فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة. وانتظر الناس تسليمه، كبر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم))
ــ
ينبغي أن يكتب ألف ابن وينوّن مالك ليندفع الوهم، ويعرف أن ابن بحينة نعت لعبد الله لا لمالك. وينبغي أن يحفظ هذا الأصل، فيحتاج إليه في أسماء كثيرة مثل محمد بن علي ابن الحنفية، وإسماعيل بن إبراهيم ابن علية وغير ذلك. وعبد الله هذا صحابي مشهور. أسلم قديماً، كان ناسكاً فاضلاً صائم الدهر، وأمه بحينة أيضاً صحابية أسلمت وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطعمها من خيبر ثلاثين وسقاً، قال في الإصابة: كان عبد الله ينزل ببطن ريم على ثلاثين ميلاً من المدينة، ومات به في إمارة مروان الأخيرة على المدينة، وأرخه ابن زبير سنة ست وخمسين. (فقام في الركعتين الأوليين) بالمثناتين التحتيتين يعني أنه قام إلى الركعة الثالثة حال كونه. (لم يجلس) أي عقب الركعتين للتشهد. ووقع في رواية ابن عساكر: ولم يجلس بزيادة الواو. وفي صحيح مسلم فلم يجلس بالفاء، وكذا في رواية للبخاري. وزاد في رواية ابن خزيمة: فسبحوا به، فمضى حتى فرغ من صلاته. وفي حديث معاوية عند النسائي والبيهقي وعقبة بن عامر عند الحاكم والبيهقي جميعاً نحو هذه القصة بهذه الزيادة. وفيه دليل على أن تارك الجلوس الأول إذا قام لا يرجع له. (فقام الناس معه) إلى الثالثة اتباعاً لفعله صلى الله عليه وسلم. وفيه دليل على وجوب متابعة الإمام حيث تركوا القعود الأول وتشهده. (حتى إذا قضى الصلاة) أي فرغ منها، وقد استدل به لمن زعم أن السلام ليس من الصلاة حتى لو أحدث بعد أن جلس، وقبل أن يسلم تمت صلوته. وهو قول بعض الصحابة والتابعين، وبه قال أبوحنيفة، كما تقدم. وتعقب بأن السلام لما كان لتحليل من الصلاة كان المصلي إذا انتهى إليه إليه كمن فرغ من صلاته. ويدل على ذلك قوله في رواية ابن ماجه من طريق جماعة من الثقات عن يحيى بن سعيد عن الأعرج: حتى إذا فرغ من الصلاة إلا أن يسلم، فدل على أن بعض الرواة حذف الاستثناء لوضوحه. والزيادة من الحافظ مقبولة، كذا في الفتح. وقيل: معناه قارب الفراغ من الصلاة. وقال الباجي: ويحتمل أن يراد بالصلاة الدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون لفظ: "قضى" على حقيقته - انتهى. (كبر وهو جالس) جملة حالية. (فسجد سجدتين) أي للسهو بعد التشهد. (قبل أن يسلم) وفي رواية: كبر قبل التسليم فسجد سجدتين، وهو جالس، أي أنشأ السجود جالساً. فهي جملة حالية. وفي أخرى لهما: يكبر في كل سجدة. وعند أحمد: فكبر فسجد، ثم كبر فسجد ثم سلم، قال الحافظ في الفتح: وفي رواية الأوزاعي فكبر ثم سجد، ثم كبر فرفع رأسه، ثم كبر فسجد، ثم كبر فرفع رأسه ثم سلم. أخرجه ابن ماجه. واستدل به على مشروعية التكبير في سجدتي السهو والجهر به، كما في غيرهما من سجود الصلاة وأن بينهما جلسة فاصلة. (ثم سلم) بعد ذلك للانصراف من الصلاة. واستدل به على أن سجود السهو قبل السلام. ولا حجة فيه في كون جميعه كذلك، نعم يرد على من زعم أن جميعه بعد السلام كالحنفية، وتقدم ذكر مستندهم،
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 420)
متفق عليه.
{الفصل الثاني}
1027- (7) عن عمران بن حصين: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم)) .
ــ
وما هو الأرجح في ذلك. وزاد في رواية للبخاري: وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس. وكأنه عرف الصحابي ذلك من قرينة الحال. وفي هذه الزيادة فوائد: منها أن السجود خاص بالسهو، فلو تعمد ترك شيء مما يجبر بسجود السهو لا يسجد. وهو قول الجمهور، ورجحه الغزالي، وناس من الشافعية. ومنها أن المأموم يسجد مع الإمام إذا سها الإمام، وإن لم يسه المأموم. ونقل ابن حزم فيه الإجماع. وأما إذا سها المأموم دون إمامه فلا سجود عليه في قول عامة أهل العلم، كما في المغني (ج1: ص699) . ومنها أن السجود إنما هو لأجل ترك الجلوس لا لترك التشهد، حتى لو أنه جلس مقدار التشهد، ولم يتشهد لا يسجد. وجزم أصحاب الشافعي وغيرهم أنه يسجد لترك التشهد وإن أتى بالجلوس. والحديث فيه دليل على أن الجلوس الأول والتشهد فيه ليس بفرض؛ لأنه لو كان فرضاً لبطلت الصلاة بتركه، ولم يجبر بالسجود. ولم يكن بد من الإتيان به، كسائر الفروض، فجبرانه بالسجود عند تركه دل على عدم فرضيته، ولما احتاج إلى الجبران ظهر أنه مهم، وليس كالسنة التي لا يجب بتركها شيء، فإذا هو فوق السنة ودون الفرض، وهو المراد بالواجب عند من يقول به. والله اعلم. (متفق عليه) واللفظ للبخاري في باب من لم ير التشهد الأول واجباً. والحديث أخرجه أيضاً أحمد ومالك والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي.
1027- قوله: (عن عمران بن حصين) بضم الحاء المهملة، ابن عبيد بن خلف الخزاعي أبونجيد، أسلم عام خيبر، وصحب وغزا عدة غزوات، وكان صاحب راية خزاعة يوم الفتح. قال ابن عبد البر: كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم، يقول عنه أهل البصرة إنه كان يرى الحفظة، وكانت تكلمه حتى اكتوى، أي قبل وفاته بسنتين، وكان قد اعتزل الفتنة، فلم يقاتل فيها، وقال أبونعيم: كان مجاب الدعوة. وتقدم شيء من ترجمته في باب الإيمان بالقدر. (فسجد سجدتين) أي بعد ما سلم، كما يشهد له حديثه الآتي. (ثم تشهد) المراد به التشهد المعهود في الصلاة. (ثم سلم) فيه دليل على مشروعية التشهد بعد سجدتي السهو. واختلف العلماء فيه: فقال أنس والحسن وعطاء: ليس فيهما تشهد ولا تسليم. وقال ابن سيرين وابن المنذر: فيهما تسليم بغير تشهد. قال ابن المنذر التسليم فيهما ثابت من غير وجه، وفي ثبوت التشهد نظر. وروى عن عطاء: إن شاء تشهد وسلم، وإن شاء لم يفعل. وروى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه قال: أحب إليّ أن يتشهد فيهما. وحكى ابن عبد البر
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 421)
رواه الترمذي، وقال هذا حديث حسن غريب.
ــ
عن يزيد بن قسيط أنه يتشهد بعدهما ولا يسلم. ورواه أيضاً عن النخعي وغيره. وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه إذا كان سجود السهو قبل السلام سلم عقبه، ولا يعيد التشهد، يعني أنه أجزأه التشهد الأول، ولم يحتج إلى إعادته بعد سجود السهو، واختلف فيه القول عن مالك. وأما إذا سجدهما بعد السلام فذهب الأئمة الأربعة إلى أنه يتشهد ثم يسلم، كما يظهر من كتب الفروع. والراجح عندنا: أنه مخير في التشهد إن شاء تشهد بعدهما وإن شاء لم يتشهد. وأما التسليم فلا بد منه، والله اعلم. (رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أيضاً أبوداود وابن حبان والحاكم (ج1: ص323) والبيهقي (ج2: ص355) وأخرجه النسائي بدون ذكر التشهد كلهم من رواية أشعث عن ابن سيرين عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين. وقد سكت عنه أبوداود، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين. قال الحافظ في الفتح بعد نقل تحسين الترمذي وتصحيح الحاكم: وضعفه البيهقي وابن عبد البر وغيرهما. ووهموا رواية أشعث لمخالفة غيره من الحفاظ عن ابن سيرين، فإن المحفوظ عن ابن سيرين في حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد. وروى السراج من طريق سلمة بن علقمة أيضاً في هذه القصة. (أي في قصة ذي اليدين المتقدمة) قلت: لابن سيرين فالتشهد؟ قال لم أسمع في التشهد شيئاً. وقد تقدم من طريق ابن عون عن ابن سيرين، قال: نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم. وكذا المحفوظ عن خالد الحذاء بهذا الإسناد في حديث عمران. (يعني الذي يأتي في الفصل الثالث) ليس فيه ذكر التشهد كما أخرجه مسلم، فصارت زيادة أشعث شاذة. ولهذا قال ابن المنذر: لا أحسب التشهد في سجود السهو يثبت، لكن قد ورد في التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائي، وعن المغيرة عند البيهقي. وفي إسنادهما ضعف. فقد يقال: إن الأحاديث الثلاثة في التشهد باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن. قال العلائي: وليس ذلك ببعيد. وقد صح ذلك عن ابن مسعود من قوله، أخرجه ابن أبي شيبة - انتهى. قلت: حديث ابن مسعود عند أبي داود والنسائي والبيهقي (ج2: ص356وص336) من طريق خصيف عن أبي عبيدة عن أبيه عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً بلفظ: إذا كنت في صلاة، فشككت في ثلاث أو أربع، وأكبر ظنك على أربع، تشهدت ثم سجدت سجدتين، وأنت جالس قبل أن تسلم. ثم تشهدت أيضاً، ثم تسلم. قال البيهقي في المعرفة: حديث مختلف في رفعه. وخصيف غير قوي. وأبوعبيدة عن أبيه مرسل، أي منقطع؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع عن أبيه عبد الله بن مسعود. ولفظ المغيرة عند البيهقي (ج2: ص355) أن النبي صلى الله عليه وسلم تشهد بعد أن رفع رأسه من سجدتي السهو. قال البيهقي: تفرد به محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلي عن الشعبي. ولا حجة فيما تفرد به لسوء حفظه وكثرة خطئه في الروايات - انتهى.
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 422)
1028- (8) وعن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قام الإمام في الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائماً فليجلس، وإن استوى قائماً فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو)) .
ــ
1028- قوله: (إذا قام الإمام) أي شرع في القيام وفي معناه المنفرد. (في الركعتين) أي بعدهما من الثلاثية أو الرباعية قبل أن يقعد ويتشهد. (فإن ذكر) أي تذكر أن عليه بقية من الصلاة. (قبل أن يستوي قائماً) سواء يكون إلى القيام أقرب أو إلى القعود. قال القاري: وهو ظاهر الرواية، واختاره ابن الهمام، ويؤيده الحديث - انتهى. ومقابله ما في الهداية إن كان إلى القعود أقرب عاد، ولو إلى القيام فلا - انتهى. قلت: أخرج هذا الحديث أحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي بألفاظ متقاربة. وليس فيها ما يدل على هذا التفصيل. فالصحيح هو الأول. وهو المختار عند الحنفية. (فليجلس) أي ليأتي بالتشهد الأول: زاد في رواية الدارقطني: ولا سهو عليه. وقد تمسك بها من قال إن سجود السهو إأنما هو لفوات التشهد الأول لا لفعل القيام. وإلى ذلك ذهب النخعي والأسود وعلقمة والشافعي في أحد قوليه. وذهب أحمد إلى أنه يجب السجود للسهو لفعل القيام؛ لما روي عن أنس أنه تحرك للقيام من الركعتين الأخريين من العصر على جهة السهو فسبحوا، فقعد ثم سجد للسهو. أخرجه البيهقي والدارقطني موقوفاً عليه إلا أن في بعض طرقه أنه قال: هذه السنة. قال الحافظ: ورجاله ثقات. وقد رجح حديث المغيرة لكونه مرفوعاً، ولأنه يؤيده حديث ابن عمر مرفوعاً: لا سهو إلا في قيام عن جلوس، أو جلوس عن قيام. أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي (ج2: ص345) وفيه ضعف. وقال ابن حجر: وظاهر الحديث أن قوله الآتي: ويسجد سجدتي السهو خاص بالقسم الثاني، فلا يسجد هنا للسهو. وإن كان إلى القيام أقرب، وهو الأصح عند جمهور أصحابنا، وصححه النووي في عدة من كتبه - انتهى. قلت: واختلف فيه فقهاء الحنفية أيضاً، والأصح هو عدم وجوب السجود؛ لأن فعله لم يعد قياماً، فكان قعوداً، كذا في شرح المنية. (وإن استوى قائماً) ولفظ أحمد وابن ماجه: وإن استتم قائماً. (فلا يجلس) لتلبسه بفرض، فلا يقطعه. (ويسجد) بالرفع. (سجدتي السهو) لتركه واجباً، وهو القعدة الأولى. وفي الحديث أنه لا يجوز العود إلى القعود، والتشهد بعد الانتصاب الكامل؛ لأنه قد تلبس بالفرض، فلا يقطعه لأجل ما ليس بفرض، ثم إذا رجع بعد استوائه قائماً هل تفسد صلاته؟ مختلف عند الأئمة. قال الحافظ في الفتح: فمن سها عن التشهد الأول حتى قام إلى الركعة ثم ذكر لا يرجع، فقد سبحوا به صلى الله عليه وسلم، فلم يرجع. فلو تعمد المصلي الرجوع بعد تلبسه بالركن بطلت صلاته عند الشافعي خلافاً للجمهور - انتهى. واختلف فيه الحنفية. والراجح عندهم عدم الفساد، كما في الدر المختار. وقال الشوكاني: فإن عاد عالماً بالتحريم بطلت صلاته لظاهر النهي، ولأنه زاد قعوداً، وهذا إذا تعمد العود، فإن عاد
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 423)
رواه أبوداود وابن ماجه.
{الفصل الثالث}
1029- (9) عن عمران بن حصين: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى العصر وسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله. فقام إليه رجل يقال له الخرباق،
ــ
ناسياً لم تبطل صلاته - انتهى. (رواه أبوداود وابن ماجه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج4: ص253، 254) والدارقطني والبيهقي (ج2: ص343) ومداره في جميع طرقه على جابر الجعفي، وهو ضعيف جداً. وقد قال أبوداود: ليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث. وقال المنذري: في إسناده جابر الجعفي، ولا يحتج به- انتهى. وأخرج أحمد (ج4: ص247- 253) والترمذي وصححه وأبوداود والبيهقي (ج2: ص338) عن زياد بن علاقة، قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، فلما صلى ركعتين قام. ولم يجلس، فسبح به من خلفه، فأشار إليهم أن قوموا، فلما فرغ من صلاته سلم ثم سجد سجدتين وسلم. ثم قال: هكذا صنع بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخرجه البيهقي (ج2: ص344) أيضاً من طريق عامر عن المغيرة.
1029- قوله: (صلى العصر) وفي رواية الطحاوي: صلى بهم الظهر. وفي رواية لأحمد والبيهقي: صلى الظهر أو العصر بالشك. قلت: الجزم قاض على الشك. ثم رواية العصر أرجح لتوافق أكثر الروايات عليها، ولأنها مخرجة في صحيح مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه ومسند أحمد. (وسلم في ثلاث ركعات) وفي رواية معتمر عن خالد الحذاء عند أحمد (ج4: ص431) : صلى ثلاث ركعات فسلم. وفي رواية شعبة عن خالد عند أحمد أيضاً: صلى ثلاث ركعات ثم سلم. ولفظ الكتاب أصح وأرجح لتوافق أكثر الرواة عن خالد الحذاء عليه. وهم: إسماعيل بن علية عند مسلم وأحمد، وعبد الوهاب الثقفي عند مسلم أيضاً وابن ماجه والبيهقي، ويزيد بن زريع عند أبي داود والنسائي والبيهقي. ومسلمة بن محمد عند أبي داود. (ثم دخل منزله) وفي رواية فدخل الحجرة. فيه أن ترك استقبال القبلة والمشي الكثير سهواً لا يبطل الصلاة. (فقام إليه) أي في أثناء دخول منزله. (رجل يقال له الخرباق) بكسر الخاء المعجمة، وسكون الراء بعدها موحدة، وفي آخره قاف، اسمه. قال ابن حجر: أسلم في أواخر زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وعاش حتى روى عنه متأخروا التابعين، وهو ذو اليدين السابق، كما قاله المحققون، وغير ذي الشمالين خلافاً لمن وهم فيه، كالزهري والطيبي هنا - انتهى. قلت: ما ذكره ابن حجر من أن الخرباق اسم ذي اليدين السابق هو صنيع من يوحد حديث أبي هريرة بحديث عمران، وإلى توحيد الحديثين ذهب الأكثر، وهو الذي رجحه الحافظ، وعده من الحنفية السندي الأظهر، وصاحب فيض الباري الأصوب، وقواه النيموي في تعليق
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 424)
وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله! فذكر له صنيعه، فخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم. فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم)) .
ــ
آثار السنن، وهو الظاهر عندي أيضاً، لكن الخرباق ذا اليدين السلمي هذا غير ذي الشمالين عمير بن عبد عمرو ابن نضلة الخزاعي المستشهد ببدر، لا كما زعمه الحنفية أنهما رجل واحد. (وكان في يديه طول) أي بالنسبة إلى سائر الناس، ولذا كان يقال له ذو اليدين. وفي رواية لمسلم: فقام رجل بسيط اليدين. (فذكر له صنيعه) أي من تسليمه في ثلاث ركعات، وأن ذلك هل هو لنسيان أو لقصر الصلاة. (فخرج) أي من منزله. (غضبان) لأمر. (يجر رداءه) أي مستعجلاً يعني لكثرة اشتغاله بشأن الصلاة خرج يجر رداءه، ولم يتمهل ليلبسه. (ثم سلم) أي للتحلل من الصلاة. (ثم سجد سجدتين) أي للسهو بعد السلام. (ثم سلم) لسجود السهو. هذا، وقد تقدم أنه ذهب الأكثر إلى أن حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، وحديث عمران هذا قضية واحدة. وجنح ابن خزيمة ومن تبعه كالنووي وأبي حاتم بن حبان إلى التعدد. قال الحافظ في الفتح: والحامل لهم على ذلك الاختلاف الواقع في السياقين. ففي حديث أبي هريرة إن السلام وقع من اثنتين، وأنه صلى الله عليه وسلم قام إلى خشبة في المسجد. وفي حديث عمران أنه سلم من ثلاث ركعات وأنه دخل منزله لما فرغ من الصلاة. فأما الأول فقد حكى العلائي أن بعض شيوخه حمله على أن المراد به أنه سلم في ابتداء الركعة الثالثة. (يعني في إرادة ابتداء الثالثة) واستبعده، ولكن طريق الجمع يكتفي فيها بأدنى مناسبة، وليس بأبعد من دعوى تعدد القصة، فإنه يلزم منه كون ذي اليدين في كل مرة استفهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، واستفهم النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة عن صحة قوله. وأما الثاني فلعل الراوي لما رآه تقدم من مكانه إلى جهة الخشبة ظن أنه دخل منزله لكون الخشبة كانت في جهة منزله. فإن كان كذلك، وإلا فرواية أبي هريرة أرجح لموافقة ابن عمر له على سياقه، كما أخرجه الشافعي وأبوداود وابن ماجه وابن خزيمة، ولموافقة ذي اليدين نفسه له على سياقه كما أخرجه أبوبكر الأثرم وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند، وأبوبكر بن أبي حثمة وغيرهم. وقد تقدم ما يدل على أن محمد بن سيرين راوي الحديث عن أبي هريرة كان يرى التوحيد بينهما، وذلك أنه قال في آخر حديث أبي هريرة: نبئت أن عمران بن حصين قال: "ثم سلم" - انتهى كلام الحافظ. وقال السندي: في حاشية النسائي كلام المصنف يشير إلى أن الواقعة متحدة، وهو أظهر. وعلى هذا كونه سلم من ركعتين أو ثلاث، وكذا كونه دخل البيت أو قعد في ناحية المسجد وغير ذلك مما اشتبه على الرواة لطول الزمان. ويحتمل تعدد الواقعة. وقال في حاشية ابن ماجه: الظاهر أن اختلاف الرواية ليس محمله اختلاف الواقعة، بل محمله نسيان بعض الرواة بعض الكيفيات بمضي الأزمنة، وهم ما كانوا يكتبون الوقائع، بل كانوا يحفظونها بالقلب. وهذا غير مستبعد عند من تتبع الأحاديث. قلت: وذهب بعض العلماء إلى ترجيح حديث أبي هريرة على حديث عمران
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 425)
رواه مسلم.
1030- (10) وعن عبد الرحمن بن عوف، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من صلى صلاة يشك في النقصان، فليصل حتى يشك في الزيادة)) . رواه أحمد.
ــ
كما رأيت في كلام الحافظ. ولعل الإمام البخاري جنح إليه كما يفهم من صنيعه، حيث أخرج حديث أبي هريرة في صحيحه، وأعرض عن حديث عمران بن حصين. والله اعلم. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج4: ص427- 431- 441) وأبوداود والنسائي وابن ماجه والطحاوي والبيهقي. وفي الباب عن ابن عباس عند البزار والطبراني في الكبير. وفي سنده إسماعيل بن أبان الغنوي العامري، وهو متروك. وله حديث آخر عندهما أيضاً مختصر من الأول. وفي سنده جابر الجعفي وثقه شعبة والثوري وضعفه الناس، كذا في مجمع الزوائد (ج2: ص152) .
1030- قوله: (من صلى صلاة يشك في النقصان) يعني أنه يشك في الرباعية مثلاً بأنه صلى ثلاثاً أو أربعاً. (فليصل) أي فليبن على الأقل المتيقن، فيجعلها في الصورة المذكورة ثلاثاً ويصلي ركعة أخرى. (حتى يشك في الزيادة) أي يشك في أنه صلى أربعاً أو خمساً لاحتمال أن يكون قد صلى في الواقع أربعاً، وتكون التي زادها ركعة خامسة. فمن بني على الثلاث وصلى ركعة أخرى فهو يشك الآن أنها رابعة أو خامسة، وهذا هو المراد بالشك في الزيادة. والحاصل أن جعل الشك في جانب الزيادة أولى من جعله في جانب النقصان. (رواه أحمد) في (ج1: ص195) عن محمد بن يزيد عن إسماعيل بن مسلم المكي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أنه كان يذاكر عمر شأن الصلاة، فانتهى إليهم عبد الرحمن بن عوف، فقال: ألا أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: بلى، قال: فأشهد إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من صلى. الحديث. وإسماعيل بن مسلم المكي ضعيف. وهذه الرواية من زيادات أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي، راوي المسند عن عبد الله بن أحمد. قال القطيعي: قال أبوعبد الرحمن، يعني عبد الله بن أحمد. وجدت هذا الحديث في كتاب أبي بخط يده ثنا محمد بن يزيد الخ. وأخرجه أيضاً إسحاق بن راهوية والهيثم بن كليب في مسنديهما، والبيهقي في سننه (ج2: ص333- 346) بلفظ: إذا كان أحدكم في شك من النقصان في صلاته فليصل حتى يكون في شك من الزيادة، وفي إسنادهم أيضاً إسماعيل بن مسلم المكي. وهذا حديث مختصر من حديث طويل أخرجه أحمد (ج1: ص190) والترمذي وصححه. وأبوداود وابن ماجه والبيهقي (ج2: ص332) من حديث كريب عن عبد الله بن عباس عن عبد الرحمن بن عوف. وقد ذكرنا لفظه في شرح حديث أبي هريرة أول أحاديث الفصل الأول
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 426)
(21) باب سجود القرآن
ــ
من هذا الباب. قال الحافظ في التلخيص (ص113) بعد عزوه للترمذي وابن ماجه: هو حديث معلول، فإنه من رواية ابن إسحاق عن مكحول عن كريب. وقد رواه أحمد في مسنده (ج1: ص193) ، وكذا البيهقي (ج2: ص332) عن ابن علية عن ابن إسحاق عن مكحول مرسلاً. قال ابن إسحاق فلقيت حسين بن عبد الله، فقال لي هل أسنده لك؟ قلت: لا، فقال: لكنه حدثني أن كريباً حدثه به، وحسين ضعيف جداً. ورواه إسحاق ابن راهوية والهيثم بن كليب في مسنديهما من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس مختصراً فذكر لفظه، قال: وفي إسنادهما إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف، وتابعه بحر بن كنيز السقاء فيما ذكر الدارقطني في العلل. وذكر الاختلاف فيه أيضاً على ابن إسحاق في الوصل والإرسال - انتهى.
(باب سجود القرآن) أي سجدة التلاوة، وهي سنة مؤكدة عند الشافعية والحنابلة، وسنة أو فضيلة قولان مشهوران للمالكية، وواجبة عند أبي حنيفة. قال ابن قدامة في المغني (ج1: ص656) : سجود التلاوة سنة مؤكدة، وليس بواجب عند إمامنا (أحمد) ومالك والأوزاعي والشافعي، وهو مذهب عمر وابنه عبد الله، وأوجبه أبوحنيفة وأصحابه - انتهى. واستدل أبوحنيفة على الوجوب بما روى مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعاً: إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله! أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار، قالوا الأصل أن الحكيم إذا ذكر من غير الحكيم كلاماً، ولم يعقبه بالإنكار دل ذلك على أنه صواب، فكان في الحديث دليل على كون ابن آدم مأمور بالسجود. ومطلق الأمر للوجوب، مع أن آي سجدة تفيده أيضاً؛ لأنها ثلاثة أقسام: 1- قسم فيه الأمر الصريح به كقوله: {فاسجدوا لله واعبدوا} [53: 62] . {واسجد واقترب} [96: 19] . 2- وقسم تضمن حكاية استنكاف الكفرة حيث أمروا به، وهو قوله: {فمالهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} [84: 20، 21] وقوله: {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفوراً} [25: 60] 3- وقسم فيه حكاية فعل الأنبياء السجود، والثناء على الذين يخرون سجداُ عند سماع كلامه، وكل من الامتثال ومخالفة الكفرة والاقتداء واجب إلا أن يدل دليل على عدم لزومه، لكن دلالتها ظنية، فكان الثابت الوجوب لا الفرض، كذا في البرهان، وفتح القدير وغيرهما. وأجيب بأن كون الأمر في الآيتين، وفي قول إبليس للوجوب ممنوع، بل هو محمول على الندب. والدليل على ذلك حديث زيد بن ثابت الآتي قال: قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {والنجم} ، فلم يسجد. والظاهر أن ترك السجدة حينئذٍ كان لبيان الجواز كما جزم به الشافعي في اختلاف الحديث؛ لأنه لو كان واجباً لأمره بالسجود ولو بعد ذلك. ويدل عليه أيضاً ما رواه أبوداود وابن خزيمة
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 427)
والحاكم من الحديث أبي سعيد الخدري أنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على المنبر "ص" فلما بلغ السجدة نزل، فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تشزن الناس للسجود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود، فنزل فسجد وسجدوا. وقد سكت عنه أبوداود والمنذري. قال بعض الحنفية: إن ذلك إنما كان حين لا يرى السجدة عزمة في سورة "ص"، بل كانت رخصة إذ ذاك، فلما عزم الأمر تحتم بالسجود - انتهى. وفيه أن هذا يحتاج إلى دليل ولا يثبت بالادعاء شيء فهو مردود على قائله، وأيضاً لو كان كذلك لما قال ابن عباس بعده صلى الله عليه وسلم: ص ليس من عزائم السجود، ولما سكت الصحابة الحاضرون في خطبة عمر عن قوله: ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولا نكروا على منعهم من السجدة. ويدل على كون الأمر للندب أيضاً ما قاله ابن رشد: اتبع مالك والشافعي في مفهوم الأوامر الصحابة، إذ كانوا هم أقعد بفهم الأوامر الشرعية، وذلك كما ثبت عن عمر بن الخطاب بمحضر الصحابة، فلم ينقل عن أحد منهم خلافه، وهم أفهم بمغزى الشرع. قلت: يشير بذلك إلى ما رواه البخاري والبيهقي والأثرم عن عمر: أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاءت السجدة قال: يا أيها الناس إنما نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر. وزاد نافع عن ابن عمر: إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء. وفي رواية الأثرم: فقال على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء، فقرأها ولم يسجد، ومنعهم أن يسجدوا. وهذا حديث مرفوع خلافاً لظاهره الذي أشبه على العيني وأمثاله؛ لأن عمر حكى أن الله لم يفرض السجود علينا الخ. ويقول ذلك بحضرة كبار الصحابة، وهو لا يريد من هذا اللفظ أن هذا رأيه واستنباطه، كما هو بين بديهي. قال الكرماني: قوله من لم يسجد فلا إثم عليه، دليل صريح في عدم الوجوب، ولم ينكر عليه أحد، فكان إجماعاً سكوتياً على ذلك، وهو حجة عند الحنفية، وكذا قوله، لم يفرض: دليل آخر، ثم عدم سجوده ومنعه الناس من السجدة دليل ثالث، وقوله إلا أن نشاء دليل رابع؛ لأنه يدل على أن المرأ مخير في السجود، والتخيير ينافي الوجوب. قال صاحب التوضيح: ترك عمر مع من حضر السجود ومنعه لهم دليل على عدم الوجوب. ولا إنكار ولا مخالف، ولا يجوز أن يكون عند بعضهم أنه واجب ويسكت عن الإنكار على غيره في قوله ومن لم يسجد فلا إثم عليه. وقال الحافظ: استدل بقوله إلا أن نشاء، على أن المرأ مخير في السجود، فيكون ليس بواجب - انتهى. وأجاب بعض الحنفية عن مخالفة الإجماع السكوتي بأنه ضعيف؛ لأن إنكار المختلف فيه غير لازم، سيما إن كان قائله إماماً، وفيه أنه لم يرد عمر بقوله: إن الله لم يفرض السجود علينا، أن هذا رأيه واجتهاده واستنباطه. وأيضاً لم يثبت عن أحد الصحابة أنه كان يرى سجدة التلاوة واجبة، حتى يكون ذلك مسألة اجتهادية مختلفاً فيها بينهم، ولو سلم
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 428)
فلا يجوز أن يكون عند بعضهم واجباً، ويسكت عن الإنكار على غيره في قوله: ومن لم يسجد فلا إثم عليه، وكانوا ينكرون في ترك المستحبات فضلاً عن الواجبات، ولم ينقل عن أحد من الصحابة خلاف قول عمر وفعله. وأجابوا عن قوله لم يفرض، على قاعدتهم في التفرقة بين الفرض والواجب بأن نفي الفرض لا يستلزم نفي الوجوب. وتعقب بأنه اصطلاح لهم حادث. وما كان الصحابة يفرقون بينهما. ويغني عن هذا قول عمر: ومن لم يسجد فلا إثم عليه. قال بعضهم يمكن أن يقال: إن النفي في قوله من لم يسجد فلا إثم عليه، راجع إلى القيد والمعنى أن السجدة ليست واجبة بعينها، فمن لم يسجد فلا إثم عليه؛ لأن الركوع أيضاً ينوب عنها، وحينئذٍ معنى قوله: إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء، أي لم يفرض علينا السجود بخصوصه، بل يكفي عنه الركوع أيضاً إلا أن نشاء السجدة فنأتي بها. ولا يخفى ما فيه من التكلف والتعسف، على أنه لم ينقل أن عمر ومن معه ركعوا في هذه الواقعة لتلاوة آية السجدة نيابة عن السجدة. وفيه أيضاً أن سجدة التلاوة سجود مشروع، فلا ينوب عنه الركوع كسجود الصلاة. وأما قوله تعالى. {وخر راكعاً وأناب} [24: 38] فالمراد به السجود؛ لأنه قال: "خر" ولا يقال للراكع "خر"، وإنما روي عن داود عليه السلام السجود لا الركوع إلا أنه عبر عنه بالركوع، وقال بعضهم أراد عمر بقوله: فلا إثم عليه، أنه ليس على الفور، فلا إثم بتأخيره عن وقت السماع، فلا يدل ذلك على عدم الوجوب. وفيه أن هذا باطل مردود على قائله؛ لأنه لا دليل على هذا التأويل ويدل على بطلانه أيضاً قوله: لم يسجد عمر، ومنعهم أن يسجدوا، وما قيل: إنه يحتمل أنه لم يسجد في ذلك الوقت لعارض مثل انتقاض الوضوء، أو يكون ذلك منه إشارة إلى أنه ليس على الفور. ففيه أن هذا أيضاً يحتاج إلى دليل ولا يكفي فيه الاحتمال. والظاهر بل المتعين أن عمر لم يسجد أصلاً لبيان أن سجدة التلاوة ليست بواجبة؛ لأنه لم يكن هناك عذر أو مصلحة في تأخيرها عن وقت التلاوة. قال صاحب العرف الشذي: وأما قول أن تأخير السجدة؛ لأن الأداء لا يجب على الفور فبعيد؛ لأنه لا عذر ولا نكتة لترك السجدة الآن بخلاف ما مر من واقعة النبي صلى الله عليه وسلم انتهى. وأجابوا عن قوله إلا أن نشاء بأن المعنى إلا أن نشاء قراءتها فيجب. ولا يخفى بعده بل يرده تصريح عمر بقوله: ومن لم يسجد فلا إثم عليه، فإن انتفاء الإثم عمن يترك الفعل مختاراً يدل على عدم وجوبه. والحق أن الاستدلال بحديث عمر على عدم وجوب السجدة، وعلى كون الأوامر للندب استدلال صحيح بين لا خفاء فيه. وليس عند الحنفية جواب شاف عنه. وقد أنصف صاحب فيض الباري. حيث قال قصة عمر هذه أقوى ما يمكن أن يحتج به على سنية السجود، فإنه تلا سورة النحل يوم الجمعة، فسجد لها مرة ثم لم يسجد لها في الجمعة التالية، ثم قال: إنما نمر بالسجود. فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه. وذلك بمحضر الصحابة ولم أر عنه جواباً شافياً بعد - انتهى. وأجيب عن الآية التي تدل على ذم الكفرة بتركهم السجدة بأن الذم فيها
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 429)
إنما يتعلق بترك السجود إباء وإنكاراً واستكباراً واستنكافاً، كما يدل عليه قوله تعالى. {وإذا قيل لهم أسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفوراً} [25: 60] . وكما قال إبليس: أمرت بالسجود فأبيت، فمعنى قوله: {وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} [84: 21] أي إباء واستكباراً ونفوراً عن الطاعة. قال ابن قدامة في المغني: فأما الآية فإنه ذمهم لترك السجود غير معتقدين فضله ومشروعيته - انتهى. فمن ترك سجدة التلاوة معتقداً مشروعيته وفضله لكونه ليس بلازم عنده لا استكباراً واستنكافاً عنه لا يقال إنه لم يخالف الكفرة، فلا يتعلق به الذم الذي تعلق بهم. وقال صاحب فيض الباري: وللشافعية أن يقولوا إن الوعيد معقول على ترك المستحب إذا قارن تركه ترك الواجبات أيضاً. ألا ترى أنه ينكر على المعصية من طالح ما لا ينكر على تلك المعصية إذا كانت من صالح، فتلك المعصية وإن تذكر في السياق لكن تراعي عند الوعيد أفعاله الأخر أيضاً وحينئذٍ يمكن أن يكون الوعيد على تركهم سجود التلاوة في الذكر فقط. ويكون محطه تركهم السجود الصلوية أيضاً، والحاصل أن الوعيد وإن كان على ترك سجود التلاوة لكنه نظراً إلى تركهم السجود الصلوية أيضاً انتهى كلامه بلفظه. وقد تبين بفعله صلى الله عليه وسلم وحديث أبي سعيد وحديث عمر المذكورين، وقول ابن عباس: "ص" ليس من عزائم السجود، أن سجود التلاوة غير واجب، وفيه دلالة واضحة على أن اقتداء الأنبياء في ذلك ليس على سبيل الوجوب واللزوم. ومن الأدلة على أن سجود التلاوة ليس بواجب ما أشار إليه الطحاوي من أن الآيات التي في سجود التلاوة: منها ما هو بصيغة الخبر. ومنها ما هو بصيغة الأمر. وقد وقع الخلاف في التي بصيغة الأمر هل هي فيها سجود أو لا. وهي ثانية الحج، وخاتمة النجم، واقرأ. فلو كان سجود التلاوة واجباً لكان ما ورد بصيغة الأمر أولى أن يتفق على السجود فيه ما ورد بصيغة الخبر- انتهى. واختلفوا في مواضع السجود، وفي أنه هل يشترط فيه ما يشترط في الصلاة من الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة وغيرها. أما الأول، فسيأتي الكلام فيه في شرح حديث عمرو بن العاص في الفصل الثاني: وأما الثاني فذهب الجمهور إلى أنه يشترط فيه ما يشترط في الصلاة. وقال جماعة: لا يشترط، منهم ابن عمر والشعبي وأبوعبد الرحمن السلمي. قال البخاري في صحيحه: كان ابن عمر يسجد على غير وضوء. وفي مسند ابن أبي شيبة كان ابن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء: ثم يركب، فيقرأ السجدة فيسجد وما يتوضأ، ووافقه الشعبي على ذلك، وأخرج عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرأ السجدة ثم يسجد وهو على غير وضوء إلى غير القبلة، وهو يمشي يومئ إيماء. وروى البيهقي (ج2 ص325) عن ابن عمر أنه لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر، وجمع بين قوله وفعله بأنه أراد بقوله طاهر الطهارة الكبرى، أو الثاني على حالة الاختيار، والأول على الضرورة، أو الثاني على الأولوية، والأول على الجواز والإباحة. وروى عثمان بن عفان في الحائض تسمع السجدة تومئ برأسها، وبه قال سعيد بن المسيب، قال:
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 430)
{الفصل الأول}
1031- (1) عن ابن عباس، قال: ((سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالنجم، وسجد معه المسلمون، والمشركون،
والجن،
ــ
ويقول اللهم: لك سجدت. ذكره ابن قدامة. قال الأمير اليماني الأصل أنه لا يشترط الطهارة إلا بدليل. وأدلة وجوب الطهارة وردت للصلاة والسجدة فيها، فلا تشمل السجدة الفردة- انتهى. وقال الشوكاني ما ملخصه: ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدل على اعتبار أن يكون الساجد متوضئاً، وهكذا ليس في الأحاديث ما يدل على اعتبار طهارة الثياب والمكان. وأما ستر العورة واستقبال القبلة مع الإمكان، فقيل إنه معتبر اتفاقاً- انتهى. وقال ابن حزم في المحلى (ج1 ص80) : السجود في القرآن ليس ركعة، أو ركعتين، فليس صلاة، وإذا كان ليس صلاة فهو جائز بلا وضوء، وللجنب والحائض وإلى غير القبلة كسائر الذكر. ولا فرق إذ لا يلزم الوضوء إلا للصلاة، ولم يأت بإيجابه لغير الصلاة قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، فإن قيل: السجود من الصلاة وبعض الصلاة صلاة. قلنا: والتكبير بعض الصلاة. والجلوس والقيام والسلام بعض الصلاة، فهل يلتزمون أن لا يفعل أحد شيئاً من هذه الأقوال والأفعال إلا وهو على وضوء؟ لا يقولونه ولا يقوله أحد- انتهى. قلت: عدم الاشتراط هو الأرجح والأقوى عندي، لكن الأحوط في العمل هو ما روي عن ابن عمر أنه لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر.
1031- قوله: (عن ابن عباس قال: سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالنجم) أي بسورتها. زاد الطبراني في الأوسط: بمكة. فأفاد أن قصة ابن مسعود الآتية في الفصل الثالث. وقصة ابن عباس هذه متحدة، وإنما سجد النبي صلى الله عليه وسلم هذه السجدة امتثالاً لأمر الله سبحانه بالسجود، وشكراً للنعم العظيمة المعدودة في أول السورة من أنه لا ينطق عن الهوى، وقربه من الله تعالى، وأراءته إياه من آياته الكبرى. وفيه دليل على مشروعية السجدة في المفصل، خلافاً لمالك في ظاهر الرواية عنه. (وسجد معه المسلمون) متابعة له صلى الله عليه وسلم في امتثال الأمر وإتيان الشكر. (والمشركون) أي الذين كانوا عنده. قال النووي: إنه محمول على من كان حاضراً قراءته. وفيه مشروعية السجود لمن حضر عند القاري للآية التي فيها السجدة. وإنما سجد المشركون لاستماع أسماء آلهتهم من اللات والعزى ومنات. أو لما ظهر من سطوة سلطان العز والجبروت وسطوع الأنوار والكبرياء من توحيد الله عزوجل، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق لهم شك ولا اختيار ولا أثر جحود واستكبار إلا من أشقى القوم وأطغاهم وأعتاهم، وهو الذي أخذ كفاً من الحصى أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا. وسيأتي مزيد الكلام فيه. (والجن) كان ابن عباس استند في ذلك إلى أخبار النبي صلى الله عليه وسلم إما مشافهة له وإما بواسطة؛ لأنه لم يحضر القصة لصغره. وأيضاً
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 431)
والإنس)) .
ــ
فهو من الأمور التي لا يطلع الإنسان عليها إلا بتوقيف، وتجويز أنه كشف له عن ذلك بعيد؛ لأنه لم يحضرها قطعاً، قاله الحافظ. وقال شيخه العراقي: الظاهر أن الحديث من مراسيل ابن عباس عن الصحابة، وإنه لم يشهد تلك القصة، خصوصاً إن كانت قبل فرض الصلاة، ومراسيل الصحابة مقبولة على الصحيح. والظاهر أن ابن عباس سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم يحدث به. (والإنس) إجمال بعد تفصيل نحو قوله تعالى: {تلك عشرة كاملة} [2: 196] قاله الكرماني. وزاد صاحب اللامع الصبيح: أو تفصيل بعد إجمال؛ لأن كلاً من المسلمين والمشركين شامل للإنس والجن. قال الكرماني: سجد المشركون مع المسلمين؛ لأنها أول سجدة نزلت، فأرادوا معارضة المسلمين بالسجود لمعبودهم، أو وقع ذلك منهم بلا قصد، أو خافوا في ذلك المجلس من مخالفتهم- انتهى. وفي هذا الأخير نظر؛ لأن المسلمين حينئذٍ هم الذين كانوا خائفين من المشركين لا العكس، وقد ذكر المفسرون في هذه القصة. في تفسير قوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} الآية [22: 52] . أنه جرى على لسانه صلى الله عليه وسلم من قبل الشيطان الكلمات المشهورة، وهي: تلك الغرانيق (1) العلى. وإن شفاعتهن لترتجى، فلذلك سجد المشركون معه حيث زعموا أنه لا اختلاف بعد ذلك بيننا وبينه؛ لأنه يثني على آلهتنا، لكن لا أصل لهذه القصة عند المحدثين، بل الحق أن هذه الكلمات ما جرت على لسانه عليه السلام، والقصة موضوعة كما قال الذهبي وغيره من المحدثين. وكيف يظن مثل هذا بأكرم الرسل خير المخلوقات أنه تسلط عليه الشيطان. حاشا جنابه عن نسبة أمثال هذه الواهيات، ثم حاشا هذا، وقد قال تعالى في حق عامة الصلحاء: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [15: 42] . فأفاد نفيه بكل الوجوه، فما ظنك بسيد البشر والشفيع المشفع في المحشر، بل الحق أن المشركين إنما سجدوا لغلبة جلاله وجبروته عليه السلام، وسماع المواعظ البليغة في القرآن، فاضطروا إلى السجود ولم يبق اختيارهم في أيديهم. وكيف يستبعد ذلك، وقد قال الله تعالى: {كلما أضاء لهم مشوا فيه} [2: 20] وقال: {وجحدوا واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً} [27: 14] . كذا في شرح تراجم أبواب صحيح البخاري للشاه ولي الله الدهلوي. قلت: جميع ما يذكر من الروايات في قصة الغرانيق إما مرسلة أو منقطعة لا تقوم الحجة بشيء منها، كما قال البزار والبيهقي وابن خزيمة وابن كثير وغيرهم. فالحق أن هذه القصة مكذوبة باطلة لا يصح فيها شيء من جهة النقل، لأنه لم يروها أحد من أهل الصحة، ولا أسندها ثقة بسند صحيح أو سليم متصل، وإنما رواها المفسرون والمؤرخون والمولعون بكل غريب الملفقون من الصحف كل صحيح وسقيم. وقد دل على عدم ثبوت لهذه القصة اضطراب رواتها، وانقطاع سندها، واختلاف ألفاظها. والذي جاء في الصحيح من حديث ابن مسعود عند الشيخين، وحديث ابن-----------------------------------
(1) الغرانيق - بفتح الغين المعجمة - طيور الماء، شبهت الأصنام المعتقدون فيها أنه تشفع لهم بالطيور تعلو في السماء وترفع.
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 432)
عباس هذا لم يذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر تلك الألفاظ ولا قرأها. والذي ذكره المفسرون عن ابن عباس في هذه القصة فقد رواه عنه الكلبي، وهو ضعيف جداً، بل متروك لا يعتمد عليه. وكذا أخرجه النحاس بسند آخر، فيه الواقدي. ولا يصح من جهة العقل أيضاً؛ لأن مدح إله غير الله تعالى كفر، ولا يصح نسبة ذلك إلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن جوّز على الرسول تعظيم الأوثان فقد كفر؛ لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان، ولو جوز ذلك لارتفع الأمان عن شرعه، وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك، أي مما ألقاه الشيطان على لسانه. ويبطل قوله: {بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} [5: 67] ، فإنه لا فرق عند العقل بين النقصان من الوحي وبين الزيادة فيه، هذا وقد حاول الحافظ في الفتح: أن يدعي أن للقصة أصلاً حيث قال بعد ذكر طرق عديدة لها أن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلاً، قال وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض، قال وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى. وإن شفاعتهن لترتجى، فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره؛ لأنه يستحيل عليه صلى الله عليه وسلم أن يزيد في القرآن عمداً ما ليس منه، وكذا سهواً إذا كان مغايراً لما جاءته من التوحيد لمكان عصمته، ثم ذكر تأويلات للعلماء، ورد على كل واحد منها إلا تأويلاً واحداً، فأقره وجعله أحسن الوجوه، وهو أنه صلى الله عليه وسلم كان يرتل القرآن، فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات، ونطق بتلك الكلمات محاكياً نغمته، بحيث سمعه من دنا إليه، فظنها من قوله وأشاعها. قلت. في هذا التأويل أيضاً نظر، فإن جواز ذلك أيضاً يخل بالوثوق بالقرآن، ويرفع الاعتماد على قوله عليه السلام والأمان من شرعه؛ لاحتمال أن يكون ذلك مما نطق به الشيطان في سكتة من سكتاته عليه السلام، محاكياً نغمته وصوته بحيث سمعه من دنا إليه، فظنه من قوله وأشاعه. وأما قوله: إن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها الخ. ففيه أن هذا ليس قاعدة كلية. قال الزيلعي في نصب الراية (ج ص) : وكم من حديث كثرت رواته وتعددت طرقه، وهو حديث ضعيف، كحديث الطير، وحديث الحاجم والمحجوم، وحديث: من كنت مولاه فعليّ مولاه، بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلا ضعفاً- انتهى كلام الزيلعي. واختلفوا في تفسير قوله تعالى في سورة الحج: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم آياته والله عليم حكيم. ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد} ، ومن أحسن ما قيل فيه: هو أن الله تعالى ما أرسل رسولاً ولا نبياً من الأنبياء إلى أمة من الأمم إلا وذلك الرسول يتمنى الإيمان لأمته، ويحبه لهم
ــ
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 433)
رواه البخاري.
1032- (2) وعن أبي هريرة، قال: ((سجدنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في: {إذا السماء انشقت} و. {اقرأ باسم ربك}
ــ
ويرغب فيه ويحرص عليه غاية الحرص، ويعالجهم أشد المعالجة في ذلك. ومن جملتهم نبينا صلى الله عليه وسلم الذي خاطبه الله تعالى بقوله: {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً} [18: 6] وبقوله: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [12: 103] ، وبقوله: {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [10: 99] ، ثم الأمة تختلف كما قال تعالى: {ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر} [2: 253] ، فمن كفر فقد ألقى إليه الشيطان الوساوس القادحة في الرسالة والنبوة الموجبة لكفره، وكذا المؤمن أيضاً لا يخلو عن وساوس؛ لأنها لازمة للإيمان بالغيب في الغالب، وإن كانت تختلف في الناس بالقلة والكثرة، وبحسب التعلقات. إذا تقرر هذا فمعنى تمنى أنه يتمنى الإيمان لأمته ويحب لهم الخير والرشد والصلاح والنجاح، فهذه هي أمنية كل رسول ونبي، وإلقاء الشيطان فيها يكون بما يلقيه في قلوب أمة الدعوة من الوساوس الموجبة لكفر بعضهم، ثم يرحمهم الله فينسخ ذلك من قلوب المؤمنين، ويحكم فيها الآيات الدالة على الوحدانية والرسالة، ويبقى ذلك في قلوب المنافقين والكافرين، فيفتتنوا به، فخرج من هذا أن الوساوس تلقى أولاً في قلوب الفريقين معاً، غير أنها لا تستمر في قلوب المؤمنين ولا تبقى بل تزول وتنمحى بخلاف المنافقين والكافرين، فإنها تدوم وترسخ في قلوبهم. والله أعلم. وقد بسط العلامة الآلوسي الكلام في تفسير هذه الآية في روح المعاني (ج17 ص172-186) وأجاد فعليك أن تراجعه. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي والبيهقي (ج2 ص314) .
1032- قوله: (سجدنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في {إذا السماء انشقت} ، و {إقرا باسم ربك} ) هما من المفصل فهو دليل صريح في ثبوت السجود في المفصل مثل الحديث السابق. وشرح الموطأ للزرقاني قال بالسجود في المفصل الخلفاء الأربعة والأئمة الثلاثة وجماعة. ورواه ابن وهب عن مالك وروى عنه ابن القاسم. والجمهور أن لا سجود فيها؛ لأن أبا سلمة قال لأبي هريرة لقد سجدت في سورة ما رأيت الناس يسجدون فيها، فدل هذا على أن الناس تركوه وجرى العمل بتركه. ورده ابن عبد البر. بأن أي عمل يدعى مع مخالفة المصطفى والخلفاء الراشدين بعده وسيأتي مزيد الكلام في ذلك. وروى البخاري وغيره عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة، فقرأ. {إذا السماء انشقت} [84: 1] فسجد فقلت ما هذه؟ قال سجدت فيها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه. ورواه ابن خزيمة بلفظ: صليت خلف أبي القاسم فسجد بها، وكذلك أخرجه الجوزقي واستدل به
ــ
(1) وفي نسخة "رسول الله "
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 434)
رواه مسلم.
1033- (3) وعن ابن عمر، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ "السجدة" ونحن عنده فيسجد، ونسجد معه، فنزدحم حتى ما يجد أحدنا لجبهته موضعاً يسجد عليه))
ــ
البخاري على قراءة السجدة في الصلاة المفروضة الجهرية. وإليه ذهب الشافعي، ولم يفرق بين الفريضة والنافلة والسرية والجهرية، وهو الحق لحديث أبي هريرة السابق، ولما روى أحمد وأبوداود والطحاوي والبيهقي والحاكم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في صلاة الظهر ثم قام فركع فرأينا أنه قرأ تنزيل السجدة. وروي عن عمر أنه صلى الصبح فقرأ "والنجم" فسجد فيها. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن الزبير أنه صلى الظهر أو العصر فقال له رجل: صليت خمساً، فقال: إني قرأت بسورة فيها سجدة. وهذا كله حجة على من كره ذلك في الصلاة المفروضة مطلقاً، وهو منقول عن مالك، وعنه كراهته في السرية دون الجهرية، وهو قول بعض الحنفية والحنابلة أيضاً لما أن فيه إيهاماً وتخليطاً على المأموم إن سجد. قال ابن قدامة في المغني: واتباع النبي صلى الله عليه وسلم أولى - انتهى. وأما القول بأن المنع لعارض وهو شيوع الجهل فلا يشكل عليه بما ورد في الأحاديث من قراءة آية السجدة في الصلاة المفروضة الجهرية والسرية، ففيه أن الواجب حينئذٍ تعليم الناس السنة، ورفع جهلهم بالعمل بالسنة الثابتة لا تركها لجهلهم. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي.
1033- قوله: (يقرأ السجدة) أي آية سجدة متصلة بما قبلها أو بما بعدها أو منفردة لبيان الجواز. وقيل: التقدير يقرأ سورة السجدة، أي سورة فيها آية السجدة. ويؤيده ما في رواية للبخاري: يقرأ علينا السورة التي فيها السجدة. زاد في رواية لأبي داود في غير الصلاة. واحتج به بعضهم على أنه لا يسجد في الفرض. وهذا تمسك بالمفهوم، وهو لا يصلح للاحتجاج به؛ لأن القائل بذلك ذكر صفة الواقعة التي وقع فيها السجود المذكور. وذلك لا ينافي ما ثبت من سجوده صلى الله عليه وسلم في الصلاة، كما تقدم. (ونحن عنده) جملة حالية. (فيسجد) صلى الله عليه وسلم. (ونسجد) نحن. (معه فنزدحم) لضيق المكان، وكثرة الساجدين. وقال القاري: أي نجتمع حيث ضاق المكان بنا. (حتى ما يجد) بالرفع: وقيل: بالنصب. (أحدنا) أي بعضنا، وليس المراد كل واحد، ولا واحد معين، بل البعض غير المعين. (لجبهته موضعاً يسجد عليه) أي معهم لضيق الموضع، وشدة الزحام. واختلاط الناس. وقوله: يسجد عليه في محل النصب؛ لأنه وقع صفة لموضعاً المنصوب على المفعولية "ليجد". وقد اختلف فيمن لم يجد مكاناً يسجد عليه، فقال عمر يسجد على ظهر أخيه أخرجه البيهقي بسند صحيح. وبه قال الكوفيون وأحمد وإسحاق. وقال عطاء والزهري: يؤخر حتى يرفعوا. وبه قال مالك والجمهور. وهذا الخلاف في سجود الفريضة. قال
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 435)
الحافظ: وإذا كان هذا في سجود الفريضة فيجري مثله في سجود التلاوة. ولم يذكر ابن عمر في هذا الحديث ما كانوا يصنعون حينئذٍ، ولذلك وقع الخلاف المذكور. ووقع في الطبراني من طريق مصعب بن ثابت عن نافع في هذا الحديث أن ذلك كان بمكة لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم "النجم"، وزاد فيه: "حتى سجد الرجل على ظهر الرجل. قال الحافظ: الذي يظهر أن هذا الكلام وقع من ابن عمر على سبيل المبالغة في أنه لم يبق أحد إلا سجد، قال وسياق حديث الباب مشعر بأن ذلك وقع مراراً، فيحتمل أن تكون رواية الطبراني بينت مبدأ ذلك. ويؤيده ما رواه الطبراني أيضاً من رواية المسور بن مخرمة عن أبيه، قال: أظهر أهل مكة الإسلام، يعني في أول الأمر حتى إن كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ السجدة فيسجد، وما يستطيع بعضهم أن يسجد من الزحام، حتى قدم رؤساء مكة، وكانوا في الطائف، فرجعوهم عن الإسلام. والحديث يدل على مشروعية السجود لمن سمع الآية التي يشرع فيها السجود إذا سجد القاريء لها. واستدل به البخاري على السجود لسجود القاريء حيث بوب عليه باب من سجد لسجود القاريء، وقال ابن مسعود لتميم بن حذلم وهو غلام فقرأ عليه سجدة، فقال: اسجد، فإنك إمامنا فيها. قال الحافظ: في الترجمة. إشارة إلى أن القاريء إذا لم يسجد لم يسجد السامع. ويتأيد بما أخرجه ابن أبي شيبة مرفوعاً من رواية ابن عجلان عن زيد بن أسلم أن غلاماً قرأ عند النبي صلى الله عليه وسلم السجدة، فانتظر الغلام النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد، فلما لم يسجد قال يا رسول الله! أليس في هذه السجدة سجود؟ قال: بلى. ولكنك كنت إمامنا فيها، ولو سجدت لسجدنا، رجاله ثقات إلا أنه مرسل. وقد روي عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلاً مرفوعاً نحوه أخرجه الشافعي والبيهقي (ج2: ص324) وقال القسطلاني: معنى قوله: أنت إمامنا أي متبوعناً لتعلق السجدة بنا من جهتك، وليس معناه إن لم تسجد لم نسجد؛ لأن السجدة كما تتعلق بالقاري تتعلق بالسامع غير القاصد السماع والمستمع القاصد، لكنها في المستمع والسامع عند سجود القاريء، آكد منها عند عدم سجوده لما قيل: إن سجودهما يتوقف على سجوده، وإذا سجدا معه فلا يرتبطان به، ولا ينويان الاقتداء به، ولهما الرفع من السجود قبله - انتهى. وقال ابن قدامة: إذ لم يسجد التالي لم يسجد المستمع. (عند الحنابلة، وبه قالت المالكية) وقال الشافعي: يسجد - انتهى. وبه قالت الحنفية. والظاهر عندي ما ذهب إليه الحنابلة والمالكية من أنه إذا لم يسجد القاري لم يسجد السامع لحديث زيد بن أسلم وعطاء، ولأثر ابن مسعود. واختلفوا أيضاً في اشتراط قصد السماع قال ابن قدامة في المغني: يسن سجود للتالي والمستمع لا نعلم في هذا خلافاً. وقد دلت عليه الأحاديث، فأما السامع غير القاصد فلا يستحب له. روى ذلك عن عثمان وابن عباس وعمران، وبه قال مالك. وقال أصحاب الرأي عليه السجود، وروى نحو ذلك عن ابن عمر والنخعي وسعيد بن جبير ونافع وإسحاق؛ لأنه سامع للسجدة، فكان
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 436)
متفق عليه.
1034- (4) وعن زيد بن ثابت، قال: ((قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم و"النجم" فلم يسجد فيها))
ــ
عليه السجدة كالمستمع. وقال الشافعي: لا أؤكد عليه السجود، وإن سجد فحسن. ولنا ما روى عن عثمان أنه قال: إنما السجدة على من استمع. وقال ابن مسعود وعمران: ما جلسنا لها، وقال سلمان: ما غدونا لها. ونحوه عن ابن عباس، ولا مخالف لهم في عصرهم، إلا قول ابن عمر: إنما السجدة على من سمعها، فيحتمل أنه أراد من سمع عن قصد جمعاً بين أقوالهم - انتهى. واختلفوا أيضاً في اشتراط ذكورة التالي، وكونه مكلفاً لسجود السامع. فذهب الشافعية والحنفية إلى عدم اشتراط ذلك لعموم ما ورد من السجود على السامع، وقالت الحنابلة والمالكية: يشترط لسجود المستمع أن يكون التالي ممن يصلح أن يكون إماماً يصح أن يقتدى به. واستدلوا بما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم لتالٍ عنده لم يسجد: كنت أمامنا. وأجاب عنه في البرهان بأن المراد منه كنت حقيقا أن تسجد قبلنا لا حقيقة الإمامة. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أبوداود والبيهقي.
1034- قوله: (قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم والنجم) أي سورتها إلى آخرها. (فلم يسجد فيها) لبيان الجواز؛ لأنه لو كان واجباً لأمره بالسجود. واستدل بالحديث من لا يرى السجود في المفصل كمالك، أو أن النجم بخصوصها لا سجود فيها كأبي ثور، وحمل ما جاء في سجود النجم على النسخ لكونه كان بمكة، ولأنه لو كان باقياً من غير نسخ ما عدل أهل المدينة عن العمل به. وأجيب بأن ترك السجود فيها في هذه الحالة لا يدل على تركه مطلقاً لاحتمال أن يكون السبب في الترك إذ ذاك إما لكونه كان بلا وضوء، أو لكون الوقت وقت كراهة فأخره، فظن زيد أنه ترك مطلقاً، أو لكون القارئ إماماً للسامع، فترك السجود إتباعاً لزيد؛ لأنه القارئ فهو إمام، وترك زيد لأجل صغره، أو لعل معنى كلام زيد أنه لم يسجد في الحال، أي على الفور بل أخره، ذكره العيني وغيره من الحنفية، أو ترك حينئذٍ لبيان الجواز. قال الحافظ: وهذا أرجح الاحتمالات، وبه جزم الشافعي؛ لأنه لو كان واجباً لأمره بالسجود ولو بعد ذلك. وقد تقدم حديث ابن عباس وحديث أبي هريرة، وهما صريحان في السجود في المفصل: وكذا حديث ابن مسعود الآتي. وروى البزار والدارقطني عن أبي هريرة أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في سورة النجم وسجدنا معه. قال الحافظ في الفتح: رجاله ثقات. وروى ابن مردويه في تفسيره بإسناد حسنه الحافظ عن أبي هريرة أنه سجد في خاتمة النجم، فسئل عن ذلك، فقال: إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها. وقد تقدم أن أبا هريرة إنما أسلم بالمدينة سنة سبع من الهجرة. قال الحافظ: وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن الأسود بن يزيد عن عمر أنه سجد في "إذ السماء انشقت"، ومن طريق نافع عن ابن عمر: إنه
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 437)
متفق عليه.
1035- (5) وعن ابن عباس، قال: ((سجدة "ص" ليس من عزائم السجود، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم
يسجد فيها. وفي رواية: قال مجاهد: قلت لابن عباس: أأسجد في "ص" فقرأ: {ومن
ذريته داود وسليمان} حتى أتى. {فبهداهم اقتده}
ــ
سجد فيها. وروى الطبراني بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمر: إنه قرأ النجم في الصلاة فسجد فيها، ثم قام فقرأ "إذا زلزلت". وفي هذا رد على من زعم أن عمل أهل المدينة استمر على ترك السجود في المفصل مطلقاً، أو في الصلاة خاصة. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي والبيهقي.
1035- قوله: (سجدة ص) بسكون أو فتح أو كسر، بتنوين وبدونه. وقد تكتب ثلاثة أحرف باعتبار اسمها، ذكره ابن حجر. قال القاري: والأول أولى لما عليه الجمهور من القراء. (ليس) تذكيره؛ لأنها بمعنى السجود. وقال ابن حجر: أي ليس فعلها. (من عزائم السجود) أي ليست مما ورد في السجود فيها أمر ولا تحريض ولا تحضيض ولا حث، وإنما ورد بصيغة الإخبار عن داود عليه السلام بأنه فعلها، وسجد نبينا صلى الله عليه وسلم فيها اقتداء به لقوله تعالى. {فبهداهم اقتده} [6: 90] . وفيه دلالة على أن المسنونات قد يكون بعضها آكد من بعض. قال الحافظ: المراد بالعزائم ما وردت العزيمة على فعله كصيغة الأمر مثلاً، بناء على أن بعض المندوبات آكد من بعض عند من لا يقول بالوجوب. وقد روى ابن المنذر وغيره عن علي بإسناد حسن أن العزائم "حم" و"النجم" وإقرأ" و"الم تنزيل". وكذا ثبت عن ابن عباس في الثلاثة الأخر. وقيل: "الإعراف" و"سبحان" و"حم" و"الم" أخرجه ابن أبي شيبة - انتهى. (وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسجد فيها) أي في سجدة "ص" في الصلاة وغيرها. وفي البخاري في تفسير "ص" من طريق مجاهد، وكذا لابن خزيمة أنه سأل عن ابن عباس: من أين سجدت في "ص"، ولفظ ابن خزيمة من أين أخذت سجدة "ص" فقال من قوله تعالى. {ومن ذريته داود وسليمان إلى قوله فبهداهم اقتده} ، ففي هذا أنه استنبط مشروعية السجود فيها من الآية. وفي رواية الباب أنه أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تعارض بينهما لاحتمال أن يكون استفادة من الطريقين. قال الشوكاني: وإنما لم تكن السجدة في "ص" من العزائم؛ لأنها وردت بلفظ الركوع، فلولا التوقيف ما ظهر أن فيها سجدة. (وفي رواية) أي للبخاري في أحاديث الأنبياء. (فقرأ ومن ذريته) أي من ذرية نوح. {حتى أتي} أي وصل قوله تعالى أو حتى أتى على قوله تعالى. {أولئك الذين هدى الله} . (فبهداهم اقتده) بها السكت
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 438)
فقال نبيكم صلى الله عليه وسلم ممن أمر أن يقتدى بهم)) رواه البخاري.
ــ
للجمهور، وبها الضمير للشامي قصرا ومدا، أي افعل كما فعلوا من تبليغ الرسالة، وتحمل الأذى في سبيلي، قاله ابن الملك. والظاهر أن معناه اقتد بسيرهم السنية وأخلاقهم البيهية، كذا في المرقاة. (فقال) أي ابن عباس للإستدلال على إتيان السجدة، ولإستنباط وجه سجود النبي صلى الله عليه وسلم فيها، من الآية. (نبيكم صلى الله عليه وسلم) مبتدأ، خبره. (ممن أمر أن يقتدى) بصيغة المعلوم. (بهم) أي بهؤلاء الأنبياء. ومن جملتهم داود، وهو قد سجد لله تعالى، فأنت أولى بالإقتداء بهم، أو به عليه السلام، فإنه اقتدى بداود، وسجد فيها. وهذا بإطلاقه أيضاً يشمل الصلاة وغيرها. قال الطيبي: الجواب من أسلوب الحكيم، أي إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مأموراً بالإقتداء بهم فأنت أولى، وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإقتداء بهم ليستكمل بجميع فضائلهم الجميلة، وخصائلهم الحميدة، وهي نعمة ليس وراءها نعمة، فيجب عليه الشكر لذلك. قال الرازي: الآية دالة على فضل نبينا صلى الله عليه وسلم على الأنبياء؛ لأنه تعالى أمره بالإقتداء بهداهم، ولا بد من امتثاله بذلك، فوجب أن يجتمع فيه جميع خصائلهم وخلائقهم المتفرقة - انتهى هذا. وروي النسائي عن ابن عباس مرفوعاً "سجدها داود توبة، ونسجدها شكراً، وقد ذكره المصنف في الفصل الثالث. واستدل الشافعي: بقوله: شكراً على أنه لا يسجد فيها في الصلاة، لأن سجود الشاكر، لا يشرع داخل الصلاة. قال العيني: لا خلاف بين الحنفية والشافعية، في أن "ص" فيها سجدة تفعل، وهو أيضاً مذهب سفيان وابن المبارك وأحمد وإسحاق. غير أن الخلاف في كونها من العزائم، أم لا، فعند الشافعي، ليست من العزائم. وإنما هي سجدة شكر. تستحب في غير الصلاة، وتحرم فيها في الصحيح. وهذا هو المنصوص عنده، وبه قطع جمهور الشافعية. وعند أبي حنيفة وأصحابه، هي من العزائم. وهو قول مالك أيضاً. وعن أحمد كالمذهبين، والمشهور منهما، كقول الشافعي - انتهى. قلت: سجدة "ص" سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكراً، لما أنعم الله على داود من قبول التوبة. ومع ذلك فهي سجدة تلاوة أيضاً. لأن سجدة التلاوة ليس سبب مشروعيتها إلا التلاوة. وسبب مشروعية هذه السجدة، تلاوة هذه الآية، التي فيها الأخبار عن هذه النعم على داود. وإطماعنا في قيل مثله. فالحق عندي، أن يسجد في "ص" إتباعاً للنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، وخارج الصلاة، لإطلاق الأحاديث، ويرى أن هذه السجدة، ليست من عزائم السجود. كما قال ابن عباس. ولا منافاة بين فعله صلى الله عليه وسلم وبين قول ابن عباس. لأن ابن عباس لم ينف السجود في "ص" بل نفي كونه عزيمة، وفعله صلى الله عليه وسلم لا يدل على كونه من عزائم السجود. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والبيهقي وفي الباب عن أبي سعيد عند أبي داود والحاكم وابن خزيمة وأبي هريرة عند الدارقطني والطبراني في الأوسط.
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 439)