكون الجيم بعدها راء أي صياحًا لحث الإبل وسوقًا لها برفع الأصوات (فأشار بسوطه إليهم) ليتوجهوا إليه ويسمعوا
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 153)
وقال: " أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع ". رواه البخاري.
2630 – (3) وعنه، أن أسامة بن زيد كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما قال: لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة.
ــ
قوله (عليكم بالسكينة) أي في السير، والمراد السير بالرفق وعدم المزاحمة، يعني لازموا الطمأنينة والرفق وعدم المزاحمة في السير، وعلل ذلك بقوله (فإن البر) أي الخير (ليس بالإيضاع) الإيضاع الإسراع وحمل الخيل والركاب على سرعة السير، يعني الإسراع ليس من البر إذا كثر الناس في الطريق، فإن الإسراع في مثل هذه الحالة أي عند ازدحام الناس في الطريق يؤذيهم بصدمة الدواب والرجال، ولا خير في هذا بل الخير في الذهاب على السكون في مثل هذه الحالة. وقال الحافظ: قوله ((فإن البر ليس بالإيضاع)) أي السير السريع، ويقال هو سير مثل الخبب فبين صلى الله عليه وسلم أن تكلف الإسراع في السير ليس من البر أي مما يتقرب به، ومن هذا أخذ عمر بن عبد العزيز قوله لما خطب بعرفة: ليس السابق من سبق بعيره وفرسه ولكن السابق من غفر له. وقال المهلب: إنما نهاهم عن الإسراع إبقاء عليهم لئلا يجحفوا بأنفسهم مع بعد المسافة. وقيل إنما قال صلى الله عليه وسلم ذلك أي قوله ((عليكم بالسكينة)) في ذلك الوقت الذي لم يجد فجوة فلا ينافي الحديث السابق. وقال القاري: حاصل ما قال صلى الله عليه وسلم أن المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إلى المبرات مطلوبة لكن لا على وجه يجر إلى المكروهات وما يترتب عليه من الأذيات، فلا تنافي بينه وبين الحديث السابق (رواه البخاري) وكذا البيهقي (ج 5: ص 119) وأخرجه أيضًا أحمد (ج 1: ص 251، 269، 353) وأبو داود والبيهقي بنحوه.
2630- قوله (وعنه) أي عن ابن عباس (أن أسامة بن زيد كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم) بكسر الراء وسكون الدال وهو الراكب خلف الراكب كالرديف والمرتدف (ثم أردف الفضل) أي ابن عباس يعني جعله رديفه (فكلاهما) كذا في جميع النسخ من المشكاة، وفي البخاري ((قال (أي ابن عباس) فكلاهما)) أي الفضل بن عباس وأسامة بن زيد (قال) الضمير راجع للفظ فإن ((كلا)) مفرد لفظًا ومثنى معنى وهو أفصح من أن يقال فكلاهما قالا، قال تعالى {كلتا الجنتين آتت أكلها} (18: 33) أو المعنى كل واحد منهما قال (لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة) أي شرع في رمي الجمرة أو فرغ منه قولان، ويؤيد الثاني ما وقع في رواية ابن خزيمة كما سيأتي: فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، يكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة. ويؤيد الأول ما رواه البيهقي بإسناده عن عبد الله قال: ((رمقت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة)) . قال الحافظ: زاد ابن أبي شيبة من طريق علي بن الحسين عن ابن عباس عن الفضل في هذا الحديث ((فرماها سبع حصيات يكبر مع كل حصاة)) . قال الحافظ: وفي هذا الحديث يعني حديث ابن عباس الذي نحن في شرحه أن التلبية تستمر إلى رمي الجمرة يوم النحر وبعدها يشرع الحاج في التحلل، وروى ابن المنذر بإسناد صحيح أنه كان يقول: التلبية شعار الحج فإن كنت حاجًا فلب حتى بدأ حلك وبدء حلك أن ترمي جمرة العقبة. وروى سعيد بن
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 154)
..............................................................................................
ــ
منصور من طريق ابن عباس قال: حججت مع عمر إحدى عشرة حجة وكان يلبي حتى يرمي الجمرة، وباستمرارها قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق وأتباعهم، وقالت طائفة: يقطع المحرم التلبية إذا دخل الحرم وهو مذهب ابن عمر لكن كان يعاود التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة، وقالت طائفة: يقطعها إذا راح الموقف، رواه ابن المنذر وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة عن عائشة وسعد بن أبي وقاص وعلي، وبه قال مالك وقيده بزوال الشمس يوم عرفة، وهو قول الأوزاعي والليث، وعن الحسن البصري مثله لكن قال: إذا صلى الغداة يوم عرفة وهو بمعنى الأول، وقد روى الطحاوي بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن يزيد قال: حججت مع عبد الله فلما أفاض إلى جمع جعل يلبي فقال رجل: أعرابي هذا؟ فقال عبد الله: أنسي الناس أم ضلوا؟ وأشار الطحاوي إلى أن كل من روى عنه ترك التلبية من يوم عرفة أنه تركها للاشتغال بغيرها من الذكر لا على أنها لا تشرع، وجمع بذلك بين ما اختلف من الآثار، والله اعلم. واختلفوا أي الأولون: هل يقطع التلبية مع رمي أول حصاة أو عند تمام الرمي؟ فذهب إلى الأول الجمهور، وإلى الثاني أحمد وبعض أصحاب الشافعي، ويدل لهم ما روى ابن خزيمة من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن ابن عباس عن الفضل قال: أفضت مع النبي صلى الله عليه وسلم من عرفات فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة يكبر مع كل حصاة ثم قطع التلبية مع آخر حصاة، قال ابن خزيمة: هذا حديث صحيح مفسر لما أبهم في الروايات الأخرى. وأن المراد بقوله حتى رمى جمرة العقبة أي أتم رميها - انتهى كلام الحافظ. قال الشوكاني: والأمر كما قال ابن خزيمة، فإن هذه الزيادة مقبولة خارجة من مخرج صحيح غير منافية للمزيد وقبولها متفق عليه - انتهى. قلت: لكن قال البيهقي في السنن الكبرى (ج 5: ص 137) بعد ذكر رواية جابر بلفظ ((فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها)) تكبيرة مع كل حصاة كالدلالة على قطعه التلبية بأول حصاة، وكذا قال في معرفة السنن. قال: وقوله ((يلبي حتى رمى الجمرة)) أراد به حتى أخذ في رمي الجمرة وأما ما في رواية الفضل من الزيادة فإنها غريبة أوردها ابن خزيمة واختارها وليست في الروايات المشهورة عن ابن عباس عن الفضل بن عباس - انتهى. واعترض عليه ابن التركماني فقال: الغريب إذا صح سنده يعمل به. وقد أخرج ابن حزم هذا الحديث في كتاب حجة الوداع بسند جيد من حديث أبي الزبير عن أبي معبد مولى ابن عباس (1) . عن الفضل، ولفظه ((ولم يزل عليه السلام يلبي حتى أتم رمي جمرة العقبة)) ، وهذا صريح وهو يقوي الرواية التي رواها ابن خزيمة واختارها. ويدل على أنها ليست بغريبة، والعجب من البيهقي كيف يترك هذا الصريح ويستدل بقوله ((يكبر)) على قطع التلبية لأول حصاة مع أن التكبير لا يمنع التلبية، إذ الحاج له أن يكبر ويلبي ويهلل، وقد بين ذلك ابن مسعود بقوله ((فما ترك التلبية حتى رمى الجمرة إلا أن يخلطها بتكبير أو تهليل)) . وقال أبو عمر في التمهيد: قال أحمد وإسحاق وطائفة من أهل النظر والأثر: لا يقطع التلبية حتى يرمي جمرة العقبة بأسرها.-----------------------------------
(1) كذا وكأنه سقط ((عن ابن عباس)) .
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 155)
متفق عليه.
2631 – (4) وعن ابن عمر، قال: جمع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهما بإقامة،
ــ
قالوا: وهو ظاهر الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة، ولم يقل أحد من رواة هذا الحديث ((حتى رمى بعضها)) على أنه قد قال بعضهم في حديث عائشة: ثم قطع التلبية في آخر حصاة. وفي الإشراف لابن المنذر: وروى بعض أصحابنا ممن يقول بظاهر الأخبار خبر ابن عباس، ثم قال: قطع التلبية مع آخر حصاة – انتهى كلام ابن التركماني. وقال الشنقيطي: الأظهر أنه يقطع التلبية عند الشروع في رمي العقبة وأن قوله ((حتى رمى جمرة العقبة)) يراد به الشروع في رميها لا الانتهاء منه، ومن القرائن الدالة على ذلك ما ثبت في الروايات الصحيحة من التكبير مع كل حصاة، فظرف الرمي لا يستغرق غير التكبير مع الحصاة لتتابع رمي الحصيات، وقال بعد ذكر قول ابن خزيمة المتقدم: وعلى تقدير صحة الزيادة المذكورة لا ينبغي العدول عنها. تنبيه: ما حكى الحافظ وابن عبد البر وغيرهما من الشراح ونقلة المذاهب كالنووي والعيني عن الإمام أحمد من قطع التلبية عند انتهاء الرمي والفراغ منه هي رواية عنه مرجوحة، لأن عامة فروعه مصرحة بقطعها مع أول حصاة موافقًا للجمهور، ففي نيل المآرب: تسن التلبية من حين الإحرام إلى أول الرمي أي رمي جمرة العقبة – انتهى. وقريب منه ما في الروض المربع. وقال في العدة شرح العمدة: ويقطعها عند أول حصاة يرميها لأنه قد روى في بعض ألفاظ حديث ابن عباس ((فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة قطع عند أول حصاة)) . رواه حنبل في المناسك – انتهى. وفي المغني والشرح الكبير تحت قول الخرقي: ويقطع التلبية عند ابتداء الرمي، وممن قال يلبي حتى يرمي الجمرة ابن مسعود وابن عباس وميمونة، وبه قال عطاء وطاوس وسعيد بن جبير والنخعي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي لرواية الفضل بن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة وكان ردفيه يومئذ، وهو أعلم بحاله من غيره، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على ما خالفه. ويستحب قطع التلبية عند أول حصاة للخبر، وفي بعض ألفاظه ((حتى رمى جمرة العقبة، قطع عند أول حصاة)) ، رواه حنبل في المناسك. وهذا بيان يتعين الأخذ به. وفي رواية من روى ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر مع كل حصاة)) دليل على أنه لم يكن يلبي – انتهى مختصرًا. (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد (ج 1: ص 214) ورواه هو مرارًا وأبو داود والترمذي والنسائي بألفاظ مختصرًا ومطولاً وارجع إلى جامع الأصول (ج 4: ص 88) .
2631 – قوله (جمع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب والعشاء بجمع) أي بالمزدلفة في وقت العشاء (كل واحدة منهما) بالرفع على الجملة الحالية وبالنصب على البدلية (بإقامة) قال القاري: أي على حدة، وبه قال زفر، واختاره الطحاوي وغيره من علمائنا. قلت: ورجحه ابن الهمام وقال الطحاوي بعد اختياره هذا القول: وهو خلاف قول أبي حنيفة وأبي يوسف
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 156)
ولم يسبح بينهما ولا على إثر كل واحدة منهما. رواه البخاري.
2632 – (5) وعن عبد الله بن مسعود، قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة إلا لميقاتها، إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع،
ــ
ومحمد، وذلك أنهم يذهبون في الجمع بين الصلاتين بمزدلفة إلى أن يجعلوا ذلك بأذان وإقامة واحدة – انتهى. ولم يذكر في حديث ابن عمر هذا الأذان وهو ثابت في حديث جابر وفي حديث ابن مسعود فلا بد من القول به وقد تقدم البسط في ذلك في شرح حديث جابر الطويل (ولم يسبح بينهما) أي لم يتنفل بين صلاة المغرب والعشاء (ولا على إِثْر كل واحدة منهما) بكسر الهمزة وسكون المثلثة بمعنى أثر بفتحتين أي ولا عقب كل واحدة منهما، لا عقب الأولى ولا عقب الثانية، وهذا تأكيد بالنظر إلى الأولى تأسيس بالنظر إلى الثانية فليتأمل قاله السندي (رواه البخاري) وكذا النسائي والبيهقي (ج 5: ص 120) وأخرج مسلم معناه، ولذا ذكره الحافظ عبد الغني في عمدته في ما اتفق عليه الشيخان، فالحديث متفق عليه.
2632 – قوله (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة إلا لميقاتها) أي في وقتها، وفي رواية ((ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير ميقاتها)) (إلا صلاتين صلاة المغرب) نصبه على البدلية أو بتقدير أعني أي أعني بهما صلاة المغرب (والعشاء يجمع) قال القاري: أي صلاة المغرب في وقت العشاء أي وصلاة الظهر والعصر بعرفة فإنه صلى العصر في وقت الظهر ولعله روى هذا الحديث بمزدلفة، ولذا اكتفى عن ذكر الظهر والعصر، فلا بد من تقديرهما أو ترك ذكرهما لظهورهما عند كل أحد، إذا وقع ذلك الجمع في مجمع عظيم في النهار على رؤوس الأشهاد فلا يحتاج إلى ذكره في الاستشهاد بخلاف جمع المزدلفة، فإنه بالليل، فاختص بمعرفته بعض الأصحاب، والله تعالى اعلم. والحاصل أن في العبارة مسامحة وإلا فلا يصح قوله ((إلا الصلاتين)) المراد بهما المغرب والعشاء سواء اتصل الاستثناء كما هو ظاهر الأداة أو انقطع كما بنى عليه ابن حجر البناء، فإن صلاة العشاء في ميقاتها المقدر شرعًا إجماعًا – انتهى كلام القاري. وقال الولي العراقي: قوله ((صلاة المغرب والعشاء بجمع)) أي وكذا بعرفات أيضًا في الظهرين كما عند النسائي (أي في باب الجمع بين الظهر والعصر بعرفة) عن ابن مسعود ((ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة إلا لوقتها إلا بجمع وعرفات)) فلم يحفظ راوي هذه الرواية ذكر عرفات وحفظه غيره، والحافظ حجة على الناسي – انتهى. وحينئذ فالمراد بقوله ((إلا صلاتين)) المغرب بمزدلفة فإنها أخرت والعصر بعرفة فإنها قدمت، فهاتان الصلاتان قد وقع فيهما التحويل عن وقتي أدائهما المعهودين في غير هذا اليوم حقيقة ثم استطرد بذكر الفجر لأنه متحولاً أيضًا عن وقته المستحب المعتاد في سائر الأيام وإن كان لم يتحول عن وقته الأصلي. وقال السندي في حاشية النسائي: هذا الحديث من مشكلات الأحاديث وقد
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 157)
.............................................................................................
ــ
تكلمت عليه في حاشية صحيح البخاري (في باب من يصلي الفجر بجمع) والصحيح في معناه أن مراده ما رأيته صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير وقتها المعتاد لقصد تحويلها عن وقتها المعتاد وتقريرها في غير وقتها المعتاد لما في صحيح البخاري من روايته رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان. وهذا معنى وجيه، ويحمل قوله ((قبل ميقاتها)) على هذا على الميقات المعتاد، ويقال إنه غلس تغليسًا شديدًا يخالف التغليس المعتاد، لا أنه صلى قبل أن يطلع الفجر فقد جاء في حديثه وحديث غيره أنه صلى بعد طلوع الفجر، وعلى هذا المعنى لا يرد شيء سوى الجمع بعرفة، ولعله كان يرى ذلك للسفر، والله أعلم – انتهى. واستدل الحنفية بحديث ابن مسعود هذا على ترك الجمع بين الصلاتين في غير يوم عرفة وجمع، وأجاب المجوزون بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وقد ثبت الجمع بين الصلاتين من حديث ابن عمر وابن عباس وغيرهم وتقدم في موضعه ما فيه كفاية، وأيضًا فالاستدلال به إنما هو من طريق المفهوم وهم لا يقولون به. وأما من قال به فشرطه أن لا يعارضه منطوق، وأيضًا فالحصر فيه ليس على ظاهره لإجماعهم على مشروعية الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وكذا في الفتح. وقال النووي: قد يحتج أصحاب أبي حنيفة بهذا الحديث على منع الجمع بين الصلاتين في السفر، لأن ابن مسعود من ملازمي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخبر أنه ما رآه يجمع إلا في هذه الليلة، ومذهب الجمهور جواز الجمع في جميع الأسفار المباحة التي يجوز فيها القصر. والجواب عن هذا الحديث أنه مفهوم وهم لا يقولون به ونحن نقول بالمفهوم ولكن إذا عارضه منطوق قدمناه على المفهوم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بجواز الجمع ثم هو مترك الظاهر بالإجماع في صلاتي الظهر والعصر بعرفات – انتهى. وقال السندي في حاشية البخاري (ج 1: ص 201) : قد استدل به من ينفي جمع السفر كعلمائنا الحنفية، ورده النووي بأنه مفهوم وهم لا يقولون به ونحن نقول به إذا لم يعارضه منطوق كما ها هنا وتعقبه العيني فقال: لا نسلم أنهم لا يقولون بالمفهوم وإنما لا يقولون بالمفهوم المخالف – انتهى. قلت: (قائله السندي) وهذا عجيب منهما فإن استدلال الحنفية بصريح النفي الذي هو منطوق لا بالإثبات الذي يدل عليه الاستثناء بالمفهوم، ولو كان بالإثبات من باب المفهوم المخالف بالاتفاق فلم يكن لقول العيني وجه، بقي أن الاستدلال به فرع تصور معناه ومعناه ها هنا لا يخلو عن خفاء، إذ ظاهره يفيد أنه صلى الفجر قبل وقته، وهو مخالف للإجماع وقد جاء خلافه في روايات حديث ابن مسعود أيضًا وفي حديث جابر. أجيب بأن المراد أنه صلى قبل الوقت المعتاد بأن غلس، ورد بأن هذا يقتضي أن يكون المعتاد الإسفار وهو خلاف ما يفيده تتبع الأحاديث الصحاح الواردة في صلاة الفجر، أجيب بأن المراد التغليس الشديد، والحاصل أنه صلى يومئذ أول ما طلع الفجر والمعتاد أنه كان يصلي بعد ذلك بشيء، فيرد أنها صارت حينئذ لوقتها فكيف يصح عدها لغير وقتها حتى تستثني من قوله: " ما رأيت " إلخ. أجيب بأن المراد بقوله لغير وقتها المعتاد، قلت: فيلزم من
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 158)
وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها. متفق عليه.
2633 - (6) وعن ابن عباس، قال: أنا ممن قدم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة في ضعفة أهله.
ــ
اعتبار العموم فيه أنه صلى الله عليه وسلم ما صلى صلاة في غير الوقت المعتاد أبدًا لا بتقديم شيء ولا بتأخيره، لا سفرًا ولا حضرًا سوى هاتين الصلاتين بل كان دائمًا يصلي في وقت واحد، وهذا خلاف ما يعرفه كل أحد بالبديهة وخلاف ما يفيده تتبع الأحاديث وخلاف ما أول به علماؤنا جمع السفر من الجمع فعلاً، فإنه لا يكون إلا بتأخير الصلاة الأولي إلى آخر الوقت، فلزم كونها في الوقت الغير المعتاد، ثم هو مشكل بجمع عرفة أيضًا، وحينئذ فلا بد من القول بخصوص هذا الكلام بذلك السفر مثلاً. ويبقى بعد جمع عرفة فيقال لعله ما حضر ذلك الجمع فما رأى. فلا ينافي قوله ما رأيت، أو يقال لعله ما رأى صلاة خارجة عن الوقت المعتاد غير هاتين الصلاتين فأخبر حسب ما رأى ولا اعتراض عليه ولا حجة للقائلين بنفي الجمع، والأحسن منه ما يشير إليه كلام البعض. ثم ذكر السندي ما تقدم من كلامه وتوجيهه في حاشيته على النسائي (وصلى الفجر يومئذ) أي بمزدلفة (قبل ميقاتها) أي قبل وقتها المعتاد فعلها فيه في الحضر لا أنه أوقعها قبل طلوع الفجر كما يتبادر من ظاهر اللفظ، ووقتها المعتاد أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا أتاه المؤذن بطلوع الفجر صلى ركعتي الفجر في بيته ثم خرج فصلى الصبح، وأما بمزدلفة فكان الناس مجتمعين والفجر نصب أعينهم فبادر بالصلاة أول ما بزغ حتى أن بعضهم كان لم يتبين له طلوعه. قال النووي: المراد به قبل وقتها المعتاد لا قبل طلوع الفجر، لأن ذلك ليس بجائز بإجماع المسلمين والغرض أن استحباب الصلاة في أول الوقت في هذا اليوم أشد وآكد، ومعناه أنه صلى الله عليه وسلم كان في غير هذا اليوم يتأخر عن أول طلوع الفجر إلى أن يأتيه بلال، وفي هذا اليوم لم يتأخر لكثرة المناسك فيه فيحتاج إلى المبالغة في التبكير ليتسع له الوقت. قال الحافظ: ولا حجة فيه لمن منع التغليس بصلاة الصبح لأنه ثبت عن عائشة وغيرها كما تقدم في المواقيت التغليس بها، بل المراد هنا أنه كان إذا أتاه المؤذن بطلوع الفجر صلى ركعتي الفجر في بيته ثم خرج فصلى الصبح مع ذلك بغلس، وأما بمزدلفة فكان الناس مجتمعين والفجر نصب أعينهم فبادر بالصلاة أول ما بزغ حتى أن بعضهم كان لم يتبين له طلوعه وهو بين في رواية إسرائيل (عند البخاري) حيث قال: ثم صلى الفجر حين طلع الفجر قائل يقول: طلع الفجر وقائل يقول: لم يطلع (متفق عليه) . وأخرجه أيضًا أحمد (ج1: ص 384، 426) وأبو داود والنسائي والبيهقي (ج 5: ص 124) .
2633- قوله (أنا ممن قدم النبي صلى الله عليه وسلم) أي قدمه (ليلة المزدلفة) أي إلى منى (في ضعفة أهله) بفتح الضاد المعجمة والعين المهملة جمع ضعيف أي في الضعفاء من أهله وهم النساء والصبيان والخدم والمشائخ العاجزون وأصحاب الأمراض، وقال ابن حزم: الضعفة هم الصبيان والنساء فقط. والحديث يرد عليه لأنه أعم من ذلك. قال العيني: يدخل فيه المشائخ
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 159)
متفق عليه.
2634 – (7) وعن الفضل بن عباس، وكان رديف النبي صلى الله عليه وسلم
ــ
العاجزون لأنه روى عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم ضعفة بني هاشم وصبيانهم بليل، رواه ابن حبان في الثقات وقوله " ضعفة بني هاشم " أعم من النساء والصبيان والمشائخ العاجزين وأصحاب الأمراض لأن العلة خوف الزحام عليهم – انتهى. قلت: ويؤيده رواية الطحاوي عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس ليلة المزدلفة: اذهب بضعفائنا ونسائنا فليصوا الصبح بمنى وليرموا جمرة العقبة قبل أن تصيبهم دفعة الناس، قال: فكان عطاء يفعله بعد ما كبر وضعف، ولأبي عوانة من طريق أبي الزبير عن ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم العيال والضعفة إلى منى من المزدلفة. والحديث دليل على جواز الإفاضة من مزدلفة إلى منى في الليل قبل طلوع الفجر وقبل الوقوف بالمشعر الحرام للنساء والصبيان والضعفة من الرجال ولكن لا يجزئ في أول إجماعًا. قال ابن قدامة: لا بأس بتقديم الضعفة والنساء أي بعد نصف الليل، وممن كان يقدم ضعفة أهله عبد الرحمن بن عوف وعائشة وبه قال عطاء والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا، ولأن فيه رفقًا بهم ودفعًا لمشقة الزحام عنهم وإقتداء بفعل نبيهم صلى الله عليه وسلم – انتهى. وأعلم أن ها هنا مسألتان خلافيتان اشتبهت إحداهما بالأخرى على شراح الحديث ونقلة المذاهب، إحداهما الوقوف بالمزدلفة بعد طلوع الفجر من صبيحة يوم النحر، والثانية المبيت بها ليلة النحر وربما أطلقت شراح الحديث وأصحاب الفروع إحداهما على الأخرى ولا يخفى ذلك على من طالع شرحي البخاري للحافظ والعيني وشرحي مسلم للنووي والأبي، وشرحي الموطأ للباجي والزرقاني والنيل للشوكاني والمغني لابن قدامة وشرح الهداية لابن الهمام والبداية لابن رشد وشرح المهذب للنووي وغير ذلك من كتب شروح الحديث والفقه والمناسك، وحاصل مسالك الأئمة الأربعة وأتباعهم أن المبيت بالمزدلفة إلى ما بعد النصف الأول واجب عن الشافعي على المعتمد وأحمد وهذا لمن أدركه قبل النصف وإلا فالحضور ساعة في النصف الأخير كاف، وعند مالك النزول بقدر حط الرحال واجب في أي وقت من الليل كان. وعند الحنفية المبيت سنة مؤكدة وهو قول للشافعي وركن عن السبكي وابن المنذر وأبي عبد الرحمن من الشافعية، وأما الوقوف بعد الفجر فواجب عند الحنفية وسنة عند الأئمة الثلاثة وفريضة عند ابن الماجشون وابن العربي من المالكية وإن شئت الوقوف على تفاصيل مذاهبهم مع الأدلة فارجع إلى الفتح للحافط والعمدة للعيني والمغني وأضواء البيان للشنقيطي (متفق عليه) . وأخرجه أيضًا أحمد مرارًا وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم.
2634- قوله (وعنه) أي عن ابن عباس أي عبد الله فإنه المراد به عند الإطلاق (عن الفضل بن عباس) أي أخيه شقيقه (وكان) أي الفضل (رديف النبي) وفي بعض النسخ " رديف رسول الله. كما في مسلم أي من المزدلفة إلى منى
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 160)
أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا: " عليكم بالسكينة ". وهو كاف ناقته حتى دخل محسرًا، وهو من منى قال: " عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة، وقال: لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى الجمرة. رواه مسلم.
2635 – (8) وعن جابر، قال: أفاض النبي صلى الله عليه وسلم من جمع، وعليه السكينة، وأمرهم بالسكينة، وأوضع في وادي محسر،
ــ
والجملة معترضة (أنه) أي النبي صلى الله عليه وسلم (قال في عيشة عرفة) أي بناء على ما سمعه وهو غير رديفه (وغداة جمع) أي من مزدلفة يعني حال كونه رديفًا له (حين دفعوا) أي انصرفوا من عرفة والمزدلفة (عليكم بالسكينة) مقول القول، وهذا إرشاد إلى الأدب والسنة في السير من عرفة ومن مزدلفة ويلحق به سائر مواضع الزحام (وهو) أي النبي صلى الله عليه وسلم (كاف ناقته) بتشديد الفاء أي كان يكفها ويمنعها من الإسراع حين الزحام (حتى دخل محسِّرًا) بتشديد السين المكسورة أي يحرك دابته فيه (وهو) أي المحسر (من منى) فيه أن وادي محسر من منى وقيل هو من المزدلفة، والتحقيق أنه كالبرزخ بين المزدلفة ومنى، ومعنى قوله " هو من منى " أي موضع قريب من منى في آخر المزدلفة (عليكم بحصى الخذف) بخاء معجمة مفتوحة ثم ذال معجمة ساكنة بوزن الضرب تقول: خذفت الحصاة ونحوها خذفًا من باب ضرب، رميتها بطرفي الإبهام والسبابة. والمراد الحصى الصغار نحو الباقلا، وقد تقدم بيان ذلك في شرح حديث جابر الطويل (الذي يرمي به الجمرة) بالرفع على أنه نائب الفاعل، والمعنى يلزمكم أن ترفعوا حصى لترموا بها الجمرة، ثم اختلفوا في أنه يرفعها من الطريق وهو ظاهر الحديث، وجاء في بعض الروايات رفعها من المزدلفة وهذا منقول عن ابن عمر وسعيد بن جبير والمختار أنه يجوز أن يرفع من أي مكان شاء إلا الجمرات التي رمى بها، ويجوز بها أيضًا لكن الأفضل أن لا يرمى بها، ثم اختلفوا في أن ترفع سبع حصيات لرمى يوم النحر فقط. ونص الشافعي على استحباب ذلك، أو سبعين حصاة، سبعة ليوم النحر وثلاثًا وستين لما بعده من الأيام وظاهر إفراد الجمرة ينظر إلى القول الأول، والله أعلم. وارجع لمزيد التفصيل إلى المغنى (ج 3: ص 424) (وقال) أي الفضل (حتى رمى الجمرة) أي جمرة العقبة يوم النحر وعند ذلك قطع التلبية. والحديث يدل على أنه مستحب لمن بلغ وادي محسر إن كان راكبًا يحرك دابته، وإن كان ماشيًا أسرع في مشيه (رواه مسلم) . وأخرجه أيضًا أحمد (ج 1: ص 210) والنسائي والبيهقي (ج5: ص 127) .
2635 – قوله (من جمع) أي من المزدلفة (وعليه السكينة) جملة حالية (وأمرهم) أي الناس (وأوضع) أي أسرع السير بإبله، يقال وضع البعير يضع وضعًا وأوضعه راكبه إيضاعًا إذا حمله على سرعة السير (في وادي محسر) أي قدر رمية حجر. قال الشوكاني: حديث جابر هذا يدل على أنه يشرع الإسراع في وادي محسر. قال الأزرقي: وهو
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 161)
وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف. وقال: " لعلي لا أراكم بعد عامي هذا ". لم أجد هذا الحديث في الصحيحين إلا في جامع الترمذي مع تقديم وتأخير.
(الفصل الثاني)
2636 - (9) عن محمد بن قيس بن مخرمة، قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
ــ
خمس مائة ذراع وخمسة وأربعون ذراعًا، وإنما شرع الإسراع فيه لأن العرب كانوا يقفون فيه ويذكرون مفاخر آبائهم فاستحب الشارع مخالفتهم، وقيل في حكمة الإسراع غير ذلك كما سبق (بمثل حصى الخذف) تقدم ضبطه وتفسيره (لعلي لا أراكم بعد عامي هذا) لعل ها هنا للإشفاق، وفيه تحريض على أخذ المناسك منه وحفظها وتبلغيها عنه، قال المظهر: لعل للترجي وقد تستعمل بمعنى الظن وعسى، كذا في المرقاة، وفي رواية مسلم " لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه ". قال الزرقاني: لعلي أي ظن ويحتمل أن لعل للتحقيق كما يقع في كلام الله تعالى كثيرًا. وقال النووي: فيه إشارة إلى توديعهم وإعلامهم بقرب وفاته صلى الله عليه وسلم وحثهم على الاعتناء بالأخذ عنه وانتهاز الفرصة من ملازمته وتعلم أمور الدين، وبهذا سميت حجة الوداع (لم أجد هذا الحديث في الصحيحين) أي في أحاديثهما حتى يشمل جامع الأصول للجزري، والجمع بين الصحيحين للحميدي فافهم. وهذا اعتراض على صاحب المصابيح في إيراده في الصحاح أي الفصل الأول (إلا في جامع الترمذي) استثناء منقطع أي لكن وجدته فيه (مع تقديم وتأخير) هذا أيضًا متضمن لاعتراض آخر. قلت: قال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان نا وكيع وبشر بن السري وأبو نعيم قالوا: نا سفيان بن عيينة عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أوضع في وادي محسر، وزاد فيه بشر " وأفاض من جمع وعليه السكينة وأمرهم بالسكينة " وزاد فيه أبو نعيم " وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف وقال: لعلي لا أراكم بعد عامي هذا ". قال الترمذي: حديث جابر حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجة والبيهقي (ج 5: ص 125) من طريق الثوري عن أبي الزبير عن جابر بنحو رواية الترمذي، وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي بلفظ " أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه السكينة وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف وأوضع في وادي محسر " وأخرج أحمد أيضًا ومسلم وأبو داود (في رواية أبي الحسن ابن العبد وأبي بكر بن داسة) والنسائي والبيهقي (ج 5: ص 130) كلهم من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر ويقول: " لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلى لا أحج بعد حجتي هذه ". وقد ذكره المصنف في باب رمي الجمار.
2636- قوله (عن محمد بن قيس بن مخرمة) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء، ابن المطلب بن عبد مناف بن قصي القرشي المطلبي المكي. قال الحافظ في التقريب: يقال له رؤية، وقد وثقه أبو داود وغيره، وقال
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 162)
" إن أهل الجاهلية كانوا يدفعون من عرفة حين تكون الشمس كأنها عمائم الرجال في وجوههم قبل أن تغرب، ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس حين تكون كأنها عمائم الرجال في وجوههم، وإنا لا ندفع من عرفة حتى تغرب الشمس، وندفع من المزدلفة قبل أن تطلع الشمس، هدينا مخالف لهدي عبدة الأوثان والشرك ".
ــ
في تهذيب التهذيب: روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً وعن أبي هريرة وعائشة وعن أمه عن عائشة، روى عنه ابنه حكيم وعبد الله بن كثير بن المطلب ومحمد بن عجلان ومحمد بن إسحاق وابن جريج وغيرهم. قال أبو داود: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات وذكر العسكري أنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير. وقال في الإصابة في ترجمته: ذكره العسكري وقال: لحق النبي صلى الله عليه وسلم، وذكره ابن أبي داود والباوردي في الصحابة، وجزم البغوي وابن مندة وغيرهما بأن حديثه مرسل يعني فهو من التابعين. وروى أيضًا عن أبيه وعمر، وروى أيضًا عن أمه وعن عائشة – انتهى. وذكره المصنف في التابعين، فالحديث مرسل (إن أهل الجاهلية) أي غير قريش (كانوا يدفعون) أي يرجعون (في وجوههم) الجار متعلق بتكون وجملة التشبيه معترضة (قبل أن تغرُب) بضم الراء، ظرف ليدفعون أو بدل من حين، نقل الطيبي عن القاضي شبه ما يقع من ضوء الشمس على الوجه طرفي النهار حين ما دنت الشمس من الأفق بالعمامة لأنه يلمع في وجهه لمعان بياض العمامة – انتهى. وقيل المراد كأن الشمس حين غاب نصفها عمامة على رأس الجبل، لأن شكل العمامة شكل نصف الكرة فإن قلت: قوله " في وجوههم " يدل على ما ذكره الطيبي قلت: نعم إن كان متعلقاً بقوله تكون الشمس وليس بمتعين بل يحتمل أن يتعلق بعمائم الرجال ظرفًا مستقرًا. كذا في اللمعات، وقال القاري: قال بعض الشراح قوله " حين تكون الشمس كأنها عمائم الرجال في وجوههم " أي حين تكون الشمس في وجوههم كأنها عمائم الرجال، وذلك بأن يقع في الجهة التي تحاذي وجوههم، وإنما لم يقل " على رؤوسهم " لأن في مواجهة الشمس وقت الغروب إنما يقع ضوئها على ما يقابلها ولم يتعد إلى ما فوقه من الرأس لانحطاطها، وكذا وقت الطلوع، وإنما شبهها بعمائم الرجال لأن الإنسان إذا كان بين الشعاب والأودية لم يصبه من شعاع الشمس إلا الشيء اليسير الذي يلمع في جنبيه لمعان بياض العمامة والظل يستر بقية وجهه وبدنه، فالناظر إليه يجد ضوء الشمس في وجهه مثل كور العمامة فوق الجبين، والإضافة في " عمائم " لمزيد التوضيح كما قاله الطيبي أو للاحتراز عن نساء الأعراب فإن على رؤوسهن ما يشبه العمائم كما قاله ابن حجر – انتهى كلام القاري. (ومن المزدلقة) أي يرجعون (وإنا لا ندفع من عرفة حتى تغرب الشمس) فيكره النفر قبل ذلك عند بعضهم، والأكثرون على أن الجمع بين الليل والنهار واجب (وندفع من المزدلفة قبل أن تطلع الشمس) أي عند الإسفار فيكره المكث بها إلى طلوع الشمس اتفاقًا (هدينا) أي سيرتنا وطريقتنا (والشرك) أي أهله، والجملة استينافية فيها معنى
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 163)
رواه.......
2637 – (10) وعن ابن عباس، قال: قدمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب
ــ
التعليل وفي المصابيح " لهدي أهل الأوثان والشرك " (رواه) كذا في الأصل بياض هنا، وفي نسخة صحيحة كتب في الهامش " رواه البيهقي " أي في شعب الإيمان، ذكره الجزري، ولفظ البيهقي " خطبنا " وساقه بنحوه، كذا في المرقاة، قلت: روى البيهقي في السنن (ج 5: ص 125) من طريق عبد الوارث بن سعيد عن ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة عن المسور بن مخرمة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإن أهل الشرك والأوثان – الحديث. قال البيهقي: ورواه عبد الله بن إدريس عن ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم عرفة فقال: هذا يوم الحج الأكبر ثم ذكر ما بعده بمعناه مرسلاً – انتهى. والحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (ج 3: ص 255) من رواية المسور بن مخرمة قال: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح. وقال الحافظ في تخريج الهداية (ص 194) بعد ذكره عن المسور بن مخرمة أخرجه الحاكم وصححه والبيهقي من طريقه ثم من طريق ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة عنه، وهو عند الشافعي ثم عند البيهقي من هذا الوجه ليس فيه المسور، وذكره صاحب المهذب (أبو إسحاق الشيرازي) عن المسور، وخطأه ابن دقيق العيد فقال: إنما هو محمد بن قيس بن مخرمة كذا قال، وكأنه لم يقف على الرواية الموصولة (عند الحاكم والبيهقي) وروى ابن أبي شيبة عن ابن أبي زائدة عن ابن جريج أخبرت عن محمد بن قيس بن مخرمة نحوه، وهذا يقتضي انقطاع طريقي الحاكم انتهى كلام الحافظ وهو ملخص ما ذكره الزيلعي في نصب الراية (ج 3: ص 67) وحديث المسور بن مخرمة لم أجده في المستدرك في مظانه، وأما حديث محمد بن قيس بن مخرمة فرواه الشافعي في الأم (ج 2: ص 180) عن مسلم بن خالد عن ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان أهل الجاهلية يدفعون من عرفة قبل أن تغيب الشمس، ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير. فأخر الله تعالى هذه وقدم هذه يعني قدم المزدلفة قبل أن تطلع الشمس وأخر عرفة إلى أن تغيب الشمس – انتهى. وذكره الشيخ عبد الرحمن الساعاتي في بدائع المنن (ج 2: ص 57، 58) بلفظ المشكاة.
2637 – قوله (قدمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي أمرنا بالتقدم إلى منى أو أرسلنا قدامه (أغيلمة بني عبد المطلب) أي صبيانهم، وفيه تغليب الصبيان على النسوان، وهو بدل من الضمير في قدمنا، وقال القاري: نصبه على الاختصاص أو على إضمار أعني أو عطف بيان من ضمير قدمنا. قال الخطابي: أغيملة تصغير غلمة، وكان القياس غليمة لكنهم ردوه إلى أفعلة فقالوا: أغيملة أي كأنهم صغروا أغلمة وإن لم يقولوه كما قالوا أصيبية في تصغير الصبية. وقال القاري: هو تصغير
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 164)
على حمرات، فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: " أبيني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس ".
ــ
شاذ لأن قياس غلمة – بكسر الغين – غليمة، وقيل: هو تصغير أغلمة جمع غلام قياسًا وإن لم يستعمل، والمستعمل غلمة في القلة والغلمان في الكسرة. وقال الجزري في جامع الأصول: أغيلمة تصغير أغلمة قياسًا ولم تجيء، كما أن أصيبية تصغير أصبية ولم تستعمل، إنما المستعمل صبية وغلمة. وقال في النهاية: تصغير أغلمة بسكون الغين وكسر اللام جمع غلام وهو جائز في القياس ولم يرد في جمع الغلام أغلمة، وإنما ورد غِلمة بكسر الغين المعجمة (على حمرات) بضمتين جمع حمر جمع تصحيح وحمر جمع حمار وهي حال من المفعول أي راكبين على حمرات، وهذا يدل على أن الحج على الحمار غير مكروه في السفر القريب (فجعل) أي فشرع النبي صلى الله عليه وسلم (يلطح) بفتح الياء التحتية والطاء المهملة بعدها حاء مهملة أي يضرب (أفخاذنا) جمع فخذ، قال الجزري: اللطح هو الضرب الخفيف أي اللين ببطن الكف أي يضرب بيده أفخاذنا ضربًا خفيفًا. وإنما فعل ذلك ملاطفة لهم (أبيني) بضم الهمز وفتح الباء الموحدة وسكون ياء التصغير بعدها نون مكسورة ثم ياء مشددة مفتوحة. قال السندي: قيل هو تصغير أبنى كأعمى وأعيمى وهو اسم مفرد يدل على الجمع أو جمع ابن مقصورًا كما جاء ممدودًا، بقى أن القياس حنئذ عند الإضافة إلى ياء المتكلم أبيناي فكأنه رد الألف إلى الواو على خلاف القياس، ثم قلب الواو ياء وأدغم الياء في الياء وكسر ما قبله، ويحتمل أن يكون مقصور الآخر لا مشددة فالأمر أظهر، والله تعالى أعلم. وقال الجزري في النهاية: قد اختلف في صيغته ومعناه فقيل: إنه تصغير أبنى كأعمى وأعيمى، وهو اسم مفرد يدل على الجمع، وقيل: إن ابنا يجمع على أبني وأبناء مقصورًا وممدودًا، وقيل: هو تصغير ابن، وفيه نظر. وقال أبو عبيدة: هو تصغير بني جمع ابن مضافًا إلى النفس أي ياء المتكلم فهذا يوجب أن يكون اللفظ في الحديث بنيي بوزن سريجي – انتهى. وقال القاري: هو تصغير ابن مضاف إلى النفس أو بعد جمعه جمع السلامة إلا أنه خلاف القياس، لأن همزته همزة وصل، والقاعدة أن التصغير يرد الشيء إلى أصله مثل الجمع، ومنه قوله تعالى {المال والبنون} فأصل ابن بنوّ فهو من الأسماء المحذوفة العجز، فالظاهر أن يقال بني إلا أنه كان يلتبس بالمفرد فزيد فيه الهمزة – انتهى. قال: والمراد يا أبنائي أو يا بني (لا ترموا الجمرة) أي جمرة العقبة يوم النحر (حتى تطلع الشمس) هذا يدل على أن وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر من بعد طلوع الشمس وإن كان الرامي ممن أبيح له التقدم إلى منى وأذن له في عدم المبيت بمزدلفة. قال الشوكاني: والأدلة تدل على أن وقت الرمي من بعد طلوع الشمس لمن كان لا رخصة له، ومن كان له رخصة كالنساء وغيرهن من الضعفة جاز قبل ذلك ولكنه لا يجزئ في أول ليلة النحر إجماعًا – انتهى. اعلم أن العلماء اختلفوا في الوقت الذي يجوز فيه رمي جمرة العقبة من للضعفة وغيرهم مع إجماعهم على أن من رماها بعد طلوع الشمس أجزأه ذلك، فذهب الشافعي وأحمد وعطاء وأسماء بنت أبي بكر وعكرمة وخالد وطاوس والشعبي إلى أن أول الوقت
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 165)
..............................................................................................
ــ
الذي يجزئ فيه رمي جمرة العقبة هو ابتداء النصف الأخير من ليلة النحر، واستدل لهم بحديث عائشة الذي ذكره المصنف بعد هذا وهو حديث صحيح، ويعتضد هذا بما رواه الخلال من طريق سليمان بن أبي داود عن هشام بن عروة عن أبيه قال أخبرتني أم سلمة قالت: قدمني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن قدم من أهله ليلة المزدلفة، قالت: فرميت بليل ثم مضيت إلى مكة فصليت بها الصبح ثم رجعت إلى منى، كذا ذكره ابن القيم. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن أول وقته من بعد طلوع الفجر، وأول الوقت المستحب بعد طلوع الشمس وما بعد الزوال إلى الغروب وقت الجواز بلا إساءة، فإن رمى قبل طلوع الشمس وبعد طلوع الفجر جاز وإن رماها قبل الفجر أعادها، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة واستدل لذلك بما رواه الطحاوي بسنده عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر نساءه وثقله صبيحة جمع أن يفيضوا مع أول الفجر بسواد ولا يرموا الجمرة إلا مصبحين، وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه في الثقل وقال: لا ترموا الجمار حتى تصبحوا، وذهب النخعي ومجاهد والثوري وأبو ثور إلى أن أول وقته يبتدئ من بعد طلوع الشمس فلا يجوز رميها عندهم لا بعد طلوع الشمس، واستدلوا لذلك بحديث ابن عباس الذي نحن في شرحه. قالوا: إذا كان من رخص له منع أن يرمي قبل طلوع الشمس فمن لم يرخص له أولى، وأجاب الحنفية عن هذا بأنه محمول على بيان الوقت المستحب والفضيلة، وما رواه الطحاوي فيه بيان وقت الجواز، وأما حديث عائشة الآتي في قصة أم سلمة فأجابوا عنه بأنه ليس فيه دلالة على أنه عليه الصلاة والسلام علم ذلك وأقرها عليه ولا أنه أمرها أن ترمي ليلاً، ويمكن أن يراد بقوله " فرمت قبل الفجر " أي قبل صلاة الفجر، وقيل: إن حديث أم سلمة رخصة خاصة لها، وذهب بعض أهل العلم إلى أن أول وقته للضعفة من طلوع الفجر ولغيرهم من بعد طلوع الشمس وهو اختيار ابن القيم واستدل لذلك بحديث أسماء عند الشيخين أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلقة فقامت تصلي، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا. فصلت ساعة ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: نعم. قالت: فارتحلوا. فارتحلنا ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: يا هنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا. قالت: يا بني إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للظعن – انتهى. فهذا الحديث صريح أن أسماء رمت الجمرة قبل طلوع الشمس بل بغلس، وقد صرحت بأنه صلى الله عليه وسلم أذن في ذلك للظغن، ومفهومه أنه لم يأذن للأقوياء الذكور، واستدل لذلك أيضًا بحديث ابن عمر عند الشيخين أيضًا أنه كان يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل فيذكرون الله عز وجل ما بدا لهم ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك فإذا قدموا رموا الجمرة. وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله صلى الله عليه وسلم – انتهى. وهذا يدل دلالة واضحة على الترخيص للضعفة في رمي جمرة العقبة بعد الصبح قبل طلوع الشمس كما ترى. ومفهومه أنه لم يرخص لغيرهم في ذلك. قال
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 166)
..............................................................................................
ــ
الشنقيطي: إن الذي يقتضي الدليل رجحانه في هذه المسألة أن الذكور الأقوياء لا يجوز لهم رمي جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس وأن الضعفة والنساء لا ينبغي التوقف في جواز رميهم بعد الصبح قبل طلوع الشمس لحديث أسماء وابن عمر المتفق عليهما الصريحين في الترخيص لهم في ذلك، وأما رميهم أعني الضعفة والنساء قبل طلوع الفجر فهو محل نظر فحديث عائشة عند أبي داود (الآتي) يقتضي جوازه وحديث ابن عباس عند أصحاب السنن (يعني الذي نحن في شرحه) يقتضي منعه. وقد جمعت بينهما جماعة من أهل العلم فجعلوا لرمي جمرة العقبة وقتين: وقت فضيلة ووقت جواز، وحملوا حديث ابن عباس على وقت الفضيلة وحديث عائشة على وقت الجواز. وله وجه من النظر، والعلم عند الله تعالى. أما الذكور الأقوياء فلم يرد في الكتاب ولا السنة دليل يدل على جواز رميهم جمرة العقبة قبل طلوع الشمس لأن جميع الأحاديث الواردة في الترخيص في ذلك كلها في الضعفة وليس شيء منها في الأقوياء الذكور، وقد قدمنا أن قياس القوي على الضعيف الذي رخص له من أجل ضعفه قياس مع وجود الفارق وهو مردود كما هو مقرر في الأصول، لأن الضعف الموجود في الأصل المقيس عليه الذي هو علة الترخيص المذكور ليس موجودًا في الفرع المقيس الذي هو الذكر القوي كما ترى – انتهى. ثم اعلم أن وقت رمي جمرة العقبة يمتد إلى آخر نهار يوم النحر فمن رماها قبل الغروب من يوم النحر فقد رماها في وقت لها. قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقت لها وإن لم يكن ذلك مستحباً لها – انتهى. فإن فات يوم النحر ولم يرمها فقال بعض أهل العلم يرميها ليلاً، ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم رمها ليلاً أداء لا قضاء، وهو أحد وجهين مشهورين للشافعية، حكاهما صاحب التقريب والشيخ أبو محمد الجويني وولده إمام الحرمين وآخرون. وروى مالك عن نافع أن ابنة أخ لصفية بنت أبي عبيد نفست بالمزدلفة فتخلفت هي وصفية حتى أتتا من بعد أن غربت الشمس من يوم النحر فأمرهما عبد الله بن عمر أن ترميا ولم ير عليهما شيئًا – انتهى. وهذا يدل على أن ابن عمر يرى أن رميها في الليل أداء لمن كان له عذر كصفية وابنة أخيها. وممن قال برميها ليلاً الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأصحابهم. وفي الموطأ (في آخر باب الرخصة في رمي الجمار) قال يحيى: سئل مالك عمن نسي جمرة من الجمار في بعض أيام منى حتى يمسي قال: ليرم أية ساعة ذكر من ليل أو نهار كما يصلي الصلاة إذا نسيها ثم ذكرها ليلاً أو نهاراً، فإن كان ذلك بعد ما صدر وهو بمكة أو بعدما يخرج منها فعليه الهدي واجب. وقال الشيخ شهاب الدين أحمد الشلبي في حاشيته على تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق: ولو أخر الرمي إلى الليل رماها ولا شيء عليه لأن الليل تبع لليوم في مثل هذا كما في الوقوف بعرفة فإن أخره إلى الغد رماها وعليه دم. – انتهى. وقال بعض أهل العلم: إن غربت الشمس من يوم النحر وهو لم يرم جمرة العقبة لم يرمها في الليل ولكن يؤخر رميها حتى تزول الشمس من الغد. قال ابن قدامة (ج 3: ص 429) : فإن أخرها إلى الليل لم يرمها حتى تزول الشمس، واستدل لجواز الرمي ليلاً بما رواه البخاري عن ابن
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 167)