..............................................................................................
ــ
الحنفية بعموم حديث الخثعمية على جواز صحة حج من لم يحج نيابة عن غيره، وخالفهم الجمهور فخصوه بمن حج عن نفسه، واستدلوا بحديث ابن عباس في شبرمة الآتي في الفصل الثاني. قال العيني: فيه أي في حديث الخثعمية ما يدل على أنه يجوز للرجل أن يحج عن غيره إن لم يكن حج عن نفسه لإطلاق الحديث ولم يسألها أحججت عن نفسك أم لا وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية. ويحكى كذلك عن الحسن، وإبراهيم، وأيوب، وجعفر بن محمد. وقال الأوزاعي والشافعي (وأحمد في روايته المشهورة عند أصحابه) وإسحاق: ليس لمن لم يحج حجة الإسلام أن يحج عن غيره فإن فعل وقع إحرامه عن حجة الإسلام. وقال أبو بكر عبد العزيز: يقع الحج باطلاً ولا يصح عنه ولا عن غيره وروي ذلك عن ابن عباس - انتهى. وأجاب الحنفية عن حديث شبرمة بأنه مضطرب معلول، وبأنه محمول على الندب بدليل إطلاقه عليه الصلاة والسلام قوله للخثعمية حجي عن أبيك من غير استخبارها عن حجها لنفسها قبل ذلك، وترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة عموم الخطاب فيفيد جوازه عن الغير مطلقًا، وحديث شبرمة يفيد استحباب تقديم حجة لنفسه وبذلك يحصل الجمع. قلت: حديث شبرمة حديث صحيح أو حسن صالح للاحتجاج، وكل ما ذكروه في تعليله مدفوع ومردود كما سترى عند شرحه، وأما ما ذكروه من حمله على الاستحباب متمسكين على ذلك بحديث الخثعمية فقد تعقبه صاحب فتح الملهم (ج3: ص372) بأن سؤال الخثعمية إنما وقع بعد دفعه صلى الله عليه وسلم من المزدلفة إلى منى حين كان الفضل رديفه فكيف يتصور استفسارها عن مسألة النيابة في تلك الحجة بعد فراغها من الوقوف بعرفة فالظاهر أنها حجت مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم سألت هل تحج عن أبيها، أي فيما يستقبل من الزمان إذا أرادت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم حجي عنه، ولما كان حجها عن نفسها معلومًا مشهودًا لم يحتج صلى الله عليه وسلم إلى استخبارها عنه حتى يقال: إن ترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة عموم الأحوال، وحينئذٍ ارتفع التعارض بين حديث الخثعمية وبين حديث شبرمة رأسًا - انتهى. وفي حديث الخثعمية من الفوائد: جواز كلام المرأة وسماع صوتها للأجانب عند الضرورة كالاستفتاء عن العلم والترافع في الحكم والمعاملة. وفيه أن المرأة تكشف وجهها في الإحرام وهو إجماع حكاه ابن عبد البر، ويدل له قوله صلى الله عليه وسلم: ولا تنتقب المرأة. وفيه بيان ما ركب في الآدمي من الشهوة وجبلت طباعة عليه من النظر إلى الصور الحسنة. قال القرطبي: كان هذا النظر، أي نظر الفضل إلى المرأة ونظرها إلى الفضل بمقتضى الطباع البشرية فإنها مجبولة على النظر إلى الصورة الحسنة ففي نظر أحدهما إلى الآخر مغالبة طباع البشر لابن آدم وضعفه عما ركب فيه من الشهوات. وفيه منع النظر إلى الأجنبيات ووجوب غض البصر خوف الفتنة في حق الرجال والنساء جميعًا لأنه لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، وكان الفضل أبيض حسن الشعر وسيمًا، وكذا المرأة كانت حسناء، وفي صرف وجه الفضل بل عنقه ووضع يده عليه مبالغة في منعه فإن المنع بالفعل أبلغ من القول، وروى أحمد وابن خزيمة من وجه آخر عن ابن عباس أن
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 327)
متفق عليه.
2536- (8) وعنه قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أختي نذرت أن تحج،
ــ
النبي صلى الله عليه وسلم قال للفضل حين غطى وجهه يوم عرفة: ((هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له)) . ولم ينقل أنه نهى المرأة عن النظر فيحتمل أنه اجتزأ بمنع الفضل لما رأى أنها تعلم بذلك منع نظرها إليه لأن حكمهما واحد أو تنبهت لذلك، أو كان ذلك الموضع هو محل نظره الكريم فلم يصرف نظرها ، واستدل ابن حزم بهذا الحديث على أن وجه المرأة ليس بعورة إذ قال لو كان الوجه عورة يلزم ستره لما أقرها على كشفه بحضرة الناس ولأمرها أن تسبل عليه من فوق ولو كان وجهها مغطي ما عرف ابن عباس أحسناء هي أم شوهاء - انتهى. ولا يخفى على المتأمل المنصف ما في هذا الاستدلال. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج، والمغاري، والاستئذان، ومسلم في الحج، وأخرجه أحمد (ج1: ص219) ، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، ومالك، والدارمي، وابن الجارود (ص177) ، والبيهقي (ج4: ص328، 329، وج5: ص179) ، وابن حزم (ج 7: ص56، 57) ، والشافعي (ج1: ص287) ، وفي الباب عن بريدة عند أحمد ومسلم والترمذي والحاكم، وعن عبد الله بن الزبير عند أحمد والنسائي والبيهقي، وعن سودة بنت زمعه عند أحمد والطبراني والبيهقي، وعن أبي رزين وسيأتي في الفصل الثاني. وعن أنس عند البزار والطبراني في الكبير والأوسط، وعن عقبة بن عامر عند الطبراني في الكبير والأوسط، وعن علي عند أحمد، وعن الفضل بن عباس عند أحمد والشيخين والأربعة والبيهقي وغيرهم.
2536- قوله: (أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أختي) إلخ، كذا وقع في النذور عند البخاري من رواية آدم عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ووقع في الحج والاعتصام عنده من طريق أبي عوانة عن أبي بشر بلفظ ((إن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج)) ورجح الحافظ في النذور هذه الرواية، أي كون السائل امرأة، وقال في الحج بعد ذكر رواية شعبة: فإن كان محفوظًا احتمل أن يكون كل من الأخ سأل عن أخته، والبنت سألت عن أمها، وقال الشوكاني: لا منافاة بين الروايتين لأنه يحتمل أن تكون القصة متعددة وأن تكون متحدة، ولكن النذر وقع من الأخت والأم فسأل الأخ عن نذر أخته والبنت عن نذر الأم - انتهى. وسمى الحافظ في المقدمة (ص391) الرجل السائل عن الأخت: عقبة بن عامر إذ قال: حديث ابن عباس ((قال أتى رجل فقال إن أختي نذرت)) هو عقبة بن عامر ولم تسم أخته. وقال في المرأة الجهنية إنها امرأة سنان بن سلمة الجهني كما في النسائي ولأحمد ((سنان بن عبد الله)) وهو أصح ، وفي الطبراني أنها عمته ولم تسم أمها. وقال في الفتح: إن ما في النسائي لا يفسر به المبهم في حديث ابن عباس في المرأة الجهنية لأن فيه أن المرأة سألت بنفسها وفي النسائي أن زوجها سأل لها، ويمكن
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 328)
وإنها ماتت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فاقض دين الله فهو أحق بالقضاء.
ــ
الجمع بأن نسبة السؤال إليها مجازية، وإنما الذي تولى لها السؤال زوجها. قال: ولم أقف على اسمها ولا على اسم أبيها لكن في حرف الغين المعجمة من الصحابيات لابن مندة عن ابن وهب عن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه، أن غاثية أو غايثة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي ماتت وعليها نذر أن تمشي إلى الكعبة. وجزم ابن طاهر في المبهمات بأنه اسم الجهنية المذكورة في حديث ابن عباس لكن قال الذهبي أرسله عطاء ولا يثبت، ثم ذكر الحافظ رواية ابن عباس عن سنان بن عبد الله الجهني أن عمته حدثته أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي توفيت وعليها مشي إلى الكعبة نذرًا. الحديث. ثم قال فإن كان محفوظًا حمل على واقعتين بأن تكون امرأته سألت على لسانه عن حجة أمها المفروضة وبأن تكون عمته سألت بنفسها عن حجة أمها المنذورة، ويفسر ((من)) في حديث الجهنية بأنها عمة سنان واسمها غاثية كما تقدم، ثم إنه قيل: أن حديث الجهنية مضطرب لأنه قد روى أن هذه المرأة قالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، وأجيب بأنه محمول على أن المرأة سألت عن كل من الصوم والحج، ويؤيد ذلك ما عند مسلم عن بريدة قالت: إن أمي، وفيه ((يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: صومي عنها، قالت: إنها لم تحج أفأحج عنها؟ قال: حجي عنها)) (وأنها ماتت) ، أي ولم تف بنذرها (لو كان عليها دين) لمخلوق (أكنت قاضيه) بالنصب، أي الدين عنها (فاقض دين الله) ، كذا في جميع نسخ المشكاة، وفي المصابيح وهكذا وقع في نسخة العيني للبخاري، وكذا ذكره الحافظ في الفتح، ووقع في متن القسطلاني ومتن الفتح طبعة الهند، وفي جامع الأصول (ج4: ص198) : فاقض الله، أي حقه أو دينه (فهو أحق بالقضاء) ، أي فدين الله أحق بالأداء من غيره. وفي الحديث دليل على صحة النذر بالحج ممن لم يحج، فإذا حج أجزأه عن حجة الإسلام عند الجمهور، وعليه الحج عن النذر، وقيل: يجزئ عن النذر ثم يحج عن حجة الإسلام، وقيل: يجزئ عنهما، وارجع إلى القرى لقاصد أم القرى (ص62) وفيه أيضًا دليل على أن من مات وفي ذمته حق لله تعالى من حج أو كفارة أو نذر فإنه يجب قضاءه، وفيه دليل أيضًا على أن الناذر بالحج إذا مات ولم يحج أجزأه إن يحج عنه الوارث أو غيره لعدم استفصاله صلى الله عليه وسلم للأخ هل هو وارث أولا، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال كما تقرر في الأصول ويدل على ذلك أيضًا قوله: ((فاقض دين الله فهو أحق بالقضاء)) وقوله في حديث الجهنية: ((اقضوا الله فالله أحق بالوفاء)) وفيه مشروعية القياس وضرب المثل ليكون أوضح وأوقع في نفس السامع وأقرب إلى سرعة فهمه، وفيه تشبيه ما اختلف فيه وأشكل بما اتفق عليه، وفيه تشبيه المجهول حكمه بالمعلوم، فإنه دل على أن قضاء الدين المالي عن الميت كان معلومًا
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 329)
متفق عليه.
ــ
عندهم متقررًا ولهذا حسن الإلحاق به، وفيه أنه يستحب للمفتي التنبيه على وجه الدليل إذا ترتب على ذلك مصلحة وهو أطيب لنفس المستفتي وأدعى لإذعانه، وفيه دليل على جواز الحج عن الميت وإن لم يوص لإلحاقه وتشبيهه بالدين ، وقال مالك: إنما يحج عنه إذا أوصى، وإذا أوصى حج من الثلث قال الأمير اليماني: دل الحديث على وجوب التحجيج عن الميت سواء أوصى أم لم يوص، لأن الدين يجب قضاءه مطلقًا، وكذا سائر الحقوق المالية من كفارة ونحوها، وإلى هذا ذهب ابن عباس وزيد بن ثابت وأبو هريرة والشافعي، ويجب إخراج الأجرة من رأس المال عندهم، أي مقدمًا على الوصايا والميراث كدين الآدمي. وقال الحافظ: في هذا الحديث أن من مات وعليه حج وجب على وليه أن يجهز من يحج عنه من رأس ماله كما أن عليه قضاء ديونه فقد أجمعوا على أن دين الآدمي من رأس المال فكذلك ما شبه به في القضاء ويلتحق بالحج كل حق ثبت في ذمته من كفارة أو نذر أو زكاة أو غير ذلك. وفي قوله: ((فالله أحق بالوفاء)) دليل على أنه مقدم على دين الآدمي وهو أحد أقوال الشافعي، وقيل: بالعكس، وقيل: هما سواء - انتهى. وقال العيني: قيل إذا اجتمع حق الله وحق العباد يقدم حق العباد فما معنى ((فهو أحق)) ؟ أجيب بأن معناه إذا كنت تراعي حق الناس فلأن تراعي حق الله كان أولى ولا دخل فيه للتقديم والتأخير إذ ليس معناه أحق بالتقديم - انتهى. قال الطيبي: في الحديث إشعار بأن المسئول عنه خلف مالاً فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن حق الله مقدم على حق العباد واجب عليه الحج عنه. والجامع علة المالية، وتعقبه الحافظ والعيني بأنه لا يتحتم في الجواب المذكور أن يكون خلف مالاً كما زعم لأن قوله: ((أكنت قاضيه)) أعم من أن يكون المراد مما خلفه أو تبرعًا - انتهى. قلت: ووافق الشافعي أحمد في التحجيج عن الميت من رأس المال. قال ابن قدامة (ج3: ص242) : متى توفي من وجب عليه الحج ولم يحج وجب أن يخرج من جميع ماله ما يحج به عنه ويعتمر سواء فاته بتفريط، أو بغير تفريط، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك: يسقط بالموت، فإن أوصي بها فهي من الثلث، وبهذا قال الشعبي والنخعي - انتهى. وعند الحنفية في ذلك تفصيل كما في شرح اللباب والغنية (ص 173) قالوا: إذا تبرع أحد بدون الوصية أجزأ إن شاء الله. وقال النووي: تجب الاستنابة عن الميت إذا كان قد استطاع في حياته ولم يحج، هذا إذا كان له تركة، وإلا فلا يجب على الوارث، ويجوز للوارث والأجنبي الحج عنه سواء أوصي به أولم يوص - انتهى. وأستدل بالحديث على أنه يصح ممن لم يحج أن يحج نيابة عن غيره لأنه صلى الله عليه وسلم لم يسأله حج عن نفسه أم لا؟ ولأنه صلى الله عليه وسلم شبهه بالدين. ورد بأنه سيأتي في حديث شبرمة ما يدل على عدم إجزاء حج من لم يحج عن نفسه، وأما مسألة الدين فإنه لا يجوز له أن يصرف ماله إلى دين غيره وهو مطالب بدين نفسه (متفق عليه) هذا وهم من المصنف فإن الحديث من أفراد البخاري، وأخرجه في النذور، وأخرجه بقصة الجهنية في الحج، وفي الاعتصام، وأما مسلم فلم يخرجه أصلاً، ولعل المصنف قلد في ذلك صاحب جامع الأصول، والله أعلم. والحديث
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 330)
2537- (9) وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يخلون رجل بامرأة، ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم.
ــ
أخرجه أيضًا أحمد (ج1 ص240) ، والنسائي في الحج، وابن الجارود (ص 178) ، وابن حزم (ج7 ص63) ، والبيهقي (ج5 ص179) .
2537- قوله: (لا يخلون) أكد النهي مبالغة (رجل بامرأة) أي أجنبية. فيه حرمة اختلاء الأجنبي مع المرأة وهو إجماع كما قال في الفتح. وقد ورد في حديث ((فإن ثالثهما الشيطان)) واختلفوا هل يقوم غير المحرم مقامه في هذا بأن يكون معهما من يزيل معنى الخلوة كالنسوة الثقات مثلاً فقيل إنه يقوم لضعف التهمة به لأن المعنى المناسب للنهي إنما هو خشية أن يوقع بينهما الشيطان الفتنة، وقال القفال: لا يجوز بل لا بد من المحرم عملاً بلفظ الحديث. قال الشوكاني: وهو ظاهر الحديث، قلت: وكذلك يحرم الخلوة بالأجنبية لو كان معهما من لا يستحي منه لصغره كابن سنتين وثلاث ونحو ذلك فإن وجوده كالعدم ((ولا تسافرن امرأة)) أي شابة أو عجوز سفرًا طويلاً أو قصيرًا للحج أو غيره ((إلا ومعها محرم)) بفتح الميم وتخفيف الراء أي من يحرم عليه نكاحها من الأقارب كأب وأخ وعم وخال ومن يجري مجراهم كزوج كما جاء مصرحًا في رواية للشيخين من حديث أبي سعيد ((إلا ومعها ذو محرم منها أو زوجها)) ، وفي أخرى ((إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها)) ، قال ابن دقيق العيد: لم يتعرض هنا للزوج وهو موجود في رواية أخرى ولا بد من إلحاقه بالحكم بالمحرم في جواز السفر معه (وكذا الخلوة بها) اللهم إلا أن يستعمل لفظة الحرمة في إحدى الروايتين في غير معنى المحرمية استعمالاً لغويًا فيما يقضي الاحترام فيدخل فيه الزوج لفظًا - انتهى. قال الحافظ: وفي آخر حديث ابن عباس هذا ما يشعر بأن الزوج يدخل في مسمى المحرم فإنه لما استثنى المحرم فقال القائل: إن امرأتي حاجة. فكأنه فهم إدخال الزوج في المحرم ولم يرد عليه ما فهمه بل قيل له أخرج معها. والاستثناء من الجملتين كما هو مذهب الشافعي لا من الجملة الأخيرة لكنه منقطع لأنه متى كان معها محرم لم يبق خلوة فتقدير الحديث لا يقعدن رجل مع امرأة إلا ومعها محرم، والواو في ((ومعها)) للحال، أي لا يخلون في حال إلا في هذه الحال، ووقع في رواية للبخاري لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم. قال القسطلاني: أي لها. وقال النووي: يحتمل أن يريد محرمًا لها، أو له. وهذا الاحتمال الثاني هو الجاري على قواعد الفقهاء فإنه لا فرق بين أن تكون معها محرم لها كأبيها وابنها وأخيها وأمها وأختها أو يكون محرمًا له كأخته وبنته وأمه وعمته وخالته فيجوز القعود معها في هذه الأحوال. قال: وحقيقة المحرم، أي عند الشافعية من النساء التي يجوز له النظر إليها والخلوة بها والمسافرة معها كل من حرم نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها. فخرج بالتأبيد أخت الزوجة وعمتها وخالتها ونحوهن، وخرجت
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 331)
..............................................................................................
ــ
بسبب مباح أم الموطوءة بشبهة وبنتها فإنهما تحرمان على التأبيد وليستا محرمين، لأن وطئ الشبهة لا يوصف بالإباحة لأنه ليس بفعل المكلف، وخرج بقوله لحرمتها الملاعنة، لأن تحريمها ليس لحرمتها بل عقوبة وتغليظًا، والمحرم عام فيشمل محرم النسب كأبيها وابنها وأخيها وابن أختها وابن أختها وخالها وعمها، ومحرم الرضاع كأخيها من الرضاع وابن أخيها وابن أختها منه ونحوهم، ومحرم المصاهرة كأبي زوجها وابن زوجها، فيجوز لكل هؤلاء السفر بها والخلوة بها والنظر إليها من غير حاجة لكن لا يحل النظر بشهوة لأحد منهم هذا مذهب الشافعي والجمهور ووافق مالك على ذلك كله إلا ابن زوجها فكره سفرها معه لفساد الناس بعد العصر الأول ولأن كثيرًا من الناس لا ينزل زوجة الأب في النفرة عنها منزلة محارم النسب والمرأة فتنة إلا فيما جبل الله النفوس عليه من النفرة عن محارم النسب. قال النووي: وعموم هذا الحديث يرد على مالك، وقال ابن دقيق العيد: الحديث عام، فإن عنى بالكراهة التحريم مع محرمية ابن الزوج فهو مخالف لظاهر الحديث بعيد، وإن عنى كراهة التنزيه للمعنى المذكور فهو أقرب تشوفًا إلى المعنى، وقد فعلوا مثل ذلك في غير هذا الموضع، ومما يقويه ها هنا قوله ((لا يحل)) (في حديث ابن عمر عند الشيخين وحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره) استثنى منه السفر مع المحرم فيصير التقدير ((إلا مع ذي محرم)) فيحل ويبقي النظر في قولنا ((يحل)) هل يتناول المكروه أم لا بناء على أن لفظة ((يحل)) يقتضي الإباحة المتساوية الطرفين، فإن قلنا: لا يتناول المكروه. فالأمر قريب مما قاله إلا أنه تخصيص يحتاج إلى دليل شرعي عليه، وإن قلنا: يتناول. فهو أقرب لأن ما قاله لا يكون حينئذ منافيًا لما دل عليه اللفظ - انتهى. وفي الحديث دليل على تحريم سفر المرأة من غير محرم وهو مطلق في قليل السفر وكثيره وفي سفر الحج وغيره، وقد وردت أحاديث مقيدة لهذا الإطلاق إلا أنها اختلف ألفاظها ففي لفظ ((لا تسافر ثلاثاً)) وفي آخر ((فوق ثلاث)) وفي آخر ((يومين)) وفي آخر ((يومًا وليلة)) وفي آخر ((يومًا)) وفي آخر ((ليلة)) وفي آخر ((بريدًا)) وهو عند أبي داود والحاكم والبيهقي، وفي آخر ((ثلاثة أميال)) وهو عند الطبراني، قال الحافظ: وقد عمل أكثر العلماء في هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقييدات. وقال العيني: في هذا الحديث أن المرأة لا تسافر إلا مع ذي محرم، وعموم اللفظ يتناول عموم السفر فيقتضي أن يحرم سفرها بدون ذي محرم معها سواء كان سفرها قليلاً أو كثيرًا للحج أو غيره، وإلى هذا ذهب إبراهيم النخعي والشعبي وطاوس والظاهرية، واحتج هؤلاء أيضًا بحديث أبي هريرة الآتي - انتهى. قال عياض بعد ذكر الألفاظ المختلفة في التقييد: هذا كله ليس يتنافر ولا يختلف، وقد يكون هذا في مواطن مختلفة ونوازل متفرقة فحدث كل من سمعها بما بلغه منها وشاهد، وإن حدث بها واحد فحدث مرات بها على اختلاف ما سمعها - انتهى. وقال النووي: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين واختلاف المواطن. قال البيهقي: كأنه صلى الله عليه وسلم سئل عن المرأة تسافر ثلاثًا بغير محرم فقال: لا، وسئل عن سفرها يومين بغير محرم
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 332)
..............................................................................................
ــ
فقال: لا، وسئل عن سفرها يومًا فقال: لا، وكذلك البريد، فأدى كل منهم ما سمعه، وما جاء منها مختلفًا عن راو واحًد فسمعه في مواطن فروى تارة هذا وتارة هذا وكله صحيح، وليس في كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يرد صلى الله عليه وسلم تحديد أقل ما يسمى سفرًا، فالحاصل أن كل ما يسمى سفرًا تنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يومًا أو بريدًا أو غير ذلك لرواية ابن عباس المطلقة فإنها تتناول جميع ما يسمى سفرًا - انتهى. وقد يمكن أن يجمع بينها بأن اليوم المذكور مفردًا والليلة المذكورة مفردة بمعنى اليوم والليلة المجموعين فمن أطلق يومًا أراد بليلته أو ليلة أراد بيومها، وهكذا عادة العرب يطلقون الليالي ويريدون بعددها من الأيام، ويكون ذكره يومين مدة مغيبها في هذا السفر في الذهاب والإياب يعنى أشار عند جمعهما إلى مدة الذهاب والرجوع، وعند إفرادهما أشار إلى قدر ما تقضي فيه الحاجة، والثالث، أي الوسط بين السير والرجوع لقضاء الحاجة في المقصد فأشار مرة إلى مسافة السفر ومرة إلى مدة الغيبة، وهكذا ذكر الثلاث فقد يكون اليوم الوسط بين الذهاب والرجوع الذي يقضي حاجتها بحيث سافرت له ويحتمل أن يكون هذا كله تمثيلاً لأقل الأعداد وأوائلها إذا الواحد أول العدد وأقله والاثنان أول الكثير وأقله والثلاث أول الجمع وأقله، فكأنه أشار إلى أن مثل هذا في قلة الزمن لا يحل لها السفر فيه مع غير ذي محرم فكيف بما زاد عليه، ولهذا قال في الحديث الآخر ((ثلاثة أيام فصاعدًا)) وحاصله أنه نبه بمنع الخروج أقل كل عدد على منع خروجها من البلد مطلقًا إلا بمحرم أو زوج ويحتمل أن يكون ذكر الثلاث قبل ذكر ما دونها فيؤخذ بأقل ما ورد في ذلك، وأقله الرواية التي فيها ذكر البريد فعلى هذا يتناول السفر طويل السير وقصيره، ولا يتوقف امتناع سير المرأة على مسافة القصر خلافًا للحنفية كذا في الفتح. وقال الشوكاني: قد ورد من حديث ابن عباس عند الطبراني ما يدل على اعتبار المحرم فيما دون البريد، ولفظه: لا تسافر المرأة ثلاثة أميال إلا مع زوج أو ذي محرم. وهذا هو الظاهر أعني الأخذ بأقل ما ورد لأن ما فوقه منهي عنه بالأولى، والتنصيص على ما فوقه كالتنصيص على الثلاث واليوم والليلة واليومين والليلتين لا ينافيه لأن الأقل موجود في ضمن الأكثر، وغاية الأمر أن النهى عن الأكثر يدل بمفهومه على أن ما دونه غير منهي عنه، والنهي عن الأقل منطوق وهو أرجح من المفهوم. وقالت الحنفية: إن المنع المقيد بالثلاث متحقق، وما عداه مشكوك فيه فيؤخذ بالمتيقن ونوقض بأن الرواية المطلقة شاملة لكل سفر فينبغي الأخذ بها وطرح ما سواها، فإنه مشكوك فيه، ومن قواعد الحنفية تقديم الخبر العام على الخاص، وقد خالفوا ذلك هنا. والاختلاف إنما وقع في الأحاديث التي وقع فيها التقييد بخلاف حديث ابن عباس فإنه لم يختلف فيه عليه، فهو سالم من الاضطراب، فالأخذ به أولى وقيل: ليس هذا من المطلق والمقيد الذي وردت فيه قيود متعددة وإنما هو من العام لأنه نكرة في سياق النفي فيكون من العام الذي ذكرت بعض أفراده ولا تخصيص بذلك على الراجح في الأصول. وأعلم أنهم اختلفوا في اشتراط المحرم أو الزوج
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 333)
..............................................................................................
ــ
لوجوب الحج على المرأة. قال ابن رشد: اختلفوا هل من شروط وجوب الحج على المرأة أن يكون معها زوج أو محرم منها؟ فقال مالك والشافعي: ليس من شرط الوجوب ذلك، وتخرج المرأة إلى الحج إذا وجدت رفقة مأمونة. وقال أبو حنيفة وأحمد وجماعة: وجود ذي المحرم ومطاوعته لها شرط في الوجوب، وسبب الخلاف معارضة الأمر بالحج للنهي عن سفر المرأة إلا مع ذي محرم، فمن غلب عموم الأمر قال: تسافر للحج وإن لم يكن معها ذو محرم، ومن خصص العموم بأحاديث النهي ورأى أنه من باب تفسير الاستطاعة قال: لا تسافر إلا مع ذي محرم - انتهى. وقال ابن دقيق العيد: هذه المسألة تتعلق بالنصين إذا تعارضا وكان كل واحد منهما عامًا من وجه خاصًا من وجه، بيانه أن قوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} (3: 91) الآية. عام في الرجال والنساء فمقتضاه أن الاستطاعة على السفر إذا وجدت وجب الحج على الجميع، وقوله صلى الله عليه وسلم ((لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم)) خاص بالنساء، عام في كل سفر فيدخل فيه الحج، فمن أخرجه عنه خص الحديث بعموم الآية، ومن أدخله فيه خص الآية بعموم الحديث فيحتاج إلى الترجيح من خارج - انتهى. قال الشوكاني: ويمكن أن يقال إن أحاديث النهي عن السفر من غير محرم لا تعارض الآية لأنها تضمنت أن المحرم في حق المرأة من جملة الاستطاعة على السفر التي أطلقها القرآن وليس فيها إثبات أمر غير الاستطاعة المشروطة حتى تكون من تعارض العمومين. لا يقال: الاستطاعة المذكورة قد بينت بالزاد والراحلة كما سيأتي، لأنا نقول: قد تضمنت أحاديث النهي زيادة على ذلك البيان باعتبار النساء غير منافية فيتعين قبولها على أن التصريح باشتراط المحرم في سفر الحج بخصوصه كما في حديث ابن عباس عند البزار والدارقطني وحديث أبي أمامة عند الطبراني مبطل لدعوى التعارض - انتهى. وقال النووي: أجمعت الأمة على أن المرأة يلزمها حجة الإسلام إذا استطاعت لعموم قوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} واستطاعتها كاستطاعة الرجل، لكن اختلفوا في اشتراط المحرم لها، فأبو حنيفة يشترطه لوجوب الحج عليها إلا أن يكون بينها وبين مكة دون ثلاث مراحل، ووافقه جماعة من أصحاب الحديث وأصحاب الرأي وحكي ذلك عن الحسن البصري والنخعي، وقال عطاء وسعيد بن جبير، وابن سيرين ومالك والأوزاعي والشافعي في المشهور عنه: لا يشترط المحرم بل يشترط الأمن على نفسها. قال أصحابنا: يحصل الأمن بزوج أو محرم أو نسوة ثقات ولا يلزمها الحج عندنا إلا بأحد هذه الأشياء، فلو وجدت امرأة واحدة ثقة لم يلزمها لكن يجوز لها الحج معها هذا هو الصحيح. وقال بعض أصحابنا: يلزمها بوجود نسوة أو امرأة واحدة، وقد يكثر الأمن ولا تحتاج إلى أحد بل تسير وحدها في جملة القافلة وتكون آمنة، والمشهور من نصوص الشافعي وجماهير أصحابه هو الأول، واختلف أصحابنا في خروجها لحج التطوع وسفر الزيارة والتجارة ونحو ذلك من الأسفار التي ليست واجبة فقال بعضهم: يجوز لها الخروج فيها مع نسوة ثقات كحجة الإسلام. وقال الجمهور: لا يجوز إلا مع زوج أو محرم وهذا هو الصحيح للأحاديث
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 334)
..............................................................................................
ــ
الصحيحة. وقال القاضي: واتفق العلماء أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة إلا مع ذي محرم إلا الهجرة من دار الحرب فاتفقوا على أن تهاجر منها إلى دار الإسلام وإن لم يكن معها محرم، والفرق بينهما أن إقامتها في دار الكفر. حرام إذا لم تستطع إظهار الدين وتخشى على دينها ونفسها وليس كذلك التأخر عن الحج فإنهم اختلفوا في الحج هل هو على الفور أم على التراخي - انتهى. وقال الخرقي: وحكم المرأة إذا كان لها محرم كحكم الرجل. قال ابن قدامة (ج3 ص236) : ظاهره أن الحج لا يجب على التي لا محرم لها، وقد نص عليه أحمد فقال أبو داود: قلت لأحمد: امرأة موسرة لم يكن لها محرم هل يجب عليها الحج؟ قال: لا، وقال أيضًا: المحرم من السبيل. وهذا قول الحسن والنخعي وإسحاق وابن المنذر وأصحاب الرأي، وعن أحمد أن المحرم من شرائط لزوم السعي دون الوجوب، فمتي فاتها الحج بعد كمال الشرائط بموت أو مرض لا يرجى برؤه أخرج عنها حجة، لأن شروط الحج المختصة به قد كملت وإنما المحرم لحفظها. وعنه رواية ثالثة: أن المحرم ليس بشرط في الحج الواجب. قال الأثرم: سمعت أحمد يسأل: هل يكون الرجل محرمًا لأم امرأته يخرجها إلى الحج؟ فقال: أما في فريضة الحج فأرجو لأنها تخرج إليها مع النساء ومع كل من أمنته، وأما في غيرها فلا والمذهب الأول، وعليه العمل، وقال ابن سيرين ومالك والأوزاعي والشافعي: ليس المحرم شرطًا في حجها بحال، قال ابن سيرين: تخرج مع رجل من المسلمين لا بأس به. وقال مالك: تخرج مع جماعة النساء، وقال الشافعي: تخرج مع حرة مسلمة ثقة، وقال الأوزاعي: تخرج مع قوم عدول. قال ابن المنذر: تركوا القول بظاهر الحديث واشترط كل واحد منهم شرطًا لا حجة معه، واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة. وقال لعدي بن حاتم: يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت لا جوار معها لا تخاف إلا الله. ولأنه سفر واجب فلم يشترط له المحرم كالمسلمة إذا تخلصت من أيدي الكفار، ولنا ما روى أبو هريرة مرفوعًا: لا يحل لامرأه تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا ومعها ذو محرم. ثم ذكر حديث ابن عباس الذي نحن في شرحه، ثم قال: وروى ابن عمر وأبو سعيد نحوًا من حديث أبي هريرة. قال أبو عبد الله: أما أبو هريرة فيقول ((يومًا وليلة)) ويروى عن أبي هريرة ((لا تسافر سفرًا)) أيضًا، وأما حديث أبي سعيد ((يقول ثلاثة أيام، قلت: ما تقول أنت؟ قال: لا تسافر سفرًا قليلاً ولا كثيرًا إلا مع ذي محرم)) . وروى الدارقطني بإسناده عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تحجن امرأة إلا ومعها ذو محرم. وهذا صريح في الحكم، ولأنها أنشأت سفرًا في دار الإسلام فلم يجز بغير محرم كحج التطوع، وحديثهم محمول على الرجل بدليل أنهم اشترطوا خروج غيرها معها، فجعل ذلك الغير المحرم الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثنا أولى مما اشترطوه بالتحكم من غير دليل، ويحتمل أنه أراد أن الزاد والراحلة يوجب الحج مع كمال بقية الشروط، ولذلك اشترطوا تخلية الطريق وإمكان المسير وقضاء الدين ونفقة العيال واشتراط كل واحد منهم في محل
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 335)
..............................................................................................
ــ
النزاع شرطًا من عند نفسه لا من كتاب ولا من سنة، فما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالاشتراط، ولو قدر التعارض فحديثنا أخص وأصح وأولى بالتقدم، وحديث عدي يدل على وجود السفر لا على جوازه ولذلك لم يجز في غير الحج المفروض، ولم يذكر فيه خروج غيرها معها، وقد اشترطوا ها هنا خروج غيرها معها، وأما الأسيرة إذا تخلصت من أيدي الكفار فإن سفرها سفر ضرورة لا يقاس عليه حالة الاختيار ولذلك تخرج فيه وحدها، ولأنها تدفع ضررًا متيقنًا بتحمل الضرر المتوهم فلا يلزم تحمل ذلك من غير ضرر أصلاً - انتهى كلام ابن قدامة. وقال الطبري في القرى (ص 44) : وافق أبا حنيفة في اشتراط المحرم أو الزوج أصحاب الحديث، وهو قول النخعي والحسن البصري، وبه قال أحمد وإسحاق وهو أحد قولي الشافعي، قال البغوي في شرح السنة: والقول باشتراط المحرم أولى لظاهر الحديث، ولم يختلفوا أنها ليس لها الخروج في غير الفرض إلا مع محرم إلا في كافرة أسلمت في دار الحرب أو أسيرة تخلصت فيلزمها الخروج بلا محرم. وقال (ص 45) : ووجه دلالة حديث عدي على عدم ذلك اعتبار المحرم أنه صلى الله عليه وسلم أخبر عن خروج المرأة وحدها عند أمانها على نفسها فوجب وقوعه لا محالة. ودل ذلك على الجواز إذ لو حرم لبينه فإنه وقت حاجة لأنه كالواقع وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، وهذا القائل يحمل أحاديث اشتراط المحرم على حال الخوف والخطر جمعًا بينهما وعملاً بهما وذلك أولى من إهمال بعضها ويمكن أن يقال: الحديث دل على الوقوع لا على الجواز لا بطريق المطابقة ولا بالاستلزام لأنه ورد في معرض الثناء على حال الزمان بالأمن والعدل، وذكر خروج المرأة وحدها في معرض الاستدلال على ذلك سواء كان جائزًا أو غير جائز، فالجواز وعدمه مسكوت عنه ولا إشعار للفظ الخبر بهما لا نفيًا ولا إثباتًا، إذ لو قال عقيب كلامه: وارتحالها لذلك جائز لها لم يعد ذلك تكرارًا لما فهم من الأول ولا مؤكدًا للفظه، أو قال: وارتحالها محرم عليها لم يعد ذلك نقضًا له، كيف وفي قوله لا تخاف أحدًا إلا الله إشعار بالحرمة إذ لو يحرم عليها ذلك لما خافت الله تعالى، وأما قوله ((وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز)) فمسلم ولم يتأخر، فإن أحاديث اشتراط المحرم إن ثبت الخطاب بها قبل هذا الحديث، فالتحريم ثابت عندهم، وليس في لفظ هذا الحديث ما يناقضه فيحمل على ما ذكرناه وإن كان الخطاب بها متأخرًا عن هذا الحديث فقد بين صلى الله عليه وسلم ما سكت فيه عنه مما احتمل إرادته قبل موته فلم يتأخر البيان عن وقت الحاجة على الحالين، وهذا هو الظاهر عندي وإن كان الصحيح من مذهب الشافعي خلافه – انتهى. قال الحافظ: ومن الأدلة على جواز سفر المرأة مع النسوة الثقات إذا أمن الطريق أول أحاديث باب حج النساء (يعني به حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال: أذن عمر لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حجة حجها فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف) لاتفاق عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف ونساء النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وعدم نكير غيرهم من الصحابة عليهن في ذلك، ومن أبى ذلك من
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 336)
فقال رجل: يا رسول الله! اكتتبت في غزوة
ــ
أمهات المؤمنين فإنما أباه من جهة خاصة لا من جهة توقف السفر على المحرم. وأجيب بأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كلهن أمهات المؤمنين وهم محارم لهن، لأن المحرم من لا يجوز له نكاحها على التأبيد، فكذلك أمهات المؤمنين حرام على غير النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ثم إنه اختلف القائلون باشتراط المحرم للمرأة أن وجود الزوج أو المحرم شرط الوجوب أو شرط وجوب الأداء فللحنفية فيه قولان، والذي اختاره في فتح القدير أنه مع الصحة وأمن الطريق شرط وجوب الأداء فيجب الإيصاء إن منع المرض أو خوف الطريق أو لم يوجد زوج ولا محرم ويجب عليها التزوج عند فقد المحرم، وعلى الأول لا يجب شيء من ذلك كما في البحر وفي النهر، وصحح الأول في البدائع ورجع الثاني ففي النهاية تبعًا لقاضي خان، لكن جزم في اللباب أنه لا يجب عليها التزوج مع أنه مشى على جعل المحرم أو الزوج شرط أداء، ورجع هذا في الجوهرة وابن أمير الحاج في المناسك ووجهه أنه لا يحصل غرضها بالتزوج لأن للزوج أن يمتنع من الخروج معها بعد أن يملكها، ولا تقدر على الخلاص منه، وربما لا يوافقها فتضرر منه بخلاف المحرم، فإنه إن وافقها أنفقت عليه، وإن امتنع أمسكت نفقتها وتركت الحج وقال المرداوي من الحنابلة: المحرم من شرائط الوجوب كالاستطاعة وغيرها وعليه أكثر الأصحاب، ونقله الجماعة عن الإمام أحمد وهو ظاهر كلام الخرقي وقدمه في المحرم والفروع والحاويين والرعايتين وجزم به في المنهاج والإفادات. قال ابن منجا في شرحه: هذا المذهب وهو من المفردات، وعنه أن المحرم من شرائط لزوم أداء الحج (فلا يمنع الوجوب والاستقرار في الذمة) ، وجزم به في الوجيز وأطلقه الزركشي – انتهى. وفائدة الخلاف تظهر في وجوب الإيصاء به ثم لفظ ((امرأة)) في الحديث عام يشمل الشابة والعجوز لكن خص أبو الوليد الباجي المنع بغير العجوز التي لا تشتهى، أما هي فتسافر كيف شاءت في كل الأسفار بلا زوج ولا محرم وتعقب بأن المرأة مظنة الطمع فيها ومظنة الشهوة، ولو كانت كبيرة. وقد قالوا: لكل ساقطة لاقطة، ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقطهم من لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته وقلة دينه ومروته وخيانته ونحو ذلك. وأجيب بأن الكلام إنما هي فيمن لا تشتهى أصلاً ورأسًا ولا نسلم أن من هي بهذه المثابة مظنة الطمع والميل إليها بوجه. قال ابن دقيق العيد: والذي قاله الباجي تخصيص العموم بالنظر إلى المعنى يعنى مراعاة الأمر الأغلب والمتعقب راعى الأمر النادر وهو الاحتياط. قال: والمتعقب على الباجي يرى جواز سفر المرأة وحدها في الأمن وسيرها في جملة القافلة فقد نظر أيضًا إلى المعنى مع كونه مخالفًا لظاهر الحديث يعنى فليس له أن ينكر على الباجي، وهذا الذي قاله من جواز سفرها وحدها هو قول للشافعي، نقله الكرابيسي، ولكن المشهور عن الشافعية اشتراط الزوج أو المحرم أو النسوة الثقات ولا يشترط أن يخرج معهن محرم أو زوج لإحداهن لانقطاع الأطماع باجتماعهن (فقال رجل) قال الحافظ: لم أقف على اسم الرجل ولا امرأته ولا على تعيين الغزوة المذكورة (اكتتبت) بصيغة المجهول المتكلم من باب الافتعال (في غزوة
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 337)
كذا وكذا، وخرجت امرأتي حاجة. قال: اذهب فحج مع امرأتك. متفق عليه.
2538- (10) وعن عائشة قالت: استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد. فقال: جهادكن الحج.
ــ
كذا وكذا) ، أي كتبت نفسي في أسماء من عين لتلك الغزوة، وقيل: كتب وأثبت اسمي فيمن يخرج إلى غزوة كذا (وخرجت امرأتي حاجة) أي أرادت أن تخرج محرمة للحج أو قاصدة له، يعني وليس معها أحد من المحارم، وفي رواية للبخاري: إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا، وامرأتي تريد الحج (اذهب فاحجج) بضم الجيم الأولى (مع امرأتك) قال الحافظ: أخذ بظاهرة بعض أهل العلم فأوجب على الزوج السفر مع امرأته إذا لم يكن لها غيره، وبه قال أحمد وهو وجه للشافعية، والمشهور أنه لا يلزمه كالولي في الحج عن المريض فلو امتنع إلا بأجرة لزمها لأنه من سبيلها فصار في حقها كالمؤنة، واستدل به على أنه ليس للزوج منع امرأته من حج الفرض، وبه قال أحمد وهو وجه للشافعية، والأصح عندهم أن له منعها لكون الحج على التراخي وأما ما رواه الدارقطني من طريق إبراهيم الصائغ عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا في امرأة لها زوج ولها مال ولا يأذن لها في الحج فليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها، فأجيب عنه بأنه محمول على حج التطوع عملاً بالحديثين ونقل ابن المنذر الإجماع على أن للزوج المنع من الخروج في الأسفار كلها، وإنما اختلفوا فيما كان واجبًا - انتهى. وعند الحنفية ليس لزوجها منعها عن حجة الإسلام إذا كان معها محرم، وألا فله منعها، ولو خرج معها زوجها فلا نفقة له عليها بل هي لها عليه النفقة وإن لم يخرج معها فكذلك عند أبي يوسف، وقال محمد: لا نفقة لها لأنها مانعة نفسها بفعلها، وارجع إلى المغني (ج3 ص240) قال النووي: وفي الحديث تقديم الأهم فالأهم من الأمور المتعارضة لأنه لما تعارض سفره في الغزو وفي الحج معها رجح الحج معها، لأن الغزو يقوم غيره في مقامه بخلاف الحج معها فإنه لا يقوم غيره مقامه في السفر معها إذا لم يكن لها محرم (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي الجهاد وفي النكاح، ومسلم في الحج واللفظ للبخاري في الجهاد، وأخرجه أيضًا أحمد (ج1 ص222) ، والشافعي (ج1 ص290، 291) .
2538- قوله (وعن عائشة قالت: استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد فقال: جهادكن الحج) أي لا جهاد عليكن وعليكن الحج إذا استطعتن، وسماه جهادًا لما فيه من مجاهدة النفس ومشقة السفر وأتعاب البدن ومفارقة الأهل والوطن. والحديث رواه البخاري بألفاظ، واللفظ المذكور له في باب جهاد النساء من كتاب الجهاد والسير، وفي رواية له في الباب المذكور ((عن عائشة أم المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم سأله نساءه عن الجهاد فقال: نعم الجهاد الحج)) ورواه في باب فضل الحج المبرور من أوائل كتاب الحج وفي أول الجهاد بلفظ ((عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور)) ورواه بنحوه أيضًا في باب حج النساء، وزاد ((فقالت عائشة: فلا أدع
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 338)
متفق عليه.
2539- (11) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسافر
ــ
الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورواه النسائي بلفظ ((ألا نخرج فنجاهد معك فإني لا أري عملاً في القرآن أفضل من الجهاد، قال: لا، ولكن أفضل الجهاد وأجمله حج البيت حج مبرور)) . ورواه ابن ماجة بلفظ ((قلت: يا رسول الله على النساء جهاد؟ قال: نعم، جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة)) وقد ذكره المصنف في الفصل الثالث، وفي رواية للبيهقي ((عن عائشة قالت: استأذنه نساءه في الجهاد فقال صلى الله عليه وسلم: يكفيكن الحج، أو جهادكن الحج)) . قال ابن بطال: دل حديث عائشة على أن الجهاد غير واجب على النساء وإنهمن غير داخلات في قوله تعالى: {انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} (- 9: 41) وهو إجماع ولكن ليس في قوله ((جهادكن الحج)) إنه ليس أن يتطوعن بالجهاد، وإنما فيه أن الحج أفضل لهن، وإنما لم يكن الجهاد عليهن واجبًا لما فيه من مغايرة المطلوب منهن من الستر ومجانبة الرجال والحج يمكنهن فيه مجانبة الرجال والاستتار فلذلك كان الحج أفضل لهن من الجهاد. قال: وزعم بعض من ينقص عائشة في قصة الجمل أن قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} (- 33: 33) يقتضي تحريم السفر عليهن، قال: وهذا الحديث يرد عليهم لأنه قال: ((لكن أفضل الجهاد)) فدل على أن لهن جهادًا غير الحج، والحج أفضل منه - انتهى. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد بقوله ((لا)) في جواب قولهن ((ألا نخرج فنجاهد معك)) ؟ أي ليس ذلك واجبًا عليكن كما وجب على الرجال، ولم يرد بذلك تحريمه عليهن، فقد ثبت في حديث أم عطية أنهن كن يخرجن فيداوين الجرحى، وفهمت عائشة ومن وافقها من هذا الترغيب في الحج إباحة تكريره لهن كما أبيح للرجال تكرير الجهاد، وخص به عموم قوله في حديث أبي واقد عند أحمد وأبي داود وغيرهما: ((هذه ثم ظهور الحصر)) وقوله تعالى {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} وكان عمر متوقفًا في ذلك ثم ظهر له قوة دليلها، فأذن لهن في آخر خلافته ثم كان عثمان بعد يحج بهن في خلافته أيضًا، وقد وقف بعضهن عند ظاهر النهي. وقال البيهقي: في حديث عائشة هذا دليل على أن المراد بحديث أبي واقد وجوب الحج عليهن مرة واحدة كما بين وجوبه على الرجال مرة لا المنع من الزيادة. وفيه دليل على أن الأمر بالقرار في البيوت ليس على سبيل الوجوب (متفق عليه) هذا وهم من المصنف فإن الحديث من أفراد البخاري لم يخرجه مسلم في صحيحه أصلاً، ولم يعزه لمسلم أحد غير المصنف فيما أعلم، وأخرجه أحمد، والنسائي، وابن ماجة كلاهما في الحج، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة في صحيحه والبيهقي (ج4 ص326) وله شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجه النسائي بإسناد صحيح بلفظ: ((جهاد الكبير أي العاجز والصغير والضعيف والمرأة الحج والعمرة)) .
2539- قوله (لا تسافر) للحج أو غيره سواء كان بالسيارة أو بالطيارة أو بالقطار، وهو نفي معناه نهي.
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 339)
امرأة مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم. متفق عليه.
ــ
قال القاري: وفي نسخة، أي من المشكاة بصيغة النهي (امرأة) أي شابة أو عجوز، وقوله: ((لا تسافر امرأة)) كذا وقع في المشكاة والمصابيح، وفي الصحيحين ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر)) (مسيرة يوم وليلة) مصدر ميمي بمعنى السير كالمعيشة بمعنى العيش، واختلف الرواية عن أبي هريرة أيضًا في ذكر المدة ففي رواية للشيخين مسيرة يوم وليلة وهي المذكورة في الكتاب، وفي أخرى لمسلم ((مسيرة يوم)) وفي أخرى له ((مسيرة ليلة)) وفي أخرى له أيضًا ((أن تسافر ثلاثًا)) وفي رواية لأبي داود ((بريدًا)) وقد تقدم الكلام في ذلك، وأنه ليس المراد التحديد بل المدار على ما يسمى سفرًا، والاختلاف إنما وقع لاختلاف السائل والمواطن، وليس هو من المطلق والمقيد بل من العام الذي ذكرت بعض أفراده وذا لا يخصص على الأصح (إلا ومعها ذو محرم) ، وفي مسلم ((إلا مع ذي محرم عليها)) ولفظ البخاري ((ليس معها حرمة)) وفي أخرى لمسلم ((إلا ومعها رجل ذو حرمة منها)) وقوله ((ذو محرم)) هكذا وقع في الروايات، قيل: والظاهر أن لفظ ((ذو)) مقحم فإن المحرم للمرأة هو من لا يحل له نكاحها، وقيل: المراد ((ذو رحم محرم)) أي ذو قرابة محرم تزوجها. قال في القاموس: ورحم محرم، محرم تزوجها. قال صاحب تسير العلام: المرأة مظنة الشهوة والطمع وهي لا تكاد تقي نفسها لضعفها ونقصها ولا يغار عليها مثل محارمها الذين يرون أن النيل منها نيل من شرفهم وعرضهم، والرجل الأجنبي حينما يخلو بالأجنبية يكون معرضًا لفتن الشيطان ووساوسه، لهذه المحاذير التي هي وسيلة في وقوع الفاحشة وانتهاك الأعراض حرم الشارع على المرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم. قال: واختلفوا هل المرأة مستطيعة الحج بدون المحرم إذا كانت ذات مال أم أن وجود المحرم شرط في الاستطاعة؟ الصحيح أنه لا يحل له خروجها بدون محرم لأي سفر فتكون معذورة غير مستطيعة، واختلفوا في الكبيرة التي لا تميل إليها النفس هل تسافر بدون محرم؟ أم لا بد من المحرم؟ الصحيح الأخير، لأن الحديث عام في كل امرأة ولا يخلو الأمر من محذور فلكل ساقطة لاقطة. واختلفوا هل يكفي أن تكون مع رفقة أمينة أو تسافر مع امرأة مسلمة ثقة أم لا؟ الصحيح أنه لا بد من المحرم لعموم الحديث، ولأن غيرة المحرم ونظره مفقودان. واختلفوا في تحديد السفر تبعًا لاختلاف الأحاديث، والأحوط أن يؤخذ بأقلها لأنه لا ينافي ما فوقه، ويكون ما فوقه قضايا عين حسب حال السائل، والله أعلم. قال: وإذا قارنت حال المسلمين اليوم بهذه النصوص الصحيحة والآداب العالية والغيرة الكريمة والشهامة النبيلة والمحافظة على الفروج والأعراض وحفظ الأنساب وجدت كثيرًا من المسلمين قد نبذوا دينهم وراءهم ظهريًا ومرقوًا منه وصار التصون والحياء ضربًا من الرجعية والجمود. أما الانحلال الخلقي وخلع رداء الحياء والعفاف فهو التقدم والرقي فإنا لله وإنا إليه راجعون (متفق عليه) أخرجه البخاري في أبواب تقصير الصلاة، ومسلم في الحج. وأخرجه أيضًا أحمد مرارًا ومالك في كتاب الجامع من الموطأ والشافعي في
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 340)
2540- (12) وعن ابن عباس قال: وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم
ــ
المسند (ج1 ص291) ، والترمذي في الرضاع وأبو داود، وابن ماجة في الحج، والحاكم (ج1 ص442) والبيهقي (ج5 ص227) .
2540- قوله (وقت) أي حدد وعين المواضع الآتية للإحرام وجعلها ميقاتًا، وإن كان مأخوذًا من الوقت وهو المقدار من الزمان إلا أن العرف يستعمله في مطلق التحديد اتساعًا. قال الحافظ: أصل التوقيت أن يجعل للشيء وقت يختص به، ثم اتسع فيه فأطلق على المكان أيضًا. وقال ابن الأثير في النهاية: التوقيت والتأقيت أن يجعل للشيء وقت يختص به، وهو بيان مقدار المدة، يقال: وقت الشيء بالتشديد يوقته ووقت بالتخفيف يقته إذا بين مدته، ثم اتسع فيه فأطلق على المكان فقيل للموضع ميقات. وقال ابن دقيق العيد: قيل إن التوقيت في الأصل ذكر الوقت، والصواب أن يقال: تعليق الحكم بالوقت ثم استعمل في التحديد للشيء مطلقًا لأن التوقيت تحديد بالوقت فيصير التحديد من لوازم التوقيت فيطلق عليه التوقيت، وقوله ها هنا ((وقت)) يحتمل أن يراد به التحديد أي حد هذه المواضع للإحرام ويحتمل أن يراد بذلك تعليق الإحرام بوقت الوصول إلى هذه الأماكن بالشرط المعتبر. وقال عياض: وقت أي حدد وجعل لهم ميقاتًا، وحد الحد الذي يحرمون منه والمواقيت كلها حدود للعبادات، وقد يكون وقت بمعنى أوجب عليهم الإحرام منه، ومنه قوله تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} (- 4: 103) ويؤيده حديث ابن عمر عند البخاري بلفظ فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الولي العراقي: معنى التوقيت بهذه المواقيت أنه لا يجوز لمريد النسك أن يجاوزها غير محرم، والدليل على وجوب ذلك من أوجه (أحدها) أنه عليه الصلاة والسلام جعلها ميقاتًا للإحرام وقال: ((خذوا عني مناسككم)) فلزمنا الوقوف عند ذلك (ثانيها) أنه قال في الرواية الأخرى ((يهل أهل المدنية من ذي الحليفة)) إلى آخر الحديث، فأتى به بلفظ الخبر، وهو هنا بمعنى الأمر، وإنما يستعمل الأمر بصيغة الخير لتأكده، والأمر المتأكد للوجوب (ثالثها) أنه قد ورد الأمر صريحًا في قوله في رواية البخاري وغيره ((من أين تأمرنا أن نهل)) وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وبين له مواضع الإهلال المأمور بها، وفي قوله في رواية مسلم من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر ((أمر رسول الله أهل المدنية أن يهلوا من ذي الحليفة)) الحديث (رابعها) أن في صحيح البخاري من حديث ابن عمر ((فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم)) وذكر الحديث. وافتراض المواقيت صريح فيما ذكرناه، ولذلك بوب عليه البخاري ((فرض مواقيت الحج والعمرة)) وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد والجمهور. وقالوا: لو تركها لزمه دم. قال الشيخ تقي الدين: وإيجاب الدم من غير هذا الحديث، وكأنه
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 341)
لأهل المدينة ذا الحليفة،
ــ
يحتاج إلى مقدمة أخرى. ثم قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وآخرون: متى عاد إلى الميقات قبل التلبس بنسك سقط عنه الدم. وقال أبو حنيفة: إنما يسقط عنه الدم إذا عاد إليه ملبيًا، فإن عاد غير ملب استمر لزوم الدم. وقال عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وزفر: لا يسقط الدم بعوده إليه مطلقًا. وقال مالك: إن عاد إليه قبل أن يبعد عنه وهو حلال سقط، وإن عاد بعد البعد والإحرام لم يسقط، وأعلم أنه حكى الأثرم عن الإمام أحمد أنه سئل في أي سنة وقت النبي صلى الله عليه وسلم المواقيت؟ فقال: عام حج – انتهى، كذا ذكره الحافظ وغيره من الشراح واكتفوا بذكره في مبدأ المواقيت. وروى البخاري في العلم من حديث ابن عمر ((أن رجلاً قام في المسجد فقال: يا رسول الله من أين تأمرنا أن نهل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يهل أهل المدينة من ذي الحليفة)) الحديث. ويشكل على ذلك أنهم تصدوا جميعًا للاعتذار عن مجاوزة أبي قتادة عام الحديبية عن المواقيت بغير إحرام وذكروا لذلك توجيهات مختلفة، وإذا كان التوقيت عام حجة الوداع لم يكن حاجة إلى الجواب والاعتذار عنه (لأهل المدينة) النبوية، أي سكانها ومن سلك طريق سفرهم ومر على ميقاتهم (ذا الحليفة) مفعول وقت، والحليفة بضم الحاء المهملة وفتح اللام تصغير الحلفة بفتحات نبت معروف، وذو الحليفة موضع معروف بقرب المدينة بينه وبينها ستة أميال قاله النووي وقبله الغزالي والقاضي عياض والشافعي كما في المعرفة، وكذا قال المجد في القاموس وياقوت الحموي في المعجم، وزادا كالقاضي أنه من مياه بني جشم بالجيم والشين المعجمة بين بني خفاجة من عقيل وقال ابن حزم: هو على أربعة أميال من المدينة، وقال السمهودي في وفاء الوفاء (ص 1194) : وقد اختبرت ذلك بالمساحة فكان من عتبة باب المسجد النبوي المعروف ببات السلام إلى عتبة باب مسجد الشجرة بذي الحليفة تسعة عشر ألف ذراع وسبعمائة ذراع واثنين وثلاثين ذراعًا ونصف ذراع بذراع اليد (وذراع اليد على ما ذكره المحب الطبري والنووي وغيرهما أربعة وعشرون إصبعًا، كل إصبع ست شعيرات مضمومة بعضها إلى بعض) وذلك خمسة أميال وثلثا ميل ينقص مائة ذراع - انتهى. وقيل: ذلك دون خمسة أميال، فإن الميل عند الحنفية أربعة آلاف ذراع بذراع الحديد المستعمل الآن. وقال الحافظ: ذو الحليفة مكان معروف بينه وبين مكة مائتا ميل غير ميلين، قاله ابن حزم (ج7 ص70) وقال غيره: بينهما عشر مراحل، قال: وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة خراب وبها بئر يقال لها بئر علي - انتهى. وعلي هذا ليس بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقال العيني: وبذي الحليفة عدة آبار ومسجدان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، المسجد الكبير الذي يحرم منه الناس، والمسجد الآخر مسجد المعرس - انتهى. وقال صاحب تيسير العلام: ذو الحليفة تسمى الآن آبار علي، وتبعد عن مكة بالمراحل (10) وبالفراسخ (80) وبالأميال (240) وبالكيلوات (430) والمرحلة هي مسيرة يوم وليلة بسير الإبل المحملة بالأثقال سيرًا معتادًا
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 342)
ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد
ــ
ويقدر بها العرب الأوائل فأخذها عنهم العلماء (ولأهل الشام) ، أي ومن سلك طريقهم فمر بميقاتهم، والشام بلاد معروفة وهي من العريش إلى بالس، وقيل إلى الفرات قاله النووي في شرح أبي داود، قال القاري: قوله ((ولأهل الشام)) أي من طريقهم القديم لأنهم الآن يمرون على مدينة النبي الكريم - انتهى. وقال ابن حجر المكي الهيتمي: قوله صلى الله عليه وسلم: ((ولأهل الشام الجحفة)) ، أي إذا لم يمروا بطريق المدينة وإلا لزمهم الإحرام من الحليفة إجماعًا على ما قاله النووي، قال القاري: وهذا غريب منه وعجيب، فإن المالكية وأبا ثور (وابن المنذر وهما من الشافعية) يقولون بأن له التأخير إلى الجحفة، وعندنا معشر الحنفية يجوز للمدني أيضًا تأخيره إلى الجحفة، فدعوى الإجماع باطلة مع وقوع النزاع - انتهى. قلت: وسيأتي الكلام في هذا مفصلاً ووقع في حديث عائشة عند النسائي ((ولأهل الشام ومصر الجحفة)) قال الولي العراقي: هذه زيادة يجب الأخذ بها وعليها العمل. وروى الشافعي بسنده عن عطاء مرسلاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل المغرب (الجحفة) بضم الجيم وإسكان الحاء المهملة وفتح الفاء قرية كبيرة كانت عامرة ذات منبر وهي الآن خربة بينها وبين البحر الأحمر بالأميال (6) وبالكيلوات (10) قال ابن حزم: وهي فيما بين المغرب والشمال من مكة، ومنها إلى مكة اثنان وثمانون ميلاً. وقال صاحب التيسير: تبعد عن مكة بالمراحل (5) وبالفراسخ (40) وبالأميال (120) وبالكيلوات (201) ويحرم منها أهل مصر والشام والمغرب ومن ورائهم من أهل الأندلس والروم والتكرور. قيل: إنها ذهبت أعلامها ولم يبق إلا رسوم خفية لا يكاد يعرفها إلا سكان بعض البوادي، فلذا - والله تعالى أعلم - اختار الناس الإحرام احتياطًا من المكان المسمى برابغ براء وموحدة وغين معجمة بوزن فاعل لأنها قرية قبل حذائها بقليل، وقيل: لا يحرمون من الجحفة لوخمها وكثرة حماها فلا ينزلها أحد إلا حم. وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر عند الشيخين ((مهيعة)) بفتح الميم وإسكان الهاء وفتح التحتية والعين المهملة بوزن علقمة، وقيل: بكسر الهاء مع إسكان الياء على وزن لطيفة، والصحيح المشهور الأول. وسميت الجحفة لأن السيل أجحف بها، قال ابن الكلبي: كان العماليق يسكنون يثرب فوقع بينهم وبين بني عبيل - بفتح المهملة وكسر الموحدة، وهم إخوة عاد - حرب فأخرجوهم من يثرب فنزلوا مهيعة فجاء سيل فاجتحفهم أي: استأصلهم فسميت الجحفة (ولأهل نجد) أي: ساكنيها ومن سلك طريق سفرهم فمر بمياقتهم. ونجد بفتح النون وإسكان الجيم وآخره دال مهملة. قال الحافظ: هو كل مكان مرتفع، وهو اسم لعشرة مواضع، والمراد منها هنا التي أعلاها تهامة واليمن وأسفلها الشام والعراق. وقال ياقوت: نجد تسعة مواضع، ونجد المشهور فيها اختلاف كثير، والأكثر أنها اسم للأرض التي أعلاها تهامة وأسفلها العراق والشام. وقال الخطابي: نجد ناحية المشرق ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها وهي مشرق أهلها، وذكر في المنتهى: نجد من بلاد العرب وهو خلاف الغور أعني تهامة، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 343)
قرن المنازل،
ــ
العراق فهو نجد. وقال عياض في المشارق وأبو عمر: نجد ما بين الجرش إلى سواد الكوفة. وحده مما يلي لمغرب الحجاز وعن يسار الكعبة اليمن. ونجد كلها من عمل اليمامة. قال السمهودي: والصواب أن الذي من عمل اليمامة موضع مخصوص من نجد لا كله. وقال في النهاية: النجد ما ارتفع من الأرض وهو اسم خاص لما دون الحجاز مما يلي العراق - انتهى. وهو مذكر، قال الشاعر:
ألم تر أن الليل يقصر طوله … بنجد ويزداد النطاف به نجدا
ولو أنثه أحد ورده على البلاد لجاز له ذلك (قرن المنازل) بلفظ: جمع المنزل والمركب الإضافي هو اسم المكان ويقال له قرن أيضًا بلا إضافة كما ورد في رواية للشيخين، وأحمد، ومالك وغيرهم، وهو بفتح القاف وسكون الراء بعدها نون، وضبطه صاحب الصحاح بفتح الراء وغلطوه. وبالغ النووي فحكى الاتفاق على تخطئته في ذلك، لكن حكى عياض عن تعليق القابسي: أن من قاله بالإسكان أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن قال بالفتح أراد الطريق الذي يفترق منه فإنه موضع فيه طريق متفرق. والجبل المذكور بينه وبين مكة من جهة المشرق مرحلتان. وحكى الرؤياني عن بعض قدماء الشافعية أن المكان الذي يقال له قرن موضعان: أحدهما في هبوط وهو الذي يقال له قرن المنازل، والآخر في صعود وهو الذي يقال له قرن الثعالب، والمعروف الأول، وفي أخبار مكة للفاكهي: إن قرن الثعالب جبل مشرف على أسفل منى بينه وبين مسجد منى ألف وخمسمائة ذراع، وقيل له قرن الثعالب لكثرة ما كان يأوى إليه من الثعالب، فظهر أن قرن الثعالب ليس من المواقيت، وقد وقع ذكره في حديث عائشة في إتيان النبي صلى الله عليه وسلم الطائف يدعوهم إلى الإسلام وردهم عليه، قال: فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب، الحديث. وذكره ابن إسحاق في السيرة النبوية، ووقع في مرسل عطاء عند الشافعي في الأم (ج2: ص117) ولأهل نجد قرنًا ولمن سلك نجدًا من أهل اليمن وغيرهم قرن المنازل، ووقع في عبارة القاضي حسين في سياقه لحديث ابن عباس هذا ((ولأهل نجد اليمن ونجد الحجاز قرن)) ، وهذا لا يوجد في شيء من طرق حديث ابن عباس، وإنما يوجد ذلك من مرسل عطاء وهو المعتمد، فإن لأهل اليمن إذا قصدوا مكة طريقين إحداهما طريق أهل الجبال وهم يصلون إلى قرن أو يحاوذنه وهو ميقاتهم كما هو ميقات أهل المشرق، والأخرى طريق أهل تهامة، فيمرون بيلملم أو يحاوذنه وهو ميقاتهم لا يشاركهم فيه إلا من أتى عليه من غيرهم كذا في الفتح. وقال المحب الطبري: قرن المنازل وقرن الثعالب واحد وهو تلقاء ذات عرق على مرحلتين من مكة وهو ميقات أهل النجدين نجد الحجاز ونجد تهامة واليمن وقال ابن حزم: قرن شرق من مكة ومنها إلى مكة اثنان وأربعون ميلاً. وقال صاحب التيسير: وقرن لها معان أحدها أعلى الجبل ويسمى هذا المحرم الآن السير الكبير ويبعد عن مكة بالمراحل (2) وبالفراسخ (16) وبالأميال (48) وبالكيلوات (80) ويحرم منه أهل الطائف وأهل نجد نجد اليمن ونجد الحجاز وأهل الكويت فائدة
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 344)
ولأهل اليمن يلملم،
ــ
قال ابن جاسر في ((مفيد الأنام)) : إذا ركب إنسان طائرة من نجد قاصدًا مكة لأداء نسكه فميقاته الشرعي ((قرن)) المعروف بالسيل وحيث أنه لا يتمكن من النزول بالطائرة في الميقات المذكور وقصد جدة لينزل في مطارها فإن الواجب عليه - والحالة ما ذكر - نية الإحرام في الطائرة إذا أتى على الميقات - قرن -المذكور أو على ما يحاذيه، فإذا نزل بجدة محرمًا قصد مكة لأداء نسكه، ولا يجوز له ترك الإحرام إذا أتى على الميقات أو حاذاه بقصد الإحرام من جدة لأن الإحرام من الميقات أو ما يحاذيه واجب، وتجاوزه بغير إحرام محرم، وفيه دم، ومثله إذا ركب طائرة من المدينة ونحوها قاصدًا مكة، والله أعلم - انتهى. (ولأهل اليمن) إذا مروا بطريق تهامة ومن سلك طريق سفرهم ومر على ميقاتهم. قال في المواهب اللطيفة: أراد به بعض أهل اليمن ممن يسكن تهامة فإن اليمن يشمل نجدًا وتهامة، وقوله فيما تقدم لأهل نجد عام يشمل نجد الحجاز ونجد اليمن. وقال الولي العراقي: قال أصحابنا وغيرهم: المراد بكون يلملم ميقات أهل اليمن بعض اليمن وهو تهامة، فأما نجد فإن ميقاته قرن، وذلك لأن اليمن يشمل نجدًا وتهامة فأطلق اليمن وأريد بعضه وهو تهامة منه خاصة، وقوله فيما تقدم ((نجد)) تناول نجد الحجاز ونجد اليمن وكلاهما ميقات أهله قرن (يلملم) بفتح التحتانية واللام وسكون الميم بعدها لام مفتوحة ثم ميم، وهو جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة، وقال ابن حزم: هو جنوب من مكة، ومنه إلى مكة ثلاثون ميلاً. وفي شرح المهذب يصرف ولا يصرف. قال العيني: إن أريد الجبل فمنصرف، وإن أريد البقعة فغير منصرف البتة بخلاف قرن، فإنه على تقدير إرادة البقعة يجوز صرفه لأجل سكون وسطه. ويقال فيه ((ألملم)) بالهمزة وهو الأصل والياء تسهيل لها، وحكى ابن سيده فيه ((يرموم)) براءين بدل اللامين. قال العيني: ووزن يلملم فعمعل كصمحمح، وليس هو من لملمت لأن ذوات الأربعة لا يلحقها الزيادة في أولها إلا في الأسماء الجارية على أفعالها نحو مدحرج، قال: فلأجل هذا حكمنا بأن الميم الأولى واللام الثانية زائدتان، ولهذا قال الجوهري في باب الميم وفصل الباء: يلم ثم قال ((يلملم)) لغة في الملم وهو ميقات أهل اليمن - انتهى. وقال صاحب التيسير: وتبعد عن مكة بالمراحل (2) وبالفراسخ (16) وبالأميال (48) وبالكليوات (80) ويحرم منه أهل اليمن وأهل جاوه وأهل الهند والصين - انتهى. قلت: قد جرى عمل حجاج الهند والباكستان الذين يسافرون للحج من طريق البحر أنهم إذا وصلت باخرتهم قريبًا من بعض سواحل اليمن وكانوا على يوم وليلة أو أكثر من ميناء جدة يحرمون هناك في البحر بناء على زعمهم أنهم يحاذون إذ ذاك جبل ((يلملم)) الذي هو ميقات أهل اليمن ومن سلك طريقهم في البر إلى الحرم المكي، والذي هو على مرحلتين من مكة، أي على بعد ثمان وأربعين ميلاً منها، وعندي عملهم هذا محل نظر وبحث، بل الصواب عندي أنه لا يجب عليهم الإحرام في البحر في أي محل كانوا، أي قبل وصولهم إلى جدة بل لهم أن يؤخروا الإحرام حتى ينزلوا في ميناء جدة فيحرموا منها، وهذا يحتاج إلى شيء من البسط والتوضيح، فاعلم أن الأرض حول مكة في
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 345)
..............................................................................................
ــ
جهاتها الأربع قد جعلت حرمًا وحدث لذلك حدود عينها إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأمر الله تعالى، ثم قررها نبينا صلى الله عليه وسلم، فحرم مكة ما أحاط وأطاف بها من جوانبها الأربع، ومسافة تلك الحدود من الكعبة المشرفة والمسجد الحرام ليست متساوية بل متفاوتة، فهي تنتهي على بعد عشرة أميال في جهة الحديبية وجدة وكذا في جهة الطائف، وتسعة في أخرى، أي الجعرانة، وسبعة في ناحية، أي في جهة عرفات والعراق، وكذا في جهة اليمن، وثلاثة فقط في أخرى، أي في جهة التنعيم. وقد نصبت علامات لانتهاء الحرم في الجهات المذكورة، وإذا وصلت هذه العلامات بخطوط مستقيمة بينها تحدث من ذلك خارطة تشبه شكلاً مخمسًا ويكون طول الحرم حول مكة سبعة وثلاثين ميلاً وهي التي تدور بأنصاب الحرم المبنية في جميع جوانبه، وقد جعل الله تعالى هذه المنطقة المحاطة بالخطوط حرمًا يجب تكريمه واحترامه، وشرع له أحكامًا يختص به، فمثلاً لا يقتل صيدها ولا يختلى خلاه ولا يعضد شجرها وغير ذلك من الأحكام، وحرمة هذه القطعة من الأرض ليست إلا لأن لها علاقة ونسبة ببيت الله الحرام وهو في الحقيقة تكريم للكعبة وإجلال للبيت. ثم إن خارج تلك الحدود على بعد عشرات من الأميال قد وقتت خمس أماكن للقادمين إلى مكة للحج والعمرة يقال لها المواقيت جمع الميقات، وهي خمسة: ذو الحليفة، الجحفة، قرن المنازل، يلملم، ذات عرق. قد عين النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأمكنة ميقاتًا للحجاج القادمين من طرفها، وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز لأحد يمر على واحد من هذه المواقيت الخمسة المنصوصة وهو يريد الحج أو العمرة أن يتجاوزه بدون الإحرام، فإن جاوزه غير محرم فقد أساء الأدب ببيت الله الحرام وعليه دم عند الجمهور، وإن سلك أحد طريقًا لا يقع فيها أي واحد من هذه المواقيت فإنه لا بد أن يمر بمحاذاته في محل ما فعليه أن يحرم قبل أن يتجاوز محل محاذاته، فإن لم يستطع أن يعرف محل المحاذاة فعليه أن يحرم قبل مرحلتين من مكة المكرمة. وبعد هذا فاعلم أن في الزمن القديم حينما كان السفر في البحر بالسفن الشراعية كان الحجاج القادمون من الهند والبلاد الشرقية ينزلون على واحدة من موانئ اليمن مثل الحديدة أو غيرها ثم يسافرون منها إلى مكة المكرمة في البر من طريق اليمن، ولذا كان الواجب عليهم أن يحرموا من يلملم)) لأن ميقات أهل اليمن ومن أتي من طريقهم يلملم، ولكن في زمننا هذا لا ترسي بواخر حجاج الهند والباكستان في موانئ اليمن بل تقطع طريقها في البحر رأسًا إلى جدة وترسي في مينائها، ولذا لا يقع يلملم في طريقهم ولا يمرون على خط محاذاتها أيضًا فليس هناك وجه معقول لا يجاب الإحرام عليهم في البحر قبل وصول باخرتهم إلى جدة، ولكن قد جرى العمل على أن ربان باخرة الحجاج القادمة من الهند أو الباكستان يعلن قبل الوصول إلى جدة بيوم وليلة أو أكثر بأن الباخرة ستمر قريبًا من جبل يلملم في الوقت الفلاني فعلى الحجاج أن يتأهبوا ويحرموا قبل ذلك، فالحجاج يحرمون في ذاك المحل من البحر عملاً بهذا الإعلان، فإن كان معناه أن جبل يلملم يرى بالتلسكوب (المنظار) وأمثالها من الآلات من ذلك المحل الذي يبعد منه
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 346)