..............................................................................................
ــ
أي في الحادي عشر كسائر الحجاج ثم يروحون إلى إبلهم في المراعي ولا يأتون اليوم الثاني من أيام التشريق أي اليوم الثالث من أيام النحر وهو يوم النفر الأول بل يأتون يوم النفر الآخر فيجمعون فيه بين رمي يومين أي رمي اليوم الثاني عشر ورمي الثالث عشر أي النفر الآخر. وفيه أن هذا شيء آخر لا يناسب ما في المسند والموطأ، وقيل في معنى رواية الترمذي غير ذلك، ثم إن الجمهور بعد ما اتفقوا على جمع التأخير ونفي جمع التقديم أي تقديم رمي يوم على ذلك اليوم اختلفوا في أنه هل يجب الدم في جمع التأخير أو لا يجب وهل هو أداء أو قضاء، فذهبت الأئمة الثلاثة وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة إلى أنه لا يجب عليه دم. وقال أبو حنيفة: إذا طلع الفجر من الغد في اليوم الثاني والثالث من أيام النحر فات وقت الأداء فيجب عليه القضاء مع الجزاء إلى غروب آخر أيام التشريق. قال ابن قدامة (ج 3: ص 455) : إذا أخر رمي يوم إلى ما بعده أو أخر الرمي كله إلى آخر أيام التشريق ترك السنة ولا شيء عليه إلا أنه يقدم بالنية رمي اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث، وبذلك قال الشافعي وأبو ثور، لأن أيام التشريق وقت للرمي، فإذا أخره من أول وقته إلى آخره لم يلزمه شيء. قال القاضي: ولا يكون رميه في اليوم الثاني قضاء لأنه وقت واحد، والحكم في رمي جمرة العقبة إذا أخرها كالحكم في رمي أيام التشريق في أنها إذا لم ترم يوم النحر رميت من الغد. وقال أيضًا: آخر وقت الرمي آخر أيام التشريق فمتى خرجت قبل رميه فات وقته واستقر عليه الفداء الواجب في ترك الرمي، هذا قول أكثر أهل العلم – انتهى. وقال النووي في مناسكه: إذا ترك شيئًا من الرمي نهارًا فالأصح أنه يتداركه فيرميه ليلاً أو فيما بقي من أيام التشريق سواء تركه عمدًا أو سهوًا، وإذا تداركه فيها فالأصح أنه أداء لا قضاء، وإذا لم يتداركه حتى زالت الشمس من اليوم الذي يليه فالأصح أنه يجب عليه الترتيب فيرمي أولاً عن اليوم الفائت ثم عن الحاضر، ومتى تدارك فرمى في أيام التشريق فائتها أو فائت يوم النحر فلا دم عليه، ومتى فات ولم يتداركه حتى خرجت أيام التشريق وجب عليه جبره بالدم – انتهى. وقال الشيخ المواق في شرحه المختصر خليل بن إسحاق المالكي في الكلام على قوله ((والليل قضاء)) : قال ابن شاس: للرمي وقت أداء ووقت قضاء ووقت فوات، فوقت الأداء في يوم النحر من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. قال: وتردد الباجي في الليلة التي تلي يوم النحر هل هي وقت أداء أو وقت قضاء، ووقت الأداء في كل يوم من الأيام الثلاثة من بعد الزوال إلى مغيب الشمس ويتردد في الليل كما تقدم – انتهى. وقال الدردير: في جملة ما يجب فيه الدم تأخير الرمي حتى خرجت أيام الرمي وتأخير رمي كل حصاة من العقبة أو غيرها أو تأخير جميع الحصيات عن وقت الأداء وهو النهار لليل وهو وقت القضاء فأولى لو فات الوقتان فدم واحد وقضاء كل من الجمار ولو العقبة ينتهي إلى غروب الرابع، والليل عقب كل يوم قضاء لذلك اليوم يجب به الدم، ووقت أداء كل من الزوال للغروب – انتهى. فعلم من هذا أن الرمي في الليل وفي ما بعد الليل قضاء على ما هو
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 328)
رواه مالك، والترمذي، والنسائي، وقال
ــ
المشهور عند المالكية فيجب به الدم لكنه يرخص للرعاة مطلقًا أو رعاة الإبل خاصة في جمع التأخير ولا يجب عليهم دم. وقال في الغنية: لو لم يرم في الليل رماه في النهار، ولو قبل الزوال قضاء عند أبي حنيفة وعليه الكفارة للتأخير وأداء عندهما ولا شيء عليه – انتهى. قال القاري: والحاصل أن الرمي موقت عند أبي حنيفة وعندهما ليس بموقت فإذا أخر رمي يوم إلى يوم آخر فعنده يجب القضاء مع الدم، وعندهما يجب القضاء لا غير، لأن الأيام كلها وقت لها انتهى. وقال محمد في موطأه بعد رواية حديث عاصم بن عدي: من جمع رمي يومين في يوم من علة أو غير علة فلا كفارة عليه إلا أنه يكره أن يدع ذلك من غير علة حتى الغد. وقال أبو حنيفة: إذا ترك ذلك حتى الغد فعليه دم. وروى الطحاوي في المعاني حديث ابن عباس مرفوعًا ((الراعي يرعى بالنهار ويرمي بالليل)) ثم قال: ذهب أبو حنيفة إلى أن في هذا الحديث دلالة على أن الليل والنهار وقت واحد للرمي، فقال: إن ترك رجل رمي العقبة في يوم النحر ثم رماها بعد ذلك في الليلة التي بعده فلا شيء عليه، وإن لم يرمها حتى أصبح من غده رماها وعليه دم لتأخيره إياها إلى خروج وقتها وهو طلوع الفجر من يومئذ، وخالفه في ذلك أبو يوسف ومحمد فقال: إذا ذكرها في شيء من أيام الرمي رماها ولا شيء عليه غير ذلك من دم ولا غيره، وإن لم يذكرها حتى مضت أيام الرمي فذكرها لم يرمها وكان عليه في تركها دم. ثم احتج الطحاوي لهما بحديث الباب واستظهره بالنظر. وقد ظهر من هذا كله أنه يجب الدم في جمع التأخير عند أبي حنيفة ولا شك أن قوله بلزوم الجزاء أي الدم مخالف لحديث عاصم بن عدي. وقد أجاب بعض الحنفية عن ذلك بوجوه كلها مخدوشة واهية. والراجح عندنا أن أيام التشريق كاليوم الواحد بالنسبة إلى الرمي في حق الرعاة، فمن رمى عن يوم منها في يوم آخر منها أجزأه ولا شيء عليه، والدليل على ذلك حديث عاصم بن عدي، فلو كان يجب الجزاء بتأخير رمي يوم عن ذلك اليوم لبينه صلى الله عليه وسلم لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وأما ما روي عن ابن عباس مرفوعًا ((من قدم شيئًا من حجه أو أخره فليهرق لذلك دمًا)) فهو محمول على عدم العذر، والله أعلم. قال الشنقيطي بعد ذكر حديث عاصم بن عدي: التحقيق أن أيام الرمي كلها كاليوم الواحد، وأن من رمى عن يوم في الذي بعده لا شيء عليه لإذن النبي صلى الله عليه وسلم للرعاء في ذلك ولكن لا يجوز تأخير يوم إلى يوم آخر إلا لعذر فهو وقت له ولكنه كالوقت الضروري والله تعالى أعلم (رواه مالك) في باب الرخصة في رمي الجمار بلفظ ((أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد أو من بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر)) وكذا رواه أبو داود والدارمي (والترمذي والنسائي) وأخرجه أيضًا أحمد (ج 5: ص450) والشافعي وابن ماجة وابن حبان والحاكم والبيهقي (ج 5: ص 450) وفي رواية للترمذي وأبي داود والنسائي وابن الجارود والحاكم قال: رخص للرعاء أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا (وقال
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 329)
الترمذي: هذا حديث صحيح.
(11) باب ما يجتنبه المحرم
(الفصل الأول)
2703 - (1) عن عبد الله بن عمر، أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يلبس المحرم من الثياب؟
ــ
الترمذي: هذا حديث صحيح) وسكت عنه أبو داود ونقل المنذري تصحيح الترمذي وقرره، وصححه الحاكم على شرط الشيخين وسكت عنه الذهبي.
(باب ما يجتنبه المحرم) أي من المحظورات يعني وما لا يجتنبه من المباحات، قاله القاري. والمقصود بيان ما يحرم على المحرم وما يباح له، والمراد بالمحرم من أحرم بحج أو عمرة أو قرن، وقد تقدم الكلام على معنى الإحرام وحقيقته في باب الإحرام والتلبية.
2703 - قوله (عن عبد الله ابن عمر أن رجلاً) قال الحافظ: لم أقف على اسمه في شيء من الطرق (سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يلبس) كلمة استفهامية أو موصولة أو موصوفة في محل النصب على أنه مفعول ثان لسأل، و ((يلبس)) بفتح الموحدة من اللبس بضم اللام، يقال: لبس الثوب يلبس من باب علم يعلم. وأما اللبس بفتح اللام فهو من باب ضرب يضرب، يقال لبست عليه الأمر ألبس بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل إذا خلطت عليه، ومنه التباس الأمر وهو اشتباهه (المحرم) قال الحافظ: أجمعوا على أن المراد به ها هنا الرجل ولا يلتحق به المرأة في ذلك. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمرأة لبس جميع ما ذكر، وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسه الزعفران أو الورس وسيأتي الكلام على ذلك (من الثياب) أي من أنواع الثياب وهو بيان لما، أو للمسئول عنه وعند أحمد (ج 2: ص 77) والنسائي من طريق عمر بن نافع عن أبيه ((ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا؟)) وهكذا عند أحمد (ج 2: ص 54) من طريق عبيد الله و (ص 65) من طريق أيوب كلاهما عن نافع، وهو مشعر بأن السؤال كان قبل الإحرام. وللبيهقي من طريق عبد الله بن عون عن نافع عن ابن عمر قال: قام رجل من هذا الباب يعني بعض أبواب مسجد المدينة فقال: يا رسول الله ما يلبس المحرم؟ وله أيضًا من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: ((نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب وهو بذاك المكان، وأشار نافع إلى مقدم المسجد)) فظهر أن السؤال كان بالمدينة. وفي حديث ابن عباس عند الشيخين أنه صلى الله عليه وسلم خطب بذلك في عرفات فيحمل على التعدد. ويؤيده أن في حديث ابن عمر أجاب به السائل. وفي حديث ابن عباس ابتدأ به الخطبة. وقوله ((ما يلبس المحرم من الثياب)) هي الرواية المشهورة عن نافع عن ابن عمر. وقد رواه أبو عوانة من طريق ابن جريج عن نافع بلفظ ((ما يترك المحرم)) قال الحافظ: وهي شاذة، والاختلاف فيها على ابن جريج لا على
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 330)
فقال: " لا تلبسوا القمص
ــ
نافع، وأخرجه أحمد (ج 2: ص 8) عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن ابن عمر فقال مرة: ما يترك؟ ومرة: ما يلبس؟ وأخرجه أبو داود عن ابن عيينة بلفظ ((ما يترك)) من غير شك. ورواه سالم عن ابن عمر بلفظ ((أن رجلاً قال: ما يجتنب المحرم من الثياب)) أخرجه أحمد (ج 2: ص 34) وابن خزيمة وأبو عوانة في صحيحيهما من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عنه، وأخرجه البخاري في أواخر الحج من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري بلفظ نافع فالاختلاف فيه على الزهري يشعر بأن بعضهم رواه بالمعني فاستقامت رواية نافع لعدم الاختلاف فيها (لا تلبسوا أي مريدوا الإحرام. وفي رواية للبخاري ((لا يلبس)) بالرفع على الخبر على الأشهر وهو في معنى النهي، وروى بالجزم على أنه نهى، وهذا الجواب مطابق للسؤال على إحدى الروايتين وهي قول السائل ما يترك المحرم أو ما يجتنب المحرم؟ وأما على الرواية المشهورة أي قول السائل ((ما يلبس)) فإن المسئول عنه ما يلبسه المحرم فأجيب بذكر ما لا يلبسه، والحكمة فيه أن ما يجتنبه المحرم ويمتنع عليه لبسه محصور فذكره أولى ويبقى ما عداه على الإباحة بخلاف ما يباح له لبسه فإنه كثير غير محصور فذكره تطويل، وفيه تنبيه على أن السائل لم يحسن السؤال وأنه كان الأليق السؤال عما يتركه فعدل عن مطابقته إلى ما هو أولى، وبعض علماء المعاني يسمى هذا أسلوب الحكيم، وقريب منه قوله تعالى {يسألونك ماذا ينفقون، قل ما أنفقتم من خير فللوالدين} (سورة البقرة، الآية 215) فالسؤال عن جنس المنفق فعدل عنه في الجواب إلى ذكر المنفق عليه لأنه أهم. وكان اعتناء السائل بالسؤال عنه أولى. قال النووي: قال العلماء: هذا الجواب من بديع الكلام وجزله فإنه صلى الله عليه وسلم سئل عما يلبسه المحرم فقال: لا يلبس كذا وكذا فحصل في الجواب أنه لا يلبس المذكورات ويلبس ما عداها، فكان التصريح بما لا يلبس أولى لأنه منحصر، وأما الملبوس الجائز للمحرم فغير منحصر فضبط الجميع بقوله لا يلبس كذا وكذا يعني ويلبس ما سواه – انتهى. وقال البيضاوي: سئل عما يلبس فأجاب بما لا يلبس ليدل بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز، وإنما عدل عن الجواب لأنه أخصر وأحصر، وفيه إشارة إلى أن حق السؤال أن يكون عما لا يلبس لأنه الحكم العارض في الإحرام المحتاج لبيانه، إذ الجواز ثابت بالأصل معلوم بالاستصحاب فكان الأليق السؤال عما لا يلبس. وقال ابن دقيق العيد: يستفاد منه أن المعتبر في الجواب ما يحصل منه المقصود كيف ما كان، ولو بتغيير أو زيادة ولا يشترط المطابقة (القمص) بضمتين جمع قميص نوع من الثياب معروف وهو الدرع، وذكر ابن الهمام في أبواب النفقة من فتح القدير أنهما سواء إلا أن القميص يكون مجيبًا من قبل الكتف والدرع من قبل الصدر – انتهى. ونبه به وبالسراويلات على جميع ما في معناهما وهو ما كان محيطًا أو مخيطًا معمولاً على قدر البدن أو قدر عضو منه، وذلك مثل الجبة والقميص والقباء والتبان والقفار، وفي البحر عن مناسك ابن أمير الحاج الحلبي أن ضابطه لبس كل شيء معمول على قدر البدن أو
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 331)
..............................................................................................
ــ
بعضه بحيث يحيط به بخياطة أو تلزيق بعضه ببعض أو غيرهما، ويستمسك عليه بنفس لبس مثله إلا المكعب – انتهى. وفي شرح الإحياء للزبيدي ((ثم إن قولهم: إن المحرم لا يلبس المخيط)) ترجمة لها جزآن لبس ومخيط، فأما اللبس فهو مرعي في وجوب الفدية على ما يعتاد في كل ملبوس إذ به يحصل الترفه والتنعم، فلو ارتدى بقميص أو قباء أو التحف فيهما أو اتزر بسراويل فلا فدية عليه (فإنه لا يعد لابسًا له في العرف) كما لو اتزر بإزار خيط عليه رقاع، وأما المخيط فخصوص الخياطة غير معتبر بل لا فرق بين المخيط والمنسوج كالدرع والمعقود كجبة اللبد والملزق بعضه ببعض قياسًا لغير المخيط على المخيط والمتخذ من القطن والجلد وغيرهما سواء – انتهى. فإن قلت: تقييد اللبس المنتهي عنه باللبس المعتاد يخالف ما سيأتي في الفصل الثالث من حديث نافع أن ابن عمر وجد القر فقال: ألق على ثوبًا يا نافع، فألقيت عليه برنسًا، فقال: تلقي على هذا؟ وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلبسه المحرم. قلت: قال ابن عبد البر:هذا من ورعه وتوقيه كره أن يلقى عليه البرنس وسائر أهل العلم إنما يكرهون الدخول فيه ولكنه رضي الله عنه استعمل العموم في اللباس لأن التغطية والامتهان قد يسمى لباسًا، ألم تسمع إلى قول أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس – انتهى. وهو يقتضي أن ابن عمر إنما فعل ذلك احتياطًا لا لاعتقاده الوجوب. وقال العراقي في شرح الترمذي: ويحتمل أن البرنس كان مفرجًا كالقباء بحيث لو قام عد لابسًا له، فإن بعض البرانس كذلك. وقد حكى الرافعي عن إمام الحرمين فيما لو ألقي على نفسه قباء أو فرجية وهو مضطجع أنه إن أخذ من بدنه ما إذا قام عد لابسه فعليه الفدية، وإن كان بحيث لو قام أو قعد لم يستمسك عليه إلا بمزيد أمر فلا – انتهى، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك عند شرح حديث نافع المذكور. تنبيه: قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مناسك الحج ((والسنة أن يحرم في إزار ورداء سواء كانا مخيطين أو غير مخيطين باتفاق الأئمة)) قال صديقنا العلامة عبد الرحمن الافريقي رحمه الله في كتابه ((توضيح الحج والعمرة)) (ص 44) : ومعنى ((مخيطين)) أن تكون في الرداء والإزار خياطة عرضًا وطولاً،وقد غلط في هذا كثير من العوام، يظنون أن المخيط الممنوع هو كل ثوب خيط سواء في صورة عضو الإنسان أم لا، بل كونه مخيطًا مطلقًا، وهذا ليس بصحيح، بل المراد بالمخيط الذي نهي عن لبسه هو ما كان على صورة عضو الإنسان كالقميص والفنيلة والجبة والصدرية والسراويل وكل ما على صفة الإنسان محيط بأعضائه لا يجوز للمحرم لبسه ولو بنسج، وأما الرداء الموصل لقصره أو لضيقة أو خيط لوجود الشق فيه فهذا جائز – انتهى. قال النووي: قال العلماء: الحكمة في تحريم اللباس المذكور في الحديث على المحرم ولباسه الإزار والرداء أن يبعد عن الترفه ويتصف بصفة الخاشع الذليل وليتذكر أنه محرم في كل وقت فيكون أقرب إلى كثرة أذكاره وأبلغ في مراقبته وصيانته لعبادته وامتناعه من ارتكاب المحظورات وليتذكر به الموت ولباس الأكفان ويتذكر البعث يوم القيامة حفاء عراة مهطعين إلى الداع، والحكمة في تحريم الطيب
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 332)
ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف،
ــ
والنساء أن يبعد عن الترفه وزينة الدنيا وملاذها، ولأن الطيب داع إلى الجماع ولأنه ينافي الحاج فإنه أشعث أغبر، ومحصله أن يجمع همه لمقاصد الآخرة – انتهى بزيادة يسيرة. وقال الشيخ ولى الله الدهلوي: الفرق بين المخيط وما في معناه وبين غير ذلك أن الأول ارتفاق وتحمل وزينة والثاني ستر عورة، وترك الأول تواضع لله وترك الثاني سوء أدب. وقال أيضًا: إن الإحرام في الحج والعمرة بمنزلة التكبير في الصلاة، فيه تصوير الإخلاص والتعظيم وضبط عزيمة الحج بفعل ظاهر، وفيه جعل النفس متذللة خاشعة لله بترك الملاذ والعادات المألوفة وأنواع التجمل، وفيه تحقيق معاناة التعب والتشعث والتغبر لله، وإنما شرع أن يجتنب المحرم هذه الأشياء تحقيقًا للتذلل وترك الزينة والتشعث وتنويها لاستشعار خوف الله وتعظيمه ومؤاخذة نفسه أن لا تسترسل في هواها – انتهى. (ولا العمائم) جمع عمامة بكسر العين، سميت بذلك لأنها تعم جميع الرأس، ونبه به على كل ساتر للرأس مخيطًا أو غير مخيط حتى العصابة فإنها حرام (ولا السراويلات) هو واحد جاء بلفظ الجمع، وقيل جمع سروالة، وهو ثوب خاص بالنصف الأسفل من البدن ولفظه أعجمي لا عربي على الصحيح، يقال: هو فارسي معرب ((شلوار)) في الهندية. في القاموس: السراويل فارسية معربة جمعها سراويلات أو هي جمع سروال وسروالة – انتهى. فالسراويلات تكون حينئذ جمع الجمع. وقال صاحب المحكم: السراويل فارسي معرب يذكر ويؤنث ولم يعرف الأصمعي فيها إلا التأنيث والجمع سراويلات، والسراوين (بالنون) السراويل. زعم يعقوب أن النون فيها بدل من اللام. وقال أبو حاتم السجستاني وسمعت من الأعراب من يقول: الشراويل بالشين المعجمة (ولا البرانس) بفتح الموحدة وكسر النون، جمع البرنس بضمهمها. قال الأزهري وصاحب المحكم وغيرهما: البرنس كل ثوب رأسه منه ملتزق به دراعة كانت أو جبة أو ممطرًا (الممطر بكسر الميم الأولى وفتح الطاء ما يلبس في المطر يتوقى به) من البرس بكسر الباء وهو القطن والنون زائدة، قال النووي: نبه بالعمام والبرانس على كل ساتر للرأس مخيطًا كان أو غيره حتى العصابة فإنها حرام، فإن احتاج إليها لشجة أو صداع أو غيرهما شدهما ولزمته الفدية – انتهى. وقال الخطابي: ذكر العمامة والبرنس معًا ليدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتاد ولا بالنادر. قال: ومن النادر المكتل يحمله على رأسه. قال الحافظ: إن أراد أنه يجعله على رأسه كلابس القبع صح ما قال، وإلا فمجرد وضعه على رأسه على هيأة الحامل لحاجته لا يضر، ومما لا يضر أيضًا الانغماس في الماء فإنه لا يسمى لابسًا وكذا ستر الرأس باليد (ولا الخفاف) بكسر الخاء المعجمة جمع خف. قال النووي: نبه صلى الله عليه وسلم بالخفاف على كل ساتر للرجل من مداس وجمجم وجورب وغيرها. وهذا وما قبله كله حكم الرجال، وأما المرأة فيباح لها ستر جميع بدنها بكل ساتر من مخيط وغيره إلا ستر وجهها فإنه حرام بكل ساتر وفي ستر يديها بالقفازين خلاف
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 333)
إلا أحد لا يجد نعلين،
ــ
للعلماء وهما قولان للشافعي أصحهما تحريمه – انتهى. قال الغزالي في الإحياء: وللمرأة أن تلبس كل مخيط بعد أن لا تستر وجهها بما يماسه، فإن إحرامها في وجهها – انتهى. قال الزبيدي في شرحه: أي إن الوجه في حق المرأة كالرأس في حق الرجل ويعبر عن ذلك بأن إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها، والأصل في ذلك ما روى البخاري من حديث نافع عن ابن عمر مرفوعًا: لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين (سيأتي الكلام على هذا بعد تخريج الحديث حيث ذكره المصنف) ثم إن قوله: فإن إحرامها في وجهها هو لفظ حديث أخرجه البيهقي في المعرفة (وفي السنن ج 5: ص 47) عن ابن عمر قال: إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه. وأخرج الدارقطني والطبراني والعقيلي وابن عدي (والبيهقي في السنن ج 5: ص 47 مرفوعًا) من حديثه بلفظ ((ليس على المرأة إحرام إلا في وجهها)) وإسناده ضعيف (لأن في سنده أيوب بن محمد أبا الجمل. قال البيهقي: وهو ضعيف عند أهل العلم بالحديث، ضعفه ابن معين وغيره) وقال العقيلي: لا يتابع على رفعه، إنما يروى موقوفًا. وقال الدارقطني في العلل: الصواب وقفه، وليس للرجل لبس القفازين كما ليس له لبس الخفين، وهل للمرأة فيه قولان: أحدهما لا يجوز، قاله في الأم والإملاء، وبه قال مالك وأحمد. والثاني وهو منقول المزني نعم، وبه قال أبو حنفية. وفي الوجيز أنه أصح القولين لكن أكثر النقلة على ترجيح الأول * انتهى. وسيأتي الكلام في هذه المسألة عند شرح قوله: لا تلبس القفازين (إلا أحد) قال القاري: بالرفع على البدلية من واو الضمير، وقال الزرقاني في شرح الموطأ: بالنصب عربي جيد، وروي بالرفع وهو المختار في الاستثناء المتصل بعد النفي وشهبه. قال الزين بن المنير: يستفاد منه جواز استعمال أحد في الإثبات خلافًا لمن خصه بضرورة الشعر كقوله:
وقد ظهرت فلا تخفى على أحد _ … إلا على أحد لا يعرف القمرا
قال: والذي يظهر لي بالاستقراء أنه لا يستعمل في الإثبات إلا أن كان يعقبه نفي وكان الإثبات حينئذ في سياق النفي (لا يجد نعلين) في محل الرفع لأنه صفة لأحد، وزاد معمر في روايته عن الزهري عن سالم في هذا الموضع زيادة حسنة تفيد ارتباط ذكر النعلين بما سبق، وهي قوله: وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين، فإن لم يجد نعلين فليلبس الخفين واستدل بقوله ((فإن لم يجد نعلين)) على أن واجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين وهو قول الجمهور. وأجازه الحنفية وبعض الشافعية. وقال ابن العربي: إن صار كالنعلين جاز، وإلا متى سترا من ظاهر الرجل شيئًا لم يجز إلا للفاقد. قال الزرقاني: فإن لبسهما مع وجود نعلين افتدى عند مالك والليث، وعن الشافعي قولان – انتهى. وصرح في الشرح الكبير والدسوقي بالفدية إن لبسهما مع وجود النعلين سواء قطعهما أولا، وقال في شرح الإحياء: هل يجوز لبس الخف المقطوع والمكعب مع وجود النعلين، فيه وجهان أحدهما نعم لشهبه بالنعل وأصحهما لا، لأن الإذن في الخبر
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 334)
فيلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين،
ــ
مقيد بشرط أن لا يجدهما - انتهى. وقال القاري في شرح المناسك: ويجوز لبس المقطوع مع وجود النعلين لكن لا ينافي الكراهة المرتبة على مخالفة السنة – انتهى. قال الحافظ: والمراد بعدم الوجدان أن لا يقدر على تحصيله إما لفقده أو ترك بذل المالك له أو عجزه عن الثمن إن وجد من يبيعه أو الأجرة، ولو بيع بغبن لم يلزمه شراؤه أو وهب له لم يجب قبوله إلا أن أعير له (فيلبس الخفين) كذا في نسخ المشكاة بصيغة المضارع وهكذا وقع في بعض نسخ الموطأ. وفي الصحيحين ((فليلبس)) بزيادة اللام على صيغة الأمر. قال الحافظ: ظاهر الأمر للوجوب لكنه لما شرع للتسهيل لم يناسب التثقيل فهو للرخصة (وليقطعهما) بكسر اللام وسكونها (أسفل من الكعبين) وفي رواية حتى يكونا تحت الكعبين. والمراد قطعهما بحيث يصير الكعبان وما فوقهما من الساق مكشوفًا لا قطع موضع الكعبين فقط. قال العيني والحافظ: والمراد كشف الكعبين في الإحرام وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، ويؤيده ما روى ابن أبي شيبة عن جرير عن هشام بن عروة عن أبيه قال: إذا اضطر المحرم إلى الخفين خرق ظهورهما وترك فيهما قدر ما يستمسك رجلاه – انتهى. اعلم أن المراد بالكعبين ها هنا هو المراد بهما في الوضوء عند الجمهور وهما العظمان الناتئان في جانبي القدم، والمراد بهما عند محمد بن الحسن ومن تبعه من الحنفية هو العظم الشاخص في ظهر القدم عند معقد الشراك. قال ابن عابدين تحت قول المصنف ((فيقطعهما أسفل من الكعبين عند معقد الشراك)) وهو المفصل الذي في وسط القدم، كذا رواه هشام عن محمد بخلافه في الوضوء، فإنه العظم الناتي أي المرتفع ولم يعين في الحديث أحدهما لكن لما كان الكعب يطلق عليهما حمل على الأول احتياطًا لأن الأحوط فيما كان أكثر كشفًا – انتهى. قال الحافظ: لا يلزم من نقل ذلك عن محمد بن الحسن على تقدير صحته عنه أن يكون قول أبي حنفية ونقل عن الأصمعي وهو قول الإمامية أن الكعب عظم مستدير تحت عظم الساق حيث مفصل الساق والقدم، وجمهور أهل اللغة على أن في كل قدم كعبين – انتهى. وقال الجوهري: الكعب العظم الناشز عند ملتقي الساق والقدم وأنكر الأصمعي قول الناس إنه في ظهر القدم – انتهى. وقال في القاموس الكعب كل مفصل للعظام والعظم الناشز فوق القدم والناشزان من جانبيها أي القدم. قال في تاج العروس (ج 1: ص 456) : وأنكر الأصمعي قول الناس: إنه في ظهر القدم وسأل ابن جابر أحمد بن يحيى عن الكعب فأومأ ثعلب إلى رجله إلى المفصل منها بسبابته عليه. ثم قال: هذا قول المفضل وابن الأعرابي. قال وأومأ إلى الناتئين. قال: وهذا قول أبي عمرو بن العلاء والأصمعي، وكل قد أصاب، كذا في لسان العرب (ج 1: ص 213) قلت: وهذا يدل على أن لفظ الكعب في اللغة يستعمل بالمعنيين بمعنى العظم الناتئ عند مفصل الساق والقدم، وبمعنى العظم في ظهر القدم عند معقد الشراك، فأخذه محمد بهذا المعنى في المحرم لكونه أحوط عنده.
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 335)
..............................................................................................
ــ
قلت: والظاهر عندنا هو قول الجمهور. ثم ظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبسهما بعد القطع إذا لم يجد النعلين، وهو مذهب الجمهور. وقال الحنفية تجب، وتعقب بأنها لو وجبت لبينها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه وقت الحاجة، وأيضًا لو وجبت فدية لم يكن للقطع فائدة لأنها تجب إذا لبسهما بلا قطع، قاله الزرقاني. وهذا الذي حكاه عن الحنفية قد اختاره الطحاوي في معاني الآثار ورجحه من حيث الدليل وعزاه إلى أبي حنيفة وصاحبيه، ولكن قال القاري في المرقاة بعد نقل كلام الطحاوي: وفي منسك ابن جماعة: وإن شاء قطع الخفين من الكعبين ولبسهما ولا فدية عند الأربعة – انتهى. وأغرب الطبري والنووي والقرطبي و (الحافظ) ابن حجر فحكوا عن أبي حنيفة أنه يجب عليه الفدية إذا لبس الخفين بعد القطع عند عدم النعلين وهو خلاف المذهب، بل قال في مطلب الفائق: وهذه الرواية ليس لها وجود في المذهب بل هي منتقدة – انتهى. وقال في شرح المناسك: إذا لبسهما قبل القطع يومًا فدم، وفي أقل من يوم صدقة، وإن لبسهما بعد القطع أسفل من موضع الشراك فلا شيء عليه عندنا. وأغرب الطبري والنووي والقرطبي فحكوا عن أبي حنيفة أنه يجب عليه الفدية إذا لبس الخفين بعد القطع عند عدم النعلين – انتهى. وبهذا ظهر أن مذهب الحنفية هو كالجمهور، واستدل بالحديث على أن لبس الخفين مشروط بالقطع، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة مع الاختلاف فيما بينهم في موضع القطع، وعن أحمد في المشهور عنه لا يلزمه قطعهما بل يجوز لبسهما من غير قطع قال ابن قدامة: ويروى ذلك عن علي، وبه قال عطاء وعكرمة وسعيد بن سالم القداح، واحتج أحمد بإطلاق حديث ابن عباس عند البخاري بلفظ ((ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين)) ومثله حديث جابر عند مسلم، وتعقب بأنه موافق على قاعدة حمل المطلق على المقيد فينبغي أن يقول بها ها هنا، وبأن ابن عباس حفظ لبس الخفين ولم ينقل صفة اللبس بخلاف ابن عمر فهو أولى. قال الحافظ: وأجاب الحنابلة عن حديث القطع بأشياء: منها دعوى النسخ في حديث ابن عمر فقد روى الدارقطني من طريق عمرو بن دينار أنه روى عن ابن عمر حديثه، وعن جابر بن زيد عن ابن عباس حديثه وقال: انظروا أي الحديثين قبل. ثم حكى الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري أنه قال: حديث ابن عمر قبل، لأنه كان بالمدينة قبل الإحرام، وحديث ابن عباس بعرفات فيكون ناسخًا لحديث ابن عمر، لأنه لو كان القطع واجبًا لبينه للناس إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وأجاب الشافعي عن هذا في الأم فقال: كلاهما صادق حافظ وزيادة ابن عمر لا تخالف ابن عباس لاحتمال أن تكون عزبت عنه أو شك أو قالها فلم يقلها عنه بعض رواته – انتهى. وسلك بعضهم الترجيح بين الحديثين. قال ابن الجوزي: حديث ابن عمر اختلف في وقفه ورفعه، وحديث ابن عباس لم يختلف في رفعه – انتهى. وهو تعليل مردود بل لم يختلف على ابن عمر في رفع الأمر بالقطع إلا في رواية شاذة على أنه اختلف في حديث ابن عباس أيضًا فرواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفًا ولا يرتاب أحد
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 336)
ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسه زعفران
ــ
من المحدثين أن حديث ابن عمر أصح من حديث ابن عباس لأن حديث ابن عمر جاء بإسناد وصف بكونه أصح الأسانيد واتفق عليه عن ابن عمر غير واحد من الحفاظ منهم نافع وسالم، بخلاف حديث ابن عباس فلم يأت مرفوعًا إلا من رواية جابر بن زيد عنه حتى قال الأصيلي: إنه شيخ بصري لا يعرف، كذا قال، وهو معروف موصوف بالفقه عند الأئمة. واستدل بعضهم بالقياس على السراويل كما سيأتي البحث فيه في حديث ابن عباس إن شاء الله تعالى، وأجيب بأن القياس مع وجود النص فاسد الاعتبار، واحتج بعضهم بقول عطاء: إن القطع فساد والله لا يحب الفساد، وأجيب بأن الإفساد إنما يكون فيما نهى الشرع عنه لا فيما أذن فيه، وقال ابن الجوزي: يحمل الأمر بالقطع على الإباحة لا على الاشتراط عملاً بالحديثين، ولا يخفي تكلفه - انتهى كلام الحافظ، وهكذا ذكر العيني، ثم قال: والأحسن في الجواب أن يقال إن حديث ابن عباس قد ورد في بعض طرقه الصحيحة موافقته لحديث ابن عمر في قطع الخفين، رواه النسائي في سننه من طريق إسماعيل بن مسعود عن يزيد بن زريع عن أيوب عن عمرو عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا لم يجد إزار فليلبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ". قال العيني: وهذا إسناد صحيح وإسماعيل بن مسعود الجحدري وثقه أبو حاتم وغيره، وباقيهم رجال الصحيح. والزيادة من الثقة مقبولة على المذهب الصحيح – انتهى. قلت: وكذا ورد الأمر بالقطع في حديث جابر أيضًا عند الطبراني الأوسط بإسناد حسنه الهيثمي في مجمع الزوائد (ج 3: ص 219) فاتفقت الأحاديث كلها. قال ابن قدامة (ج 3: ص 302) والأولى قطعهما عملاً بالحديث الصحيح وخروجًا من الخلاف وأخذًا بالاحتياط – انتهى. وقال الخطابي (ج 2: ص 345) : أنا أتعجب من أحمد في هذا فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، وقلت سنة لم تبلغه، ويشبه أن يكون إنما ذهب إلى حديث ابن عباس، وليست هذه الزيادة فيه، إنما رواها ابن عمر إلا أن الزيادات مقبولة – انتهى (ولا تلبسوا) بفتح أوله وثالثه، وهذا الحكم شامل للنساء، والدليل الصريح على تعميم هذا الحكم ما سيأتي من حديث ابن عمر في نهى النساء في الإحرام عن لبس ما مسه الزعفران والورس في الفصل الثاني من هذا الباب. قال القاري: نكتة الإعادة اشتراك الرجال والنساء في هذا الحكم إما وجه التغليب أو التبعية – انتهى. وقال الحافظ: قيل عدل عن طريقة ما تقدم ذكره إشارة إلى اشتراك الرجال والنساء في ذلك، وفيه نظر. بل الظاهر أن نكتة العدول أن الذي يخالطه الزعفران والورس لا يجوز لبسه سواء كان مما يلبسه المحرم أو لا يلبسه. قال الزرقاني: والظاهر أنه لا تنافي بين النكتتين (من الثياب شيئًا مسه) أي صبغه (زعفران) بالتنكير والتنوين لأنه ليس فيه إلا ألف ونون فقط وهو لا يمنع الصرف، وفي بعض الروايات الزعفران بالتعريف وهو بفتح الزأي المعجمة وسكون العين
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 337)
ولا ورس ".
ــ
المهملة وفتح فاء وراء مهملة بعدها ألف ونون اسم عربي، كذا في المحيط. وقال العيني: الزعفران اسم أعجمي صرفته العرب فقالوا: ثوب مزعفر وقد زعفر ثوبه يزعفره زعفرة ويجمع على زعافر (ولا ورس) وفي بعض الروايات ولا الورس – وهو بفتح الواو وإسكان الراء آخره سين مهملة – كذا في المحيط، قال المجد: نبات كالسمسم ليس إلا باليمن يزرع فيبقى عشرين سنة، نافع للكلف طلاء والبهق شربًا، وقال العيني: نباته مثل حب السمسم، فإذا جف عند إدراكه تفتق فينفض منه مثل الورق. وقال الجوهري: الورس نبت أصفر يكون باليمن. وقال ابن بيطار: يؤتى بالورس من الصين واليمن والهند، وهو يشبه زهر العصفر. وقال الحافظ: الورس نبت أصفر طيب الريح يصبغ به وذكر ابن العربي أنه ليس بطيب فقال: والورس وإن لم يكن طيبًا فله رائحة طيبة، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين تجنب الطيب المحض وما يشبه الطيب في ملائمة الشم فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم وهو مجمع عليه فيما يقصد به التطيب – انتهى. واستدل بقوله ((مسه)) على تحريم ما صبغ كله أو بعضه ولو خفيت رائحته بعد ذلك للغسل أو لمرور الزمان، وقال الشافعية: إذا صار الثوب بحيث لو أصابه الماء لم تفح له رائحة لم يمنع وإن بقى اللون، والحجة فيه حديث ابن عباس عند البخاري بلفظ ((ولم ينه عن شيء من الثياب إلا المزعفرة التي تردع الجلد)) وأما المغسولة فقال الجمهور: إذا ذهبت الرائحة جاز خلافًا لمالك، واستدل لهم بما روى أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر عن نافع في هذا الحديث إلا أن يكون غسيلاً، أخرجه يحيى بن عبد الحميد الحماني في مسنده عنه، وروى الطحاوي عن أحمد بن أبي عمران أن يحيى بن معين أنكره على الحماني فقال له عبد الرحمن بن صالح الأزدري قد كتبته عن أبي معاوية، وقام في الحال فأخرج له أصله فكتبه عنه يحيى بن معين – انتهى. قال: الحافظ وهي زيادة شاذة لأن أبا معاوية وإن كان متقنًا لكن في حديثه عن غير الأعمش مقال. قال أحمد: أبو معاوية مضطرب الحديث في عبيد الله ولم يجيء بهذه الزيادة غيره. قال الحافظ: والحماني ضعيف وعبد الرحمن الذي تابعه فيه مقال – انتهى. وقال: العيني: في الحديث حرمة لبس الثوب الذي مسه ورس أو زعفران، وأطلق حرمته جماعة منهم مجاهد وهشام بن عروة وعروة بن الزبير ومالك في رواية ابن القاسم عنه، فإنهم قالوا: كل ثوب مسه ورس أو زعفران لا يجوز لبسه للمحرم سواء كان مغسولاً أو لم يكن لإطلاق الحديث، وإليه ذهب ابن حزم الظاهري وخالفهم جماعة، وهم سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وطاوس وقتادة وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور فإنهم أجازوا للمحرم لبس الثوب المصبوغ بالورس أو الزعفران إذا كان غسلاً لا ينفض – انتهى. وفي الموطأ: سئل مالك عن ثوب مسه طيب ثم ذهب ريح الطيب منه هل يحرم فيه؟ قال: نعم ما لم يكن فيه صباغ زعفران أو ورس. قال الباجي: إذا
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 338)
..............................................................................................
ــ
زال من الثوب ريح الطيب ولم تكن في لونه زينة كلون الزعفران والورس أو كان مما في لونه زينة فزال اللون بالغسل فلا مانع يمنع من الإحرام فيه، وقال أيضًا في موضع آخر: إن كان الثوب مصبوغًا فيجنب المصبوغ بالزعفران أو الورس يجتنبه الرجال والنساء لما فيه من الطيب والصبغ الذي يستعمله غالبًا للتجمل، وهذان المعنيان ينافيان الإحرام، فمن لبسه من الرجال والنساء فعليه الفدية، وفي المدونة كان مالك يكره الثياب المصبوغة بالورس والزعفران وإن كان قد غسل إلا أن يكون ذهب لونه فلم يبق فيه من لونه شيء – انتهى. وحاصل كلام الباجي والمدونة أن المحظور عند المالكية شيئان الطيب ولون الزينة والتجمل كلون الزعفران، فإذا كان الثوب مصبوغًا بشيء فيه ريح فقط وزال يجوز الإحرام فيه وإذا كان مصبوغًا بنحو الزعفران لا يجوز الإحرام فيه بمجرد زوال الريح حتى يزول اللون أيضًا. وقال العيني في موضع آخر: وقال أصحابنا (الحنفية) : ما غسل من ذلك حتى صار لا ينفض (لأن المنع للطيب لا للون) فلا بأس بلبسه في الإحرام وهو المنقول عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح والحسن وطاوس وقتادة والنخعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور، ومعنى ((لا ينفض)) لا يتناثر صبغه وقيل لا يفوح ريحه وهما منقولان عن محمد بن الحسن والتعويل على زوال الرائحة حتى لو كان لا يتناثر صبغه ولكنه يفوح ريحه يمنع من ذلك، لأن ذلك دليل بقاء الطيب، ثم ذكر العيني حديث أبي معاوية عن عبيد الله بن عمر المذكور ثم قال: فإن قلت: ما حال هذه الزيادة أعني قوله ((إلا أن يكون غسيلاً)) قلت: صحيح لأن رجاله ثقات وروى هذه الزيادة أبو معاوية الضرير وهو ثقة ثبت، فإن قلت: قال ابن حزم: لا نعلمه صحيحًا، وقال أحمد بن حنبل: أبو معاوية مضطرب الحديث في أحاديث عبيد الله، ولم يجيء أحد بهذه غيره، قلت: كفى حجة لصحة هذه الزيادة شهادة عبد الرحمن وكتابة يحيى بن معين ورواية أبي معاوية، وأما قول ابن حزم ((لا نعلمه صحيحًا)) فهو نفي لعلمه بصحته، وهذا لا يستلزم نفي صحة الحديث في علم غيره فافهم. وقد روى أحمد في مسنده من حديث ابن عباس حديثًا يدل على جواز لبس المزعفر للمحرم إذا لم يكن فيه نفض ولا ردع – انتهى. قلت: أبو معاوية الضرير المذكور في سند حديث ابن عمر عند الطحاوي هو مضطرب الحديث في غير حديث الأعمش سيما في عبيد الله بن عمر العمري كما قاله الإمام أحمد ومع ذلك كان يدلس كما صرح به يعقوب بن شيبة وابن سعد، وروى هذا الحديث عن عبيد الله معنعنًا ففي صحته نظر، وأما حديث ابن عباس الذي أشار إليه العيني فأخرجه أحمد في مسند (ج 1: ص 353) عن يزيد بن هارون عن الحجاج عن الحسين بن عبد الله بن عبيد الله عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا بأس أن يحرم الرجل في ثوب مصبوغ بزعفران قد غسل، ليس فيه نفض ولا ردع. ثم رواه في (ج 1: ص 362) عن ابن نمير عن حجاج بن أرطاة عن حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في الثوب المصبوغ ما لم يكن به نفض ولا ردع. والسندان ضعيفان لتدليس الحجاج وضعف الحسين بن عبيد الله، وذكره
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 339)
.............................................................................................
ــ
الزيلعي في نصب الراية (ج 3: ص 29) من رواية إسحاق بن راهوية وابن أبي شيبة والبزار وأبي يعلى الموصلي في مسانيدهم من طريق يزيد بن هارون عن الحجاج عن الحسين بن عبد الله وسكت عنه الزيلعي وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج 3: ص 219) وقال: رواه أبو يعلى والبزار وفيه حسين بن عبد الله بن عبيد الله وهو ضعيف – انتهى. هذا وقد يستفاد من ظاهر الحديث جواز لبس المزعفر لغير المحرم لأنه قال ذلك في جواب السؤال عما يلبس المحرم فدل على جوازه لغيره، ويؤيده حديث ابن عمر مرفوعًا ((كان يصبغ بالصفرة ثيابه كلها حتى عمامته)) أخرجه أبو داود والنسائي، وفي لفظ للنسائي أن ابن عمر كان يصبغ ثيابه بالزعفران، وأصله في الصحيح، ولفظه: وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها، ويؤيده أيضًا حديث قيس بن سعد قال: أتانا النبي صلى الله عليه وسلم فوضعنا له ماء يتبرد فاغتسل ثم أتيته بملحة صفراء فرأيت أثر الورس عليه، أخرجه أبو داود وابن ماجة وغيرهما، ويعارض ذلك في المزعفر للرجل ما رواه الشيخان عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتزعفر الرجل. قال الشافعي: وأنهى الرجل الحلال بكل حال أن يتزعفر وأمره إذا تزعفر أن يغسله، وحمل الخطابي والبيهقي النهي على ما صبغ من الثياب بعد نسجه، فأما ما صبغ غزله ثم نسج فلا يدخل في النهي، وجوز الزين العراقي في شرح الترمذي أمرين آخرين أحدهما أن النهي عن لبس ما مسه الورس والزعفران ليس داخلاً في جواب السؤال عما يجتنبه المحرم بل هو كلام منفصل مستقل يعني أن جواب سؤاله انتهى عند قوله أسفل من الكعبين، ثم استأنف قوله ((ولا تلبسوا شيئًا مسه الزعفران)) ولا تعلق له بالمسؤل عنه، ثم استعبد العراقي هذا الاحتمال وهو حقيق بالاستبعاد، ومما رده به ما في الصحيحين عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يلبس المحرم ثوبًا مصبوغًا بورس أو زعفران. قال فقيد ذلك بالمحرم، ثانيهما حمل النهي على لطخ البدن بالزعفران دون لبس الثوب المصبوغ به، وأيده بما في سنن النسائي بإسناد صحيح عن أنس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزعفر الرجل جلده، وبما تقدم من حديث ابن عمر وقيس بن سعد ذكره الولي العراقي في شرح التقريب، وذهب ابن الهمام إلى ترجيح حديث أنس لكونه مرويًا في الصحيحين، ولكون المحرم مقدمًا على المبيح. قال الحافظ: واستنبط من منع لبس الثوب المزعفر منع أكل الطعام الذي فيه الزعفران، وهذا قول الشافعية وعن المالكية خلاف. وقال الحنفية: لا يحرم لأن المراد اللبس والتطيب، والآكل لا يعد متطيبًا، وقال الولي العراقي مورد النص في اللبس، فلو أكل ما فيه من زعفران أو غيره من أنواع الطيب قال أصحابنا (الشافعية) : إن استهلك الطيب فلم يبق له طعم ولا لون ولا ريح لم يحرم بلا خلاف، وإن ظهرت هذه الأوصاف حرم بلا خلاف، وإن بقيت الرائحة وحدها حرم أيضًا، لأنه يعد طيبًا، وإن بقى الطعم وحده فالأظهر التحريم، وإن بقى اللون وحده فالأظهر عدم التحريم، وقال المالكية: لا شيء عليه في أكل الخبيض بالزعفران، وقيل إن صبغ الفم فعليه الفدية. وما خلط بالطيب من غير طبخ ففي إيجاب
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 340)
متفق عليه. وزاد البخاري في رواية:
ــ
الفدية به روايتان. وقال الحنفية: إن أكل الطيب في طعام قد طبخ وتغير فلا شيء عليه، وإن لم يطبخ وريحه موجود كره له ذلك، وقد يقال: إن تحريم الأكل حيث حرم مأخوذ من طريق الأولى، لأن الأكل أبلغ في مخالطة الجسد من اللبس، تنبيه: قال الحافظ: زاد الثوري في روايته عن أيوب عن نافع في هذا الحديث ((ولا القباء)) أخرجه عبد الرزاق عنه، ورواه الطبراني من وجه آخر عن الثوري، وأخرجه البيهقي والدارقطني عن عبيد الله بن عمر عن نافع أيضًا. والقباء معروف ويطلق على كل ثوب مفرج، ومنع لبسه على المحرم متفق عليه إلا أن أبا حنيفة قال: يشترط أن يدخل يديه في كميه لا إذا ألقاه على كتفه، ووافقه أبو ثور والخرقي من الحنابلة – انتهى. وقال الولي العراقي: ظاهر زيادة لفظ القباء أنه لا فرق بين أن يدخل يديه في كميه أم لا وبه قال مالك والشافعي وأحمد وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي وحكاه ابن عبد البر عن سفيان الثوري والليث بن سعد وزفر، وخص أبو حنيفة ذلك بما أدخل يديه في كميه، فإن اقتصر على لبسه على كتفيه لم يحرم وبه قال إبراهيم النخعي وحكاه ابن عبد البر عن أبي ثور – انتهى. وقال الباجي: ليس له أن يدخل منكبيه، فإن فعل ذلك افتدي، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا شيء عليه يدخل يديه في كميه – انتهى. وقال الدردير في محرمات الإحرام: وقباء وإن لم يدخل كمًا في يد بل وضعه على منكبيه مخرجًا يديه من تحته، ومحل المنع إن أدخل المنكبين في محلهما، فإن نكسه بأن جعل أسفله على منكبيه فلا فدية – انتهى. (متفق عليه أخرجه البخاري في العلم وفي الصلاة وفي المناسك وفي اللباس، ومسلم في الحج، وأخرجه أيضًا مرارًا، ومالك وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي والدارقطني والبيهقي وابن الجارود والطحاوي (وزاد البخاري في رواية) وكذا زاده أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي كلهم من رواية الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر. وذكر البخاري وأبو داود وغيرهما الاختلاف في رفع هذه الزيادة ووقفها. قال البخاري بعد روايته: تابعه (أي الليث) موسى بن عقبة وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة وجويرية وابن إسحاق في النقاب والقفازين (أي في ذكرهما في الحديث المرفوع وقال عبيد الله (يعنى ابن عمر العمري) ولا ورس، وكان يقول: ولا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين، وقال مالك عن نافع عن ابن عمر: ((لا تنتقب المحرمة)) وتابعه ليث بن أبي سليم – انتهى. قال الحافظ: قوله ((وقال عبيد الله ولا ورس)) إلخ. يعنى أن عبيد الله المذكور خالف المذكورين قبل في رواية هذا الحديث عن نافع فوافقهم على رفعه إلى قوله ((زعفران ولا ورس)) وفضل بقية الحديث فجعله من قول ابن عمر، وهذا التعليق عن عبيد الله وصله إسحاق بن راهويه في مسنده عن محمد بن بشر وحماد بن مسعدة وابن خزيمة من طريق بشر بن المفضل ثلاثتهم عن عبيد الله بن عمر عن نافع فساق الحديث إلى قوله ((ولا ورس)) قال وكان عبد الله يعنى ابن عمر يقول: ولا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين. ورواه
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 341)
" ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين ".
ــ
يحيى القطان عند النسائي وحفص بن غياب عند الدارقطني كلاهما عن عبيد الله، فاقتصر على المتفق على رفعه، وقوله ((وقال مالك)) إلخ. هو في الموطأ كما قال مالك، والغرض أن مالكًا اقتصر على الموقوف فقط. وفي ذلك تقوية لرواية عبيد الله، وظهر الإدراج في رواية غيره. وقد استشكل ابن دقيق العيد الحكم بالإدراج في هذا الحديث لورود النهى عن النقاب والقفاز مفردًا مرفوعًا (عند أبي داود من رواية إبراهيم بن سعد المدني عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم) وللابتداء بالنهي عنهما في رواية ابن إسحاق (عن نافع عن ابن عمر عند أحمد وأبي داود والحاكم) وقال في الاقتراح: دعوى الإدراج في أول المتن ضعيفة وأجيب بأن الثقات إذا اختلفوا وكان مع أحدهم زيادة قدمت ولا سيما إن كان أحفظ والأمر ها هنا كذلك، فإن عبيد الله بن عمر في نافع أحفظ من جميع من خالفه، وقد فصل المرفوع من الموقوف. وأما الذي اقتصر على الموقوف فرفعه (وهو إبراهيم بن سعد) فقد شذ بذلك وهو ضعيف، وأما الذي ابتدأ في المرفوع بالموقوف (وهو ابن إسحاق) فإنه من التصرف في الرواية بالمعنى، وكأنه رأي أشياء متعاطفة فقدم وأخر لجواز ذلك عنده، ومع الذي فصل زيادة علم فهو أولى، أشار إلى ذلك شيخنا في شرح الترمذي – انتهى. قلت: وبسط الكلام على ذلك الولي العراقي في شرح التقريب (ج 5: ص 42، 43) نقلاً عن شرح الترمذي لوالده الزين العراقي (لا تنتقب) بفوقيتين مفتوحتين بينهما نون ساكنة ثم قاف مكسورة من باب الافتعال وهو مجزوم على النهي فتكسر لالتقاء الساكنين، ويجوز رفعه على الخبرية، والانتقاب هو أن تخمر المرأة وجهها أي تغطيه بالخمار وتجعل لعينيها خرقين تنظر منهما (المرأة المحرمة) قال الزرقاني: أي لا تلبس النقاب وهو الخمار الذي تشده المرأة على الأنف أو تحت المحاجر وأن قرب من العين حتى لا يبدو أجفانها فهو الوصواص – بفتح الواو وسكون الصاد الأولى – فإن نزول إلى طرف الأنف فهو اللفاف – بكسر اللام وبالفاء – فإن نزل إلى الفم ولم يكن على الأرنبة منه شيء فهو اللثام بالمثلثة – انتهى. (ولا تلبس) بفتح الباء والجزم على النهي ويجوز رفعه (القفازين) بضم القاف وشد الفاء وبعد الألف زأي تثنية قفاز بوزن رمان شيء تلبسه نساء العرب في أيديهن يغطي الأصابع والكف والساعد من البرد ويكون فيه قطن محشو، ذكره الطيبي. وقيل يكون له أزرار يزر على الساعد، كذا في المرقاة. وقال الحافظ: القفاز ما تلبسه المرأة في يدها فيغطي أصابعها وكفيها عند معاناة الشيء كغزل ونحوه وهو لليد كالخف للرجل – انتهى، قال الولي العراقي: النهي عن الانتقاب دل على تحريم ستر الوجه بما يلاقيه ويمسه دون ما إذا كان متجافيًا عنه، وهذا قول الأئمة الأربعة وبه قال الجمهور. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله، والخفاف وأن لها أن تغطى رأسها إلا وحهها فتسدل عليه الثوب سدلاً خفيفًا تستر به عن نظر الرجال ولا تخمر إلا ما روي عن فاطمة بنت المنذر قالت: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق فلا تنكره علينا. قال ابن المنذر ويحتمل
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 342)
..............................................................................................
ــ
أن يكون ذلك التخمير سدلاً كما جاء عن عائشة. قالت كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه، أخرجه أبو داود وابن ماجة. وقال ابن المنذر أيضًا: لا نعلم أحدًا من أصحاب رسول الله رخص فيه يعني النقاب، ثم قال: وكانت أسماء بنت أبي بكر تغطي وجهها وهي محرمة، وروينا عن عائشة أنها قالت: المحرمة تغطي وجهها إن شاءت. وقال ابن عبد البر: وعلي كراهة النقاب للمرأة جمهور علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من فقهاء الأمصار أجمعين إلا شيء روي عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تغطى وجهها وهي محرمة، وعن عائشة أنها قالت: تغطي المرأة وجهها إن شاءت وروي عنها أنها لا تفعل وعليه الناس – انتهى. وهذا كله يدل على اتفاق العلماء على وجوب كشف وجهها وعلى أن لها أن تسدل الثوب وترخيه من فوق رأسها على وجهها للتستر عن أعين الناس كما يدل عليه حديث عائشة المذكور. وعليه يحمل ما روي عن فاطمة بنت المنذر وأسماء بنت أبي بكر. وقال ابن القيم: أما نهيه صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر المرأة أن تنتقب وأن تلبس القفازين فهو دليل على أن وجه المرأة كبدن الرجل لا كرأسه فيحرم عليها فيه ما وضع وفصل على قدر الوجه كالنقاب والبرقع، ولا يحرم عليها ستره بالمقنعة والجلباب ونحوهما، وهذا أصح القولين فإن النبي صلى الله عليه وسلم سوى بين وجهها ويديها ومنعها من القفازان والنقاب، ومعلوم أنه لا يحرم عليها ستر يديها وأنهما كبدن المحرم يحرم ستررهما بالمفصل على قدرهما وهما القفازان، فهكذا الوجه إنما يحرم ستره بالنقاب ونحوه. وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم حرف واحد في وجوب كشف المرأة وجهها عند الإحرام إلا النهي عن النقاب وهو كالنهي عن القفازين فنسبة النقاب إلى الوجه كنسبة القفازين إلى اليد سواء، وقد ثبت عن أسماء أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة، وقالت عائشة: كانت الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها فإذا جاوزونا كشفنا، ذكره أبو داود. واشتراط المجافاة عن الوجه – كما ذكره القاضي وغيره – ضعيف لا أصل له دليلاً ولا مذهبًا. قال صاحب المغنى: ولم أر هذا الشرط – يعنى المجافاة – عن أحمد ولا هو في الخبر مع أن الظاهر خلافه فإن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، فلو كان هذا شرطًا لبين، وإنما منعت المرأة من البرقع والنقاب ونحوهما مما يعد لستر الوجه، قال أحمد: لها أن تسدل على وجهها من فوق، وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل، كأنه يقول: إن النقاب من أسفل على وجهها، تم كلامه. فإن قيل: فما تصنعون بالحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها، فجعل وجه المرأة كرأس الرجل، وهذا يدل على وجوب كشفه؟ قيل: هذا الحديث لا أصل له أي في المرفوع ولم يروه أحد من أصحاب الكتب المعتمد عليها ولا يعرف له إسناد ولا تقوم به حجه، ولا يترك له الحديث الصحيح الدال على أن وجهها كبدنها، وأنه يحرم عليها فيه ما أعد للعضو كالنقاب والبرقع ونحوه، لا مطلق الستر كاليدين – انتهى. ونحو ذلك قال ابن تيمية. وأما لبس
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 343)
............................................................................................
ــ
المرأة القفازين فمختلف فيه فذهب مالك وأحمد إلى منعه وهو أصح القولين عن الشافعي وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وعطاء ونافع وإبراهيم النخعي. وقال ابن المنذر: اتقاؤه أحب إليّ للحديث الذي جاء فيه (يعنى حديث ابن عمر الذي نحن في شرحه) وقال ابن عبد البر: الصواب عندي نهي المرأة عنه ووجوب الفدية عليها به لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذهب آخرون إلى جوازه وحكاه ابن المنذر عن سعد بن أبي وقاص وعائشة وعطاء والثوري ومحمد بن الحسن، وحكاه النووي وغيره عن أبي حنفية. قال ابن عبد البر: ويشبه أن يكون مذهب ابن عمر لأنه كان يقول: إحرام المرأة في وجهها – انتهى. قال الولي العراقي: وهو رواية المزني عن الشافعي وصححه من أصحابنا الغزالي والبغوي، قال الرافعي: لكن أكثر النقلة على ترجيح الأول، وحكى الخطابي عن أكثر أهل العلم أنه لا فدية عليها إذا لبست القفازين وهو قول عند المالكية – انتهى. قلت: اتفقت فروع المذاهب الثلاثة على منع المحرمة من لبس القفازين واستدلوا لذلك بحديث ابن عمر الذي نحن في شرحه، ومذهب الحنفية على ما في البدائع أنه لا يكره لبس القفازين عندهم. قال الكاساني: وهو قول علي وعائشة. قال: وقال الشافعي: لا يجوز لحديث ابن عمر، ولنا ما روي أن سعد بن أبي وقاص كان يلبس بناته وهن محرمات القفازين ولأن لبس القفازين ليس إلا تغطية يديها بالمخيط وأنها غير ممنوعة عن ذلك فإن لها أن تغطيهما بقميصها وأن كان مخيطًا فكذا بمخيط آخر بخلاف وجهها، وقوله لا تلبسن القفازين نهي ندب حملناه عليه جمعًا بين الدلائل بقدر الإمكان – انتهى. وقال ابن القيم: تحريم لبس القفازين قول عبد الله بن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد وإبراهيم النخعي ومالك والإمام أحمد والشافعي في أحد قوليه وإسحاق بن راهويه، وتذكر الرخصة عن علي وعائشة وسعد بن أبي وقاص وبه قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي في القول الآخر. ونهي المرأة عن لبسهما ثابت في الصحيح كنهي الرجل عن لبس القميص والعمائم، وكلاهما في حديث واحد عن راو واحد، وكنهيه المرأة عن النقاب وهو في الحديث نفسه، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالإتباع، وهي حجة على من خالفها، وليس قول من خالفها حجة عليه. فأما تعليل حديث ابن عمر في القفازين بأنه من قوله فإنه تعليل باطل، وقد رواه أصحاب الصحيح والسنن والمسانيد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث نهيه عن لبس القمص والعمائم والسراويلات وانتقاب المرأة ولبسها القفازين، ولا ريب عند أحد من أئمة الحديث أن هذا كله حديث واحد من أصح الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرفوعًا إليه، ليس من كلام ابن عمر، وموضع الشبهة في تعليله أن نافعًا اختلف عليه فيه، ثم ذكر ابن القيم عن أبي داود والبخاري ما وقع من الاختلاف في رفعه ووقفه ثم قال: فالبخاري ذكر تعليله ولم يرها علة مؤثرة فأخرجه في صحيحه عن عبد الله بن يزيد عن الليث عن نافع عن ابن عمر – انتهى. ثم ظاهرقوله ولا تنتقب المرأة اختصاصها بذلك، وأن الرجل ليس كذلك وهو مقتضى ما ذكره أول الحديث فيما يتركه المحرم، فإنه لم يذكر فيه ستر الوجه. ومذهب الشافعي وأحمد والجمهور
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 344)
2704 - (2) وعن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، وهو يقول: " إذا لم يجد المحرم نعلين لبس خفين، وإذا لم يجد إزارًا لبس سراويل ".
ــ
أنه يجوز للمحرم ستر وجهه ولا فدية عليه، وفيه آثار عن الصحابة عثمان بن عفان وزيد بن ثابت، وذهب أبو حنيفة ومالك إلى منعه كالرأس وهو رواية عن أحمد، وقالوا: إذا حرم على المرأة ستر وجهها مع احتياجها إلى ذلك فالرجل أولى بتحريمه. وتمسكوا أيضًا بقوله عليه الصلاة والسلام في المحرم الذي وقصته ناقته ولا تخمروا وجهه ولا رأسه. وأجاب الجمهور عنه بأن النهي عن تغطية وجهه إنما كان لصيانة رأسه لا لقصد كشف وجهه. ولا بد من هذا التأويل لأن المتمسكين بهذا الحديث وهم الحنفية والمالكية لا يقولون ببقاء أثر الإحرام بعد الإحرام بعد الموت لا في الرأس ولا في الوجه، والجمهور يقولون: لا إحرام في الوجه في حق الرجل فحينئذٍ لم يقل بظاهره أحد منهم، ولا بد من تأويله على أن المالكية قالوا إنه لا فدية في تغطية المحرم وجهه إلا في رواية ضعيفة جزم بها ابن المنذر عن مالك، وبنى بعضهم هذا الخلاف على أن التغطية حرام أو مكروهة، وحكى ابن المنذر عن محمد بن الحسن أنه إن غطى ثلثه أو ربعه فعليه دم، وإن كان أقل من ذلك فعليه صدقة. ومذهب الحنفية أنه لو غطى جميع وجهه بمخيط أو غيره يومًا وليلة فعليه دم وفي الأقل من يوم صدقة كما بسط في فروعهم. وروى سعيد بن منصور عن عطاء بن أبي رباح يغطي المحرم وجهه ما دون الحاجبين أي من أعلى. وفي رواية له ما دون عينيه. قال الزين العراقي: ويحتمل أنه أراد الاحتياط لكشف الرأس. ولكن هذا أمر زائد على الاحتياط لذلك، وهو حاصل بدونه – انتهى. وفي المسألة قول رابع وهو أنه إن كان حيًا فله تغطية وجهه، وإن كان ميتًا لم يجز، قاله ابن حزم، قال الحافظ: قال أهل الظاهر: يجوز للمحرم الحي تغطية وجهه ولا يجوز للمحرم الذي يموت عملاً بالظاهر في الموضعين- انتهى.
2704 – قوله (يخطب) أي بعرفات كما تقدم (إذا لم يجد المحرم نعلين لبس خفين) أي بعد قطعهما أسفل من الكعبين كما هو مذهب الجمهور خلافًا لأحمد (وإذا لم يجد إزارًا لبس سراويل) فيه دليل على جواز لبس السراويل عند عدم الإزار من غير لزوم شيء، وإليه ذهب أحمد والشافعي، وعن أبي حنيفة منع السراويل للمحرم مطلقًا، ومثله عن مالك وكأنه لم يبلغه حديث ابن عباس، ففي الموطأ أنه سئل عما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من لم يجد إزارًا فليلبس سراويل فقال: لم أسمع بهذا ولا أرى أن يلبس المحرم سراويل، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى (في حديث ابن عمر) عن لبس السراويلات (مطلقًا فيما نهي عنه من لبس الثياب التي لا ينبغي للمحرم أن يلبسها ولم يستثن فيها (أي في السراويلات في حديث ابن عمر) كما استثنى في الخفين – انتهى. قال ابن عبد البر: قال عطاء بن أبي رباح والشافعي وأصحابه والثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وداود: إذا لم يجد المحرم إزارًا لبس السراويل ولا
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 345)
..............................................................................................
ــ
شيء عليه، وحكاه النووي عن الجمهور، قال: ولا حجة في حديث ابن عمر لأنه ذكر فيه حالة وجود الإزار وذكر في حديث ابن عباس حالة العدم ولا منافاة. وقال الرازي من الحنفية: يجوز لبسه وعليه الفدية كما قال أصحابهم في الخفين، وأجاب بعض الحنفية عن هذا الحديث بأنه متروك الظاهر، ثم حكى عن القدوري أنه قال في التجريد: وافقونا على أن السراويل لو كان كبيرًا يمكن أن يتزر به من غير فتق لم يجز لبسه لأنه واجد للإزار، وكذا لو خاط إزاره سراويل قطعة واحدة لا يجوز لبسه وإن لم يجد إزارًا غيره، لأنه إزار في نفسه إذا فتقه. قال الزين العراقي في شرح الترمذي: لا يحصل الاعتراض بهاتين الصورتين لأنه واجد للإزار فيهما وقد علله القدوري بذلك، وإنما يجوز لبس السراويل عند عدم وجدان الإزار فليس الحديث إذن متروك الظاهر، كذا في شرح التقريب. وقال ابن رشد: اختلفوا في من لم يجد غير السراويل هل له لباسها؟ فقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز له لباس السراويل وإن لبسها افتدى، وقال الشافعي والثوري وأحمد وأبو ثور وداود: لا شيء عليه إذالم يجد إزارًا، وعمدة مذهب مالك ظاهر حديث ابن عمر المتقدم، وعمدة الطائفة الثانية حديث ابن عباس – انتهى. قال الأبي: ما في حديث ابن عباس أخذ به الشافعي ولم يأخذ به مالك لسقوطه في حديث ابن عمر. وقال في الموطأ: لم أسمع بها ولا أرى أن يلبسها المحرم، إلخ. وهذا يدل على أن هذه الزيادة لم تبلغه أو لم يبلغه أن المحرم يلبسه على حاله، أما لو فتق وجعل منه شبه إزار جاز – انتهى. قلت: ومذهب الحنفية أنه إذا لم يجد غير سروال فلبسه من غير فتق فعليه دم، وإن شقه واتزره فلا شيء عليه. قال الرازي: يجوز لبس السراويل من غير فتق عند عدم الإزار، ولا يلزم منه عدم لزوم الدم لأنه قد يجوز ارتكاب المحظور للضرورة مع وجوب الكفارة كالحلق للأذى ولبس المخيط للعذر. وقد صرح الطحاوي في الآثار بإباحة ذلك مع وجوب الكفارة. قال القاري: وليس في الحديث أنه لا يلزمه فتق السراويل حتى يصير غير مخيط كما قال به أبو حنيفة قياسًا على الخفين. وأما اعتراض الشافعية بأن في إضاعة مال فمردود بما تقدم، نعم لو فرض أنه بعد الفتق لا يستر العورة يجوز له لبسه من غير فتق بل هو متعين واجب إلا أنه يفدي. وأما قول ابن حجر: وعن أبي حنيفة ومالك امتناع لبس السراويل على هيئته مطلقًا فغير صحيح عنهما، وقال الولي العراقي: لم يأمر في الحديث بقطع السراويل عند عدم الإزار كما في الخف وبه قال أحمد وهو الأصح عند أكثر الشافعية. وقال إمام الحرمين والغزالي: لا يجوز لبس السراويل على حاله إلا إذا لم يتأت فتقه وجعله إزارًا، فإن تأتى ذلك لم يجز لبسه، وإن لبسه لزمته الفدية. وقال الخطابي: يحكى عن أبي حنيفة أنه قال يفتق السراويل ويتزر به، وقالوا: هذا كما جاء في الخف أنه يقطع. قال الخطابي: وهو الأصل في المال أن تضييعه حرام والرخصة إذا جاءت في لبس السراويل فظاهرها اللبس المعتاد، وستر العورة واجب، وإذا فتق السراويل واتزر به لم تستتر العورة، وأما الخف فإنه لا يغطي عورة وإنما
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 346)
متفق عليه.
2705 - (3) وعن يعلى بن أمية، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة إذ جاءه رجل أعرابي،
ــ
هو لباس رفق وزينة فلا يشتبهان، ومرسل الإذن في لبس السراويل إباحة لا تقتضي غرامة – انتهى. قال الحافظ: ومن أجاز لبس السراويل على حاله قيده بأن لا يكون في حالة لو فتقه لكان إزارًا لأنه في تلك الحالة يكون واجد الإزار – انتهى. قلت: الظاهر عندنا ما ذهب إليه أحمد وأكثر الشافعية من أنه يجوز لبس السراويل بغير فتق عند عدم الإزار، ولا يلزمه شيء (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي اللباس بلفظ ((من لم يجد النعلين فليلبس الخفين ومن لم يجد إزارًا فليلبس السراويل للمحرم)) وأخرجه مسلم في الحج، وأخرجه أيضًا أحمد (ج 1: ص 215، 221، 228، 279، 285، 337) وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي (ج 5: ص 50) .
2705 – قوله (وعن يعلى) بمفتوحة وسكون مهملة وفتح لام وقصر كيرضى (بن أمية) بمضمومة فخفة مفتوحة وشدة تحتية، هو يعلى بن أمية بن أبي عبيدة بن همام التميمي حليف قريش وهو المعروف بيعلى بن منية بضم الميم وسكون النون وفتح التحتانية وهي أمه، وقيل جدته أم أبيه، كنيته أبو خلف، ويقال أبو خالد، ويقال أبو صفوان، أسلم يوم الفتح وشهد الطائف وحنينًا وتبوك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى عنه وعن عمر بن الخطاب وروى عنه أولاده صفوان ومحمد وعثمان وغيرهم، واستعمله أبو بكر على حلوان في الردة ثم عمل لعمر على بعض اليمن فحمى لنفسه حمى فعزله، ثم عمل لعثمان على صنعاء اليمن وحج سنة قتل عثمان فخرج مع عائشة في وقعة الجمل، ثم شهد صفين مع علي، وكان جوادًا معروفًا بالكرم، له تسعة عشر حديثًا، مات سنة بضع وأربعين (كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة) أي معتمرين سنة ثمان في ذي القعدة بعد فتح مكة بالعمرة المسماة بعمرة الجعرانة، وهو اسم مكان بين الطائف ومكة، وهو إلى مكة أقرب وفي ضبطه لغتان مشهورتان. قال النووي: إحداهما إسكان العين (يعني بعد الجيم المكسورة) وتخفيف الراء، والثانية كسر العين وتشديد الراء، الأولى أفصح، وبهما قال الشافعي وأكثر أهل اللغة – انتهى. وقال ابن الأثير: وهي قريب من مكة وهي في الحل وميقات الإحرام، وقال القاري: الجعرانة موضع معروف، أحرم منه النبي صلى الله عليه وسلم للعمرة، وهو أفضل من التنعيم عند الشافعية خلافًا لأبي حنيفة بناء على أن الدليل القولي أقوى، لأن القول لا يصدر إلا عن قصده، والفعل يحتمل أن يكون اتفاقيًا لا قصديًا، وقد أمر صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها أن تعتمر عن التنعيم وهو أقرب المواضع من الحرم – انتهى، وقد تقدم الكلام على ذلك في شرح حديث عائشة ثاني أحاديث باب قصة حجة الوداع (إذ جاءه رجل أعرابي) منسوب إلى الأعراب وهم سكان البادية أي بدوي. قال الحافظ في الفتح: لم أقف على اسمه. وقال في مقدمة الفتح: الصواب أنه أي الرجل المبهم يعلى بن أمية راوي الحديث كما أخرجه الطحاوي من طريق شعبة عن قتادة
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 347)