..............................................................................................
ــ
بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} (9: 28) فأعاضهم الله تعالى من ذلك الجزية، ونزل هذه الآيات، والمناداة بها إنما كان عام تسع، وبعث الصديق رضي الله عنه بذلك في مكة في موسم الحج، وأردفه بعلي رضي الله عنه، وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحد من السف والله أعلم - انتهى من زاد المعاد. فتحصل أن آية: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} لم تدل على وجوب الحج ابتداء، وإنما دلت على وجوب إتمامه بعد الشروع فيه كما هو ظاهر اللفظ، ولو كان يتعين كونه يدل على ابتداء الوجوب لما حصل خلاف بين أهل العلم في وجوب العمرة، والحلاف في وجوبها معروف وسيأتي إن شاء الله إيضاحه، بل الذي أجمعوا عليه وهو وجوب إتمامها بعد الشروع فيها، كما هو ظاهر الآية، وأن قصة ضمام بن ثعلبة كانت عام تسع كما رجحه الحافظ وغيره، فظهر سقوط الاستدلال بها وبالآية الكريمة، وأن الحج إنما فرض عام تسع كما أوضحه ابن القيم في كلامه المذكور آنفًا، لأن آية {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} هي الآية التي فرض بها الحج، وهي من صدر سورة آل عمران، وقد نزل عام الوفود وفيه وفد نجران، وصالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع كما تقدم قريبًا، وعلى كون الحج إنما فرض عام تسع غير واحد من العلماء، وهو الصواب إن شاء الله تعالى. وبه تعلم أنه لا حجة في تأخير النبي صلى الله عليه وسلم الحج عام فتح مكة، لأنه انصراف من مكة والحج قريب ولم يحج، لأنه لم يفرض، فإن قيل: سلمنا تسليمًا جدليًا أن سبب تأخيره الحج عام فتح مكة مع تمكنه منه، وقدرته عليه أن الحج لم يكن مفروضًا في ذلك الوقت وقد اعترفتم بأن الحج فرض عام تسع، وهو صلى الله عليه وسلم لم يحج عام تسع، بل أخر حجه إلى عام عشر، وهذا يكفينا في الدلالة على أن وجوبه على التراخي، إذ لو كان على الفور لما أخره بعد فرضه إلى عام عشر فالجواب والله تعالى أعلم: أن عام تسع لم يتمكن فيه النبي وأصحابه من منع المشركين من الطواف بالبيت وهم عراة، وقد بين الله تعالى في كتابه أن منعهم من قربان المسجد الحرام إنما هو بعد ذلك العام الذي هو عام تسع، وذلك في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} وعامهم هذا هو عام تسع، فدل على أنه لم يمكن منعهم عام تسع، ولذا أرسل عليًا رضي الله عنه بعد أبي بكر ينادي ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا عريان، فلو بادر صلى الله عليه وسلم إلى الحج عام تسع لأدى ذلك إلى رؤيته المشركين يطوفون بالبيت وهم عراة، وهو لا يمكنه أن يحضر ذلك، ولاسيما في حجة الوداع التي يريد أن يبين للناس فيها مناسك حجهم، فأول وقت أمكنه فيه الحج صافيًا من الموانع والعوائق بعد وجوبه عام عشر، وقد بادر بالحج فيه. وأجابوا عن قولهم: ((إنه لو أخره من سنة إلى أخرى، أو إلى سنين، ثم فعله بعد ذلك فإنه يسمى مؤديًا لا قاضيًا بالإجماع، ولو حرم التأخير لكان قضاء)) بأن القضاء لا يكون إلا في العبادة المؤقتة بوقت معين، ثم خرج ذلك الوقت المعين لها كما هو مقرر في الأصول، والحج لم يؤقت بزمن معين، والعمر كله وقت له، وذلك لا ينافي وجوب بالمبادرة خوفًا من طرو العوائق أو نزول الموت قبل الأداء كما تقدم إيضاحه، وأجابوا عن قولهم: ((إن من تمكن
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 387)
..............................................................................................
ــ
من أداء الحج ثم أخره ثم فعله لا ترد شهادته فيما بين فعله وتأخيره ولو كان التأخير حرامًا لردت شهادته لارتكابه ما لا يجوز)) بأنه ما كل من ارتكب ما لا يجوز ترد شهادته بل لا ترد إلى بما يؤدي إلى الفسق وهنا قد يمنع من الحكم بتفسيقه مراعاة الخلاف. وقول من قال: ((إنه لم يرتكب حرامًا)) وشبهت الأدلة التي أقاموها على ذلك وأجاب القائلون بالتراخي عن الاحتجاج بأن الأمر يقتضي الفور من وجهين: أحدهما: أن أكثر الشافعية قالوا: إن الأمر المطلق المجرد عن القرائن لا يقتضي الفور بل هو على التراخي، هذا هو المعروف في كتب الشافعية في الأصول، ونقله القاضي أبو الطيب في تعليقه في هذه المسألة عن أكثر الشافعية، والثاني: أنه يقتضي الفور، وهنا قرينة ودليل يصرفه إلى التراخي، وهو ما تقدم من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر أصحابه أنهم أخروا الحج إلى عام عشر، وأما حديث ((من أراد الحج فليتعجل)) فجوابه من وجهين: أحدهما: أنه حجة لنا لأنه فوض فعله إلى إرادته واختياره، ولو كان على الفور لم يفوض تعجيله إلى اختياره. والثاني: أنه ندب جمعًا بين الروايتين. قال المحب الطبري: الأمر في حديث ابن عباس ((تعجلوا الحج)) وفي حديث أبي هريرة ((حجوا قبل أن لا تحجوا)) أخرجه الدارقطني، محمول على الندب، ويؤيد ذلك قوله: ((من أراد الحج فليتعجل)) فقوله: ((فليتعجل)) محمول على الندب لا محالة، ولا يجوز حمله على الوجوب لأن الخطاب لا يخلوا إما أن يكون لمن وجب عليه الحج أو لمن لم يجب عليه، فإن كان الثاني فظاهر ما ذكرناه، وإن كان الأول وهو الأظهر بدليل الحديث الآخر يعني الفريضة كان فيه دلالة على أن الخطاب الأول ما اقتضى الفورية، وإلا لزم التكرار لا لفائدة مع قبحه من حيث ربطه بالإرادة، فإن من قال لعبده: افعل كذا الساعة على وجه الإلزام، ثم قال: إن أردت أن تفعل كذا فافعله الساعة. عد هذا مناقضًا للأول وكل من قال إنه على التراخي حمل هذا على الاستحباب ولا يلزم على ذلك تناقض، فإن من قال لعبده: افعل كذا في جميع النهار. ثم قال: إن أردت فعل هذا الواجب عليك على وجه الأولوية فافعله الساعة. كان هذا الكلام جاريًا على نهج الاستقامة ولا يعد مناقضًا للأول، فكان حمل الكلام الفصيح عليه أولى – انتهى. قالوا: وأما الجواب عن حديث ((فليمت إن شاء يهوديًا)) فمن أوجه: أحدها: أنه ضعيف، والثاني: أن الذم لمن أخره إلى الموت. ونحن نوافق على تحريم تأخيره إلى الموت، والذي نقول بجوازه هو التأخير بحيث يفعل قبل الموت. الثالث: أنه محمول على من تركه معتقدًا عدم وجوبه مع الاستطاعة فهذا كافر، ويؤيد هذا التأويل أنه قال: ((فليمت إن شاء يهوديًا أو نصرانيًا)) وظاهره أنه يموت كافر ولا يكون ذلك إلا إذا اعتقد عدم وجوبه مع الاستدامة، وإلا فقد أجمعت الأمة على أن من تمكن من الحج فلم يحج ومات لا يحكم بكفره بل هو عاص، فوجب تأويل الحديث لو صح، هكذا ذكر الشنقيطي في أضواء البيان أدلة الفريقين وأجوبتهم. والراحج عندنا هو ما ذهب إليه أحمد ومن وافقه لقوة أدلته، قال الشنقيطي: أظهر القولين عندي وألقيهما بعظمة خالق السماوات والأرض وهو أن وجوب أوامره جل وعلى كالحج على الفور على التراخي لما قدمنا من النصوص الدالة على الأمر بالمبادرة، وللخوف من مباغتة الموت كقوله: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} الآية، وما قدمنا معها من الآيات،
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 388)
رواه أبو داود، والدارمي.
2548- (20) وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما
ينفيان الفقر والذنوب
ــ
وكقوله: {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} ولما قدمنا من أن الشرع واللغة والعقل كلها يدل على أن أوامر الله تجب على الفور، وقد بينا أوجه الجواب عن كونه صلى الله عليه وسلم لم يحج حجة الإسلام إلا سنة عشر، والعلم عند الله تعالى. (رواه أبو داود، والدارمي) ، وأخرجه أيضًا أحمد (ج1: ص225) ، والحاكم (ج1: ص448) ، والبيهقي (ج4: ص339، 340) ، والدولابي في الكنى (ج2: ص12) كلهم من طريق أبي معاوية عن الحسن بن عمرو الفقيمي عن مهران أبي صفوان عن ابن عباس، وهذا إسناد جيد قد سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأخرج أيضًا أحمد (ج1: ص214: 323، 355) ، وابن ماجة، والطحاوي، والبيهقي (ج4: ص340) من طريق أبي إسرائيل الملائي عن فضيل بن عمرو عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس أو عن الفضل بن عباس أو عن أحدهما عن صاحبه بلفظ: ((من أراد أن يحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة)) وفي رواية لأحمد (ج1: ص314) عن ابن عباس: ((تعجلوا إلى الحج يعني الفريضة، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له)) وهذا إسناد ضعيف لضعف أبي إسرائيل الملائي، وهو إسماعيل الكوفي، وللتردد بين ابن عباس وأخيه الفضل، فإن سعيد بن جبير سمع عبد الله بن عباس، ولكنه لم يدرك الفضل.
2548- قوله (تابعوا بين الحج والعمرة) أي أوقعوا المتابعة بينهما بأن تجعلوا كلاً منهما تابعًا للآخر. قال السندي: أي اجعلوا أحدهما تابعًا للآخر واقعًا على عقبه، أي إذا حججتم فاعتمروا، وإذا اعتمرتم فحجوا فإنهما متتابعان. وقال الحفني: أي ائتوا بهما متتابعين من غير طول فصل جدًا، وليس المراد بالمتابعة تعاقبهما من غير فاصل بل المراد كون الثاني بعد الأول بدون فاصل كبير بحيث ينسب للأول عرفًا، وقال المحب الطبري: يجوز أن يراد به التتابع المشار إليه في قوله تعالى: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} (4: 92 - 58: 4) فيأتي بكل واحد من النسكين عقيب الآخر بحيث لا يتخلل بينهما زمان يصح إيقاع الثاني فيه يعني يأتي بكل منهما عقب الآخر بلا فصل، وهو الظاهر من لفظ المتابعة، ويحتمل أن يراد به إتباع أحدهما الآخر ولو تخلل بينهما زمان بحيث يظهر مع ذلك الاهتمام بهما، ويطلق عليه عرفًا أنه ردفه وتبعه وهذا الاحتمال أظهر إذ القصد الاهتمام بهما وعدم الإهمال وذلك يحصل بما ذكرناه وسواء تقدمت العمرة أو تأخرت لأن اللفظ يصدق على الحالين - انتهى. (فإنهما) أي الحج والاعتمار (ينفيان) أي كل منهما (الفقر) أي يزيلانه وهو يحتمل الفقر الظاهر بحصول غنى اليد والفقر الباطن بحصول غنى القلب (والذنوب) أي يمحوانها، وفي
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 389)
كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة. رواه
الترمذي، والنسائي.
2549- (21) ورواه أحمد، وابن ماجة عن عمر إلى قوله: ((خبث الحديد)) .
ــ
حديث عامر بن ربيعة عند أحمد (ج3: ص446) ((فإن متابعة بينهما تنفي الفقر والذنوب)) وفي أخرى له (ج3: ص447) وللطبراني في الكبير ((فإن متابعة بينهما تزيد في العمر والرزق وتنفيان الفقر والذنوب)) وحديث عامر يدل على أن الله تعالى أعلم نبيه بأنه يترتب على تتابعهما ذلك لأمر علمه الشارع فذلك خصوصية للتتابع لا تحصل بدونه، قيل المراد بالذنوب الصغائر ولكن يأباه قوله: (كما ينفي الكِير) بكسر الكاف وهو ما ينفخ فيه الحداد من الزق لاشتعال النار للتصفية، وأما الموضع الذي يوقد فيه الفحم من حانوت الحداد فهو الكُور، بضم الكاف، وقيل: بالعكس، وقيل: لا فرق بينهما (خبث الحديد والذهب والفضة) أي وسخها، والخبث: بفتحتين الوسخ والردئ الخبيث، مثل متابعتهما في إزالة الذنوب بإزالة النار الخبث، لأن الإنسان مركوز في جبلته القوة الشهوية والغضبية محتاج لرياضة تزيلها والحج جامع لأنواع الرياضات من إنفاق المال وجهد النفس بالجوع والظمأ والسهر واقتحام المهالك ومفارقة الوطن ومهاجرة الإخوان والخلان وغير ذلك. والحديث قد استدل به على وجوب العمرة فإن ظاهره التسوية بين أصل الحج والعمرة، وفيه أن هذا استدلال بمجرد الاقتران، ومجرد اقتران العمرة بالحج لا يكون دليلاً على وجوبها لما تقرر في الأصول من ضعف دلالة الاقتران لاسيما وقد عارضها ما ورد من الأدلة القاضية بعدم الوجوب وأما الأمر بالمتابعة فهو مصروف عن معناه الحقيقي بما سلف، وسيأتي الكلام في هذه المسألة في شرح حديث أبي رزين العقيلي (وليس للحجة المبرورة) قيل: المراد بها الحج المقبول المقابل بالبر وهو الثواب ومن علامات القبول أن يرجع خيرًا مما كان ولا يعاود المعاصي. وقيل: هي التي لا يخالطها شيء من الإثم، مأخوذ من البر وهو الطاعة، ورجحه النووي. وقيل: هي التي لا رياء فيها وقيل: هي التي لا يعقبها معصية، وهما داخلان فيما قبلهما وقال القرطبي: الأقوال في تفسير الحج المبرور متقاربة المعنى وحاصلها أنه الحج الذي وفيت أحكامه فوقع موافقًا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل (ثواب إلا الجنة) بالرفع والنصب أي لا يقتصر لصاحبها من الجزاء على تكفير ذنوبه بل لا بد أن يدخل الجنة مع السابقين، وقوله: ((إلا الجنة)) هو للترمذي فقط، وفي السنن للنسائي: ((دون الجنة)) وكذا وقع في المسند وصحيح ابن حبان كما في الموارد (رواه الترمذي) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب (والنسائي) وأخرجه أيضًا أحمد (ج1: ص387) ، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما.
2549- قوله: (رواه أحمد) (ج1: ص25، وج3: ص447) (وابن ماجة عن عمر) إلخ، وأخرجه أيضًا
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 390)
2550- (22) وعن ابن عمر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ما يوجب الحج؟
قال: الزاد والراحلة.
ــ
ابن أبي خثيمة في تاريخه، وابن الجوزي في مثير الغرام الساكن، وهو: حديث ضعيف، لأن مداره على عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف لكن المتن صحيح من حديث عبد الله بن مسعود، وفي الباب عن عامر بن ربيعة، أخرجه أحمد، والطبراني في الكبير، وفيه أيضًا عاصم بن عبيد الله، وعن ابن عمر عند الطبراني في الكبير، والدارقطني في الأفراد، ورمز السيوطي لضعفه، وقال الهيثمي بعد عزوه للطبراني: وفيه حجاج بن نصير، وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه النسائي وغيره، وعن جابر عند البزار، وعن ابن عباس عند الطبراني في الأوسط، ذكرهما الهيثمي مع الكلام فيهما.
2550- قوله: (ما يوجب الحج؟) أي: ما شرط وجوب الحج؟ (قال: الزاد والراحلة) يعني أن الحج واجب على من وجدهما ذهابًا وإيابًا. واقتصر من بين سائر الشروط عليه لأنه الأصل والأهم المقدم قاله القاري. اعلم: أن الحج إنما يجب بخمس شروط: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم، فأما الكافر فإنه غير مخاطب بفروع الدين خطابًا يلزمه أداء ولا يوجب قضاء، وأما الصبي والمجنون فليسا بمكلفين بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل. رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن. وأما العبد فلا يجب عليه لأنه عبادة تطول مدتها وتتعلق بقطع مسافة وتشترط لها الاستطاعة بالزاد والراحلة فتضيع حقوق سيده المتعلقة به فلم يجب عليه كالجهاد، ولما روى ابن عباس مرفوعًا: أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة الإسلام. أخرجه ابن خزيمة، والإسماعيلي في مسند الأعمش، والحاكم، والبيهقي، وابن حزم وصححه. والخطيب في التاريخ. رواه بعضهم موقوفًا على ابن عباس ولا يضر ذلك فإن رواية المرفوع قوية، فالحديث لا يقل عن درجة الاحتجاج. ووجه الدلالة منه على أن الحرية شرط في وجوب الحج أنه لو حج وهو مملوك ثم أعتق بعد ذلك لزمته حجة الإسلام، فلو كان واجبًا عليه في حال كونه مملوكًا أجزأه عن حجة الإسلام كما هو ظاهر وأما غير المستطيع فإنه لا يجب عليه لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا} (2: 286) وقال سبحانه وتعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} فخص المستطيع بالوجوب فيدل على نفيه عن غيره. قال ابن قدامة: وهذه الشروط الخمسة تنقسم أقسامًا ثلاثة منها: ما هو شرط للوجوب والصحة وهو: الإسلام، والعقل. فلم يجب على كافر ولا مجنون ولا تصح منهما، لأنهما ليسا من أهل العبادات، ومنها: ما هو شرط للوجوب والإجزاء. وهو: البلوغ، والحرية. وليس بشرط للصحة فلو حج الصبي والعبد صح حجهما ولم يجزئهما عن حجة الإسلام، ومنها: ما هو شرط للوجوب فقط وهو الاستطاعة، فلو تجشم غير المستطيع المشقة وسار بغير زاد وراحلة فحج كان حجه صحيحًا مجزئًا، كما لو تكلف القيام في الصلاة والصيام من يسقط
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 391)
..............................................................................................
ــ
عنه أجزأه. قال: واختلفت الرواية أي عن أحمد في شرطين وهما تخلية الطريق وهو: أن لا يكون في الطريق مانع من: عدو ونحوه وإمكان المسير، وهو: أن تكمل فيه هذه الشرائط والوقت متسع يمكنه الخروج إليه، فروى أنهما من شرائط الوجوب فلا يجب الحج بدونهما، لأن الله تعالى إنما فرض الحج على المستطيع وهذا غير مستطيع، ولأن هذا يتعذر معه فعل الحج فكان شرطًا كالزاد والراحلة، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي، وروى أنهما ليسا من شرائط الوجوب وإنما يشترطان للزوم السعي فلو كملت هذه الشروط الخمسة ثم مات قبل وجود هذين الشرطين حج عنه بعد موته، وإن أعسر قبل وجودهما بقى في ذمته وهذا ظاهر كلام الخرقي فإنه لم يذكرهما، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة. قال الترمذي: هذا حديث حسن - انتهى. وقال الشنقيطي بعد ذكر الشرائط الخمسة: أما العقل فكونه شرطًا في وجوب كل تكليف واضح لأن غير العاقل لا يصح تكليفه بحال، وأما اشتراط البلوغ فواضح، لأن الصبي مرفوع عنه القلم حتى يحتلم، فالبلوغ والعقل كلاهما شرط وجوب، وأما الإسلام فالظاهر أنه على القول بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة فهو شرط صحة لا شرط وجوب، وعلى أنهم غير مخاطبين بها فهو شرط وجوب، والأصح خطاب الكفار بفروع الشريعة كما أوضحنا أدلته في غير هذا الموضع فيكون الإسلام شرط صحة في حقهم، ومعلوم أنه على أنه شرط وجوب فهو شرط صحة أيضًا، لأن بعض شرط الوجوب يكون شرطًا في الصحة أيضًا، كالوقت للصلاة، فإنه شرط لوجوبها وصحتها أيضًا، وقد يكون شرط الوجوب ليس شرطًا في الصحة كالبلوغ والحرية، فإن الصبي لا يجب عليه الحج مع أنه يصح منه لو فعله، وكذلك العبد إلا أنه لا يجزئ عن حجة الإسلام إلا إذا كان بعد البلوغ وبعد الحرية، وأما الحرية فهي شرط وجوب فلا يجب الحج على العبد، واستدل العلماء على عدم وجوب الحج على العبد بأمرين: الأول إجماع أهل العلم على ذلك ولكنه إذا حج صح حجه ولم يجزئه عن حجة الإسلام فإن عتق بعد ذلك فعليه حجة الإسلام، قال النووي في شرح المهذب: أجمعت الأمة على أن العبد لا يلزمه الحج لأن منافعه مستحقة لسيده، فليس هو مستطيعًا ويصح منه الحج بإذن سيده وبغير إذنه بلا خلاف عندنا. قال القاضي أبو الطيب: وبه قال الفقهاء: كافة. وقال داود: لا يصح بغير إذنه. والأمر الثاني حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة الإسلام، ثم ذكر تخريجه عن التلخيص للحافظ وبسط الكلام في تقويته ثم قال: وأما الاستطاعة فقد نص تعالى على اشتراطها في قوله: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} ومعنى الاستطاعة في اللغة العربية معروف، وتفسير الاستطاعة في الآية اختلف فيه العلماء فالاستطاعة في مشهور مذهب مالك الذي به الفتوى هي إمكان الوصول بلا مشقة عظيمة زائدة على مشقة السفر العادية مع الأمن على النفس والمال ولا يشترط عندهم الزاد والراحلة، بل يجب الحج عندهم على القادر على المشي إن كانت له صنعة يحصل منها قوته في الطريق: كالجمال، والخراز، والنجار، ومن أشبههم.
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 392)
..............................................................................................
ــ
واشترط بعض المالكية في الصنعة المذكورة أن لا تكون مرزية به. واعلم أن المالكية اختلفوا في الفقير الذي عادته سؤال الناس في بلده وعادة الناس إعطاؤه، وذلك السؤال هو الذي منه عيشته إذا علم أنه إن خرج حاجًا وسأل أعطاه الناس ما يعيش به كما كانوا يعطونه في بلده، هل سؤاله الناس وإعطاؤهم إياه يكون بسببه مستطيعًا لقدرته على الزاد بذلك فيجب عليه الحج بذلك أو لا يجب عليه بذلك؟ فذهب بعضهم إلى أن ذلك لا يجب عليه به الحج ولا يعد استطاعة، وذهب أكثر المالكية إلى أن الفقير الذي عادته السؤال في بلده وعادة الناس إعطاؤه إذا كانت عادتهم إعطاؤه في سفر الحج كما كانوا يعطونه في بلده أنه يعد بذلك مستطيعًا، وأن تحصيله زاده بذلك السؤال يعد استطاعة. قال الشنقيطي: والذي يظهر لي رجحانه بالدليل من هذين القولين في هذه المسألة هو: القول الأول، وهو أن الحج لا يجب على من يعيش في طريقه بتكفف الناس، وأن سؤال الناس لا يعد استطاعة. ومن الأدلة الدالة على ذلك عموم قوله جل وعلا: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ} (9: 92) الآية. وقد قدمنا مرارًا أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب فقد صرح تعالى في هذه الآية برفع الحرج عن الذين لا يجدون ما ينفقون، ولا شك أن الذي يتكفف الناس لشدة فقره داخل في عموم {الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ} وقد صرح تعالى بنفي الحرج عنهم، فيلزم من ذلك نفي الحرج عنه في وجوب الحج وهو واضح، ولكن كثيرًا من متأخري علماء المالكية خصصوا هذه الآية بمن ليس عادته السؤال في بلده قالوا: فلم تتناول محل النزاع. قال الشنقيطي: ظاهر الآية العموم في جميع {الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ} ، فتخصيصها بمن ليس عادته السؤال بدون دليل من كتاب أو سنة لا يصح ولا يعول عليه، وقد تقرر في الأصول أنه لا يمكن تخصيص العام إلا بدليل يجب الرجوع إليه سواء كان من المخصصات المتصلة أو المنفصلة، ومما يؤيد هذا في الجملة ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس. قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا المدينة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} (2: 197) قال الحافظ في الفتح في الكلام على هذا الحديث: قال المهلب: في هذا الحديث من الفقه أن ترك السؤال من التقوى، ويؤيده أن الله مدح من لم يسأل الناس إلحافًا، فإن قوله: {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} أي: تزودوا واتقوا أذى الناس بسؤالكم إياهم والإثم في ذلك - انتهى. قال الشنقيطي: وفيه دليل ظاهر على حرمة خروج الإنسان حاجًا بِلا زاد ليسأل الناس، وظاهرها العموم في كل حاج يسأل الناس فقيرًا كان أو غنيًا كانت عادته السؤال في بلده أولاً وحمل النصوص على ظواهرها يجب إلا بدليل يجب الرجوع إليه، ومما يؤيد هذا أن الذين مدحهم الله في كتابه بتركهم سؤال الناس كانوا من أفقر الفقراء كما هو معلوم، وقد صرح تعالى بأنهم فقراء وأشار لشدة فقرهم وذلك في قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} (أي بظهور آثار الفقر والحاجة عليهم) {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} (2: 273) الآية. فصرح بأنهم فقراء، وأثنى عليهم بالتعفف وعدم السؤال. قال: فالآية الكريمة
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 393)
..............................................................................................
ــ
تدل بمنطوقها على الثناء على الفقير الصابر المتعفف عن مسألة الناس وتدل بمفهومها على ذم سؤال الناس، والأحاديث الواردة في ذم السؤال مطلقًا كثيرة جدًا، وبذلك كله تعلم أن سؤال الناس ليس استطاعة على ركن من أركان الإسلام وأن قول بعض المالكية ((أنه لا يعد استطاعة)) هو الصواب، وهو قول جمهور أهل العلم، وممن ذهب إليه الشافعي وأحمد وأبو حنيفة، ونقله ابن المنذر عن الحسن البصري، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأحمد، وإسحاق، وبه قال بعض أصحاب مالك. قال البغوي: وهو قول العلماء - انتهى. والاستطاعة عند أبي حنيفة الزاد والراحلة. فلو كان يقدر على المشي وعادته سؤال الناس لم يجب عليه الحج عنده، وحاصل مذهب الحنيفة أن مقدار ما يتعلق به وجوب الحج ملك مال يبلغه إلى مكة ذاهبًا وراجعًا، راكبًا في جميع السفر لا ماشيًا بنفقة متوسطة، فاضلاً عن: مسكنه، وخادمه، وفرسه، وسلاحه، وآلات حرفته، وثيابه، وأثاثه، ونفقة من عليه نفقته، وكسوته، وقضاء ديونه ولو مؤجلة إلى حين عوده. ولا يشترط نفقة لما بعد إيابه لا سنة ولا شهرًا ولا يومًا. والاستطاعة في مذهب الشافعي: الزاد والراحلة بشرط أن يجدهما بثمن المثل، فإن لم يجدهما إلا بأكثر من ثمن المثل سقط عنه وجوب الحج، ويشترط عند الشافعية في الزاد ما يكفيه لذهابه ورجوعه فاضلاً عما يحتاج إليه لنفقة من تلزمه نفقتهم وكسوتهم مدة ذهابه ورجوعه وفاضلاً عن مسكن وخادم يحتاج إليهما وعن قضاء دين يكون عليه حالاً كان أو مؤجلاً. ويشترط عندهم أيضًا أن يكون صحيحًا لا مريضًا، ولا ينبغي أن يختلف في أن المرض القوي الذي يشق معه السفر مشقة فاضحة مسقط لوجوب الحج. ويشترط عندهم أيضًا أن يكون الطريق آمنًا من غير خفارة، والخفارة مثلثة الخاء: هي المال الذي يؤخذ على الحاج، ويشترط عندهم أيضًا أن يكون عليه من الوقت ما يتمكن فيه من السير والأداء، فإن كان بينه وبين مكة مسافة تقصر فيها الصلاة وكان قادرًا على المشي على رجليه ولم يجد راحلة أو وجدها بأكثر من ثمن المثل أو أجرة المثل لم يجب عليه الحج عندهم، ولا يعد قدرته على المشي استطاعة عندهم لحديث: الزاد والراحلة في تفسير الاستطاعة، وإن لم يجد ما يصرفه في الزاد والماء ولكنه كسوب ذو صنعة يكتسب بصنعته ما يكفيه ففي ذلك عندهم تفصيل، وهو أنه إن كان لا يكتسب في اليوم إلا كفاية يوم واحد لم يجب عليه الحج، لأنه ينقطع عن الكسب في أيام الحج، وإن كان يكتسب في اليوم كفاية أيام لزمه الحج. وقال إمام الحرمين: وفيه احتمال يعني أنه يحتمل عدم وجوب الحج بذلك مطلقًا، فإن القدرة على الكسب يوم العيد لا تجعل كملك الصاع في وجوب الفطرة. والاستطاعة عند أحمد هي الزاد والراحلة. قال ابن قدامة في المغني: والاستطاعة المشترطة ملك الزاد والراحلة وبه قال الحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والشافعي، وإسحاق. قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم. وقال عكرمة: هي الصحة. قال ابن قدامة: ويختص اشتراط الراحلة بالبعيد الذي بينه وبين البيت مسافة القصر، فأما القريب الذي يمكنه المشي إلى مكة وبينه وبينها مسافة دون القصر فلا يعتبر وجود الراحلة في حقه لأنها مسافة قريبة يمكنه المشي إليها فلزمه، وإن كان ممن لا يمكنه المشي (كشيخ كبير) اعتبر وجود الحمولة في حقه لأنه عاجز
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 394)
..............................................................................................
ــ
عن المشي فهو كالبعيد، وأما الزاد فلا بد منه، قربت المسافة أو بعدت مع الحاجة إليه. فإن لم يجد زادًا ولا قدر على كسبه لم يلزمه الحج. والزاد الذي تشترط القدرة عليه هو ما يحتاج إليه في ذهابه ورجوعه من مأكول ومشروب وكسوة، إلى أن قال: وأما الراحلة فيشترط أن يجد راحلة تصلح لمثله إما بشراء أو كراء لذهابه ورجوعه. وإن كان ممن لا يقدر على خدمة نفسه والقيام بأمره اعتبرت القدرة على من يخدمه لأنه من سبيله، ويعتبر أن يكون هذا فاضلاً عما يحتاج إليه لنفقة عياله الذين تلزمه مئونتهم في مضيه ورجوعه، لأن النفقة متعلقة بحقوق الآدميين وهم أحوج وحقهم آكد، وقد روى عبد لله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت. رواه أبو داود، ويعتبر أن يكون فاضلاً عما يحتاج هو وأهله إليه من مسكن وخادم، وما لا بد منه، وأن يكون فاضلاً عن قضاء دينه، لأن قضاء الدين من حوائجه الأصلية ويتعلق به حقوق الآدميين فهو آكد، وسواء كان الدين لآدمي معين أو من حقوق الله تعالى - كزكاة في ذمته أو كفارات ونحوها - وهل يعتبر في الاستطاعة أن يكون له إذا رجع من حجه ما يقوم بكفايته وكفاية عياله على الدوام أولاً يعتبر ذلك؟ بل يكفي لوجوب الحج أن يكون عنده من النفقة ما يقوم بكفايته وكفاية عياله على الدوام أو لا يعتبر ذلك؟ بل يكفي لوجوب الحج أن يكون عنده من النفقة ما يقوم بكفايته وكفاية عياله مدة ذهابه للحج ورجوعه فقط وفاقًا: للحنفية، والمالكية، والشافعية. وهما روايتان عند الحنابلة، والمقدم عندهم اعتبارًا هي الرواية الأولى يعني: أن يكون فاضلاً عن مئونته ومؤنت عياله على الدوام حتى بعد رجوعه من عقار أو بضاعة يتجر فيها أو صناعة ونحوها. وقال ابن جاسر في مفيد الأنام: والرواية الثانية أقرب إلى الصواب إن شاء الله تعالى، لأن القول بأن الإنسان لا يكون مستطيعًا للحج إلا إذا كان عنده من النفقة بعد رجوعه من الحج ما يكفيه ويكفي عياله على الدوام أي دوام حياته يقضي بأن لا يكون غالب الأغنياء مستطيعين للحج لأنه قل من يثق من الأغنياء أن عنده من المال ما يكفيه ويكفي عياله على الدوام، هذا ما ظهر لي والله أعلم. قال ابن قدامة: ومن له عقار يحتاج إليه لسكناه أو سكنى عياله أو يحتاج إلى أجرته لنفقة نفسه أو عياله، أو بضاعة متى نقصها اختل ربحها فلم يكفيهم، أو سائمة يحتاجون إليها لم يلزمه الحج، وإن كان من ذلك شيء فاضل عن حاجته وأمكنه بيعه وشراء ما يكفيه ويفضل قدر ما يحج به لزمه، وإن كانت له كتب يحتاج إليها لم يلزمه بيعها في الحج، وإن كانت مما لا يحتاج إليها أو كان له بكتاب نسختان يستغني بأحدهما باع ما لا يحتاج إليه، فإن كان له دين على ملئ باذل له يكفيه للحج لزمه لأنه قادر، وإن كان على معسر أو تعذر استيفاؤه عليه لم يلزمه – انتهى. وإذا علمت أقوال أهل العلم ففي معنى الاستطاعة المذكورة في قوله تعالى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} وعرفت مذاهبهم في ذلك فاعلم أن الأكثرين الذين فسروا الاستطاعة بالزاد والراحلة احتجوا لذلك بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من تفسير الاستطاعة في الآية بالزاد والراحلة، وقد روى عنه ذلك غير واحد من الصحابة، منهم ابن عمر رضي الله عنه، أخرج حديثه الترمذي وغيره وهو الذي نحن في شرحه، وهو حديث ضعيف كما ستعرف، ومنهم ابن عباس رواه عنه ابن ماجة والدارقطني، وهو حديث صالح للاحتجاج، ومنهم أنس روى حديثه
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 395)
..............................................................................................
ــ
الحاكم والدارقطني، وهو حديث صحيح، صححه الحاكم، وأقره الذهبي. ومنهم عائشة، رواه الدارقطني، والبيهقي في السنن، والعقيلي في الضعفاء وأعله بعتاب بن أعين. ومنهم علي بن أبي طالب، وجابر، وابن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، أخرج أحاديثهم الدارقطني أيضًا، وكلها ضعيفة ورواه سعيد بن منصور في سننه والبيهقي عن الحسن مرسلاً وسنده صحيح، ومن شاء الوقوف على تفصيل الكلام في هذه الأحاديث رجع إلى ((أضواء البيان)) للشنقيطي فإنه قد بسط الكلام فيها أخذًا عن ((نصب الراية)) وغيره. ثم قال: قال غير واحد: إن هذا الحديث لا يثبت مسندًا وأنه ليس له طريق صحيحة إلا الطريق التي أرسلها الحسن. قال الشنقطي: والذي يظهر لي - والله أعلم - أن حديث الزاد والراحلة المذكور ثابت لا يقل عند درجة الاحتجاج لأن الطريقين اللتين أخرجهما به الحاكم في المستدرك عن أنس قال: كلتاهما صحيحة الإسناد، وأقر تصحيحهما الحافظ الذهبي ولم يتعقبه بشيء، والدعوى على سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة في روايتهما الحديث عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها غلط، وأن الصحيح عن قتادة عن الحسن مرسلاً دعوى لا مستند لها، بل هي تغليط وتوهيم للعدول المشهورين من غير استناد إلى دليل، والصحيح عند المحققين من الأصوليين والمحدثين أن الحديث إذا جاء من طريق صحيحة وجاء من طرق أخرى غير صحيحة فلا تكون الطرق علة في الصحيحة إذا كان رواتها لم يخالفوا جميع الحفاظ، بل انفراد الثقة العدل بما لم يخالف فيه غيره مقبول عند المحققين، فرواية سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة الحديث المذكورة عن قتادة عن أنس مرفوعًا لم يخالفوا فيها غيرهم بل حفظوا ما لم يحفظه غيرهم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ فادعاء الغلط عليهما بلا دليل غلط. وقول النووي في شرح المهذب: وروى الحاكم حديث أنس وقال: هو صحيح، ولكن الحاكم متساهل، والله أعلم - يجاب عنه: بأنا لو سلمنا أن الحاكم متساهل في التصحيح، لا يلزم من ذلك أنه لا يقبل له تصحيح مطلقًا، ورب تصحيح للحاكم مطابق للواقع في نفس الأمر، وتصحيحه لحديث أنس المذكور لم يتساهل فيه، ولذا لم يبد النووي وجهًا لتساهله فيه، ولم يتكلم في أحد من رواته بل هو تصحيح مطابق. فإن قيل: متابعة حماد بن سلمة لسعيد بن أبي عروبة المذكورة راويها عن حماد هو أبو قتادة عبد الله بن واقد الحراني وهو متروك لا يحتج بحديثه، كما جزم به غير واحد من العلماء بالرجال، وقال فيه ابن حجر في التقريب: متروك فقد تساهل الحاكم في قوله: إن هذه الطريق على شرط مسلم مع أن في إسنادها أبا قتادة المذكور. فالجواب أن أبا قتادة المذكور وإن ضعفه الأكثرون فقد وثقه الإمام أحمد وأثنى عليه وناهيك بتوثيق الإمام أحمد وثنائه، وذكر ابن حجر والذهبي أن عبد الله بن أحمد قال لأبيه: إن يعقوب بن إسماعيل بن صبيح ذكر أن أبا قتادة المذكور كان يكذب، فعظم ذلك عنده جدًا وأثنى عليه، وقال: إنه يتحرى الصدق. قال: ولقد رأيته يشبه أصحاب الحديث. وقال أحمد في موضع آخر: ما به بأس، رجل صالح، يشبه أهل النسك ربما أخطأ. وفي
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 396)
..............................................................................................
ــ
إحدى الروايتين عن ابن معين أنه قال: أبو قتادة الحراني ثقة، ذكرها عنه ابن حجر والذهبي. وقول من قال: لعله كبر فاختلط، تخمين وظن لا يثبت به اختلاطه، ومعلوم أن المقرر في الأصول وعلوم الحديث: أن الصحيح أن التعديل يقبل مجملاً، والتجريح لا يقبل إلا مفصلاً، مع أن رواية سعيد بن أبي عروبة عن أنس ليس في أحد من رواتها كلام. ومما يؤيد ذلك موافقة الحافظ النقادة الذهبي للحاكم على تصحيح متابعة حماد، مع أن حديث أنس الصحيح المذكور معتضد بمرسل الحسن، ولاسيما على قول من يقول: إن مراسيله صحاح إذا روتها عنه الثقات كابن المديني وغيره، ويؤيد ذلك أن مشهور مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد الاحتجاج بالمراسيل ويؤيده أيضًا الأحاديث المتعددة التي ذكرنا، وإن كانت ضعافًا لأنها تقوي غيرها ولاسيما حديث ابن عباس، فإنا قد ذكرنا سنده وبينا أنه لا يقل عن درجة الاحتجاج. وقال الشوكاني في نيل الأوطار: ولا يخفى أن هذه الطرق يقوي بعضها بعضًا فتصلح للاحتجاج ومما يؤيد الحديث المذكور أن أكثر أهل العلم على العمل به كما قدمنا عن أبي عيسى الترمذي أنه قال في حديث ((الزاد والراحلة)) : والعمل عليه عند أهل العلم، وقد بينا أنه قول الأكثرين منهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد، فالحاصل أن حديث الزاد والراحلة لا يقل بمجموع طرقه عن درجة القبول والاحتجاج. ثم قال الشنقيطي: الذي يظهر لي - والله أعلم - أن حديث الزاد والراحلة وإن كان صالحًا لاحتجاج لا يلزم منه أن القادر على المشي على رجليه بدون مشقة فادحة لا يلزمه الحج إن كان عاجزًا عن تحصيل الراحلة، بل يلزمه الحج لأنه لا يستطيع إليه سبيلاً كما أن صاحب الصنعة التي يحصل منه قوته في سفر الحج يحب عليه الحج، لأن قدرته على تحصيل الزاد في طريقه كتحصيله بالفعل فإن قيل: كيف قلتم بوجوبه على القادر على المشي على رجليه دون الراحلة مع اعترافكم بقبول تفسير النبي صلى الله عليه وسلم ((السبيل)) بالزاد والراحلة؟ وذلك يدل على أن المشي على الرجلين ليس من السبيل المذكور في الآية فالجواب من وجهين الأول: أن الظاهر المتبادر أنه صلى الله عليه وسلم فسر الآية بأغلب حالات الاستطاعة، لأن الغالب أن أكثر الحجاج آفاقيون قادمون من بلاد بعيدة، والغالب عجز الإنسان عن المشي على رجليه في المسافات الطويلة وعدم إمكان سفره بلا زاد، ففسر صلى الله عليه وسلم الآية بالأغلب، والقاعدة المقررة في الأصول: أن النص إذا كان جاريًا على الأمر الغالب لا يكون له مفهوم مخالفة، ولأجل هذا منع جماهير العلماء تزويج الرجل ربيبته التي لم تكن في حجره قائلين: إن قوله تعالى: {اللَاّتِي فِي حُجُورِكُم} (4: 27) جرى على العادة، فلا مفهوم مخالفة له، فيجب الحج على القادر على المشي على رجليه، إما لعدم طول المسافة وإما لقوة ذلك الشخص على المشي، وكذلك يجب على ذي الصنعة التي يحصل منها قوته في سفره، لأنه في حكم واجد الزاد في المعنى، والعلم عند الله تعالى، والوجه الثاني: أن الله جل وعلا سوى في كتابه بين الحاج الراكب والحاج الماشي على رجليه، وقدم الماشي على الراكب، وذلك في قوله تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 397)
..............................................................................................
ــ
ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} (22: 28) انتهى. وقال ابن تيمية: في شرح العمدة بعد سرده لما ورد في ذلك: فهذه الأحاديث مسندة من طرق حسان ومرسلة موقوفة تدل على أن مناط الوجوب الزاد والراحلة مع علم النبي صلى الله عليه وسلم أن كثيرًا من الناس يقدرون على المشي، وأيضًا فإن الله قال في الحج: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} إما أن يعني القدرة المعتبرة في جميع العبادات وهو مطلق المكنة أو قدرًا زائدًا على ذلك، فإن كان المعتبر هو الأول لم يحتج إلى هذا التقييد كما لم يحتج إليه في آية الصوم والصلاة، فعلم أن المعتبر قدر زائد في ذلك وليس هو إلا المال، وأيضًا فإن الحج عبادة مفتقرة إلى مسافة فافتقر وجوبها إلى ملك الزاد والراحلة كالجهاد، ودليل الأصل قوله: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ} إلى قوله: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} (9: 92) الآية - انتهى. قلت: الراجح عندنا أن العاجز عن تحصيل الراحلة أو ما يقوم مقامها القادر على المشي على رجليه لا يلزمه الحج لتفسير النبي صلى الله عليه وسلم استطاعة السبيل المذكورة في الآية بالزاد والراحلة، وهو يدل على اعتبار الراحلة للزوم الحج، وأما حمل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم فسر الآية بأغلب حالات الاستطاعة فلا دليل عليه، والاستشهاد لذلك بقوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَاّتِي فِي حُجُورِكُم} فيه نظر لأن ها هنا قرينة تدل على أن الخطاب في هذه الآية خرج مخرج الغالب، وهي ما ورد في رواية للبخاري في قصة عرض أم حبيبة أختها عزة بنت أبي سفيان على النبي صلى الله عليه وسلم قوله: إني لو لم أتزوج أم سلمة ما حلت لي أي بنت أبي سلمة، فجعل المناط في التحريم مجرد تزوجه أم سلمة وحكم بالتحريم بذلك. وأما قوله تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} فلا دليل فيه على وجوب الحج على القادر على المشي العاجز عن الراحلة، وأما أكثر ما فيه أنه استدل به بعض العلماء على أن الحج ماشيًا لمن قدر عليه أفضل من الحج راكبًا، لأنه قدمهم في الذكر، خلافًا لما ذهب إليه الأكثرون من أن الحج راكبًا أفضل إقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه حج راكبًا مع كمال قوته وقدرته على المشي. وقال ابن قدامة: ومن تكلف الحج ممن لا يلزمه فإن أمكنه ذلك من غير ضرر يلحق بغيره مثل أن يمشي ويكتسب بصناعة كالخرز، أو معاونة من ينفق عليه، أو يكتري لزاده، ولا يسأل الناس استحب له الحج لقول الله تعالى: {يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} فقدم ذكر الرجال، ولأن في ذلك مبالغة في طاعة الله عز وجل وخروجًا من الخلاف وإن كان يسأل الناس كره له الحج لأنه يضيق على الناس ويحصل كلاً عليهم في التزام ما لا يلزمه - انتهى. قلت: وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم. وقال مالك: ليستا أي الزاد والراحلة من شرط وجوبه، فإذا قدر راجلاً وله صنعة أو من عادته السؤال فهو مستطيع كما ذكرنا في بيان مذهبه وما عليه الجمهور هو مقتضى القواعد الشرعية. قال ابن تيمية: كل عبادة اعتبر فيها المال فالمعتبر ملكه لا القدرة على ملكه كتحصيله بصنعة أو قبول هبة أو مسألة أو أخذ من صدقة أو بيت مال - انتهى. وهذا كله يتعلق بالمستطيع بنفسه، وأما ما يسمونه المستطيع بغيره فقد تقدم الكلام فيه في شرح حديث الخثعمية وهو نوعان: الأول منهما هو من لا يقدر على الحج بنفسه لكونه زمنًا،
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 398)
..............................................................................................
ــ
أو هرمًا ونحو ذلك، ولكنه له مال يدفعه إلى من يحج عنه، فهل يلزمه الحج نظرًا إلى أنه مستطيع بغيره فيدخل في عموم قوله: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} أو لا يجب عليه الحج لأنه عاجز غير مستطيع بالنظر إلى نفسه فلا يدخل في عموم الآية، وبالقول الأول قال الشافعي وأصحابه، فيلزمه عندهم أجرة أجير يحج عنه بشرط أن يجد ذلك بأجرة المثل. قال النووي: وبه قال جمهور العلماء منهم علي بن أبي طالب، والحسن البصري، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وداود. وقال مالك: لا يجب عليه ذلك، ولا يجب إلا أن يقدر على الحج بنفسه. واحتج لذلك بقوله تعالى: {لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} (53: 40) وبقوله تعالى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} وهذا لا يستطيع بنفسه فيصدق عليه اسم غير المستطيع، وبأنها عبادة لا تصح فيها النيابة مع القدرة، فكذلك مع العجز كالصلاة، واحتج الأكثرون القائلون بوجوب الحج عليه بأحاديث رواها الجماعة، منها: حديث ابن عباس في قصة استفتاء الخثعمية وقد تقدم في الفصل الأول. ومنها: حديث أبي رزين العقيلي الآتي، ومنها: حديث علي في قصة الخثعمية أيضًا عند أحمد (ج: ص) ، والترمذي، والبيهقي (ج4: ص329) . ومنها: حديث عبد الله بن الزبير عند أحمد (ج4: ص5) ، والنسائي. ومنها حديث ابن عباس أيضًا عند النسائي كلاهما بنحو قصة الخثعمية. والنوع الثاني من نوعي المستطيع بغيره هو من لا يقدر على الحج بنفسه وليس له المال يدفعه إلى من يحج عنه، ولكن له ولد يطيعه إذا أمره بالحج، والولد مستطيع، فهل يجب الحج على الولد ويلزمه أمر الولد بالحج عنه لأنه مستطيع بغيره؟ فيه خلاف بين أهل العلم. قال النووي في شرح المهذب: فرع في مذاهبهم في المعضوب إذا لم يجد مالاً يحج به غيره فوجد من يطيعه، قد ذكرنا أن مذهبنا وجوب الحج عليه، وقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد: لا يجب عليه، وقد علمت أن مالكًا احتج في مسألة العاجز الذي له مال بقوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} وبأنه عاجز بنفسه فهو غير مستطيع إلى الحج سبيلاً، وبأن سعيد بن منصور وغيره رووا عن ابن عمر بإسناد صحيح: أنه لا يحج أحد عن أحد، ونحوه عن الليث ومالك، وأن الذين خالفوه احتجوا بالأحاديث التي أشرنا إليها وفيها ألفاظ ظاهرها الوجوب، كتشبيهه بدين الآدمي، وكقول السائل: يجزئ عنه أن تحج عنه، والإجزاء دليل المطالبة، وفي بعض رواياتها أن السائل يقول: إن عليه فريضة الحج، ويستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الحج عنه وهو صلى الله عليه وسلم لم يبين له أن الحج سقط عنه بزمانته وعجزه عن الثبوت على الراحلة، وبقوله للولد ((أنت أكبر ولده)) وأمره بالحج عنه، وأما الذين فرقوا بين وجود المعضوب مالاً فأوجبوا عليه الحج وبين وجوده ولدًا يطيعه فلم يوجبوه، فلأن المال ملكه فعليه أن يستأجر به، والولد مكلف آخر ليس ملزمًا بفرض على شخص آخر، ولأنه وإن كان له ولد فليس بمستطيع ببدن ولا بزاد وراحلة، ولو وجد إنسانًا غير الولد يطيعه في الحج عنه، فهل يكون حكمه حكم الولد؟ فيه خلاف معروف، وأظهر الأقوال أنه كالولد،
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 399)
..............................................................................................
ــ
تنبيه: إذا مات الشخص ولم يحج وكان الحج قد وجب عليه لاستطاعته بنفسه أو بغيره عند من يقول بذلك وكان قد ترك مالاً فهل يجب أن يحج ويعتمر عنه من ماله؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم، فقال بعضهم: يجب أن يحج ويعتمر عنه من تركته سواء مات مفرطًا أو غير مفرط، لكون الموت أعجله عن الحج فورًا. وبهذا قال الشافعي وأحمد. قال ابن قدامة: وبهذا قال الحسن وطاوس والشافعي. وقال أبو حنيفة ومالك: يسقط بالموت، فإن أوصى بذلك فهو في الثلث، وبهذا قال الشعبي والنخعي لأنه عبادة بدنية فتسقط بالموت كالصلاة، واحتجوا أيضًا بأن ظاهر القرآن كقوله: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} مقدم على ظاهر الأحاديث بل على صريحها لأنه أصح منها، وأجاب الأولون بأن الأحاديث مخصصة بعموم القرآن، وبأن المعضوب وجب عليه الحج بسعيه بتقديم المال وأجرة من يحج عنه، فهذا من سعيه، وأجابوا عن قياسه على الصلاة بأنها لا تدخلها النيابة بخلاف الحج والذين قالوا: يجب أن يحج عنه من رأس ماله، واستدلوا بأحاديث جاءت في ذلك تقتضي أن مات وقد وجب عليه الحج قبل موته أنه يحج عنه، منها:حديث ابن عباس عند البخاري المتقدم في الفصل الأول، ومنها: حديث ابن عباس عند البخاري أيضًا: أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء. والحج في هذين الحديثين وإن كان منذورًا فإيجاب الله له على عباده في كتابه أقوى من إيجابه بالنذر مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقضائها وشبهها بدين الآدمي، قال المجدي في المنتقى بعد أن أشار لحديث البخاري الأول: وهو يدل على صحة الحج عن الميت من الوارث وغيره حيث لم يستفصله أوارث هو أو لا؟ وشبهه بالدين - انتهى. وقد تقرر في الأصول أن عدم الاستفصال من النبي صلى الله عليه وسلم أي طلب التفصيل في أحوال الواقعة ينزل منزلة العموم القولي، وخالف في هذا الأصل أبو حنيفة كما هو مقرر في الأصول. ومنها: ما رواه النسائي في سننه بسند صالح للاحتجاج عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله! إن أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ قال أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ قال نعم، قال: فدين الله أحق. ومنها: ما رواه النسائي أيضًا بسند صحيح أن ابن عباس قال: أمرت امرأة سنان بن سلمة الجهني أن تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمها ماتت ولم تحج أفيجزئ عن أمها أن تحج عنها؟ قال: نعم، لو كان على أمها دين فقضته عنها ألم يكن يجزئ عنها؟ فلتحج عن أمها. ومنها: ما رواه الدارقطني عن ابن عباس قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: إن أبي مات وعليه حجة الإسلام، أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو أن أباك ترك دينًا عليه أقضيته عنه؟ قال: نعم، قال فاحجج عن أبيك. ومنها: حديث بريدة الأسلمي عند أحمد، ومسلم وغيرهما أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي قد ماتت ولم تحج فيجزئها أن أحج عنها قال: نعم - الحديث. ومنها: حديث أنس بن مالك عند البزار والطبراني بنحو حديث ابن عباس
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 400)
..............................................................................................
ــ
عند الدارقطني ومنها حديث عقبة بن عامر عند الطبراني بنحو حديث ابن عباس عند النسائي فهذه الأحاديث ليس فيها ذكر نذر الحج وهي مع ما تقدم حجة من قال: إن من وجب عليه الحج في الحياة وترك مالاً وجب أن يحج عنه وهي ظاهرة في ذلك لتشبيهه بدين الآدمي وأجاب المخالفون بأن الحج أعمال بدنية وإن كانت تحتاج إلى مال، والأعمال البدنية تسقط بالموت فلا وجوب لعمل بعد الموت، والذي يحج عنه متطوع وفاعل خيراً. قالوا: ووجه تشبيهه بالدين انتفاع كل منهما بذلك الفعل، فالمدين ينتفع بقضاء الدين عنه، والميت ينتفع بالحج عنه، ولا يلزم من قضاء الدين عن أحد أن القضاء عنه واجب، بل يجوز أن يكون قضاءه عنه غير واجب عليه، واحتجوا أيضًا بأن جميع الأحاديث الواردة بالحج عن الميت واردة بعد الاستئذان في الحج عنه، قالوا: والأمر بعد الاستئذان كالأمر بعد الحظر فهو للإباحة، لان الاستئذان والحظر الأول كلاهما قرينة على صرف الأمر عن الوجوب إلى الإباحة. ومن أمثلة كون الأمر بعد الاستئذان للإباحة أن الصحابة رضي الله عنهم لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عما اصطادوه بالجوارح واستأذنوه في أكله نزل في ذلك قوله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} (5: 4) فصار هذا الأمر بالأكل للإباحة لأنه وارد بعد سؤال واستئذان، ومن أمثلته من السنة حديث مسلم: أأصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم - الحديث. فإن معنى ((نعم)) هنا ((صل فيها)) وهذا الأمر بالصلاة فيها للإباحة، لأنه بعد الاستئذان، وخلاف أهل الأصول في المسألة معروف. قال الشنقيطي بعد سرد الأحاديث المذكورة: هذه الأحاديث تدل قطعًا على مشروعية الحج عن المعضوب والميت، وقد قدمنا أن الأظهر عندنا وجوب الحج فورًا، وعليه فلو فرط وهو قادر على الحج حتى مات مفرطًا مع القدرة أنه يحج عنه من رأس ماله إن ترك مالاً، لأن فريضة الحج ترتبت في ذمته فكانت دينًا عليه، وقضاء دين الله صرح النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المذكورة بأحقيته حيث قال: فدين الله أحق أن يقضى. أما من عاجله الموت قبل التمكن فمات غير مفرط فالظاهر لنا أنه لا إثم عليه، ولا دين لله عليه لأنه لم يتمكن من أداء الفعل حتى يترتب في ذمته، ولن يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وقد تقدم أن مالكًا ومن وافقوه لم يعملوا بظاهر هذه الأحاديث المذكورة مع كثرتها وصحتها لأنها مخالفة عندهم لظاهر القرآن في قوله: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} وقوله: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} والمعضوب والميت ليس واحد منهما بمستطيع لصدق قولك: إنه غير مستطيع بنفسه، قال: وما اشتهر عن مالك أنه يقول: لا يحج أحد عن أحد، معناه عنده أن الصحيح القادر لا يصح الحج عنه في الفرض. والمعضوب عنده ليس بقادر، وأحرى الميت، فالحج عنهما من مالهما لا يلزم عنده إلا بوصية، فأن أوصى به صح من الثلث وتطوع وليه بالحج عنه خلاف الأولى عنده بل مكروه، والأفضل عنده أن يجعل ذلك المال الذي يحج به عنه في غير الحج كأن يتصدق به عنه أو يعتق به عنه ونحو ذلك، فإن أحرم بالحج عنه انعقد إحرامه وصح حجه عنه، والحاصل أن النيابة عن الصحيح في غير الفرض عنده مكروهة، والعاجز عنده لا فرض عليه أصلاً للحج، قال الشنقيطي: والأحاديث المذكورة حجة على مالك ومن وافقه، قلت: القول الراجح المعول عليه عندنا هو
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 401)
رواه الترمذي، وابن ماجة.
2551- (23) وعنه قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما الحاج؟ قال: الشعث التفل. فقام آخر فقال: يا رسول الله أي الحج أفضل؟ قال: العج والثج.
ــ
ما ذهب إليه الشافعي وأحمد ومن وافقهما للأحاديث التي ذكرنا وهي نص في ذلك، هذا وقد تقدم شيء من الكلام في هذه المسألة في شرح حديث ابن عباس في قصة استفتاء الخثعمية (رواه الترمذي، وابن ماجة) أخرجه الترمذي في الحج مختصرًا كما ذكره المصنف وفى تفسير سورة آل عمران مطولاً وهى الرواية الآتية بعد هذا، وأخرجه ابن ماجة مطولاً فقط في الحج، ورواه البيهقي مختصراً في (ج4: ص327) ، ومطولاً في (ج4: ص330) ، و (ج5: ص58) ، وروى الشافعي في الأم (ج2: ص99) المطول فقط ، والدارقطني (ص255) مطولاً ومختصرا ًكلهم من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي عن محمد بن عباد بن جعفر المخزومي عن ابن عمر قال الترمذي: هذا حديث حسن. وإبراهيم بن يزيد هو الخوزي المكي، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه - انتهى. قلت: تحسين الترمذي لهذا الحديث لا وجه له لان إبراهيم بن يزيد الخوزي المذكور متروك لا يحتج به كما جزم به غير واحد بل ذكر الحافظ في التهذيب ما يدل على أنهم أجمعوا على تركه وتضعيفه، ومنهم من كان يرميه بالكذب. ونقل المزي تحسين الترمذي وأقره، وقال الحافظ في التلخيص بعد نقل تحسين الترمذي: هو من إبراهيم بن يزيد الخوزي ، وقد قال: الظاهر أن الترمذي كان حسن الرأي فيه وكان هو الحديث عنده ولذلك حسن روايته هذه.
2551- قوله: (ما الحاج؟) أي الكامل، والمعنى ما صفة الحاج الذي يحج؟ أو يكون ((ما)) بمعنى ((من)) قال الطيبي: يسأل بما عن الجنس وعن الوصف، والمراد هنا الثاني بجوابه صلى الله عليه وسلم. قلت: وقع عند الترمذي في التفسير بلفظ ((من الحاج؟)) وكذا ذكره المنذري في ترغيبه وعزاه لابن ماجة والزيلعي في نصب الراية (ج3: ص8) وعزاه للترمذي، وابن ماجة (قال: الشعث) بفتح الشين المعجمة وكسر العين المهملة، وبالثاء المثلثة وهو البعيد العهد بتسريح شعره وغسله، وقال القاري: أي المغبر الرأس من عدم الغسل، مفرق الشعر من عدم المشط، وحاصله تارك الزينة (التفل) بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الفاء، وهو الذي ترك الطيب حتى تغيرت رائحته. وقال القاري: أي تارك الطيب فيوجد منه رائحة كريهة، من تفل الشيء من فيه إذا رمى به متكرهًا له (الحج) أي أعماله أو خصاله بعد أركانه (أفضل؟) أي أكثر ثوابًا (قال: العج، والثج) الأول بفتح العين المهملة وبالجيم لمشددة، وهو رفع الصوت بالتلبية، والثاني بفتح الثاء المثلثة وبالجيم المشددة وهو سيلانه دماء الهدي، وقيل دماء الأضاحي. قال وكيع في رواية ابن ماجة: يعني بالعج: العجيج بالتلبية، والثج: نحر البدن. قال الطيبي: ويحتمل أن يكون السؤال عن نفس الحج، ويكون المراد ما فيه العج
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 402)
فقام آخر فقال: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: زاد وراحلة. رواه في شرح السنة، وروى ابن ماجة في سننه، إلا أنه لم يذكر الفصل الأخير.
ــ
والثج. وقيل: على هذا يراد بهما الاستيعاب لأنه ذكر أوله الذي هو الإحرام وآخره الذي هو التحلل بإراقة الدم اقتصارًا بالمبدأ والمنتهى عن سائر الأفعال، أي الذي استوعب جميع أعماله من الأركان والمندوبات (ما السبيل؟) أي المذكور في قوله تعالى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} (قال: زاد وراحلة) أي بحسب ما يلقيان بكل أحد، والظاهر أن المعتبر هو الوسط بالنسبة إلى حال الحاج. وقوله: ((زاد وراحلة)) كذا وقع في جميع نسخ المشكاة، وهكذا وقع عند الشافعي، والبيهقي (ج4: ص330) ووقع عند الترمذي، وابن ماجة، والدارقطني، والبيهقي (ج5: ص58) الزاد والراحلة أي معرفًا باللام، وكذا ذكره المنذري في الترغيب نقلاً عن ابن ماجة (رواه) أي صاحب المصابيح (في شرح السنة) أي الحديث بكماله مسندًا (وروى ابن ماجة) أي الحديث، وكان حقه أن يقول: ورواه ابن ماجة (في سننه إلا أنه) أي ابن ماجة (لم يذكر الفصل الأخير) أي من الفصول الثلاثة في الحديث، وهو الآخر من قوله: فقام آخر، والفصل هنا بمعنى الفقرة في الكلام، وهذا وهم من المصنف فإن الحديث رواه ابن ماجة بكماله مسندًا، وكذلك رواه الترمذي في التفسير، والشافعي، والدارقطني، ثم البيهقي في سننهما كلهم من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي عن محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عمر. وتقدم أن إبراهيم بن يزيد ضعيف متروك فهذا الحديث أيضًا ضعيف كالأول، ولكن حسنه المنذري وقال: رواه ابن ماجة بإسناد حسن. وقال الترمذي في التفسير بعد سياقه: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم ابن يزيد الخوزي المكي وقد تكلم بعض أهل لعلم في إبراهيم بن يزيد من قبل حفظه - انتهى. ومقتضى ما نقل الزيلعي عن الترمذي أنه وصف الحديث في التفسير بالغرابة حيث قال: قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم إلخ. قال الزيلعي: وله طريق آخر عند الدارقطني في سننه، أخرجه عن محمد بن الحجاج المضفر ثنا جرير ابن حازم، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن عمر مرفوعًا، ومحمد بن الحجاج المضفر ضعيف - انتهى. وهو - كما قال الزيلعي - ضعيف. قال الذهبي في الميزان فيه: روى عباس عن يحيى ليس بثقة. وقال أحمد: تركنا حديثه. وقال البخاري عن شعبة: سكتوا عنه. وقال النسائي: متروك ثم ذكر بعض عجائبه، وعلى كل حال فهو لا يحتج به. واعلم أن إبراهيم بن يزيد الخوزي كما تابعه في هذه الرواية جرير بن حازم من طريق محمد بن الحجاج المضفر الذي ذكرنا آنفًا أنه لا يحتج به فقد تابعه أيضًا فيها غيره من الضعفاء. قال الزيلعي بعد أن ذكر حديث إبراهيم الخوزي المذكور عند الترمذي وابن ماجة: ورواه الدارقطني (ج2: ص255) ، ثم البيهقي (ج 4: ص330) . قال الدارقطني: وقد تابع إبراهيم بن يزيد عليه محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، فرواه عن محمد بن عباد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك - انتهى. وهذا الذي أشار إليه رواه ابن عدي في الكامل، وأعله بمحمد بن عبد الله الليثي وأسند تضعيفه
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 403)
..............................................................................................
ــ
عن النسائي وابن معين. ثم قال: والحديث معروف بإبراهيم بن يزيد الخوزي، وهو من هذه الطريق غريب. ثم ذكر البيهقي تضعيف إبراهيم المذكور. قال: وروي من أوجه أخرى كلها ضعيفة. وروي عن ابن عباس من قوله، ورويناه من أوجه صحيحة عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً وفيه قوة لهذا السند - انتهى. ثم قال الزيلعي: قال الشيخ في الإمام: قوله: ((فيه قوة)) فيه نظر لأن المعروف عندهم أن الطريق إذا كان واحد ورواه الثقات مرسلاً وانفرد ضعيف برفعه، أن يعللوا المسند بالمرسل، ويحملوا الغلط على رواية الضعيف، فإذا كان ذلك موجبًا لضعف المسند فكيف يكون تقوية له؟ - انتهى. وهو كما قال: كما هو معروف في الأصول وعلم الحديث. ثم قال الزيلعي: قال يعني الشيخ في الإمام: والذي أشار إليه من قول ابن عباس رواه أبو بكر بن المنذر حدثنا علان بن المغيرة ثنا أبو صالح عبد الله بن صالح: حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: والمرسل رواه سعيد بن منصور في سننه حدثنا هشام: ثنا يونس عن الحسين قال: لما نزلت {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} قال رجل: يا رسول الله وما السبيل؟ قال: زاد وراحلة - انتهى. حدثنا الهشيم: ثنا منصور عن الحسن مثله، حدثنا خالد بن عبد الله عن يونس عن الحسن مثله. قال: وهذه أسانيد صحيحة إلا أنها مرسلة. وقال ابن المنذر: لا يثبت الحديث الذي فيه ذكر الزاد والراحلة مسندًا، والصحيح رواية الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، وأما المسند فإنما رواه إبراهيم بن يزيد وهو متروك، ضعفه ابن معين وغيره - انتهى من نصب الراية. وبهذا تعلم أن حديث ابن عمر المذكور لم يسند من وجه صحيح، لأن إبراهيم الخوزي متروك، ومحمد بن الحجاج المضفر الذي ذكرنا أن إبراهيم تابعه عليه جرير بن حازم من طريقه لا يحتج به كما بيناه. وقد بينا أن متابعة محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي لا تقويه لأنه ضعيف. ضعفه النسائي وأعل الحديث به ابن عدي في الكامل. وقال الذهبي في الميزان: ضعفه ابن معين، وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك - انتهى. وأما مرسل الحسن البصري المذكور وإن كان إسناده صحيحًا إلى الحسن فلا يحتج به، لان مراسيل الحسن لا يحتج بها. قال: الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمته وقال الدارقطني: مراسيله فيها ضعف. وقال فيه أيضًا: وقال محمد بن سعد: كان الحسن جامعًا عالمًا رفيعًا فقيهًا، ثقة مأمونًا، عابدًا ناسكًا، كثير العلم، فصيحًا جميلاً وسيمًا، وكان ما أسند من حديثه وروى عمن سمع منهم فهو حجة، وما أرسل فليس بحجة. وقال السيوطى في التدريب (ص69) : وقال أحمد بن حنبل: مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات، ومرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها، وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح، فإهما كانا يأخذان عن كل أحد، ثم قال بعد ذلك: وقال العراقي: مراسيل الحسن عندهم شبه الريح. وعدم الاحتجاج بمراسيل الحسن هو المشهور عند المحدثين. وقال بعض أهل العلم: هي صحاح إذا رواها عنه الثقات. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: وقال ابن المدينى: مرسلات الحسن إذا رواها عنه الثقات صحاح، ما أقل ما يسقط منها. وقال أبو زرعه: كل شيء يقوله الحسن: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم)) وجدت له أصلاً
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 404)
2552- (24) وعن أبى رزين العقيلي، أنه أتى النبي فقال: يا رسول الله: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن. قال: حج عن أبيك واعتمر.
ــ
ثابتًا ما خلا أربعة أحاديث - انتهى. وقد ظهر بهذا كله أن حديث ابن عمر المرفوع في تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة لم يثبت بوجه صحيح بحسب صناعة علم الحديث، لكن له شواهد بعضها صحيح وبعضها حسن. وعلى هذا فلا شك أن حديث الزاد والراحلة بمجموع طرقه صالح للقبول والاحتجاج كما قال الشوكانى وغيره.
2552- قوله: (وعن أبي رزين) بفتح الراء وكسر الزاي (العقيلي) بالتصغير واسمه: لقيط بن عامر العامري وافد بني المنتفق. قال الترمذي بعد رواية حديثه: وأبو رزين العقيلي اسمه لقيط بن عامر. وقال الحافظ في التقريب: لقيط بن صبرة، بفتح المهملة وكسر الموحدة صحابي مشهور، ويقال: أنه أي صبرة جده، واسم أبيه عامر، وهو أبو رزين العقيلي، والأكثر على أنهما اثنان - انتهى. وقد تقدم ترجمة لقيط بن صبرة في الفصل الثاني من باب سنن الوضوء (أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير) إلخ. قال الحافظ: هذه قصة أخرى، أي غير قصة الخثعمية. قال: ومن وحد بينها وبين حديث الخثعمية فقد أبعد وتكلف. (ولا الظعن) بفتحتين أو سكون الثاني، والأولى معجمة والثانية مهملة، مصدر ظعن يظعن بالضم - إذا سار. وفى المجمع: الظعن الراحلة. أي لا يقوى على السير ولا على الركوب من كبر السن - انتهى. وقيل: يمكن أن يكنى به عن القوة ويراد بنفي الاستطاعة عدم الزاد والراحلة، كأنه قال: ليس له زاد ولا راحلة ولا قوة على السير والركوب. وقال المظهر: يحتمل أن يريد بقوله: لا يستطيع الحج والعمرة، الذهاب إليهما راجلاً، وبالظعن ركوب الدابة (قال: حج) بالحركات في الجيم، والفتح هو المشهور (عن أبيك) الذي كبر، وفيه دليل على جواز حج الولد عن أبيه العاجز. وقال المحب الطبري: فيه أبين البيان على جواز حج الإنسان عن الحي الذي لا يستطيع الحج بنفسه، وأنه ليس كالصلاة والصوم وسائر الأعمال البدنية، وأنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن الله عز وجل إنما أراد بقوله: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} بعض الأعمال دون بعض. وقيل: إن الآية عامة خصها هذا الحديث وأمثاله. وقيل: إن ولد الرجل من كسبه كما ورد في بعض الآثار، وعليه فالآية عامة، وحج الولد عن أبيه متناول لها، وقد تقدم بسط الكلام في مسالة النيابة بالحج في شرح حديث الخثعمية وفى شرح حديث الزاد والراحلة (واعتمر) استدل به من قال بوجوب العمرة، وقد ذهب إلى وجوبها جماعة من أهل الحديث، وهو المشهور عن الشافعي وأحمد، وبه قال إسحاق والثوري، والمزني. قال أحمد: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أجود من هذا ولا أصح منه، وأجيب عنه بما قال السندي: لا يخفى أن الحج والعمرة عن الغير ليسا بواجبين على الفاعل، فالظاهر حمل الأمر على الندب وحينئذٍ دلالة الحديث على وجوب العمرة خفاؤها لا يخفى - انتهى. وبما ذكر الشنقيطي أن صيغة
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 405)
..............................................................................................
ــ
الأمر في قوله: ((واعتمر)) واردة بعد سؤال أبى رزين وقد قرر جماعة من أهل الأصول أن صيغة الأمر الواردة بعد المنع أو السؤال إنما تقتضي الجواز، لا الوجوب لأن وقوعها في جواب السؤال عن الجواز دليل صارف عن الوجوب إلى الجواز، والخلاف في هذه المسألة معروف - انتهى. والمشهور عن المالكية أن العمرة ليست بواجبة وهو قول الحنفية. واستدل القائلون بالوجوب أيضًا بما روي عن عمر في سؤال جبريل عن الإسلام، وفيه: ((وأن تحج وتعتمر)) أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني وغيرهم، وأجيب عن هذا بأن الأمر مجرد اقتران العمرة بالأمور الواجبة المذكورة في الحديث لا يكون دليلاً على الوجوب لما تقرر في الأصول من ضعف دلالة الاقتران لاسيما وقد عارضه ما سيأتي من الأدلة القاضية بعدم الوجوب، فإن قيل: إن وقوع العمرة في جواب من سأل عن الإسلام يدل على الوجوب. فيقال: ليس كل أمر من الإسلام واجبًا، والدليل على ذلك حديث شعب الإسلام والإيمان، فإنه اشتمل على أمور ليست بواجبة بالإجماع، واستدلوا أيضًا بما رواه ابن عدي، والبيهقي، عن جابر مرفوعاً: الحج والعمرة فريضتان. وفيه: ابن لهيعة وهو ضعيف. وقال ابن عدي: هو غير محفوظ عن عطاء عن جابر. وأخرجه أيضًا الدارقطني من حديث زيد بن ثابت بزيادة ((لا يضرك بأيهما بدأت)) وأجيب عنه بأن في إسناده إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف. وفى الحديث أيضًا انقطاع. ورواه البيهقي موقوفًا على زيد. قال الحافظ: وإسناده أصح. واستدلوا أيضًا بحديث عائشة عند أحمد، وابن ماجة: ((قالت: يا رسول الله أعلى النساء جهاد؟ قال: نعم عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة)) وقد ذكره المصنف في الفصل الثالث، وأجيب عنه بأن لفظة: ((عليهن)) ليست صريحة في الوجوب فقد تطلق على ما هو سنة مؤكدة، وإذا كان محتملاً لإرادة الوجوب والسنة المؤكدة لزم طلب الدليل بأمر خارج، وقد دل دليل خارج على وجوب الحج، ولم يدل دليل خارج يجب الرجوع إليه على وجوب العمرة، وبحديث الصبي بن معبد، قال: أتيت عمر فقلت: يا أمير المؤمنين إني أسلمت وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي فأهللت بهما، فقال عمر: هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم وبحديث عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتابًا، وبعث به عمرو بن حزم، وكان في الكتاب: أن العمرة هي الحج الأصغر. أخرجه الدارقطني والأثرم. وبحديث ابن مسعود المتقدم بلفظ: ((تابعوا بين الحج والعمرة)) وقد تقدم الجواب عنه، واستأنسوا بقوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} قال ابن قدامة: ومقتضى الأمر الوجوب ثم عطفها على الحج، والأصل التساوي بين المعطوف والمعطوف عليه. قال ابن عباس: إنها لقرينة الحج في كتاب الله. وفيه: أن لفظ الإتمام مشعر بأنه إنما يجب بعد الإحرام لا قبله. ويدل على ذلك ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن يعلى بن أمية، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة، عليه جبة وعليها خلوق فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ فنزلت: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} والسائل قد أحرم، وإنما سأل كيف يصنع؟ وقد انعقد الإجماع على وجوب إتمام الحج والعمرة ولو أفسدهما. قال ابن القيم: وليس في الآية فرضها، وإنما فيها إتمام الحج
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 406)