وأبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري (1) .
وهذا التأثر من الخطيب بأصول الفقه مع وضوحه، إلا أن إمامته في علم الحديث، وعدم تعمق أثر أصول الفقه عليه، مع وضوح المنهج السليم في دراسة علوم الحديث ومصطلحه عنده تمام الوضوح (كما سبق ذكره عنه) = جعل ذلك الأثر الأصولي على كتابه غير مخوفٍ منه، لأنه أثر مفضوح، لا يشتبه بعلوم الحديث ومسائله عند أهل الاصطلاح التي ملأ الخطيب غالب كتابه بها.
وهذا هو الفرق بين: الخطيب وكتابه (الكفاية) ، ومن جاء بعده ممن كتب في علوم الحديث.
فالفرق الأول: أن الخطيب لم يتأثر بأصول الفقه إلا من خلال نافذتها المباشرة.
والفرق الثاني: أن ما نقله عن أصول الفقه مباحث واضحة وأقوال منسوبة، لا تختلط بكلام أهل الاصطلاح، ولا تذكر على أنها من كلامهم. فلا يفعل الخطيب ما يفعله المتأخرون من ذلك، فضلاً عن أن يفعل فعلهم في تأويل كلام أحد أئمة الحديث على غير ظاهره، وعلى غير مراد ذلك الإمام ليوافق كلام الأصوليين!
ولنضرب لذلك مثلاً: (باب الكلام في الأخبار وتقسيمها) (2) الذي قسم فيه الأخبار إلى متواتر وآحاد، و (باب الرد على من قال يجب القطع على خبر الواحد بأنه كذب إذا لم--------------------------------------------
(1) الكفاية (ً 146، 362) .
(2) الكفاية (32- 33) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
يقع العلم بصدقه) (1) ، و (باب ذكر شبهة من زعم أن خبر الواحد يوجب العلم وإبطالها) (2) ؛ هذه الأبواب ليس فيها إسناد واحد، بل كلها من كلام الخطيب نفسه، إلا الباب الأخير الذي نقل الخطيب ما فيه عن أبي بكر الباقلاني!
ولذلك قال ابن الصلاح عن كلام الخطيب في (باب تقسيم الأخبار) : ((في كلامه ما يشعر بأنه اتبع فيه غير أهل الحديث)) (3) .
ثم إن الخطيب وإن تأثر بأصول الفقه، فهو المحدث الناقد بالدرجة الأولى. لذلك نجده يرجح خلاف ما ينقله عن الأصوليين تارة (4) ، ويقدم عمل المحدثين على ما ينقله عن بعض المتكلمين تارة أخرى (5) ، ويصوب ما يدل عليه حال أهل الحديث
على حجج بعض الفقهاء في مسائل الحديث أيضاً (6) .
هذا إضافةً إلى أهم ما يميز كتاب الخطيب (الكفاية) ، وهو: استيعابه لجل أقوال أئمة الحديث من (أهل الاصطلاح) في أصول علمهم وشرح مصطلحهم، واعتماده على تلك الأقوال في تقرير قواعد العلم وشرح عباراته. إذ هذا هو المنهج النظري الذي كان قد ألزم الخطيب نفسه به، وقد التزم به بالفعل في جل كتابه (7) .--------------------------------------------
(1) الكفاية (ص 34- 35) .
(2) الكفاية (ص 41- 42) .
(3) انظر (ص 91) .
(4) الكفاية (ص 386) ووازنه بما في (ص 383) .
(5) اللكفاية (ص 149ـ 154) .
(6) الكفاية (ص 442) .
(7) كنت في أصل هذا البحث، الذي كان في صورته الأولى مقدمة تأصيلية لكتابي المذكور في عنوان بحثنا هذا، وكما تراه مبيناً في مقدمتنا هنا (ص 9- 10) = قد اكتفيت بنقل كلام الخطيب في ديباجة كتابه لبيان منهجه الذي ألزم نفسه به. وهذا كان كافياً في تلك المقدمة المختصرة جداً، لأن مخالفة الخطيب لمنهجه الذي ألزم نفسه به يعتبر خطأ في التطبيق، لا في المهج. والذي يهمني هنا المنهج، كما هو عنوان هذا الباب. وعندما طبع أحد طلبة العلم كتابي (المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس) ، بما فيه من أصل كتابنا هذا، قرأ مقدمة الكتاب التي هي أصل بحثنا هذا فبالغ في الإعجاب بها، وكان هو أول من حثني على إفرادها بالنشر.
لكنه كان يقول لي: إن الخطيب هو أول من أدخل المباحث الأصولية في علم الحديث، ويحسب أن هذا يخالف ثنائي على كتاب الخطيب؛ وليس الأمر كما ظن:
أولاً: لأن مقالة: إن الخطيب هو أول من أدخل المباحث الأصولية في علوم الحديث، مقالة لا دليل عليها، مع أن البيهقي (وهو أسن من الخطيب) وابن عبد البر (وهو قرين الخطيب) كلاهما قد أدخلا أيضاً المباحث الأصولية في علوم الحديث، كما سيأتي في أصل البحث قريباً.
وثانياً: لن المنهج الذي قرره الخطيب في مقدمة كتابه، وألزم نفسه به، وعاب على أهل عصره عدم التزامهم به، منهج سليم، بل هو المنهج السليم في فهم مصطلح الحديث وحده. ثم إن أثر أصول الفقه على كتاب الخطيب أثر ضئيل، كما بينته في الأصل، فلا يؤثر على ما كنت قد ذكرته في أصل هذا البحث من ثناءٍ على كتاب الخطيب، الذي ما زلت أثني عليه أيضاً.
وإنما ذكرت هذا الأمر هنا، من باب الأمانة في ذكر أحد دواعي توسعي في منهج الخطيب من هذه الناحية، عما كان عليه بحثي في أصل هذا الكتاب وصورته الأولى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
لذلك فإن كتاب الخطيب، لغزارة ما فيه من نقول، يبقى أهم مصدرٍ من مصادر علوم الحديث، المساعدة على فهم معاني مصطلحه.
أما الأثر الأصولي فيه، فهو أثر في مباحث قليلةٍ أولاً، ثم هو أثر واضحة مواضعه في كتابه (الكفاية) ، لا يصعب تخليص كلام أهل الحديث منها وتمييزه عنها.
والخطيب في منهجه المشروح آنفاً، وفي تأثره بأصول الفقه، يصلح مثلاً لأبناء عصره جلهم، من المحدثين الذين كتبوا علوم الحديث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
ولنبدأ الآن بذكر بقية من صنف في علوم الحديث من أهل القرن الخامس:
ففي هذا القرن كتب الحافظ أبو يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد الخليلي (ت 446هـ) مقدمةً لكتابه (الإرشاد في معرفة علماء الحديث) . وهي مقدمة نفيسة، تعرض الخليلي فيها لمصطلحات مهمة بالشرح والتمثيل لها. وكلامه فيها من معين المحدثين، ومن صافي مشاربهم، ولا أثر فيها لأي علم غريب، فلكأن كاتبها من أهل القرن الرابع! ولعل الخليلي كان محدثاً صرفاً، أو لعل قصر تلك المقدمة لم يساعد على إضهار مشاربه المختلفة فيها.
وكتب في هذا القرن الإمام البيهقي (ت 458هـ) كتابه (المدخل إلى السنن الكبرى) .
وقد طبع القسم الثاني من هذا الكتاب، وهو الموجود من مخطوطته، وبقية الكتاب شبه مفقودة. فكان مما فقدنا من هذا الكتاب، القسم الذي خصه البيهقي ـ فيما يظهر ـ لمصطلح الحديث وأصوله!
وقد كان الحافظ ابن كثير الدمشقي (إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي، المتوفى سنة 774هـ) ، قد جعل من كتاب البيهقي هذا مرجعه الثاني، بعد كتاب ابن الصلاح، في مؤلفه: (اختصار علوم الحديث) ، كما صرح بذلك ابن كثير نفسه
في مقدمة كتابه (1) .
ومع ذلك، فلم أجد ابن كثير صرح بالنقل عن البيهقي إلا--------------------------------------------
(1) اختصار علوم الحديث (1/ 96) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
في ثلاثة مواضع فقط، من كتابه (اختصار علوم الحديث) (1) .
غير أن محقق كتاب البيهقي، وهو الدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي، قد جمع مجموعةً من النقول عن القسم المفقود من (المدخل إلى السنن) ، من كتب علوم الحديث المتأخر مصنفوها عن الإمام البيهقي (2) .
ولا شك أن تحديد منهج البيهقي من النظر في تلك النقول، بل ومن المتبقي من كتابه، لا يحتاج إلى كثيبر تعب! فهو واضح المنهج، وضوحاً لا يحتاج أكثر من تقليب صفحاتٍ من كتابه.
فـ (المدخل إلى السنن الكبرى) عبارة عن كتابٍ لإسناد أقوال ائمة الحديث في القرن الرابع فما قبله ن المتعلقة بأصول الرواية وقواعدها.
غير أن فقدان قسم من الكتاب، هو القسم الذي فيه الكلام عن (المصطلح) ، افقدنا الاستفادة من هذا المنهج السليم في شرح المصطلح، المعتمد على النقول عن أئمة الحديث.
غير أن البيهقي: من أهل القرن الخامس، الذي ذكرنا المؤثرات التي ظهرت فيه للعلوم العقلية على العلوم النقلية. ثم البيهقي أيضاً: أشعري العقيدة، بل ممن نصر هذه العقيدة، كما سبق ذكرنا له بذلك (3) . ثم
البيهقي كذلك: ليس فقط ممن تأثر بأصول الفقه، بل له فيها مصنف (4) ! ويقول عنه ابن السبكي (عبد الوهاب بن علي بن عبد--------------------------------------------
(1) اختصار علوم الحديث (1/160، 337) (2/ 378) .
(2) انظر مقدمة محقق المدخل إلى السنن (ص 75- 83) .
(3) انظر (ص 79) ، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (4/9) .
(4) انظر الصناعة الحديثية في السنن الكبرى للدكتور نجم عبد الرحمن خلف (ص 86) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
الكافي، المتوفى سنة 771هـ) : ((أصولي نحرير)) (1) .
فهذه المؤثرات لا بد أن تظهر في كتاباته على علوم الحديث، وهي وإن لم نجدها في (المدخل إلى السنن) ، ولعل السبب في ذلك فقدان جزء من الكتاب، إلا أنها ظهرت في مقدمةٍ لأحد كتبه الأخرى!
فللبيهقي على كتابه (دلائل النبوة) مقدمة، جعلها مدخلاً له. تعرض فيها لبعض قواعد الحديث، المتعلقة بحجيته في غالبها (2) .
فكان مما ورد فيها، مما يدل على تأثره بأصول الفقه، وعلى محاولته تثبيت أصول عقيدته الأشعرية: أنه قسم الحديث إلى متواتر وآحاد، وأن المتواتر يفيد العلم، وأن الآحاد ـ كما ألمح إليه ـ لا يحتج بها في العقائد. وقد سبق نقل كلامه هذا، في موطن سابق من هذا البحث (3) .
وهذا التقسيم واضحة فيه النزعة الأصولية، بل والأشعرية. وعلى كل حال؛ ففي مقدمة (دلائل النبوة) ، وأيضاً في مقدمة (معرفة السنن والآثار) (4) للبيهقي = مباحث حديثية، يغلب عليها النقل عن الإمام الشافعي؛ وفيها ايضاً مباحث أصولية. وبعد البيهقي، لم نزل في القرن الخامس الهجري، لكن ننتقل إلى أقصى المغرب الإسلامي حينها!
نقف مع الإمام أبي عمر ابن عبد البر الأندلسي (يوسف--------------------------------------------
(1) طبقات الشافعية الكرى (4/8) .
(2) انظر دلائل النبوة للبيهقي (1/20ـ 47) .
(3) انظر (ص 119ـ 120) .
(4) معرفة السنن والآثار للبيهقي (1/98ـ 188) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)
بن عبد الله محمد النمري، المتوفى سنة 463هـ) ، حيث كتب مقدمةً حافةً لكتابه العظيم (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد) ، خصها لعلوم الحديث وشرح مصطلحه.
قال ابن عبد البر: ((باب: معرفة (المرسل) و (المسند) و (المنقطع) و (المتصل) و (الموقوف) و (معنى التدليلس) :
هذه أسماء اصطلاحية، وألقاب اتفق الجميع عليها. وأنا ذاكر في هذا الباب معانيها، إن شاء الله.
(ثم قال:) اعلم ـ وفقك الله ـ أني تأملت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت في كتب من اشترط (الصحيح) في النقل منهم ومن لم يشترطه … ) (1) .
وقال في موطن آخر: ((ومن الدليل على أن (عن) محمولة عند أهل العلم بالحديث على الاتصال، حتى يتبين الانقطاع فيها: ما حكاه أبو بكر الأثرم، عن أحمد بن حنبل..)) (2) .
وقال في موطن آخر أيضاً: ((وأما التدليس: فمعناه عند جماعة أهل العلم بالحديث … )) (3) .
فمثل هذه المواطن، وكثرة نقوله عن أئمة الحديث، خاصة من أهل القرن الثالث فما قبله = تدل على أن ابن عبد البر كان سائراً على المنهج الصحيح في فهم مصطلح الحديث، وأنه كان يعلم من هم (أهل الاصطلاح) الذين يجب عليه أن يعرف معاني كلامهم وألقاب علمهم.
وابن عبد البر مع ذلك عالم أثري، سلفي العقيدة، يبدع--------------------------------------------
(1) التمهيد (1/12) .
(2) التمهيد (1/13) .
(3) التمهيد (1/ 27) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)
أهل الكلام والأشعرية!
يقول ابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله) : ((أجمع أهل الفقه والآثار، من جميع الأمصار: أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في طبقات الفقهاء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم)) (1) .
ويقول أيضاً: ((أهل الأهواء عند مالكٍ وسائر أصحابها: هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع، أشعرياً كان أو غير اشعري. ولا تقبل له شهادة في الإسلام، ويفجر، ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها)) (2) .
وعلى هذا، فلن يكون للمذاهب الكلامية أثر على ابن عبد البر، من جهة العقيدة.
لكن ابن عبد البر ممن استبق جيلهم التأثر بأصول الفقه، وهو ابن جيله، فلا بد أن يكون لأصول الفقه أثر عليه.
وأما الأدلة الواقعية من كلام ابن عبد البر على تأثره بالأصول، فمنها ما ذكره في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) من تقسيمه (العلم) إلى قسمين: (ضروري) و (مكتسب) (3) . بل لقد صرح في باب تقسيم الحديث إلى متواتر ومقابله بأنه ناقل من كتب الأصول، حيث ذكر أقسام معرفة الدين، ثم قال: ((والقسم الثاني: معرفة مخرج خبر الدين وشرائعه. وذلك معرفة النبي صلى الله عليه وسلم … ، ومعرفة أصحابه … ، ومعرفة الرجال الذين حملوا--------------------------------------------
(1) جامع بيان العلم وفضله (2/ 942 عقب رقم 1799) .
(2) بغية الملتمس للضبي ـ ترجمة أحمد بن محمد بن سعدى ـ (1/200، الترجمة رقم 342) .
(3) جامع بيان العلم (2/ 788) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)
ذلك … ، ومعرفة الخبر الذي يقطع العذر يقطع العذر لتواتره وظهوره. وقد وضع العلماء في (كتب الأصول) من تلخيص وجوه الأخبار، ومخارجها، ما يكفي الناظر فيه ويشفيه … )) (1) .
إذن فرجعنا إلى مسألة تقسيم الأخبار إلى (متواتر) و (آحاد) وأنه حتى ابن عبد البر ممن تأثر بالأصول في هذا التقسيم، كما صرح هو نفسه بنقله لذلك من (كتب الأصول) .
وقد تعرض ابن عبد البر لجانب من جوانب هذه المسألة في مقدمة (التمهيد) ، حيث تكلم عن حجية (خبر الواحد) . فنريد أن نقف أيضاً من رأيه في هذه المسألة، لنعلم درجة تأثره بالأصول
فقال أولاً: ((أجمع أهل العلم، من أهل الفقه والأثر، في جميع الأمصار، فيما علمت: على قبول خبر الواحد العدل، وإيجاب العمل به، إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع. على هذا جميع الفقهاء في كل عصر، من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع، شرذمة لا تعد خلافاً)) (2) .
وهذا كلام عليه نور الأثر، وأدب السنة مع السنة!
لكنه قال في موطنٍ لا حقٍ: ((واختلف أصحابنا وغيرهم في خبر الواحد العدل: هل يوجب العلم والعمل جميعاً، أم يوجب العمل دون العلم؟
والذي عليه أكثر أهل العلم منهم: أنه يوجب العمل دون العلم، وهو قول الشافعي وجمهور أهل الفقه والنظر. ولا يوجب--------------------------------------------
(1) جامع بيان العلم (2/796) .
(2) التمهيد (1/ 2) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)
العلم عندهم إلا ما شهد به على الله، وقطع العذر بمجيئه قطعاً، ولا خلاف فيه.
وقال قوم كثير من أهل الأثر، وبعض أهل النظر:
إنه يوجب العلم الظاهر والعمل (1) جميعاً، منهم الحسين الكرابيسي وغيره، وذكر، ابن خويزمنداد أن هذا القول يخرج عل مذهب مالك.
(قال ابن عبد البر:) والذي نقول به: إنه يوجب العمل دون العلم، كشهادة الشاهدين والأربعة سواء. وعلى ذلك أكثر أهل الفقه والأثر ن وكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعاً وديناً في معتقده، على ذلك جميع أهل السنة، ولهم في الأحكام ما ذكرنا)) (2) .
هذا كلام ابن عبد البر، وهو من أفضل الأمثلة على من تأثر بأصول الفقه دون علم الكلام وعقيدة المتكلمين. فهو يقسم الأخبار إلى (متواتر) و (آحاد) ، ويحكم على (الآحاد) أنه يفيد (الظن الموجب للعمل دون العلم) ، وهذا كله من أثر أصول الفقه (3)
لكنه بعد ذلك ينقل أن (خبر الآحاد) حجة في العقائد والأحكام بالإجماع، وهذا من أثر عقيدته السلفية!!
أما التا ثر بالمنطق وصناعة المعرفات، فلم يظهر لها أثر على ابن عبد البر، في شرحه للمصطلحات وتفريها بها.--------------------------------------------
(1) كذا، والظاهر أن الصواب: (والعلم الباطن) ، أو ما في معناها من العبارات.
(2) التمهيد لا بن عبد البر (1/ 7- 8) .
(3) انظر (ص 91ـ 127) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)
فيقول في شرحه للاسناد المعنعن: ((والإسناد المعنعن:
فلان عن فلان عن فلان عن فلان)) (1) .
ويقول في تعريفه بالتدليس: ((أما التدليس: فهو أن يروي الرجل عن الرجل قد لقيه، وأدرك زمانه، وأخذ عنه، وسمع منه، وحديث عنه بما لم يسمعه منه، وإنما سمعه من غيره عنه، ممن ترضى حاله، أو لا ترضى على الأغلب في ذلك، إذ لو كانت حاله مرضية لذكره، وقد لا يكون، إلا أنه استصغره)) (2) .
ونحو هذه التعريفات البعيدة كل البعد عن صناعة المناطقة. وعلى هذا فمقدمة ابن لكتابه (التمهيد) تمتاز باتباعها المنهج السليم في فهم مصطلح الحديث، وبندرة الأثر الأصولي عليها.
فإذا انتهينا من مقدمة ابن عبد البر، نذكر (تبعاً) قرينه أبا محمد ابن حزم (علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندليسي الظاهري، المتوفى سنة 456هـ) . وإنما قلت تبعاً، لأنه في تعرضه لعلوم الحديث الذي نتحدث عنه، إنما تعرض لها في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام) ، وهو كتاب في أصول الفقه، لا في علوم الحديث، ولا مقدمة لكتاب في الحديث.
ويكفي في بيان منهج ابن حزم من علوم السنة في كتابه (الإحكم) ، أنه كتاب في أصول الفقه أصلاً!
نعم، لابن حزم مذهب خاص، وهو ظاهريته.
ونعم، لابن حزم منهج خاص في كتابه، بكثرة استدلاله--------------------------------------------
(1) التمهيد (1/12) .
(2) التمهيد لابن عبد البر (1/15) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)
بأدلة الكتاب والسنة، وبالرد على المتكلمين (وهو منهم!!) .
لكن كتابه لم يزل من كتب أصول الفقه!!
ويضيق صدري أحياناً من ظاهريته في تقرير قواعد علم الحديث، مما يدل على أنه ليس بفقيه في علله!
انظر إليه وهو يقول: ((وقد غلط أيضاً قوم آخرون منهم، فقالوا: فلان أعدل من فلان، وراموا بذلك ترجيح خبر الأعدل على من هو دونه في العدالة)) (1) .
القوم الآخرون هؤلاء هم كافة نقاد الحديث، الذي رتبوا المقبولين على مراتب، ورتبوا أصحاب المرتبة الواحدة في الشيخ الواحد على مراتب أيضاً. ولهم في ذلك نفائس الأقوال، وصنفوا في ذلك غرر الفوائد!!!
وتعجب منه وهو يقول أيضاً: ((وقد علل قوم احاديث: بأن رواها ناقلها عن رجل مرة وعن رجلٍ مرة أخرى.
وهذا قوة للحديث ن وزيادة في دلائل صحته، ودليل على جهل من جرح الحديث بذلك)) (2) .
كذا بإطالاق؟ !! قاتل الله ظاهرية كهذه!!!
وله مثلها في حكم زيادة الثقة (3) !
والكتاب بعد ذلك على هذه الشاكلة، يمثل قواعد ابن حزم ومصطلحه، لا قواعد الحديث ومصطلحه عند أهله.
ولا أحسب أنني هنا في حاجةٍ على تنبيه القارىء الكريم:--------------------------------------------
(1) الإحكام لابن حزم (1/143) .
(2) الإحكام لابن حزم (1/149) .
(3) الإحكام لابن حزم (2/90- 96) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)
إلى عظيم إجلالي للعلماء، وجليل إعظامي لهم. وإلى شدة محبتي ـ والله ـ لهم، وتعلقي بسيرهم وأخبارهم وحالهم. وإلى إيماني بأن علمهم يجل عن الوزن، ولا يجوز فيه القياس، من مثلي وأشباهي. ولولا ذلك، لما استفدت فائدة، ولا عرفت الحق (بحمد الله تعالى) ، ولا بدأت سلوك مسالك طلبة العلم.
فلست في حاجةٍ بعد هذا التنبيه، إلى تكرير ديباجةٍ طويلة ثقيلة، عند كل نقد علمي موضوعي بناء (ولو كان هذا النقد خطأًَ في حقيقته) . تلك الديباجة التي تثقل البحوث: باملدائح الرنانة في المنتقد، وبالأيمان المغلظة على حسن النوايا. إلى درجة الغو في الممدوح، والإزراء من الناقد لنفسه، وإلى حد الإسفاف (أحياناً) والبعد عن أدب العلم وإنصاف الموضوعية، اللذين إنما قدم بتلك الديباجة الثقية لهما!! وكأن الأصل في الباحث الكذب وسوء الطوية، والأصل في القارىء الشك وسوء النية!!!
(فلماذا نخاف من النقد؟!) .
لننتقل بعد هذا، إلى عالمٍ مغربي آخر، لكنه من القرن الخامس الهجري، هو القاضي عياض بن موصى بن عياض السبتي المالكي (ت 544هـ) .
ولهذا الإمام تعرض واسع لأبوابٍ من علوم الحديث، في كتابين له، هما: ((الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع) ، ومقدمة كتابه (إكمال المعلم بفوائد مسلم، للمازري) .
إلا أن كتابه الأول (الإلماع) كتاب مختص: بأصول الرواية (طرق التحمل وحجيتها) ، وتقييد السماع (كألفاظ الأداء) ، وما يتعلق بذلك، وبعض الآداب وما شابهها. فليس في الكتاب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)
اهتمام بالمصطلحات الحديثية لأقسام الحديث، التي هي مدار حديثنا. لذلك فلن أتكلم عن (الإلماع) ، بغير هذا الذي ذكرته به، وإن كان حقيقاً بغير ذلك في غير هذا الموضع!
أما كتابه الآخر: فهو شرح لمقدمة الإمام مسلم لصحيحه، وحيث تعرض الإمام مسلم في مقدمته لصحيحه لبعض القضايا المهمة في علوم الحديث، تناولها القاضي عياض بالشرح.
والقاضي عياض فقيه أصولي بالدرجة الأولى، لذلك فقد حشى كتابه (إكمال المعلم) بالنقل عن الفقهاء والأصوليين والمتكلمين، حتى غلب النقل عن المحدثين (1) !
بل بلغ تعمق الا ثر الا صولي عند القاضي عيا ض الى درجة فهم كلام الا ما م مسلم على اصطلاحات الا صوليين وا حكا مهم!
فعندما قال الا ما م مسلم في مقدمة صحيحة: ((وذلك ان القول الشائع المتفق علية بين اهل العلم بالا خبا ر والروايات قديما وحديثا: ان كل رجل ثقة روى عن مثله حديثا، وجائز وممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعا كانا في عصر واحد، وان لم يا ت قط انهما اجتمعا ولا تشافها بكلام= فالرواية ثابتة،
والحجة بها لازمة000 (ثم قال الا ما م مسلم:) ان خبر الواحد الثقة عن
الواحد حجة يلزم العمل به)) (2) .
فقال القاضي عياض: ((هذا الذي قاله هو مذهب جمهور المسلمين من
السلف والفقهاء والمحدثين وا لا صوليين000)) (3) .--------------------------------------------
(1) انظر مثلاً في إكمال المعلم (ص 180، 182، 184، 225، 238، 300، 313، 314، 232، 324) . .
(2) مقدمة صحيح مسلم (1/29-30) .
(3) مقدمة اكمال المعلم (ص323-327) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)
ثم بين قولهم، فاذا به: ان خبر الواحد (يفيد الظن الموجب العمل دون العلم) .
فحمل القاضي عيا ض ان قول مسلم ((حجة يلزم العمل به)) . انه يقول بافادة
خبر الواحد للظن الموجب للعمل دون العلم!!
ولاـ والله- تلفظ مسلم بذلك المعنى، ولا احسبه خطر له على بال!!
ثم بعد القاضي عيا ض، كتب قاضي الحرمين الحافظ ابو حفص الميانشي (1) (عمر بن عبد المجيد بن عمر القرشي، نزيل--------------------------------------------
(1) الميانشي: بفتح الميم، وبعدها ياء مثناة تحتية، فألف، ثم نون مكسورة، فشين معجمة مكسورة؛ نسبة إلى ميانش قرية من قرى المهدية بإفريقية هذه هي التي منها الحافظ أبو حفص عمر بن عبد المجيد.
انظر: معجم البلدان لياقوت (5/ 239) ، وتاج العروس للزبيدي ـ منش ـ (17/ 392) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)
مكة، المتوفى سنة 583هـ) رسالته الصغيرة المسماة بـ (ما لا يسع المحدث بجله) .
وهي رسالة مختصرة جداً، وغالبها نقل واختصار من (معرفة علوم الحديث) للحاكم و (الكفاية) للخطيب، ولن تخلو من فائدة.
وبقي في هذا الطور مشاركات عدة، مما بلغنا، وما فقد فأكثر! لكن ما بلغنا من هذه المشاركات: إما أنه لم يقصد إلى شرح مصطلحات وإنما اعتنى ببيان بعض القواعد والأصول، أو أنه نقل محض تندر فيه الإضافة المؤثرة.
ومن أمثلة تلك المشاركات:
كتاب (شروط الأئمة الستة) ، لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي (ت 507هـ)
ومقدمة كتاب (الوجيز في ذكر المجاز والمجيز) ، لأي طاهر أحمد بن محمد السلفي (ت 576هـ) .
وكتاب (شروط الأئمة الخمسة) لأبي بكر محمد بن موسى الحازمي (ت 585هـ) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)
ومقدمة كتاب (جامع الأصول في أحاديث الرسول) ، لمجد الدين أبي السعا د ات
المبارك بن محمد الجزري ابن الأثير (ت 606هـ) .
ومن هنا ننتقل إلى الطور الثاني من أطوار كتب علوم الحديث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)
الفصل الثاني:
الطور الثاني لكتب علوم الحديث
(كتاب ابن الصلاح فما بعده)
وكلامنا عن هذا الطور سيختلف في منهجه عن كلامنا في سابقه، لطول زمن هذا الطور، وكثرة المصنفات فيه، ولأن غرضنا الاختصار وضرب الأمثلة فقط، دون استيعاب الكلام عن مناهج المصنفين.
لكن لما جعلنا كتاب ابن الصلاح حداً وقاسماً، وجب علينا تمييزه بمزيد إيضاح وبيان.
إن (معرفة أنواع علم الحديث) لا بن الصلاح (ت 643هـ) من الكتب النادرة في العلوم الإسلامية، التي ما أن صنفت حتى أصبحت إماماً لأهل فنها، وهماً لطلاب ذلك العلم ولعلمائه، وأصلاً أصيلاً يرجعون إليه، ومورداً لا يصدرون إلا عنه ولا يحومون إلا عليه.
يقول الحافظ ابن حجر في وصفه: ((فهذب فنونه، وأملاه شيئا بعد شئ، فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب0
واعتنى بتصانيف الخطيب المتفرقة، فجمع شتات مقاصدها، وضم اليها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره0
فلهذا عكف الناس عليه، وساروا بسيره0 فلا يحصى كم ناظم له
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)
مختصر،
مستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر!!)) (1) .
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في وصفه هذا احد أهم مميزات كتاب ابن الصلاح،
وهي تعويله واعتماده في جل كتابه على كتب الخطيب البغدادي: (الكفاية) وغيرها
من مصنفات الخطيب الكثيرة التي أفردها لأنواع وعلوم من علوم الحديث0
وللدكتور محمود الطحان مبحث خاص في كتابه (الحافظ الخطيب البغدادي وأثره في علوم الحديث) ، يثبت فيه بالموازنة أن ابن الصلاح- كما يقول-: ((كان عالة على كتب الخطيب عامة، وكتابيه (الكفاية) و (الجامع) خاصة)) (2) .
ونخرج من هذا بنتيجة واضحة، وهي أن كثيرا من آراء الخطيب في تفسير مصطلح الحديث وتقرير قواعده سوف تنتقل الى ابن الصلاح، بما في تلك الآراء من صواب (وهي غالبها) ، ومن خطأ (وهي أقلها) ، من آثار اقتباس الخطيب من الفقة0
والآراء وان اتفقت أحيانا كثيرة، بسبب ذلك التعويل والاعتماد على كتب الخطيب،
الا أن منهج تقريرها قد بدا فيه بعض الاختلاف0
وليس اختلاف المنهج أمرا غريبا، بعد تذكر ما سبق تقريره، من ضعف تلقي العلوم النقلية، وقوة تأثير العلوم العقلية على علوم السنة، وازدياد ذلك بالتدريج عبر العصور0 وقد عبر ابن الصلاح نفسه عن حاله عصره وأهله تجاه--------------------------------------------
(1) نزهة النظر لابن حجر (51) .
(2) الحافظ الخطيب البغدادي وأثره في علوم الحديث للطحان (481-486) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
علوم السنة، مبينا سبب تأليفه لكتابه (معرفة أنواع علم الحديث) ، حيث قال في مقدمته: ((ولقد كان شأن الحديث فيما مضى عظيماً، عظيمة جموع طلبته، رفيعة مقادير حفاظه وحملته. وكانت علومه بحياتهم حيةً، وأفنان فنونه ببقائهم غضةًً، ومغانيه بأهله آهلةً. فلم يزالوا في انقراض، ولم يزل في اندراس، حتى آضت به الحال: على أن صار أهله إنما هم شرذمة قليلة العدد ضعيفة العدد. لا تغني على الأغلب في تحمله بأكثر من سماعه غفلاً، ولا تتعنى في تقييده بأكثر من كتابته عطلاً، مطر حين علومه التي بها جل قدره، مباعدين معارفه التي بها فخم أمره. فحين كاد الباحث عن مشكله لا يلفي له كاشفاً، والسائل عن علمه لا يلقى به عارفاً، من الله الكريم تبارك وتعالى وله الحمد أجمع بكتاب (معرفة أنواع علم الحديث)
هذا … )) (1) .
أما تأثير العلوم العقلية على علوم السنة، فإضافةً إلى أن ابن الصلاح قد نقل بعض ذلك الأثر عن الخطيب البغدادي، فإن ابن الصلاح فوق ذلك جاء بعد الخطيب بما يقارب القرنين من الزمان، فالأثر ازاداد في عصره عن عصر الخطيب، والمرء ابن زمانه، فلا بد أن يزداد الأثر على ابن الصلاح أيضاً.
ولئن كان لابن الصلاح تلك الفتوى القوية في ذم علم المنطق والحط منه (2) ، فإنه من جهةٍ أخرى اصولي متبحر فيه معدود في (طبقات الأصوليين) (3) .
يقول محقق كتاب ابن الصلاح، الدكتور نور الدين عتر في مقدمة تحقيقه: ((فأكب ابن الصلاح على هذه الذخائر يفحصها--------------------------------------------
(1) علوم الحديث لابن الصلاح (5- 6) .
(2) انظر (ص 160- 161) .
(3) الفتح المبين في طبقات الأصوليين للمراغي (2/63- 64) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)