المبحث الثاني: مثال تأثر علوم السنة بأصول الفقه من خلال نافذتها الأولى، وهي: ما درسته كتب أصول الفقه من علوم السنة:
إن من أول ما يبدأ به الأصولين باب (السنة) ، هو تقسيم الأخبار إلى قسمين: (متواتر) و (آحاد) ، والكلام عن إفادة كل قسم ٍ منها، وحكم العمل بخبرهما.
ثم وجدنا هذا التقسيم ذاته، والكلام نفسه، في كتب علوم الحديث. بدءأً بـ (الكفاية) للخطيب البغدادي (ت 463هـ) ، وانتهاءً بالمصنفات المعاصرة في علوم الحديث.
والخطيب البغدادي عندما تكلم عن هذا التقسيم وأحكامه لم ينسب ما ذكره من ذلك إلى أهل الحديث، بل كلامه واضح أنه نقل عن كتب أصول الفقه!
حتى قال ابن الصلاح (أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري، المتوفي سنة 643هـ) في كتابه: (معرفة أنواع علم الحديث) : ((ومن المشهور: المتواتر، الذي يذكره أهل الفقه وأصوله، وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص، وإن كان الخطيب قد ذكره، ففي كلامه ما يشعر بأنه اتبع فيه غير أهل الحديث. ولعل ذلك لكونه لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
تشمله صناعتهم، ولا يكاد يوجد في رواياتهم)) (1) .
بل قال ابن أبي الدم الشافعي (إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم الهمداني الحموي، المتوفي سنة 642هـ) : ((اعلم أن الخبر المتواتر: إنما ذكره الأصوليون دون المحدثين، خلا الخطيب أبا بكر البغدادي، فإنه ذكره تباعاً للمذكورين. وإنما لم يذكره المحدثون لأنه لا يكاد يوجد في روايتهم، ولا يدخل في صناعتهم)) (2)
وقد اعترض على ابن الصلاح، بما نقله الحافظ زين الدين العراقي (عبد الرحيم بن الحسين، المتوفى سنة 806هـ) في (التقييد والإيضاح) ، حيث قال: ((وقد اعترض عليه بأنه قد ذكره: أبو عبد الله الحاكم، وأبو محمد ابن حزم، وأبو عمر ابن عبد البر، وغيرهم من أهل الحديث.
والجواب عن المصنف: أنه إنما نفى عن أهل الحديث ذكره باسمه المشعر بمعناه الخاص، وهؤلاء المذكورون لم يقع في كلامهم التعبير عنه بما فسره به الأصوليون، وإنما يقع في كلامهم: أنه يتواتر عنه صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، أو أن الحديث الفلاني متواتر، وكقول ابن عبد البر في حديث المسح على الخفين: إنه استفاض وتواتر (3) . وقد يريدون بالتواتر: الاشتهار، لا المعنى الذي فسره به الأصوليون)) (4) .
وذكر الإمام البلقيني (سراج الدين أبو حفص عمر بن رسلان الكناني المصري الشافعي، المتوفى سنة 805هـ) في كتابه--------------------------------------------
(1) علوم الحديث لابن الصلاح (267) .
(2) لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة للزبيدي (17) .
(3) انظر التمهيد لابن عبد البر (11 /137) .
(4) التقييد والإيضاح للعراقي (266) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
(محاسن الاصطلاح) هذا الاعتراض الذي ذكره العراقي، فقال: ((فائدة: لا يقال: فقد ذكره الحاكم وكتابه مشحون به، وابن خحزم في المحلى. لأنا نقول: ليس ما ذكراه على الشرط المذكور، إن صح النقل عنهما. ولكن قد يوجد معنى التواتر في الأمور المقطوع بها، وإن كان الإسناد بالتحديث ونحوه يعسر فيه ذلك)) (1) .
قلت: ويجاب أيضاً عن هذا الاعتراض:
أما عن دعوى ذكر الحاكم لـ (المتواتر) : فدعوى غير صحيحة. فإنه لم يذكره في (معرفة علوم الحديث) في نوع من أنواع علومه، ولم يعرض له ببيانه أو ذكره بالمعنى المتعارف عليه عند الأصوليين. إنما كان يرد في
كلامه لفظ (التواتر) واشتقاقات هذا اللفظ على المعنى اللغوي للكلمة، كما يتضح من سياق كلامه الذثي ورد فيه ذلك اللفظ (2) .
ومثل هذا الاستخدام لكلمة (المتواتر) ، على المعنى اللغوي، يرد أيضاً في كلام من قبل الحاكم؛ كأبي جعفر الطحاوي (أحمد بن محمد بن سلامه المصري الحنفي، المتوفى سنة 321هـ) (3) ، وقبلهما وجدته في كلام الإمام البخاري (4) ، والإمام مسلم (5) ، وغيرهم.--------------------------------------------
(1) محاسن الاصطلاح للبلقيني (453) .
(2) انظر معرفة علوم الحديث للحاكم (50، 162، 188) ، والمدخل إلى الإكليل له (40) ، والمستدرك له أيضاً (3 / 437) .
(3) انظر شرح معاني الآثار للطحاوي (1 /83، 135، 175، 230، 389، 474) (2 /6) ، وبيان مشكل الآثار (3 / 178) (8 / 95) (9/ 37) (12/ 316) .
(4) القراءة خلف الإمام للبخاري (ص 10) . وقد أشار إلي بمراجعته فضيلة الشيخ سعد الحميد.
(5) التمييز للإمام مسلم (181) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
وأما ابن حزم وابن عبد البر: فكلاهما من علماء القرن الخامس، مثل الخطيب البغدادي. فلا يصح التعقب بهما على ابن الصلاح، لأنه لا دليل على سبقهما للخطيب في ذلك. وإن سبقاه فلا فائدة من ذلك، لأن مقصود ابن الصلاح أن (المتواتر) ليس من مصطلحات سلف المحدثين.
ثم إن ابن حزم إنما ذكر (المتواتر) في (الإحكام في أصول الأحكام) (1) ، وهو كتاب في (أصول الفقه) لا في (علوم الحديث) . وابن الصلاح إنما ذكر أن الخطيب أول من أدخل هذا التقسيم في (علوم الحديث) ، فلا تعقب عليه من هذا الوجه أيضاً.
ونحوه ابن عبد البر، إذ ليس له كتاب مفرد في (علوم الحديث 9 أصلاً!
فثبت بهذا أن من أوائل من أدخل هذا التقسيم في علوم الحديث هو الخطيب البغدادي!! ولا داعي للمشاحة في هذا القدر الثابت.
وقد نص الأئمة كما رأيت: أن الخطيب أخذ هذا التقسيم من كتب (أصول الفقه) ، وأنه تبع للأصوليين في ذلك.
أما من جاء بعد الخطيب، ممن صنف في علوم الحديث، فلا يكاد يخلو كتاب من ذكر هذا التقسيم (2)
وزادوا على الخطيب في التأثير بأصول الفقه، كما يأتي بيانه.
فهذا أبو عمرو ابن الصلاح، مع أنه نص على أن--------------------------------------------
(1) الإحكام لابن حزم (1 /- 108) .
(2) من الكتب التي خلت من هذا التقسيم: كتاب (الاقتراح) لابن دقيق العيد، و (الموقظة) للذهبي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
الخطيب أول من ذكر هذا التقسيم في علوم الحديث، إلا أنه أضاف إلى اتباعه الخطيب في ذلك أشياء:
أولاً: قال: ((وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص)) ، مما يشعر بأن لفظ (المتواتر) هو الذي لم يذكره أهل الحديث، وإن كان اعتبار معنى هذا اللفظ، بتقسيم الأخبار على أساسه، معروفاً عند المحدثين؛ هذا مفهوم عبارة ابن الصلاح.
وعلى هذا المفهوم جاء دفاع العراقي عن كلام ابن الصلاح، حيث قال ـ كما تقدم ـ: ((والجواب عن المصنف: أنه إنما نفى عن أهل الحديث ذكره باسمه المشعر بمعناه الخاص)) .
وهذا من ابن الصلاح والعراقي زيادة في تعميق أثر أصول الفقه على علوم الحديث، في هذه المسألة.
وثانياً: اضطراب عبارة ابن الصلاح في التعبير عن وجود مثالٍ لـ (المتواتر) بشروطه عند الأصوليين، مما يدل على احترامه البالغ لذلك التقسيم، وعدم احتمال رفضه عنده، وإن خرج عن علوم الحديث وصناعة المحدثين!
فانظر إليه وهو يقول ـ معبراً عن سبب عدم ذكر المحدثين لـ (المتواتر) ـ: ((ولعل ذلك لكونه لا تشمله صناعتهم، ولا يكاد يوجد في رواياتهم)) ، ثم يقول بعد ذكر شروط (المتواتر) : ((ومن سئل عن إبراز مثالٍ لذلك فيما يروى من الحديث أعياه تطلبه)) ، ثم يقول أخيراً: ((نعم، حديث: ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) نراه مثالاً لذلك)) (1)--------------------------------------------
(1) علوم الحديث لابن الصلاح (267 - 269) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
فانظر إلى هذا التردد، واضطراب العبارات، وهي في موطنٍ واحد!!
وثالثاً: أن ابن الصلاح بعد ذكره لبعد صورة (المتواتر) عن واقع الروايات الحديثية، حاول أن يضرب لـ (المتواتر) مثالاً! فجاءت عبارته في مطابقة المثل لـ (المتواتر) ضعيفة الثقة بذلك، فانظر إليه وهو يقول: ((نراه مثالاً لذلك)) .
أما قول ابن الصلاح بعد ذكره للحديث: ((ولا يعرف حديث يروى عن أكثر من ستين نفساً من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا هذا الحديث الواحد. وبلغ بهم بعض أهل الحديث أكثر من هذا العدد، وفي بعض ذلك عدد التواتر. ثم لم يزل عدد رواته في ازدياد،
وهلم جراً على التوالي والاستمرار)) (1)
أما هذه العبارة، فهي أيضاً تشهد على أن ابن الصلاح لا يرى هذا المثل مطابقاً لـ (المتواتر) المعروف عند الأصوليين. فهو إنما طابق بين مثله و (المتواتر) من جهة العدد الكثير المشترط في (المتواتر) فقط، دون باقي شروطه، فهو يقول: ((وفي بعض ذلك عدد التواتر)) . ولم يجزم ولا بعبارة واحدة بأن لـ (المتواتر) مثالاً واقعياً من الأحاديث النبوية، اجتمعت في هذا المثل شروط (المتواتر) جميعها.
ولا يخفى أن حديث ((من كذب علي..)) ، ولو رواه مائة من الصحابة، إلا أن الأسانيد إلى كل واحدٍ من--------------------------------------------
(1) المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
هؤلاء الصحابة داخلة في خبر الآحاد، لأنها فقد شرط (استحالة التواطؤ على الكذب) عند الأصوليين
ولا يستطيع أحد أن يزعم أن حديث ((من كذب علي..)) : رواه جمع من الصحابة، وعن كل واحد من هؤلاء الصحابة رواه جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب …
وهكذا إلى آخر إسناده وفي جميع طبقاته، وأنه أفاد العلم بذلك؛ لا يستطيع أحد أن يزعم ذلك بدليله أبداً (1) وهذه هي صورة (المتواتر) المفيدة للعلم، لا غير. فكيف يكون حديث ((من كذب علي … )) بعد ذلك مثالاً للحديث (المتواتر)
بزعمهم؟
ولذلك تردد ابن الصلاح ذلك التردد
لكنه بهذا المثال، الذي ذكره، فتح المجال لغيره، للتمثيل بنحو مثاله وللاعتراض عليه بكثرة (المتواتر) بعد ذلك
بل بلغ الاعتراض على ابن الصلاح قمة التأثر بأصول الفقه، عندما زعم ذلك المعترض، الذي نقلنا سابقاً رد العراقي والبلقيني عليه، أن (المتواتر) بشروطه ومعناه واسمه عند الأصوليين، من مصطلحات المحدثين أيضاً، ومن استخداماتهم
في ألقاب علمهم
وسوف نعود في موضع لاحق ـ إن شاء الله تعالى (2) ـ إلى زيادة بيان تدرج هذا التقسيم (إلى متواتر وآحاد) في كتب علوم الحديث، وكيف أنه أصبح عند المتأخرين من أعظم ملامح أصول الحديث ومن أشهر تقسيماته
فإذا أردنا العودة إلى بدايات نشوء هذا التقسيم، وإلى معرفة موقف أئمة أهل الحديث منه = أقول:
أما أول من قسم الأخبار النبوية إلى مفيدٍ للعلم ومفيدٍ--------------------------------------------
(1) انظر لقط اللآلىء المتناثرة لر لزبيدي (ص 22) .
(2) انظر (ص 123 - 127) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
للظن، فقد وقفت على نص لا حد الائمة، يذكر فيه اول من ابتدع هذا التقسيم
فيقول الا ما م النا قد عثمان بن سعيد الدار مي (ت 280هـ) ،
في رده على بشير بن غياث المريسي الجهمي (ت 218هـ) :
((وادعيت أيضاً في دفع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحكةً لم يسبقك إلى مثلها عاقل من الأمة ولا جاهل فزعمت أنه لا تقوم الحجة من الآثار الصحيحة التي تروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا كل حديثٍ لو حلف رجل بطلاق امرأته أنه كذل لم تطلق امرأته (1) .
ثم قلت: ولو حلف رجل بهذه على حديثٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح عنه أنه كذب، ما طلقت امرأته (2) .
فيقال لهذا المعارض الناقض على نفسه: قد أبطلت بدعواك هذه جميع الآثار التي تروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما احتججت منها لظلالك، وما لم تحتج، ولو كنت ممن يلتفت إلى تأويله. لقد سننت للناس سنةً، وحددت لهم في الأخبار حداً، لم يستفيدوا مثلها من أحدٍ من العالمين قبلك. وأوجبت على كل مختارٍ من الأئمة ـ في دعواك ـ أن لا يختار منها شيئاً حتى يبدأ باليمين بطلاق امرأته، فيحلف أن هذا الحديث صدق أو كذب ألبته. فإن كان شيئاً طلقت به امرأته استعمله، وإن لم تطلق تركه.
ويلك إن العلماء لم يزالوا يختارون هذه الآثار--------------------------------------------
(1) كذا العبارة في المصدر، وأحسبها محرفة عن: ((إلا كل حديث لو حلف رجل بطلاق امرأته أنه] غير [كذب ٍ لم تطلق امرأته)) لأن المريسي يتكلم هنا عن الحديث المفيد للعلم عنده.
(2) كلام المريسي في هذه الجملة عن (خبر الآحاد) المفيد للظن عنده، ولذلك لا تطلق امرأته من حلف على أنه كذب، للشك في ثبوته، ولاحتمال صدق يمينه بأنه كذب، كما يزعم المريسي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
ويستعملونها، وهم يعلمون أنه لا يجوز لأحدٍ منهم أن يحلف على أصحها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ألبته، وعلى أضعفها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقله ألبته (1) . ولكنهم كانوا لا يألون الجهد في اختيار الأحفظ منها، والأمثل فالأمثل من رواتها في أنفسهم. ويرون أن الأيمان التي ألزمتهم فيها بطلاق نسائهم مرفوعة عنهم؛ حتى ابتدعتها أنت، من غير أن يسبقك إليها مسلم أو كافر.
ففي دعواك يجب على القضاة والحكام أن لا يحكموا بشهادة العدول منهم، إلا بشيءٍ يمكن القاضي أن يحلف عليه بطلاق امرأته أن الشاهد به قد صدق، أو أنه إن حلف عليها بطلاق امرأته أنه كذب لم تطلق امرأته
ويحكمن سبقك إلى هذا التأويل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، في اتباع الروايات واختيار ما يجب منها؟ إنما يجب على القاضي أن يفحص عن اشهود ويحتاط: فمن عدل منهم حكم بشهادته، وإن كان كاذباً في شهادته في علم الله بعد، ما لم يطلع القاضي منه على ذلك. وترد شهادة المجروح، وإن كان صادقاً في شهادته في علم الله بعد، ما لم يطلع القاضي على صدقه.
وكذلك المذهب في استعمال هذه الآثار وقبولها من رواتها، لا ما تأولت فيها، من هذه السخرية بنفسك والضحك (2) )) (3)--------------------------------------------
(1) عدم جواز الحلف بذلك، لا لعدم الجزم بصدق أصحها أو بكذب اضعفها، ولكن لأن التكليف بهذا اليمين بدعة لم يأمر بها الشرع، ولا عمل بها الصحابة، ولا تابعوهم، ولا أحد أئمة الدين كما صرح بذلك الدارمي فيما يأتي من كلامه.
(2) ليس منى هذا الكلام للدرامي، أنه يرى بأن (خبر الواحد يوجب العمل، مع إفادته الظن. كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى (ص 156 ـ 157) .
(3) رد الدارمي على بشر المريسي (ص 138 - 139) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
وهكذا يظهر أن هذا التقسيم للأحاديث إلى (متواتر) و (آحاد) ، إنما نشأ من فكرٍ أثيم، وعقليةٍ فاسدة، وبيد البدعة، وعلى عين أعداء السنة، الذين لا يسعون إلا لرفض السنن، واستعباد الناس لفلسفة اليونان، بدلاً من دين الرحمن.
ومن هذا يظهر أيضاً: أن هذا التقسيم إنما نشأ في آخر القرن الهجري الثاني وأوائل القرن الثالث، على يد بشر المريسي ومن على شاكلته من جهمية ومعتزلة.
وبذلك نفسر عدم استخدام المحدثين لهذا التقسيم وألقابه في القرن الثالث فما قبله، ونعرف سبب ذلك. أما ما قبل القرن الثالث، أعني غالب القرن الثاني فما قبله، فلأن هذا التقسيم لم يكن قد وجد أصلاً، لا عند أهل السنة ولا عند غيرهم. وأما في القرن الثالث، فلأن منشأ هذا التقسيم ومصدره هم الجهمية ومن شابههم، والعداء بين أهل السنة وهؤلاء، وبين علوم السنة وعلوم أولئك = كان بالغاً الغاية، محتدماً، لا مجال خلاله للتأثر بأي شيءٍ من جانب العدو، ولو كان أمراً شكلياً لا علاقة له بالمضمون (اقول: لو كان)
وقد سبق شرح هذا التنافر وأثره في الحفاظ على علوم السنة (1) .
ومن أجل ذلك بدأ الجدال وحميت المناظرات، من أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث إلى ما بعد ذل، حول مسألة حجية (خبر الآحاد) . حيث إن ذلك التقسيم أول ما نشأ كان يصرح بد (خبر الآحاد) بالكلية، وعدم قبول شيءٍ من الأخبار إلا ما اسماه بـ (المتواتر) .--------------------------------------------
(1) انظر (ص 70 - 71) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
ثم إن هذا التقسيم بقي عند أهل الكلام على ما هو عليه، وإن كانت أحكام أقسامه بدأت بالتأثر بأحكام أهل السنة، خلال القرن الثالث، وأوائل الرابع (1) . ولو قدر بقاء عوامل قوة علوم السنة، كما كانت عليه، لرجونا زوال
ذلك التقسيم بالكلية!!
لكن مع ظهور المذاهب الكلابية، من أشعريةٍ وما تريدية، وما كانت تكسبه بالرد على المعتزلة وغيرهم ـ مما سبق شرحه ـ من مؤهلات الاندساس في صفوف المدافعين عن السنة. مع ما انظم إلى ذل، من ضعف تلقي علوم السنة = بدأ ذلك التقسيم بالثبات والرسوخ، بعد أن أخذ مظهراً آخر، اقرب إلى مذهب المحدثين من مذهب اصحابه الحقيقيين الذين كانوا أول من ابتدعه، من جهمية ومعتزلة. ذلك القرب إلى مذهب المحدثين، ينحصر في حكم خبر الواحد، وهو الحكم المشهور: أنه يفيد الظن الموجب للعمل، ولا يحتج به في العقائد. وهذا القرب في هذه الجزئية، كان بذاته أحد عوامل ثبات ورسوخ فكرة ذلك التقسيم مع أحكام أقسامه، عبر العصور التالية للقرن الرابع الهجري.
والأعجب من ذلك كله، هو أن تلك المناظرات والمجادلات المشار إليها آنفاً، التي ابتدأت من أواخر القرن الثاني، بين أهل السنة وغيرهم من أصحاب ذلك التقسيم، حول حجية خبر الواحد = أصبحت فيما بعد حجةً من حجج صحة ذلك التقسيم عند القائلين به، معتبرين تلك المناظرات دليلاً على--------------------------------------------
(1) يظهر ذل من مذهب أبي علي الجبائي (محمد بن عبد الوهاب البصري، المتوفى سنة 303هـ) أحد ائمة المعتزلة، الذي ذهب إلى قبول خبر الآحاد، إلا الحديث الفرد الذي لا يرويه إلا واحد، فهذا هو الذي يرده من أخبار الآحاد.
انظر المعتمد لأبي الحسين البصري (2 /138) ، والبرهان للجويني (1 /607) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
أن أهل الحديث كانوا يعترفون بذلك التقسيم، بدليل اعتنائهم بذكر حجية خبر الواحد!!! إذ جعلوا مجرد ذكر (خبر الآحاد) إثباتاً لمقابله عندهم، وهو (الخبر المتواتر) !!!
ولذلك فإني مضطر إلى الوقوف وقفةً طويلةً، مع أجل تلك المناظرات وأقدمها، ومع أحد أقوى حجج أولئك فيما ذهبوا إليه. تلكم هي مناظرات الإمام الشافعي حول القضية، في كتبه الأصولية، كـ (الرسالة) و (جماع العلم) (1) .
فقد عقد الإمام الشافعي في كتابه (الرسالة) فصلاً كبيراً، جاء في أوله سؤال لسائل عن حجية (خبر الواحد) . فبدأ الإمام الشافعي مع هذا السائل مناظرةً طويلةً جداً، عن هذه القضية وما له علاقة بها (2) .
وأما كتاب (جماع العلم) ، فغالبه يحكي مناظراتٍ للشافعي حول حجية (خبر الواحد) .
وسنقف مع كلام الإمام الشافعي في مواطنه المتفرقة، مقسمين وقفنا على قسمين: الأول: إثبات أن الإمام الشافعي لم يقسم الأخبار إلى (متواتر) و (آحاد) ، مع بيان التقسيم الذي كان يرضاه الإمام الشافعي. والثاني: حكم (خبر الآحاد) عند أهل الحديث، وفيهم الإمام الشافعي.
ولإثبات أن الإمام الشافعي لم يقسم الأخبار تقسيم أهل الكلام إلى (متواتر) و (آحاد) ، ولبيان التقسيم الذي ورد--------------------------------------------
(1) ولا يفوتني هنا التنويه بالكتاب الذي قعده الإمام البخاري في صحيحه حول هذه القضية، وهو (كتاب: أخبار الآحاد) = صحيح البخاري (13 /244 - 246) .
(2) انظر الرسالة للشافعي (ص 369 - 471من رقم 998 إلى رقم 1308) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
في كلامه على أنه التقسيم الذي يرضاه، هو والمحدثون من أهل القرن الثالث فما قبله = أقول لإثبات وبيان ذلك:
أولاً: إن الإمام الشافعي لم يصرح بذلك التقسيم، وعندي أنه لم يلمح إليه أيضاً ولم يرضه، كما سأثبته لك من بعد. أما أنه ذكر خبر الواحد، أو كما يسميه هو بـ (خبر الخاصة) في كتابه (الرسالة) ، لا بلفظه، ولا بمعناه.
أما أنه لم يذكره بلفظه، فهذا قد يظنه بعضهم أمراً هيناً. وليس بهين، كما سيأتي بيانه عند كلامنا عما جاء في (جماع العلم) للشافعي (1) .
وأما أنه لم يذكره بمعناه، فهذا هو التالي:
وثانياً: أن افمام الشافعي لم يتفوه بما يذكره الأصوليون في تعريفهم للحديث المتواتر، بذكر شروطه المعلومة عندهم؛ فمن أين لمن نسب للشافعي ذلك التقسيم دليل نسبته إليه بعد ذلك؟!
إن كل ما حصل، هو أنهم نزلوا ألفاظاً أخرى للشافعي أطلقها على مايقابل (خبر الواحد) منزلة (المتواتر) عند الأصوليين. وهذا يكون له وجه، لو أن الشافعي بين من معاني تلك الألفاظ ما يوافق معنى (المتواتر) عند الأصوليين؛ لكن الشافعي لم يفعل ذلك! أما استنباط أنه أراد بتلك الألفاظ معنى (المتواتر) من ذكرها في مقابل (خبر الخاصة) ، فلا وجه له، لما تقدم بيانه آنفاً.--------------------------------------------
(1) انظر (ص 106 - 108) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
وثالثاً: أما الألفاظ التي ذكرها الإمام الشافعي فيما يقابل (خبر الواحد) ، فهي: (السنة المجتمع عليها) ، و (خبر العامة عن العامة) (1) . وما عبارتان بمعنى واحدٍ، يطلقهما الإمام الشافعي في مقابل (خبر الخاصة) .
فهل يلزم من هذه الألفاظ أنها تعني (المتواتر) عند الأصوليين؟! هذه دعوى لا دليل عليها كما سبق.
ثم هذان اللفظان، بذاتهما، وبمعناهما اللغوي، يدلان على أن المراد منهما غير (المتواتر) عند الأصوليين. فإن معناهما هو: الأمر الذي أجمعت الأمة على نقله، مما لم يرد في كتاب الله، أمةً بعد أمة، لا يختلف في الإجماع به اثنان؛ مثل: أن صلاة الظهر أربع. وهذا أمر فوق (متواتر الأصوليين) ، أو هو أعلى أنواعه عندهم. لأن من (المتواتر) ما قد يخفى على الخاصة، فضلاً عن العامة؛ يخفى العلم به، فضلاً عن العلم بتواتره. كما تجده في أمثلة (المتواتر) التي يذكرونها، وكما في كتب (الأحاديث المتواترة) (2) .
والذي نخرج به من هذا، أن ما يقابل (خبر الآحاد) عند الشافعي، من تلك الألفاظ التي استخدمها فيما يقابله = ليس هو (المتواتر) عند الأصوليين بكل ما يحويه معناه عندهم. لأن ـ وانتبه لما بعد لأن ـ الذي يقابل (السنة المجتمع عليها) و (خبر العامة عن العامة) ليس هو (خبر الآحاد) وحده، بل هو (خبر الآحاد) وبعض من (المتواتر) أو (المتواتر) جله!!!--------------------------------------------
(1) انظر الرسالة للشافعي (رقم 1259 -1329) ، وجماع العلم له (رقم 169 - 172، 302) .
(2) انظر (ص 130، 135) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
نعم.. ولا تعجل بالرد من قبل أن يقضى إليك بالحجة!
لكن بعد أن نثبت لك معاني تلك الألفاظ التي ذكرها الشافعي فيما يقابل (خبر الآحاد) ، لا من دلالة الألفاظ نفسها (وهي كافية) كما سبق ذكره، بل من كلام الشافعي نفسه.
فقد بوب الإمام الشافعي في كتابه (جماع العلم) باباً بعنوان: (حكاية قول من رد خبر الخاصة) ، قال فيه بعد مقدمةٍ يسيرة، حاكياً مناظرته في ذلك: ((قال ـ يعني الشافعي ـ: فكانت جملة قولهم أن قالوا: لا يسع أحادً من الحكام ولا من المفتين أن يفتي ولا يحكم إلا من جهة (الإحاطة) (1) . و (الإحاطة) : كل ما علم أنه حق في الظاهر والباطن، يشهد به على الله. وذلك: الكتاب، والسنة والمجتمع عليها، وكل ما اجتمع الناس ولم يتفرقوا فيه. فالحكم كله واحد، يلزمنا أن لا نقبل منهم إلا ما قلنا؛ مثل: أن الظهر أربع. لن ذلك لا ينازع فيه، ولا دافع له من المسلمين، ولا يسع احداً يشك فيه.
(قال الشافعي:) قلت له: لست أحسبه يخفى عليك، ولا على أحدٍ حضرك، أنه لا يوجد في علم الخاصة ما يوجد في علم العامة.
قال: وكيف؟
(قال الشافعي:) قلت: علم العامة على ما وصفت، لا--------------------------------------------
(1) يعني بالإحاطة: أعلى درجات العلم واليقين. قال في تاج العروس ـ حوط ـ (19 / 221ـ 222) : ((ومن المجاز: كل من بلغ أقصى شيء، وأحصى علمه، فقد أحاط به علمه، وأحاط به علماً، وهذا مثل قولهم: فتله علماً. ويقال: علمه علم إحاطة، إذا علمه من جميع وجوهه ولم يفته منها شيء … ))
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
تلقى أحداً من المسلمين إلا وجدت علمه عنده، ولا يرد أحد شيئاً على أحدٍ فيه، كما وصفت في جمل الفرائض وعدد الصلوات وما أشبهها … )) (1) .
فهذا ـ كما ترى كلام صريح، فسر به الإمام الشافعي المقصود من (السنة المجتمع عليها) و (خبر العامة) الذي يقابل (خبر الآحاد) ؛ فإذا به ليس هو (المتواتر) ، بل هو معنى قسيم لمعنى (المتواتر) .
قال الإمام الشافعي في (جماع العلم) أيضاً: ((قلت: أفرأيت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأي شيءٍ تثبت؟
قال: أقول القول الأول الذي قاله لك صاحبنا.
فقلت له: ما هو؟
قال: زعم أنها تثبت من أحد ثلاثة وجوه.
قلت: فاذكر الأول منها؟
قال: (خبر العامة عن العامة) .
قلت: أكقولكم الأول، مثل أن الظهر أربع؟
قال: نعم.--------------------------------------------
(1) جماع العلم (ص 36 رقم 168 ـ 172) ن وانظر أيضاً (رقم 178ـ 179) ، وانظر كذلك الرسالة (رقم 1329) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
فقلت: هذا مما لا يخالك فيه أحد علمته. فما الوجه الثاني؟
قال: (تواتر الأخبار)
فقلت له: حدد لي (تواتر الأخبار) بأقل مما يثبت الخبر، واجعله له مثالاً، لنعلم ما يقول وتقول؟
قال: نعم، إذا وجدت هؤلاء النفر، للأربعة الذين جعلتهم مثالاً (1) ، يروون، فتتفق رواياتهم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم شيئاً أو أحل = استدللت على أنهم: بتباين بلدانهم، وأن كل واحدٍ منهم قبل العلم عن غير الذي قبله عنه صاحبه، وقبله عنه من أداه إلينا، ممن لم يقبل عن صاحبه = أن روايتهم إذا كانت هكذا تتفق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالغلط لا يمكن فيها … )) (2) .
إذن فهذا هو (المتواتر) بلفظه ومعناه عند الأصوليين، هو غير (خبر العامة) و (السنة المجتمع عليها) ، كما ينص عليه هذا النقل!!!
وأيضاً فهذا يعني أن الإمام الشافعي عندما ترك لفظ (المتواتر) أثناء كلامه في كتابه (الرسالة) عن خبر الواحد، لم يكن تركه إياه لأنه لم يكن معروفاً بهذا اللفظ عنده، ولا لأنه استبدله بما يرادف معناه (فهذا ما أبطلناه الآن) ؛ ولكن لأنه قسم لم يرض الإمام الشافعي تقسيم الخبار على اعتباره، كما في كلام خصمه الذي نقلناه هنا.
وإلا فلم هجر الإمام الشافعي هذا اللفظ ومعناه:--------------------------------------------
(1) هم: سعيد بن المسيب (المدني) ، وعطاء بن أبي رباح (المكي) ، وعلقمة النخعي (الكوفي) ، والحسن بن أبي الحسن (البصري) . انظر جماع العلم (رقم 282 ـ 285) .
(2) جامع العلم (ص 55 - 56 رقم 297- 309) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
(المتواتر) ؟! ولم أغلفه تماماً في كتابه (الرسالة) ؟!
وزيادة الاستدلال على ذلك، في التالي:
وخامساً: ومما يقطع بأن الإمام الشافعي لا يقول بقسم (المتواتر) قسماً من اقسام الأخبار، هو أنه كان يرد على الأصوليين شروطه التي اشترطوها له!!
فالإمام الشافعي لا يرى أن في شروط (المتواتر) المذكورة عند الأصوليين ما يفي باستحالة وقوع الغلط وباستحالة التواطؤ على الكذب، على أصولهم وعلى منهجهم في قبول الأخبار وردها.
وتنبه هنا غاية التنبه: أنه ليس معنى ذلك أن الشافعي لا يقول بإفادة (المتواتر) للعلم، بلى هو عنده مفيد للعلم!! ككثيرٍ من (أخبار الخاصة) غيره. لكن إفادتها
للعلم من جهةٍ غير الجهة التي يزعمها المتكلمون، كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى (1)
وهذه قاصمة الظهر!! أن يكون الإمام الشافعي لا يرى شروط الحديث (المتواتر) شروطاً صالحة لإفادة (العلم) ، فكيف يكون بعد ذلك ممن يقول بـ (التواتر) على تلك الشروط؟!!!
وهذا كله في بقية مناظرة الإمام الشافعي لخصمه، التي سبق نقل طرفٍ منها آنفاً. حيث أكمل الشافعي مناظرته بقوله لذاك الخصم: ((وقلت له: لا يكون تواتر الأخبار عندك عن أربعةٍ في بلد؟ ولا إن قبل عنهم أهل بلدهم (2) !! حتى يكون المدني يروي عن مدني، والمكي يروي عن مكي، والبصري يروي عن بصري، والكوفي يروي عن كوفي، حتى ينتهي كل واحدٍ منهم--------------------------------------------
(1) انظر (ص 149 - 158) .
(2) انظر (ص 149- 158) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
بحديثه عن رجلٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم غير الذي روى عنه صاحبه، ويجمعوا جميعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم = للعلة التي وصفت؟
قال: نعم، لأنهم إذا كانوا في بلدٍ واحدٍ أمكن فيهم التواطؤ على الخبر، ولا يمكن فيهم إذا كانوا في بلدان مختلفة.
(قال الشافعي:) فقلت له: لبئس ما نبثت (1) به على من جعلته إماماً في دينك، إذا ابتدأت وتعقبت!!)) (2) .
هذا أول ردود الشافعي على أحد شروط (المتواتر) التي يشترطها الأصوليون، وهو شرط: استحالة التواطؤ على الكذب.
فيرى الإمام الشافعي أن اشتراط هذا الشرط، واعتبار أن تحققه يتم بأن يكون كل راوٍ من بلدٍ بعيدٍ عن الآخر= فيه حط شديد على أئمة الدين، وثقات الأمة وعدولها، إذ جعلها ذلك الشرط وكأنهم لا يحول بينهم وبين التواطؤ على الكذب إلا عدم القدرة على التواطؤ، لمثل بعد البلدان!!!
سبحانك! هذا بهتان عظيم!!
ثم أقول (من عند نفسي) : إن استحالة التواطؤ على الكذب، لا تتم ـ مع ذلك ـ ببعد البلدان بين الرواة، لاحتمال الرحلة واللقاء، ولاحتمال المراسلة! لكن تلك الاستحالة إنما تستفاد مما عرفناه (بالنقل المتواتر) من أحوال أولئك الأئمة، الدالة على: شدة التدين، وتعظيم الحرمات، والدفع عن حياض الشريعة، وجميل
صفاتهم، وحسن سيرتهم في كل أمرهم. وهذا--------------------------------------------
(1) النبث: النبش والبحث في الأرض. انظر تاج العروس ـ نبث ـ (5 /366-386) . والمعنى: لبئس ما نبشته على أئمتك من التهمة بالكذب على النبي صلى الله عليه وسلم!!
(2) جماع العلم (رقم 309 - 311) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
ليس فقط من الأئمة الكبار، بل حتى مع ثقات النقلة وعدول الرواة، لما عرفناه (بالنقل المتواتر أيضاً) من شدة الأئمة في توثيقهم، وبالغ تحريمهم في تعديلهم، واحتياطهم في احتياطهم لسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم في كل ذلك!!
ثم بين لي الفرق في درجة اليقين بين: رواية عشرة من التابعين من بلدان مختلفة لحديث واحد، ورواية فقهاء المدينة السبعة لحديث واحدٍ أيضاً؟!
فإذا رجعنا إلى أن استحالة التواطؤ على الكذب راجعة إلى مافي كل واحدٍ من الرواة من الصفات الداعية إلى قبول خبره، رجعنا ـ إذن إلى أن المعتبر هو وجود هذه الصفات، دون ما سواها من الشروط التي لا معنى لا شتراطها، لأنه لا علاقة لها بإفادة تلك الاستحالة.
فإن قال صاحب تلك الشروط: أنا لا أشترط العدالة أصلاً في رواة (المتواتر) .
قلنا: ذلك أدعى إلى أن لا يفيد خبرهم العلم عندك! لأنه إذا كان الخبر ـ عندك ـ لا يفيد العلم إلا باستحالة التواطؤ على الكذب ببعد البلدان، وبينا لك أن بعد البلدان ليس هو بالذي يدل على تلك الاستحالة في رواية الثقات العدول؛ فمن (باب أولى) أن لا يدل بعد البلدان على تلك الاستحالة في رواية غير العدول!!
فإن قال: إنما ذكرت (بعد البلدان) مثلاً لما يدل على استحالة التواطؤ على الكذب، وإلا فمرادي تحقق هذه الاستحالة، كيفما تحققت.
قلت: فبينا لك بطلان ذلك المثل، فهات غيره؟!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)