المستجاب هو سلامتهم منا أي من ظلمنا وعدواننا، وكذلك كل من رد السلام على غيره فإنما دعا له بسلام وهذا مجمل.
ومن الممتنع أن يكون كل من رد عليه النبي صلى الله عليه وسلم السلام من الخلق دعا له بالسلامة من عذاب الدنيا والآخرة، فقد كان المنافقون يسلمون عليه ويرد عليهم، ويرد على المسلمين من أصحاب الذنوب وغيرهم، ولكن السلام فيه أمان.
فلهذا لا يبتدأ الكافر الحربي بالسلام، بل لما كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر قال فيه: (من محمد رسول الله إلى قيصر عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى) كما قال موسى لفرعون. والحديث في الصحيحين من رواية ابن عباس عن أبي سفيان بن حرب في قصته المشهورة لما قرأ قيصر كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عن أحواله.
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ابتداء اليهود بالسلام. فمن العلماء من حمل ذلك على العموم، ومنهم من رخص إذا كانت للمسلم إليه حاجة أن يبتدئه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)
بالسلام بخلاف اللقاء، والكفار كاليهودي والنصراني يسلمون عليه وعلى أمته سلام التحية الموجب للرد، وأما السلام المطلق فهو كالصلاة عليه إنما يصلي عليه ويسلم عليه أمته، فاليهود والنصارى لا يصلون ويسلمون عليه، وكانوا إذا رأوه يسلمون عليه. فذاك الذي يختص به المؤمنون -ابتداء وجوابًا- أفضل من هذا الذي يفعله الكفار معه ومع أمته ابتداء وجوابًا، ولا يجوز أن يقال إن الكفار إذا سلموا عليه سلام التحية فإن الله يسلم عليهم عشرًا، فإنه يجيبهم على ذلك فيوفيهم كما لو كان لهم دين فقضاه.
وأما ما يختص بالمؤمنين فإذا صلوا عليه صلى الله على من صلى عليه عشرًا، وإذا سلم عليه سلم الله عليه عشرًا، وهذه الصلاة والسلام هو المشروع في كل مكان / بالكتاب والسنة والإجماع، بل هو مأمور به من الله سبحانه وتعالى لا فرق في هذا بين الغرباء وأهل المدينة عند القبر.
وأما السلام عند القبر فقد عرف أن الصحابة والتابعين المقيمين بالمدينة لم يكونوا يفعلونه إذا دخلوا المسجد وخرجوا منه ولو كان هذا كالسلام عليه لو كان حيًّا لكانوا يفعلونه كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه كما لو دخلوا المسجد في حياته وهو فيه، فإنه مشروع لهم كلما رأوه أن يسلموا عليه، بل السنة لمن جاء إلى قوم أن يسلم عليهم إذا قدم وإذا قام كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وقال صلى الله عليه وسلم: (ليست الأولى بأحق من الآخرة).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)
فهو حين كان حيًّا كان أحدهم إذا أتى يسلم وإذا قام يسلم، ومثل هذا لا يشرع عند القبر باتفاق المسلمين، وهو معلوم بالاضطرار من عادة الصحابة، ولو كان سلام التحية خارج الحجرة مستحبًّا لكان مستحبًّا لكل أحد.
ولهذا كان أكثر السلف لا يفرقون بين الغرباء وأهل المدينة ولا بين حال السفر وغيره، فإن استحباب هذا لهؤلاء وكراهته لهؤلاء حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي ولا يمكن أحدًا أن ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه شرع لأهل المدينة الإتيان عند الوداع للقبر وشرع لهم ولغيرهم ذلك عند القدوم من سفر، وشرع للغرباء تكرير ذلك كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه ولم يشرع ذلك لأهل المدينة، فمثل هذه الشريعة ليس منقولاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن خلفائه ولا هو معروف من عمل الصحابة، وإنما نقل عن ابن عمر السلام عند القدوم من السفر، وليس هذا من عمل الخلفاء وأكابر الصحابة، كما كان ابن عمر يتحرى الصلاة والنزول والمرور حيث حل ونزل وعبر في السفر، وجمهور الصحابة لم يكونوا يصنعون ذلك، بل أبوه عمر كان ينهى عن مثل ذلك.
روى سعيد بن منصور في سننه حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المعرور بن سويد عن عمر قال: خرجنا معه في حجة حجها فقرأ بنا في صلاة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)
الفجر {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} [يعنى سورة الفيل] و {لإيلاف قريش} في الثانية [يعنى سورة قريش]. فلما رجع من حجه رأى الناس ابتدروا المسجد / فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ([هكذا هلك] أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل ومن لم تعرض له فليمض).
ومما اتفق عليه الصحابة -ابن عمر وغيره- من أنه لا يستحب لأهل المدينة الوقوف عند القبر للسلام إذا دخلوا المسجد وخرجوا بل يكره ذلك، فتبين ضعف حجة من احتج بقوله: (ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام.
فإن هذا لو دل على استحباب السلام عليه من المسجد لما اتفق الصحابة على ترك ذلك ولم يفرق في ذلك بين القادم من السفر وغيره، فلما اتفقوا على ترك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)
ذلك مع تيسره علم أنه غير مستحب، بل لو كان جائزًا لفعله بعضهم، فدل على أنه كان عندهم من المنهي عنه كما دلت عليه سائر الأحاديث.
وعلى هذا فالجواب عن الحديث إما بتضعيفه على قول من يضعفه، وإما بأن ذلك يوجب فضيلة الرسول بالرد لا فضيلة المسلم بالرد عليه، إذ كان هذا من باب المكافأة والجزاء حتى إنه يشرع للبر والفاجر، وإما بأن يقال هذا إنما هو فيمن سلم عليه من قريب والقريب أن يكون في بيته فإنه إن لم يحد بذلك لم يبق له حد محدود من جهة الشرع كما تقدم ذكره هذا.
وأما الوجه الثاني: فتوجيهه أن الحديث ليس فيه ثناء على المسلم ولا مدح له ولا ترغيب له في ذلك ولا ذكر أجر له كما جاء في الصلاة والسلام المأمور بهما، فإنه قد وعد أنه (من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرًا)، (وكذلك من سلم عليه).
وأيضًا فهما مأمور بهما، وكل مأمور به / ففاعله محمود مشكور مأجور.
وأما قوله: (ما من رجل يمر بقبر الرجل فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام، (وما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام فإنما فيه مدح المسلم عليه والإخبار بسماعه السلام وأنه يرد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)
السلام فيكافئ المسلم عليه لا يبقى للمسلم عليه فضل فإنه بالرد تحصل المكافأة كما قال تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} [سورة النساء: (86)]، ولهذا كان الرد من باب العدل المأمور به الواجب لكل مسلم إذا كان سلامه مشروعًا، وهذا كقوله (من سألنا أعطيناه، ومن لم يسألنا أحب إلينا) هو إخبار بإعطائه السائل ليس هذا أمرًا بالسؤال، وإن كان السلام ليس مثل السؤال لكن هذا اللفظ إنما يدل على مدح الراد، وأما المسلم فيقف الأمر فيه على الدليل.
وإذا كان المشروع لأهل مدينته أن لا يقفوا عند الحجرة ويسلموا عليه علم قطعًا أن الحديث لم يرغب في ذلك.
ومما يبين ذلك أن مسجده كسائر المساجد لم يختص بجنس من العبادات لا يشرع في غيره، وكذلك المسجد الأقصى، ولكن خصا بأن العبادة فيهما أفضل، بخلاف المسجد الحرام فإنه مخصوص بالطواف واستلام الركن وتقبيل الحجر وغير ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)
وأما المسجدان الآخران فما يشرع فيهما من صلاة وذكر واعتكاف وتعلم وتعليم وثناء على الرسول وصلاة عليه وتسليم عليه وغير ذلك من العبادات فهو مشروع في سائر المساجد، والعمل الذي يسمى زيارة لقبره لا يكون إلا في مسجده لا خارجًا عن المسجد. فعلم أن المشروع من ذلك العمل مشروع في سائر المساجد لا اختصاص لقبره بجنس من أجناس العبادات، ولكن العبادة في مسجده أفضل منها في غيره لأجل المسجد لا لأجل القبر.
ومما يوضح هذا أنه لم يعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم باسم زيارة قبره لا ترغيبًا / في ذلك ولا غير ترغيب، فعلم أن مسمى هذا الاسم لم يكن له حقيقة عندهم، ولهذا كره من كره من العلماء إطلاق هذا الاسم، والذين أطلقوا هذا الاسم من العلماء إنما أرادوا به إتيان مسجده والصلاة فيه والسلام عليه فيه إما قريبًا من الحجرة وإما بعيدًا عنها، إما مستقبلاً للقبلة وإما مستقبلاً للحجرة، وليس في أئمة المسلمين -لا الأربعة ولا غيرهم- من احتج على ذلك بلفظ روي في زيارة قبره، بل إنما يحتجون بفعل ابن عمر مثلاً وهو أنه كان يسلم، أو بما روي عنه من قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام، وذلك احتجاج بلفظ السلام لا بلفظ الزيارة، وليس في شيء من مصنفات المسلمين التي يعتمدون عليها في الحديث والفقه أصل عن الرسول ولا عن أصحابه في زيارة قبره.
أما أكثر مصنفات جمهور العلماء فليس فيها استحباب شيء من ذلك بل يذكرون المدينة وفضائلها وأنها حرم، ويذكرون مسجده وفضله وفضل الصلاة فيه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)
والسفر إليه وإلى المسجد الحرام ونذر ذلك ونحو ذلك من المسائل، ولا يذكرون استحباب زيارة قبره لا بهذا اللفظ ولا بغيره.
فليس في الصحيحين وأمثالهما شيء من ذلك، ولا في عامة السنن [مثل النسائي] والترمذي وغيرهما، ولا في مسند الشافعي وأحمد وأسحاق وأمثالهم من الأئمة.
وطائفة أخرى ذكروا ما يتعلق بالقبر لكن بغير لفظ زيارة قبره، كما روى مالك في الموطأ عن ابن عمر أنه كان يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر، كما قال أبو داود في سننه: باب ما جاء في زيارة القبر وذكر قوله: (ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام، ولهذا أكثر كتب الفقه المختصرة التي تحفظ ليس فيها استحباب زيارة قبره مع ما يذكرونه من أحكام / المدينة، وإنما يذكر ذلك قليل منهم، والذين يذكرون ذلك يفسرونه بإتيان المسجد كما تقدم، ومعلوم أنه لو كان هذا من سنته المعروفة عند أمته المعمول بها من زمن الصحابة والتابعين لكان ذكر ذلك مشهورًا عند علماء الإسلام في كل زمان، كما اشتهر ذكر الصلاة عليه والسلام عليه، وكما اشتهر عندهم ذكر مسجده وفضل الصلاة فيه، فلا يكاد يعرف مصنف للمسلمين في الحديث والفقه إلا وفيه ذكر الصلاة والسلام عليه، وذكر فضل مدينته والصلاة في مسجده.
ولهذا لما احتاج المنازعون في هذه المسألة إلى ذكر سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه وما كان عليه أصحابه لم يقدر أحد منهم على أن يستدل في ذلك بحديث منقول عنه إلا وهو حديث ضعيف بل موضوع مكذوب. وليس معهم بذلك نقل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)
عن الصحابة ولا عن أئمة المسلمين فلا يقدر أحد أن ينقل عن إمام من أئمة المسلمين أنه قال يستحب السفر إلى مجرد زيارة القبور، ولا السفر إلى مجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، ولا السفر لمجرد زيارة قبره بدون الصلاة في مسجده.
بل كثير من المصنفات ليس فيها إلا ذكر المسجد والصلاة فيه وهي الأمهات كما في الصحيحين ومساند الأئمة وغيرهما، وفيها ما فيه ذكر السلام عند الحجرة كما جاء عن ابن عمر وكما فهموه من قوله، ومنها ما يذكر فيه لفظ زيارة قبره والصلاة في مسجده، وفيها ما يطلق فيه زيارة قبره ويفسر ذلك بإتيان مسجده والصلاة فيه والسلام عليه فيه.
وأما التصريح باستحباب السفر لمجرد زيارة قبره دون مسجده فهذا لم أره عن أحد من أئمة المسلمين ولا رأيت أحدًا من علمائهم صرح به، وإنما غاية الذي يدعي ذلك أنه يأخذه من لفظ مجمل قاله بعض المتأخرين، مع أن صاحب ذلك اللفظ قد يكون صرح بأنه لا يسافر إلا إلى المساجد / الثلاثة، أو أن السفر إلى غيرها منهي عنه، فإذا جمع كلامه علم أن الذي استحبه ليس هو السفر لمجرد القبر بل للمسجد.
ولكن قد يقال: إن كلام بعضهم ظاهر في استحباب السفر لمجرد الزيارة.
فيقال: هذا الظهور إنما كان لما فهم المستمع من زيارة قبره ما يفهم من زيارة سائر القبور، فمن قال إنه يستحب زيارة قبره كما يستحب زيارة سائر القبور وأطلق هذا كان ذلك متضمنًا لاستحباب السفر لمجرد القبر، فإن الحجاج وغيرهم لا يمكنهم زيارة قبره إلا بالسفر إليه، لكن قد علم أن الزيارة المعهودة من القبور ممتنعة في قبره فليست من العمل المقدور ولا المأمور به فامتنع أن يكون أحد من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)
العلماء يقصد بزيارة قبره هذه الزيارة، وإنما أرادوا السفر إلى مسجده والصلاة والسلام عليه والثناء عليه هناك، لكن سموا هذا زيارة لقبره كما اعتادوه.
ولو سلكوا مسلك التحقيق الذي سلكه الصحابة ومن تبعهم لم يسموا هذا زيارة لقبره، وإنما هو زيارة لمسجده وصلاة وسلام عليه ودعاء له وثناء عليه في مسجده، سواء كان القبر هناك أو لم يكن.
ثم كثير من المتأخرين لما رويت أحاديث في زيارة قبره ظن أنها أو بعضها صحيح فتركب من إجمال اللفظ ورواية هذه الأحاديث الموضوعة غلط من غلط في استحباب السفر لمجرد زيارة القبر، وإلا فليس هذا قولاً منقولاً عن إمام من أئمة المسلمين.
وإن قدر أنه قاله بعض العلماء كان هذا قولاً ثالثًا في هذه المسألة.
فإن الناس في السفر لمجرد زيارة القبور لهم قولان: النهي، والإباحة، فإذا كان قولاً من عالم مجتهد ممن يعتد به في الإجماع أن ذلك مستحب صارت الأقوال ثلاثة، ثم ترجع إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول [إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر] ذلك خير وأحسن تأويلاً} [سورة النساء: (59)].
والمقصود أن هذا كله يبين ضعف حجة الفرق بين الصادر من المدينة والوارد عليها، والوارد على مسجده / من الغرباء والصادر عنه، وذلك أنه يمتنع أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)
يقال إنه يرد على هؤلاء ولا يرد على أحد من أهل المدينة المقيمين بها، فإن أولئك هم أفضل أمته وخواصها وهم الذين خاطبهم بهذا فيمتنع أن يكون المعنى: من سلم منكم يا أهل المدينة لم أرد عليه ما دمتم مقيمن بها. فإن المقام بها هو غالب أوقاتهم، وليس في الحديث تخصيص ولا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك.
يبين هذا أن الحجرة لما كانت مفتوحة وكانوا يدخلون على عائشة لبعض الأمور ويسلمون عليه إنما كان يرد عليهم إذا سلموا.
إن قيل إنه لم يكن يرد عليهم فهذا تعطيل للحديث.
وإن قيل كان يرد عليهم من هناك ولا يرد إذا سلموا من خارج فقد ظهر الفرق.
وإن قيل بل هو يرد على الجميع فحينئذ إن كان رده لا يقتضي استحباب هذا السلام بطل الاستدلال به.
وإن كان رده يقتضي الاستحباب وهو من سلم من خارج لزم أن يستحب لأهل المدينة السلام كلما دخلوا المسجد وخرجوا، وهو خلاف ما أجمع عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان وخلاف قول المفرقين.
ومن أهل المدينة من قد لا يسافر منها أو لا يسافر إلا للحج، والقادم قد يقيم بالمدينة العشر والشهر، فهذا يرد عليه في اليوم والليلة عشر مرات وأكثر كلما دخل وكلما خرج، وذاك المدني المقيم لا يرد عليه قط أو لا يرد عليه في عمره إلا مرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)
وأيضًا فاستحباب هذا للوارد والصادر تشبيه له بالطواف الذي يشرع للحاج عند الورود إلى مكة وهو الذي يسمى طواف القدوم وطواف التحية وطواف الورود، وعند الصدور وهو الذي يسمى طواف الوداع.
وهذا تشبيه لبيت المخلوق ببيت الخالق، ولهذا لا يجوز الطواف بالحجرة بالإجماع بل ولا الصلاة إليها، لما ثبت عنه في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي أنه قال صلى الله عليه وسلم (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها).
وأيضًا فالطواف بالبيت يشرع لأهل مكة وغيرهم كلما دخلوا المسجد، والوقوف / عند القبر كلما دخل المدني لا يشرع بالاتفاق، فلم يبق الفرق بين المدني وغير المدني له أصل في السنة ولا نظير في الشريعة ولا هو مما سنه الخلفاء الراشدون وعمل به عامة الصحابة، ولا يجوز أن يجعل هذا من شريعته وسنته، وإذا فعله من الصحابة الواحد والإثنان والثلاثة وأكثر دون غيرهم كان غايته أن يثبت به التسويغ بحيث يكون هذا مانعًا من دعوى الإجماع على خلافه، بل يكون كسائر المسائل التي ساغ فيها الاجتهاد لبعض العلماء، أما أن يجعل من سنة الرسول وشريعته وحكمه ما لم تدل عليه سنته لكون بعض السلف فعل ذك فهذا لا يجوز. ونظير هذا مسحه للقبر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)
قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- قبر النبي صلى الله عليه وسلم يلمس ويتمسح به؟ فقال: ما أعرف هذا. قلت له: فالمنبر؟ قال: أما المنبر فنعم قد جاء فيه، قال أبو عبد الله: شيء يروونه عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن عمر أنه مسح على المنبر، قال فيروونه عن سعيد بن المسيب في الرمانة.
قلت: ويروى عن يحيى بن سعيد يعني الأنصاري شيخ مالك وغيره أنه حيث أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا، فرأيته استحسن ذلك. ثم قال: لعله عند الضرورة والشي (*).--------------------------------------------
(*) قال معد الكتاب للشاملة: كذا في الأصل المطبوع. وذكر المحقق أنه قد ورد في نسخ أخرى بلفظ (والمشي)، ورجح أنه هو الصواب. لكن قد ورد هذا النقل في موضع آخر من هذا الكتاب وفي "اقتضاء الصراط المستقيم" بلفظ (والشيء)، فالله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)
قلت لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر.
وقلت له: ورأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه، ويقومون ناحية فيسلمون. فقال أبو عبد الله: نعم، وهكذا كان ابن عمر يفعل. ثم قال أبو عبد الله: بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم.
وقد ذكر أحمد بن حنبل أيضًا في منسك المروذي نظير ما نقل عن ابن عمر وابن المسيب ويحيى بن سعيد، وهذا كله إنما يدل على التسويغ وأن هذا مما فعله بعض الصحابة. فلا يقال انعقد إجماعهم على تركه بحيث يكون فعل من فعل ذلك اقتداء ببعض السلف لم يبتدع هو شيئًا عنده.
وإما / أن يقال إن الرسول ندب إلى ذلك ورغب فيه وجعله عبادة وطاعة يشرع فعلها، فهذا يحتاج إلى دليل شرعي، لا يكفي في ذلك فعل بعض السلف.
ولا يجوز أن يقال: إن الله ورسوله يحب ذلك أو يكرهه، وإنه سن ذلك وشرعه، أو نهى عن ذلك وكرهه ونحو ذلك، إلا بدليل يدل على ذلك، لا سيما إذا عرف أن جمهور أصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك، فيقال: لو كان هو ندبهم إلى ذلك وأحبه لهم لفعلوه فإنهم كانوا أحرص الناس على الخير. ونظائر هذا متعددة والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 306)
والمؤمن قد يتحرى الصلاة أو الدعاء في مكان دون مكان لاجتماع قلبه فيه وحصول خشوعه فيه، لا لأنه يرى أن الشارع فضل ذلك المكان كصلاة الذي يكون في بيته ونحو ذلك.
فمثل هذا إذا لم يكن منهيًّا عنه لا بأس به، ويكون ذلك مستحبًّا في حق ذلك الشخص لكون عبادته فيه أفضل، كما إذا صلى القوم خلف إمام يحبونه كانت صلاتهم أفضل من أن يصلوا خلف من هم له كارهون.
وقد يكون العمل المفضول في حق بعض الناس أفضل لكونه أنفع له وكونه أرغب فيه، وهو أحب إليه من عمل أفضل منه لكونه يعجز عنه أو لم يتيسر له، فهذا يختلف بحسب اختلاف الأشخاص، وهو غير ما ثبت فضل جنسه بالشرع، كما ثبت أن الصلاة أفضل ثم القراءة ثم الذكر بالأدلة الشرعية، مع أن العمل المفضول في مكانه هو أفضل من الفاضل في غير مكانه، كفضيلة الذكر والدعاء والقراءة بعد الفجر والعصر على الصلاة المنهي عنها في هذا الوقت، وكفضيلة التسبيح في الركوع والسجود على القراءة لأنه نهى أن يقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، وكفضيلة الدعاء في آخر الصلاة على القراءة هناك لأنه موطن الدعاء، ونظائره متعددة، وبسط هذا له موضع آخر.
ولكن المقصود هنا أن يعلم أن ما قيل إنه مستحب للأمة قد ندبهم إليه الرسول ورغبهم فيه فلا بد له من دليل يدل على ذلك، ولا يضاف / إلى الرسول إلا ما صدر عنه، والرسول هو الذي فرض الله على جميع الخلق الإيمان به وطاعته
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)
واتباعه وايجاب ما أوجبه وتحريم ما حرمه وشرع ما شرعه، وبه فرق الله بين الهدى والضلال والرشاد والغي والحق والباطل والمعروف والمنكر.
وهو الذي شهد الله له بأنه يدعو إليه بإذنه ويهدي إلى صراط مستقيم [وأنه على صراط مستقيم]، وهو الذي جعل الرب طاعته طاعة له في مثل قوله: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} [سورة النساء: (80)]، وقوله: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} [سورة النساء: (64)]، وهو الذي لا سبيل لأحد إلى النجاة إلا بطاعته، ولا يسأل الناس يوم القيامة إلا عن الإيمان به واتباعه وطاعته، وبه يمتحنون في القبور، قال تعالى: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} [سورة الأعراف: (6)]، وهو الذي أخذ الله له الميثاق على النبيين وأمرهم أن يأخذوا على أممهم الميثاق أنه إذا جاءهم أن يؤمنوا به ويصدقوه وينصروه، وهو الذي فرق الله به بين أهل الجنة وأهل النار؛ فمن آمن به وأطاعه كان من أهل الجنة ومن كذبه وعصاه كان من أهل النار، قال تعالى: {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله} الآية [سورة النساء: (13 - 14)].
والوعد سعادة الدنيا والآخرة والوعيد شقاء الدنيا والآخرة معلق بطاعته، فطاعته هي الصراط المستقيم، وهي حبل الله المتين، وهي العروة الوثقى،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)
وأصحابها هم أولياء الله المتقون وحزبه المفلحون وجنده الغالبون، والمخالفون له هم أعداء الله حزب إبليس اللعين، قال تعالى: {ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً -إلى قوله- خذولاً} [سورة الفرقان: (27 - 29)]، وقال تعالى: {يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا -إلى قوله- لعنًا كبيرًا) [سورة الأحزاب: (66 - 68)]، وقال تعالى: {قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين} [سورة آل عمران: (32)]، وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا) [سورة النساء: (65)]، وقال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [سورة النور: (63)]، وقال تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} [سورة النساء: (69)].
وجميع الرسل أخبروا أن الله أمر بطاعتهم كما قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} [سورة النساء: (64)]، يأمرون بعبادة الله [وحده، وتقواه وحده، وخشيته وحده]، ويأمرون بطاعتهم كما قال تعالى: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزن} [سورة النور: (52)]، وقال نوح: {اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} وقال في السورة: {فاتقوا الله وأطيعون} [سورة الشعراء: (108 و126 و144 و163 و179)]، وكذلك قال هود وصالح وشعيب ولوط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)
والناس محتاجون إلى الإيمان بالرسول وطاعته في كل مكان وزمان، ليلاً ونهارًا، سفرًا وحضرًا وعلانية وسرًّا، جماعة وفرادى، وهم أحوج إلى ذلك من الطعام والشراب بل من النفس، فإنهم متى فقدوا ذلك، فالنار جزاء من كذب بالرسول وتولى عن طاعته، كما قال تعالى: {فأنذرتكم نارًا تلظى * لا يصلاها إلا الأشقى * الذي كذب وتولى} [سورة الليل: (14 - 16)]، أي كذب به وتولى عن طاعته كما قال في موضع آخر: {فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى} [سورة القيامة: (31 - 32)]، قال تعالى: {إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهدًا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً * فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذًا وبيلاً} [سورة المزمل: (15 - 16)]، وقال: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا} [سورة النساء: (41)]، وقال: {يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض} [سورة النساء: (42)].
والله تعالى قد سماه سراجًا منيرًا وسمى الشمس سراجًا وهاجًا، والناس إلى هذا السراج المنير أحوج منهم إلى السراج الوهاج، فإنهم محتاجون إليه سرًّا وعلانية ليلاً ونهارًا بخلاف الوهاج، وهو أنفع لهم فإنه منير ليس فيه أذى بخلاف الوهاج فإنه ينفع تارة ويضر أخرى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)
ولما كانت حاجة الناس إلى الرسول والإيمان به وطاعته / ومحبته وموالاته وتعظيمه [وتوقيره وتعزيره] عامة في كل مكان وزمان كان ما يؤمر به من حقوقه عامًّا لا يختص بغيره، فمن خص قبره بشيء من الحقوق كان جاهلاً بقدر الرسول صلى الله عليه وسلم وقدر ما أمر الله به من حقوقه. وكل من اشتغل بما أمر الله به من طاعته شغله ذلك عما نهى عنه من البدع المتعلقة بقبره وقبر غيره، ومن اشتغل بالبدع المنهي عنها ترك ما أمر به الرسول من حقه، فطاعته هي مناط السعادة والنجاة.
والذين يحجون إلى القبور ويدعون الموتى من الأنبياء وغيرهم عصوا الرسول وأشركوا بالرب ففاتهم ما أمروا به من تحقيق التوحيد والإيمان بالرسول، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وجميع الخلق يأتون يوم القيامة فيسألون عن هذه الأصلين (ماذا كنتم تعبدون، وبما أجبتم المرسلين؟) كما بسط هذا في موضعه.
والمقصود أن الصحابة كانوا في زمن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين يدخلون المسجد ويصلون فيه الصلوات الخمس ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم ويسلمون عليه عند دخول المسجد، ولم يكونوا يذهبون يقفون إلى جانب الحجرة ويسلمون هناك. وكان على عهد الخلفاء الراشدين والصحابة حجرته خارجة عن المسجد ولم يكن بينهم وبينه إلا الجدار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)
ثم إنه إنما أدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة وكان من آخرهم موتًا جابر بن عبد الله وهو توفي في خلافة عبد الملك قبل خلافة الوليد فإنه توفي سنة بضع وسبعين والوليد تولى سنة بضع وثمانين وتوفي سنة بضع وتسعين، فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك.
وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري في كتاب أخبار المدينة، مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، عن أشياخه وعمن حدثوا عنه أن عمر بن عبد العزيز / لما كان نائبًا للوليد على المدينة في سنة إحدى وتسعين هدم المسجد وبناه بالحجارة المنقوشة المطابقة، وقصه وعمله بالفسيفساء وبالمرمر، وعمل سقفه بالساج وماء الذهب، وهدم حجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فأدخلها في المسجد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)