فليس (المتواتر المعنوي) هو (خبر العامة عن العامة) ، هذا شيء وذاك شيء آخر.
إذن فـ (السنة المجتمع عليها) أو (خبر العامة عن العامة) هو القسم الأول من أقسام (السنن) ؛ كذا بإطلاق (السنة) ، بلا قيد (المسندة) . فإن قيدتها بإنها (السنن المسندة) فليس (خبر العامة) قسماً من أقسامها، كما تقدم.
أما القسم الثاني (عند المحدثين كما ذكره الشافعي) : فهو (خبر الخاصة) وهو (الآحاد) ، وهو كل ما سوى (خبر العامة عن العامة) ، وهو ـ أيضاً ـ كل الأ×بار المسندة بألفاظها، وكل الآثار المروية بحروفها.
ومن (خبر الخاصة) : ما يرويه الواحد، وما يرويه الاثنان، والثلاثة، والعشرة.. والمائة مثل حديث ((من كذب علي متعمداً..)) فمن (خبر الخاصة) : (الفرد) ، و (الغريب) ، و (العزيز) ، و (المشهور) ، و (المستفيض) ، بل و (المتواتر) عند عامة الأصوليين والمصنفين في علوم الحديث، وكما قدمناه من تفسير البيهقي لـ (خبر الخاصة) (1)
ولذلك قال ابن حبان عبارته القاطعة: ((إن الأخبار كلها أخبار آحاد)) (2)
هذا هو التقسيم الذي ذكره الإمام الشافعي، والذي لا يخالفه عليه المحدثون ولا غيرهم، لأنه مما لا يختلف أحد على اعتباره منطوقاً أو ضمناً
وكان يكفي ذكر هذا المبحث الطويل، حول تقسيم--------------------------------------------
(1) انظر (ص 119 - 120) .
(2) انظر (ص 121) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
الأحاديث إلى (متواتر) و (آحاد) ، لبيان أثر اصول الفقه على علوم الحديث، ولإظهار كيف تدرج هذا التأثير، حتى طغى على كلام أهل الفن (المحدثين) ، فردت أقوال، وتؤولت أخرى، ونزل كلام على غير مراد قائله؛ حتى انطمست ـ أو كادت ـ معالم الحق والصواب
لكن بعد تقرير التقسيم الآنف الذكر ـ وهو التقسيم الذي رضيه المحدثون ـ تبين أن كل الأحاديث المسندة (أخبار آحاد) . و (خبر الواحد) العدل عند الأصوليين لا يفيد ـ بذاته ـ إلا الظن، فهل هذا الحكم لـ (خبر الواحد) هو نفسه حكم المحدثين عليه أيضاً؟
لذلك كان واجباً علي بيان حكم (خبر الواحد) العدل عند المحدثين.
فأقول: أولاً: لست أريد استيعاب كل ما يتعلق بهذه المسألة، فهذا أمر عظيم، لكنه ليس بحثي. لذلك فسأتجوز في هذه المسألة ما استطعت ذلك.
وثانياً: أنه مع أن الأحاديث النبوية عند أهل الحديث قسم واحد، فكلها (خبر آحاد) ، كما سبق تقريره = إلا أن المحدثين أعرف الناس بتفاوت مراتبها في الصحة، وأدراهم باختلاف درجاتها في القوة، وألحظهم لدقيق فروق ثبوتها. ولهم في ذلك صولات وجولات، لها في علمهم ساحات مباركات، لا تخفى على من نخاطبه ويدري الخطاب
لكن عدم اعتبار المحدثين لهذا التفاوت ولتلك الفروق في درجات الصحة والقوة مسوغاً لتقسيم الأحاديث على أساسه، يدل دلالةً واضحةً على أن تلك الفروق في درجات الثبوت لم تبلغ درجة التأثير على حجية الأخبار، فجميعها يشملها حكم واحد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
يستفاد منها، لكن تتفاوت مراتب هذا الحكم الواحد.
وعندها نقول: إذا استفاد اليقين و (العلم) من بعض الأحاديث النبوية المتكلمون والجهلاء بالسنة وبعض من أعدائها وبعض من تأثر بهم في مثل ما أسموه بـ (المتواتر) وهو عند المحدثين من (الآحاد) ، وفي بعض (الآحاد) أيضاً إذا احتفت به القرائن عند المحققين في أصول الفقه (1) = إذا استفادوا (العلم) من بعضها، فالمحدثون الذين هم حملة الآثار وأمناء الوحي وورثة النبوة أولى بما يربو على ذلك ويزيد
فكل ما يفيد (العلم) عند الأصوليين يفيده عند المحدثين من باب أولى.
لكن بقي ما قال الأصوليون إنه يفيد (الظن الموجب للعمل دون العلم) بذاته، وهو (الآحاد) عندهم. غير أن المحققين منهم قالوا بإفادة (الآحاد) لـ (العلم) إذا احتفت به قرائن تقوية، و (العلم) حينها نظري عندهم، كما سبق آنفاً.
فنقول لهم: رضينا بهذا القدر منكم، فاثبتوا عليه
والحمد لله أن الأصوليين لم يتدخلوا في تحديق القرائن؛ إنما ضربوا أمثلةً عليها--------------------------------------------
(1) انظر العدة في أصول الفقه لأبي يعلى الحنبلي (3/900- 901) ، والبرهان لجويني (1/576 - 577، 578 رقم 504، 507) ، وشرح اللمع للشيرازي (رقم 669) ، وإحكام الفصول للباجي (329 - 330رقم 298) ، والإحكام للآمدي (2/48- 49) ، وروضة الناظر لابن قدامة (1/363 - 364) ، وشرح مختصر الروضة للطوفي (2/83- 84، 108) ، والبحر المحيط للزركشي (4/263 - 266) ، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (2/ 348 - 352) ، وتيسير التحرير لأمير بادشاه (3/76) ، وإرشاد الفحول للشوكاني (94- 95) ، وغيرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
قال بدر الدين الزركشي (محمد بن بهادر بن عبد الله الشافعي، المتوفى سنة 794هـ) في كتابه (البحر المحيط في أصول الفقه) : ((لم يتعرضوا لضابط القرائن، وقال المازري: لا يمكن أن يشار إليها بعبارة تضبطها. قلت (القائل الزركشي) : ويمكن أن يقال: هي ما لا يبقى معها احتمال، وتسكن النفس عنده، مثل مكونها إلى الخبر المتواتر أو قريباً منه)) (1) .
قلت: وكل هذا يرضاه المحدثون من الأصوليين
فإن صحح المحدثون حديثاً، مما تفرد بروايته راوٍ واحد، وهم (أعني المحدثين) أهل هذه الصنعة، وأعرف الناس بقواعدها وجزئياتها، وأخبرهم بأصولها وفروعها؛ ثم تصحيحهم ذلك الحديث معناه أنه انتفت عنه كل: العلل الظاهرة (من طعن في الرواة أو سقط في الإسناد) والعلل الباطنة (من شذوذ وتفرد من لا يحتمل التفرد بمثل ما تفرد به) ، وقف عند العلل الباطنة، وقلب وجوهها ومعانيها عند المحدثين؛ لتعلم بعد ذلك كله، أنه إذا صحح المحدثون حديثاً (غريباً) (فرداً) = أنه أفاد العلم عندهم، لأنه استحال عندهم بعد النظر والاستدلال احتمال الكذب والغلط، ولاحت قرائن تفيد اليقين بذلك
ولا يعترض على المحدثين: بأن الأصوليين أو الفقهاء (غير المحدثين) لا يستفيدون (العلم) من ذلك الخبر، لأن عدم استفادتهم منه (العلم) لا ينفي أن غيرهم ممن الشأن شأنهم والفن فنهم والعلم علمهم = قد استفاد منه العلم
ولئن كان (المتواتر) منه ما هو عام يعرفه العامة، ومنه ما--------------------------------------------
(1) البحر المحيط للزركشي (4/266) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
هو خاص لا يعرفه إلا الخاصة من أهل العلم (1) . فكذلك القرائن: منها ماه وعام يعرفها الأصوليون والمحدثون، ومنها ما هو خاص لا يعرفه إلا المحدثون.
وما أشبه ذلك بـ (المتواتر) أيضاً، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في (علم الحديث) : ((وعلماء الحديث يتواتر عندهم ما لا يتواتر عند غيرهم، لكونهم سمعوا ما لم يسمع به غيرهم، وعلموا من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يعلم غيرهم)) (2) .
يقول ابن قيم الجوزية في (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة) : ((وكما أن العلم بالتواتر ينقسم إلى عام وخاص، فيتواتر عند الخاصة ما لا يكون معلوماً لغيرهم، فضلاً أن يتواتر عندهم= فأهل الحديث: لشدة
عنايتهم بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم وضبطهم لأقواله وأفعاله وأحواله، يعلمون من ذلك علماً لا يكون فيه، مما لا شعور لغيرهم به البتة)) (3) .
وكان قد قال رحمه الله قل ذلك: ((وخصومهم ـ يعني خصوم أهل الحديث ـ إما أن ينكروا حصول (العمل) لأنفسهم، أو لأهل الحديث. فإن أنكروا حصوله لأنفسهم، لم يقدح ذلك في حصوله لغيرهم. وإن أنكروا حصوله لأهل الحديث، كانوا مكابرين لهم على ما يعملونه من نفوسهم، بمنزلة من يكابر غيره على ما يجده في نفسه من فرحه وألمه وخوفه وحبه. والمناظرة إذا انتهت إلى هذا الحد لم يبق فيها فائدة، وينبغي العدول إلى ما أمر الله به رسوله من المباهلة)) (4) --------------------------------------------
(1) علم الحديث لشيخ الإسلام ابن تيمية (119، 157) .
(2) علم الحديث لشيخ الإسلام ابن تيمية (158) .
(3) مختصر الصواعق المرسلة (ص 537) . …
(4) مختصر الصواعق المرسلة (ص 525 - 526) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
واسمع الإمام مسلماً وهو يقول في كتابه (التمييز) : ((واعلم ـ رحمك الله ـ أن صناعة الحديث، ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم، إنما هي لأهل الحديث خاصة؛ لأنهم الحفاظ لروايات الناس، العارفون بها دون غيرهم. إذ الأصل الذي يعتمدون لأديانهم: السنن والآثار المنقولة، من عصر إلى عصر، من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا هذا. فلا سبيل لمن نابذهم من الناس، وخالفهم في المذهب، إلى: معرفة الحديث، ومعرفة الرجال من علماء الأمصار فيما مضى من الأعصار من نقال الأخبار وحمال الآثار. وأهل الحديث هم الذين يعرفونهم ويميزونهم، حتى ينزلوهم منازلهم في التعديل والتجريح)) (1) .
ثم قف على هذا الفصل النوراني، وسأنقله لك على طوله من كلام الإمام أبي المظفر منصور بن محمد التميمي السمعاني الشافعي (ت 489هـ) . يقول رحمه الله في كتابه (الانتصار لأهل السنة) : ((واعلم أن الخبر وإن كان يحتمل الصدق والكذب والظن وللتجوز فيه مدخل، ولكن هذا الذي قلناه (يعني من إفادة خبر الواحد للعلم) لا يناله أحد، إلا بعد أن يكون معظم أوقاته وأيامه مشتغلاً بالحديث، والبحث عن سيرة النقلة والرواة، ليقف على رسوخهم في هذا العلم، وكنه معرفتهم به، وصدق ورعهم في أقوالهم وأفعالهم، وشدة حذرهم من الطغيان والزلل، وما بذلوه من شدة العناية في تمهيد هذا الأمر، والبحث عن أحوال الرواة، والوقوف على صحيح الأخبار وسقيمها. ولقد كانوا بحيث لو قتلوا لم يسامحوا أحداً في كلمةٍ واحدةٍ يتقولها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فعلوا هم بأنفسهم ذلك. وقد نقلوا هذا الدين إلينا كما نقل إليهم، وأدوا كما أدى إليهم. وكانوا في صدق العناية--------------------------------------------
(1) التمييز لمسلم (ص 218) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
والاهتمام بهذا الشأن: ما يجل عن الوصف، ويقصر دونه الذكر. وإذا وقف المرء على هذا من شأنهم، وعرف حالهم، وخبر صدقهم وورعهم وأمانتهم، ظهر له العلم فيما نقلوه ورووه.
والذي يزيد ما قلنا إيضاحاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الفرقة الناجية قال: ((ما أنا عليه وأصحابي)) (1) ، فلا بد من تعرف ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه، وليس طريق معرفته
إلا النقل، فيجب الرجوع إلى ذلك. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تنازعوا الأمر أهله)) (2) ، بكما يرجع في معرفة مذاهب الفقهاء الذين صاروا قدوةً في هذه الأمة إلى أهل الققه، ويرجع في معرفة اللغة إلى أهل اللغة، وفي النحو إلى أهل النحو= كذا يرجع في معرفة ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى أهل الرواية والنقل، لأنهم عنوا بهذا الشأن، واشتغلوا بحفظه والفحص عنه ونقله، ولولاهم لا ندرس علم النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقف أحد على سنته وطريقته!
فإن قالوا: فقد كثرت الآثار في أيدي الناس واختلط عليهم؟
قلنا: ما اختلط إلا على الجاهلين بها، فأما العلماء بها فإنهم ينتقدونها انتقاد الجهابذة الدراهم والدنانير، فيميزون زيوفها،--------------------------------------------
(1) حديث إسناده ضعيف بهذه الزيادة.
(2) حديث صحيح.
أخرجه الترمذي (رقم 2641) ، وغيره من طريق عبد الرحمن بن زياد الإفريقي: وهو ضعيف. ويغني عنه حديث العرباض بن سارية ـ مرفوعاً ـ: ((وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلافاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ)) . وهو حديث صحيح، أنظر إرواء الغليل للألباني (رقم 2455) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
ويأخذون جيادها. ولئن دخل في أغمار الرواة من وسم بالغلط في الأحاديث، فلا يروج ذلك على جهابذة الحديث ورتوت (1) . العلماء، حتى إنهم عدوا أغاليط من غلط في الأسانيد والمتون. بل تراهم يعدون على كل واحدٍ منهم في كم حديث غلط، وفي كم حرفٍ حرف، وماذا صحف.
(إلى أن قال:) فتدبر ـ رحمك الله ـ أيجعل حكم من أفنى عمره في طلب آثار النبي صلى الله عليه وسلم شرقاً وغرباً، براً وبحراً، وارتحل في الحديث الواحد فراسخ؛ واتهم أباه وأدناه في خبر يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان موضع التهمة، ولم يحابه في مقال ولا خطاب، غضباً لله، وحميةً لدينه؛ ثم ألف الكتب في معرفة المحدثين: أسمائهم وأنسابهم، وقدر أعمارهم، وذكر أصارهم، وشمائلهم وأخبارهم؛ وفصل بين الرديء والجيد، والصحيح والسقيم، حباً لله ورسوله، وغيرةً على الإسلام والسنة؛ ثم استعمل آثاره كلها، حتى فيما عدا العبادات، من أكله وطعامه وشرابه ونومه ويقظته وقيامه وقعوده ودخوله وخروجه، وجميع سيرته وسننه، حتى في خطواته ولحظاته؛ ثم دعا الناس إلى ذلك، وحثهم عليه، وندبهم إلى استعماله، وحبب إليهم ذلك بكل ما يمكنه، حتى في بذلك ماله ونفسه = كمن أفنى عمره في أتباع أهوائه وآرائه وخواطره وهواجسه؟!!! (2)) .
إذن فالأصل في (خبر الآحاد) الذي يصححه المحدثون أنه يفيد (العلم) عندهم، لأن تصحيح الحديث يقتضي عندهم: ادتماع غلبة الظن بصدق الخبر، مع قرائن إثباته. لأن غلبة--------------------------------------------
(1) الرت: الرئيس، وجمعه: رتون. انظر القاموس المحيط ـ رت ـ (194) .
(2) الحجة في بيان المحجة لأبي القاسم التيمي (2 / 221 - 223، 234- 235) ، ومختصر الصواعق المرسلة لابن القيم (ص 561- 562) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
الظن تحصل بمجرد صحة السند، أي بانتفاء العلل الظاهرة. أما انتفاء العلل الباطنة، فهو قرائن الإثبات وعلامات مطابقة الخبر لواقع الحال، وهو (العلم) .
إذا علمت ذلك، بعد قراءتك كلام أبي المظفر السمعاني الآنف الذكر، فلا بد أنك توافقه وتوافقني في أن المرجع في تمييز الثابت من المشكوك فيه من سنة النبي صلى الله عليه وسلم هم المحدثون، وأنهم القضاة الذين يحتكم إليهم في ذلك، وأنه لا يحق لمن ليس منهم أن ينازعهم شأنهم وأمرهم.
فإن قفلت: فما القول فيما لو اختلفوا في تصحيح حديث، فضعفه بعضهم وصححه آخرون؟
قلت: كما لو اختلف الفقهاء! فإن كنت من أهل فنهم، وتفقه أصوله وضوابطه، ومارست علومه ودقائقه؛ فارجع إلى حجة كل، ووازن، فلعلك تخرج بيقين، وترى الشمس كما رآها بعض من سبقك. أما إن لم تكن ممن يفهم هذا العلم، فاتبع، أو قلد، واختر في ذلك أعلمهم علماً وأتقاهم ديناً!!
المهم في ذلك، أن لا يكون اختلافهم دليلاً عندك على عدم استفادتهم العلم من صحيح (خبر الآحاد) ، كما لم يكن اختلافهم في تواتر خبر دليلاً على عدم إفادة (المتواتر) للعلم. ((وليس خطؤنا نحن إن أخطأنا، وجهلنا إن جهلنا، حجة على وجوب ضياع الدين. بل الحق ثابت معروف عند طائفة، وإن جهلته أخرى، والباطل كذلك أيضاً. كما يجهل قوم ما نعلمه نحن أيضاً، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء)) (1) .
ولئن كنا آنفاً نقلنا لك كلاماً نورانياً، فسننقل لك الآن--------------------------------------------
(1) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (1 / 137) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
كلاماً على ضده، لتعلم أنه (من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب) ، وإن كان إماماً في فنه علماً في علمه
يقول إمام الحرمين أبو المعالي الجويني في (البرهان) : ((ذهبت الحشوية من الحنابلة، وكتبة الحديث: إلى أن خبر الواحد العدل يوجب العلم. وهذا خزي، لا يخفى مدركه على ذي لب.
فنقول لهؤلاء: أتجوزون أن يزل العدل الذي وصفتموه ويخطىء؟
فإن قالوا: لا، كان ذلك بهتاً، وهتكاً وخرقاً لحجاب الهيبة، ولا حاجة إلى مزيد البيان فيه. والقول القريب فيه: أنه قد زل من الرواة الإثبات جمع لا يعدون كثرةً. ولو لم يكن الغلط متصوراً، لما رجع راوٍ عن روايته، والأمر بخلاف ما تخيلوه.
فإذا تبين إمكان الخطأ، فالقطع بالصدق مع ذلك محال.
ثم هذا في العدل في علم الله تعالى، ونحن لا نقطع بعدالة واحد، بل يجوز أن يضمر خلاف ما يظهر. ولا متعلق إلا ظنهم أن خبر الواحد يوجب العمل، وقد تكلمنا عليه بما فيه مقنع)) (1) .
هذا كلام الجويني كاملاً بنصه.
ويكفي كلامه هذا ضعفاً، أن مثلي (في ضعفه) يرد على مثله (في إمامته وجلالته في الفقه وأصوله)
أما نبزة للحنابلة بـ (الحشوية) ، فـ (شنشنة نعرفها من أخزم) ،--------------------------------------------
(1) البرهان للجويني (1/606- 607 رقم 545) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
وما كان لمثله أن نعرفه بها. لكنه تاب رحمه الله ، ومن تاب تاب الله عليه
وأما قوله: ((إن خبر الواحد العدل يوجب العلم)) نقلاً عن المحدثين، فليس هذا قولهم مطلقاً، ومن هنا أتي ودخل عليه الداخل
فالمحدثون يستفيدون (العلم) مما صح عندهم من (خبر الواحد العدل) ، كما تقدم. والصحيح عندهم: ما اجتمع فيه أمران: الأول: غلبة الظن بصدق الخبر، بثقة الناقلين واتصال السند بالخبر؛ والثاني: قرائن مفيدة العلم، وهي انتفاء الشذوذ وجميع العلل الخفية القادحة. وقد سبق ذكر ذلك، وأنه أحد خصائص من فقه في علمهم، ووفقه الله تعالى للتقوى والعمل.
وقد سبق عن محققي الأصوليين، ومنهم إمام الحرمين: أن خبر الواحد يمكن أن يفيد العلم بالقرائن الشاهدة على صدقه (1)
فماذا ينكر إمام الحرمين من استفادة المحدثين للعلم من خبر الواحد المحتف بما يقوية؟
وعدم استفادة الأصوليين وغير المحدثين للعلم من قرائن استفاد المحدثون منها العلم، ليس دليلاً على عدم استفادة العلم من تلك القرائن مطلقاً. بل ليس أمراً مستنكراً ولا مستغرباً، بل هو المعروف المألوف، أن كل مختص بفن أعرف من غيره به، فـ (صاحب البيت أدرى بما فيه.. فلام النزاع؟
وقد قرر الأصوليون ذلك (2)--------------------------------------------
(1) انظر البرهان للجويني (رقم 405، 507) ، وانظر ما سبق (ص 133) .
(2) انظر روضة الناظر لابن قدامة ـ وحاشية تحقيقه ـ (1/353- 355) ، وشرح الكوكب المنير لابن النجار ـ وحاشية تحقيقه (2/335-336) ، وشرح مختصر الروضة للطوفي (2/83-84) وتيسير التحرير لأمير بادشاه (3/35) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
يقول الآمدي في (الإحكام في أصول الأحكام) : ((وبتقدير اتحاد الواقعة وقرائنها، لا يلزم من حصول العلم بذلك العدد لبعض الأشخاص حصوله لشخص آخر، لتفاوتهم في قوة الإدراك والفهم للقرائن. إذ التفاوت فيما بين الناس في ذلك ظاهر جداً: حتى إن منهم من له قوة فهم أدق المعاني واغمضها في أدنى دقيقة من غير كذ ولا تعب، ومنهم من انتهى في البلادة إلى حد لا يدرك له على فهم أظهر ما يكون من المعاني مع اجد والاجتهاد في ذلك، ومنهم من حاله متوسطة بين الدرجتين؛ وهذا أمر واضح لا مراء فيه)) (1) .
ولعمري! إن مثل المحدثين وأهل الكلام مثل الأول والثاني في مقالة الآمدي المتقدمة!!!
وقد كان المحدثون وأئمة النقد منهم دائمي التصريح بأن خفايا علمهم ودقائق فنهم لا تبلغها كثير من الأفهام، ولا تعقلها غالب العقول.
يقول عبد الرحمن بن مهدي (ت 198هـ) : ((معرفة الحديث إلهام)) (2) .
ويقول أيضاً: ((إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة)) (3) .
ويقول أبو داود في (رسالته إلى أهل مكة) : ((وربما أتوقف عن مثل هذه ـ يعني إبراز العلل ـ لأنه ضرر على العامة أن يكشف لهم كل ما كان من هذا الباب فيما مضى من عيوب--------------------------------------------
(1) الإحكام للىمدي (2/42) .
(2) علل الحديث لابن أبي حاتم (1/9) ، ومعرفة علوم الحديث للحاكم (113) .
(3) علل الحديث لابن أبي حاتم (1/9) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
الحديث، لأن علم العامة يقصر عن مثل هذا)) (1) .
ثم قال ابن مندة (أبو عبد الله محمد بن يحيى بن إبراهيم الأصبهاني الحافظ، المتوفى سنة 301هـ) : ((إنما خص الله بمعرفة هذه الأخبار نفراً يسيراً من كثيرٍ ممن يدعي علم الحديث، فأما سائر الناس: من يدعي كثرة كتابة الحديث، أو متفقه في علم الشافعي وأبي حنيفة ن أو متبع لكلام الحارث المحاسبي والجنيد وأهل الخواطر = فليس لهم أن يتكلموا في شيء من علم الحدث، إلا من أخذه عن أهله وأهل المعرفة به، فحينئذ يتكلم بمعرفته)) (2) .
فالذي يظهر بعد كل هذا: أن محل النزاع لم يحرر بين الأصوليين والمحدثين! فالأصوليون فهموا أن المحدثين يقولون بإفادة خبر الواحد العدل العلم مطلقاً، ولا يقول ذل المحدثون؛ لكنهم يقولون: إن كل خبر صح عندنا فهو مفيد للعلم، والصحيح عندهم: خبر الواحد العدل المحتف بما يقويه من القرائن. لكن لجهل كثير من الأصوليين بعلم الحديث، ولعدم معرفة غالبهم بدقائق فنه، ظنوا أن المحدثين يكتفون بظاهر الإسناد، دون التدقيق في باطن علله،
ودون نقد المتون (3) ! وهذا من خصائص علمهم التي لا يعلمها إلا العالمون!!
وليس أدل على نفي ما نسبه الأصوليون للمحدثين، من القول بإفادة خبر الواحد العدل العلم مطلقاً: من تغليط المحدثين--------------------------------------------
(1) رسالة أبي داود إلى أهل مكة (31ـ 32) .
(2) شرح العلل لابن رجب (1/339- 340) .
(3) انظر كتاب (مقاييس نقد متون السنة) للدكتور مسفر غرم الله الدميني، وكتاب (اهتمام المحدثين بنقد الحديث سنداً ومتناً) للدكتور محمد لقمان السلفي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
للثاقات، وتوهيمهم العدول، وقولهم بشذوذ ما صح سنده أحياناً، وبتعليل ما ظاهره الثبوت أخرى، وترجح أحج المتعارضين من الأحاديث المقبولة كذلك! كل ذلك يكذب ما نسب إليهم، ويدفع ما ألصق عليهم!!!
وهذا كله حق واضح، وقول ناصح، بحمد الله تعالى. لذلك فمن قلة الإنصاف إطلاق الأصوليين القول: ((بعدم إفادة خبر الواحد العدل العلم)) ، وإن جاء بعد ذلك تقييد هذا الأطلاق بصفقة: غير المحف بالقرائن الشاهدة على صدقه!
فأولاً: لأن ذلك الحكم يوهم أنه هو الأصل الغالب في صحيح الأخبار، وليس كذلك بحمد الله تعالى. فالغالب في روايات العدول، عند المحدثين، الثبوت والصحة، بالقرائن الشاهدة على صدق خبرهم المشروحة سابقاً.
وأخيراً: لأن استثناء الأصوليين من ذلك الحكم العام: ما احتفت به القرائن، جاء وكأنه استثناء منقطع!! بدليل اعراضهم على المحدثين استفادتهم العلم بتلك القرائن من خبر الواحد العدل!!!
وثالثاً: حجة في العقائد والأحكام، عند السلف كلهم، وفيهم المحدثون.
وخالف في ذلك كثير من الأصوليين، من الأشاعرة والماتريدية، فقالوا: هو حجة في الفروع دون الأصول.
فأول ما يقال لهم: ومن فرق بين الأصول والفروع قبلكم؟! ومن إلى هذه البدعة سبقكم؟! وما ضابط الأصول والفروع عندكم؟!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة النبوية) على لسان أهل السنة والجماعة: ((قالوا: والفرق بين مسائل الأصول والفروع إنما هو من أقوال أهل البدع من أهل الكلام من المعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم، وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا بذلك في أصول الفقه، ولم يعرفوا حقيقة هذا القول ولا غوره.
قالوا: والفرق في ذلك بين مسائل الأصول والفروع كما أنه بدعة محدثة في الإسلام، لم يدل عليها كتاب ولا سنة ولا إجماع، بل ولا قالها أحد من السلف والأئمة = فهي باطلة عقلاً … )) (1) ـ ثم أطال في رد ذلك ونقضه.
ولابن قيم الجوزية فصل بديع في هذا المعنى، عقده في كتابه (الصواعق المرسلة) (2) ، حتم على كل مبتغٍ للحق في هذه المسألة أن يقرأه ويتدبره.
فإذا احتج المخالف للسلف بخبر الواحد العدل غير المفيد للعلم في الأحكام دون العقائد، بناءً على التفريق بينهما، ثم تبين له أن هذا التفريق باطل، فلا فرق أصلاً، ولا ظابط له = استلزم ذلك احتجاجه بخبر الواحد العدل مطلقاً، في الأصول والفروع! خاصةً وأن مآل الأحكام العملية عقائد علمية، بتضمن الحكم خبراً عن الله تعالى: أن هذا الفعل يرضيه، وأن ذلك يسخطه (3) .
وثاني ما يقال لهم: إن الإجماع من الصحابة والتابعين وتابعيهم منعقد على وجوب الأخذ بخبر الواحد العدل مطلقاً، في العقائد والأحكام، ولم يكونوا يوجبون في أحاديث العقائد إلا--------------------------------------------
(1) منهاج السنة النبوية لابن تيمية (5/87- 88 فما بعدها) .
(2) مختصر الصواعق المرسلة (563 - 570) .
(3) انظر المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
ما يوجبونه في أحاديث الأحكام من التثبت والتحري.
قال ابن عبد البر (أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد النمري الأندلسي، المتوفى سنة 463هـ) في كتابه (التمهيد) : ((والذي نقول به: إنه (يعني: خبر الواحد) يوجب العمل دون العلم، كشهادة الشاهدين والأربعة سواء. وعلى ذلك أكثر أهل الفقه والأثر، وكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعاً وديناً في معتقده، على ذلك جميع أهل السنة ولهم في الأحكام ما ذكرنا)) (1) .
وقال ابن قيم الجوزية في رده على من لم يحتج بخبر الآحاد في العقائد، في كتابه (الصواعق المرسلة) ، قال: ((وأما المقام الثامن: وهو انعقاد الإجماع المعلوم المتيقن على قبول هذه الأحاديث، وإثبات صفات الرب تعالى بها. فهذا لا يشك فيه من له أقل خبرةٍ بالمنقول؛ فإن الصحابة هم الذين رووا هذه الأحاديث، وتلقاها
بعضهم عن بعض بالقبول، ولم ينكرها أحد منهم على من رواها، ثم تلقها عنهم جميع التابعين، من أولهم إلى آخرهم … )) (2) .
إذن: فانعقد الإجماع، وانسد الباب، وقيل الحمد لله رب العالمين!
ورابعاً: أن كثيراً من مصطلحات هذا الباب مصطلحات غريبة على علوم الحديث، لا يعرفها سلف المحدثين، ولا يرضاها متقدموهم. كما سبق في التقسيم ذاته إلى (متواتر) و (آحاد) ، من أن أهل الحديث لم يكونوا قائليه ولا قابليه.--------------------------------------------
(1) التمهيد لابن عبد البر (1/8) ، والنظر (ص 202- 203) .
(2) مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم (577) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
فبالأحرى أن يكون ما تفرع عن هذا التقسيم، ن حكم كل قسم ٍ (مثلاً) ، غير داخلٍ في مصطلح القوم، ولا بالذي يرضونه.
ومن هذه المصطلحات: (العلم: الضروري، والنظري) ، و (الظن الموجب للعمل دون العلم) = فهي علم غريب وألقاب متطفلة على علوم الحديث ومصطلحه.
سال أبو بكر المروذي (أحمد بن محمد بن الحجاج، المتوفى سنة 275هـ) الإمام أحمد، قائلاً: ((ها هنا إنسان يقول: إن الخبر يوجب عملاً ولا يوجب علماً؟ قال: فعابه، وقال: ما أدري ما هذا؟!!)) (1) .
بعدم الرضى الصريح هذا يجيب إمام أهل الحديث ومقدمهم على هذه الألقاب الدخيلة.
وقد سبق أن المحدثين لا يجهلون أن (خبر الواحد) العدل بذاته لا يفيد اليقين، المستفاد مما احتفت به قرائن تقويه. لكن لما كان (خبر الواحد) العدل عند المحدثين حجة توجب الالتزام بطلبه وتصديق خبره مطلقاً، لم يروا هناك حاجةً إلى تلك الألقاب والتقسيمات، لأنه لا فائدة منها ولا طائل تحتها!
وبعد أن لم يكن لتلك الألقاب وتقسيمها معنى، انظاف إلى ذلك أنها ألقاب سوء وأسماء شؤم على السنة النبوية! فكيف يقال عن الحجة الملزمة: (ظن) ؟! وما العمل الذي يوجبه ما لا يفيد حتى العلم به؟!!!
وأضف إلى ذلك أن هذه الألقاب صدرت أول ما صدرت عن موردٍ مسموم، ونبعها مستنقع وخيم. فإنما خرجت (أولاً)--------------------------------------------
(1) العدة في أصول الفقه للقاضي أبي يعلى الحنبلي (3/899) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
من فم جهمي، أو شفتي فيلسوف دهري. فما هي إلا نفثات ساحرٍ أثيم، أو فحيح ثعبان أرقم، أو وسوسة شيطان مارد= فمن يصغي لهؤلاء؟! أم من يقترب منهم؟!!
ومن زعم أن الإمام الشافعي يقول: إن (خبر الواحد) العدل يفيد الظن الموجب للعمل دون العلم، فقد أخطأ عليه خطأ بيناً!!
وسوف نقف مع الإمام الشافعي من هذه المسألة قريباً إن شاء الله تعالى.
أما الإمام أحمد الذي نقلنا عنه إنكاره لتلك الألقاب، فيقول: ((إذا كان الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحاً ونقله الثقات فهو سنة، ويجب العمل به على من عقله وبلغه، ولا يلتفت إلى غيره من رأي ولا قياس)) (1) .
وقال أيضاً: ((خبر الواحد صحيح إذا كان غسناده صحيحاً)) (2) .
وقال أيضاً: ((من الناس من يحتج في رد خبر الواحد: بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقنع بقول ذي اليدين، وليس هذا شبيه ذاك، ذو اليدين أخبر بخلاف يقينه (أي: يقين النبي صلى الله عليه وسلم . ونحن ليس عندنا علم نرده، وإنما هو علم يأتينا به)) (3) .
انظر إلى أدب العبارة، وتعظيم الأثر، وشدة التسنن؛ في قوله عن (خبر الواحد) العدل: (سنة) ، و (صحيح) ، بل و (علم) ! أين هذا من قولهم: ظن يوجب عملاً ولا يوجب علماً؟!!--------------------------------------------
(1) العدة في أصول الفقه لأبي يعلى (3/859) .
(2) العدة في أصول الفقه لأبي يعلى (3/859) .
(3) العدة في أصول الفقه لأبي يعلى (3/860) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
ولا تقل: الخلاف لفظي!
أولاً: لأنه ليس كل خلاف لفظي أمراً هيناً. فإن كان في هذا الخلاف اللفظي تعظيم للسنة وحفاظ على حرمتها، أو عدم تعظيم لها ولا حفاظ على حرمتها؛ فهل يكون الأمر هيناً؟!
وثانياً: أن قولهم بأن (خبر الواحد) العدل ظني الثبوت، مهد لهم هذا اللفظ السيء أن هذا الخبر لا يثبت اليقينيات (العقائد) ! فالخلاف من هذا الوجه ليس لفظياً، بل هو حقيقي معنوي (1) !!
أما الإمام الشافعي ودعوى قوله بإفادة (خبر الواحد) العدل للظن دون العلم، فغير صحيح عنه، بل هو خطأ بين عليه.
وقد تعرض الإمام الشافعي لهذه المسألة في مواطن من كتبه، فسأنقلها لك، لنعرف حكم الشافعي وقوله فيها.
قال الإمام الشافعي في (الرسالة) : ((فإن قال قائل: هل يفترق معنى قولك (حجة) ؟
قيل له إن شاء الله: نعم.
فإن قال: أبن لي؟
قلنا: أما ما كان نص كتابٍ بين أو سنةٍ مجتمع عليها فالعذر فيها مقطوع، ولا يسع الشك في واحد منها، ومن امتنع من قبوله استتيب.
فأما ما كان من سنةٍ من خبر الخاصة، الذي قد يختلف الخبر فيه، فيكون الخبر محتملاً للتأويل، وجاء الخبر فيه من--------------------------------------------
(1) انظر البحر المحيط للزركشي (4/266) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
طريق الانفراد= فالحجة فيه عندي أن يلزم العالمين، حتى لا يكون لهم رد ما كان منصوصاً منه، كما يلزمهم أن يقبلوا شهادة العدول، لا أن ذلك إحاطة كما يكون نص الكتاب وخبر العامة عن رسول الله.
ولو شك في هذا شاك لم نقل له: تب، وقلنا: ليس لك ـ إن كنت عالماً ـ أن تشك، كما ليس لك إلا أن تقضي بشهادة الشهود العدول، وإن أمكن فيهم الغلط، ولكن تقضي بذلك على الظاهر من صدقهم، والله ولي ما غاب عنك منهم)) (1) .
هذا أول تلك المواطن، وأقواها تمسكاً لمن نسب إلى الشافعي غير مراده.
لكني أكمله بنقل آخر، ثم نتبعهما بالبيان.
قال الإمام الشافعي في (الرسالة) أيضاً: ((العلم من وجوه: منه إحاطة في الظاهر والباطن، ومنه حق في الظاهر.
فالإحاطة منه: ما كان نص حكم الله أو سنةٍ لرسول الله نقلها العامة عن العامة. فهذان السبيلان اللذان يشهد بهما فيما أحل أنه حلال، وفيما حرم أنه حرام. وهذا الذي لا يسع عندنا جهله ولا الشك فيه.
وعلم الخاصة سنةً من خبر الخاصة، يعرفها العلماء، ولم يكلفها غيرهم، وهي موجودة فيهم أو في بعضهم، بصدق الخاص المخبر عن رسول الله بها. وهذا اللازم لأهل العلم أن يصيروا إليه، وهو الحق في الظاهر. كما نقتل بشاهدين، وذلك حق في الظاهر، وقد يمكن في الشاهدين الغلط)) (2) .--------------------------------------------
(1) الرسالة للشافعي (ص 460- 461 رقم 1256- 1261) .
(2) الرسالة للشافعي (ص 478- 479 رقم 1328- 1330) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)