باطل إلا وجهك الكريم) فإن هذا يدخل فيه كل ما عبد من دون الله من الملائكة والأنبياء، وهؤلاء قد سبقت لهم من الله الحسنى فكيف يدخلون في الباطل؟ وكذلك قوله {فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال} [سورة يونس: (32)]. فيقال: إن المراد عبادتهم والعمل لهم باطل. وقد يقال عن الشيء أنه لا شيء [وليس بشيء لانتفاء المقصود منه]، وكما قال عليه السلام عن الكهان لما سئل عنهم فقال (ليسوا بشيء) فقال إنهم يحدثون بالشيء فيكون حقًّا، فذكر أن ذلك من الجن تخطف الكلمة من الحق ويزيدون فيها من الكذب مائة كذبة، فهم ليسوا بشيء أي لا ينتفع بهم فيما يقصد منهم وهو الاستخبار عن الأمور الغائبة، لأنهم يكذبون كثيرًا فلا يدرى ما قالوه أهو صدق أم / كذب، وهم مع ذلك موجودون يضلون ويضلون، فقوله: (ليس بشيء) مثل قوله: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل)، وقوله: {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} [سورة الحج: (62)]، فهو من جهة كونه معبودًا باطل لا ينتفع به ولا يحصل لعابده مقصود العبادة، وإن كان من جهة أخرى هو شمس وقمر ينتفع بضيائه ونوره، وهو يسجد لله ويسبحه. وكذلك الملائكة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 493)
والأنبياء إذا نفى عنهم كونهم آلهة معبودين تبين أن عبادتهم عمل باطل لا ينتفع به ولم ينف ذلك ما يستحقونه من الإكرام والإجلال وعلو قدرهم عند الله تعالى، والتبري من عبادتهم وكونهم معبودين لا من موالاتهم والإيمان بهم وقولهم {إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله} [سورة الممتحنة: (4)] أي ومن عبادتهم ومن كونهم معبودين، كما قال الخليل عليه السلام {يا قوم إني بريء مما تشركون} [سورة الأنعام: (78)]. فهو بريء من كل شريك بالله من جهة كونه جعل شريكًا وندًّا لله، ولم يبرأ منه من جهات أخرى. فإبراهيم لم يبرأ من الشمس والقمر والكواكب من جهة كونها مسخرة لمنافع العباد، وكونها تسجد لله وتسبحه، وكونها من آياته العظيمة، بل من جهة كونها شركاء لله وقوله: {إني بريء مما تشركون} وإن كان يقال: [ما مصدرية، أي من شرككم] فقد صرح في قوله {إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله} [سورة الممتحنة: (4)]، أي بريء من المعبودين من دون الله، وكذلك قوله {أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} [سورة الشعراء: (75 - 77)] أما الأوثان ونحوها فتعادى مطلقًا، والشمس والقمر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 494)
والملائكة والكواكب تعادى عبادتها وكونها [آلهة معبودة]، فتبغض من هذه الجهات وتعادى، مع وجوب الإيمان بالملائكة. /
وإذا قيل للنصارى نحن برآء من شرككم ومما تعبدون من دون الله وقد قال تعالى: {قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرًّا ولا نفعًا والله هو السميع العليم} [سورة المائدة: (79)] هذا بعد قوله: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام} [سورة المائدة: (75)]، فقد عبد المسيح وغيره، فالبراءة من كل معبود سوى الله كالبراءة من كل إله سوى الله، وذلك براءة من الشرك ومن كون ما سوى الله معبودًا، وليس هو براءة من المسيح من جهة كونه رسولاً كريمًا وجيهًا عند الله، بل براءة مما قيل فيه من الباطل لا من الحق، والمسيح والملائكة وغيرهم يتبرءون (*) ممن عبدوهم ويعادونهم ولا يوالونهم، قال الله تعالى: {ويوم نحشرهم جميعًا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون -إلى قوله تعالى- أكثرهم بهم مؤمنون) [سورة سبأ: (40 - 41)] وقال: {ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله} الآية [سورة الفرقان: (17)] وقال تعالى: {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} الآية [سورة القصص: (62)]، وقال تعالى: {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء} [سورة الكهف: (102)]، وقال تعالى: {أم اتخذوا من دونه--------------------------------------------
(*) قال معد الكتاب للشاملة: في الأصل المطبوع: (يتبرؤن)، وهو خطأ، فتم تصحيحه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 495)
أولياء فالله هو الولي} [سورة الشورى: (9)]، وقال تعالى: {قل أغير الله اتخذ وليًّا} الآية [سورة الأنعام: (14)].
وهو سبحانه لم ينه عن موالاتهم دونه، فمن أحبهم ووالاهم لله فهو مؤمن موحد ومن جعلهم أندادًا وأحبهم كما يحب الله فهو مشرك، فالحب لله توحيد وإيمان، والحب كما يحب الله شرك وكفر. وكذلك الشفاعة قال تعالى: {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} [سورة السجدة: (4)]، وقال: {ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع} [سورة الأنعام: (70)]، وقال: {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} [سورة يونس: (3)] وقال تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [سورة البقرة: (255)]، وقال: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} [سورة سبأ: (23)]، فتبين أنه لا تنفع شفاعة الملائكة والأنبياء ولا غيرهم إلا لمن أذن له حتى إذا قضى الأمر ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، / وصعقوا فلا يعلمون ما قال: {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} [سورة سبأ: (23)]، فحينئذ يعلمون ما قضى به، فكيف يشفعون بدون إذنه؟ قال الله تعالى: {بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} [سورة الأنبياء: (26 - 27)]، وقال {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئًا} الآية [سورة الزمر: (43)]، وأوجه الشفعاء وأول شافع يوم القيامة محمد صلى الله عليه وسلم. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة -أحاديث الشفاعة-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 496)
أن الناس يوم القيامة إذا ذهبوا إلى آدم ليشفع لهم يردهم إلى نوح ونوح إلى إبراهيم وإبراهيم إلى موسى وموسى إلى المسيح والمسيح إلى محمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين، فيقول: اذهبوا إلى محمد فإنه عبد غفر له الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال صلى الله عليه وسلم: (فيأتوني، فأذهب إلى ربي، فإذا رأيت ربي خررت ساجدًا وأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن، وحينئذ فيقول: أي محمد ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع. قال: فأقول: أي رب أمتي. فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة) وكذلك ذكر في الثانية والثالثة.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة (قلت: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة، ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه) فقد بين أوجه الشفعاء أنه إذا أتى يبدأ بالسجود والحمد لله، لا يبدأ بالشفاعة حتى يؤذن له، فإذا أذن له
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 497)
فحينئذ يشفع، فإذا شفع حد له حدًّا فيدخلهم الجنة. وبين أن أولى الناس بشفاعته من كان أعظم إخلاصًا وتوحيدًا، لا من كان سائلاً وطالبًا منه أو من غيره، فالأمر كله لله وحده لا شريك له، هو الذي يأذن في الشفاعة وهو الذي يقبل شفاعة الشفيع فيمن يختار، فربك / يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة، سبحان الله وتعالى عما يشركون.
فالذين يخالفون شريعة الأنبياء ويغلون فيهم، ويقولون إنهم يحبونهم ويوالونهم ويعظمونهم بذلك، فالأنبياء يتبرءون (*) منهم، ومحمد صلى الله عليه وسلم بريء من عمل من يخالف أمره وسنته، قال الله تعالى: {فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون} [سورة الشعراء: (216)]، ولا ينفع من عصى أمر الرسول أن يقول قصدي تعظيمهم فإنه إنما أمر بطاعتهم ولم يؤمر أن يعبد الله بالظن وما تهوى الأنفس. قال الله تعالى {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله -إلى قوله- شهيد} [سورة المائدة: (116 - 117)] فقد أخبر أنه لم يقل لهم إلا ما أمره الله به أن يعبدوا الله وحده، وكذلك سائر الأنبياء، قال الله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [سورة الأنبياء: (25)] وهو سبحانه إنما يعبد بما شرع من الدين، لا يعبد بما--------------------------------------------
(*) قال معد الكتاب للشاملة: في الأصل المطبوع: (يتبرؤن)، وهو خطأ، فتم تصحيحه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 498)
شرع من الدين بغير إذنه فإن ذلك شرك، قال الله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [سورة الشورى: (21)]، وقال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا -إلى قوله- ما تدعوهم إليه} [سورة الشورى: (13)].
والدين الذي شرعه إما واجب وإما مستحب، فكل من عبد عبادة ليست واجبة في شرع الرسول ولا مستحبة كانت من الشرك والبدع. [والحج إلى القبور] ليس من شرعه لا واجبًا ولا مستحبًّا، فإنه لا يقدر أحد أن ينقل عنه حديثًا صحيحًا في استحباب ذلك، ولا عن أصحابه ولا علماء أمته، وإنما ينقل في ذلك أحاديث مكذوبة فهي من الإفك والشرك، وإنما السفر إلى المساجد الثلاثة لأنه سفر إلى بيوت الله التي بنتها الأنبياء لعبادته وأحدها يجب الحج إليه، والآخران يستحب السفر إليهما، والحج الواجب كما يختص بذلك المكان فهو يختص بأعمال لا تشرع في غيره كالطواف بالبيت وبين الصفا والمروة والوقوف / بعرفة ومزدلفة ومنى ورمي الجمار وسَوْق الهدي إلى هناك وغير ذلك.
وأما المسجدان الآخران فلا يشرع فيهما إلا من جنس ما يشرع لسائر المساجد كالصلاة والذكر والدعاء والاعتكاف، لكن للعبادة فيهما فضيلة على العبادة في سائر المساجد أوجبت تلك الفضيلة أن يشرع السفر إليهما.
وقبر النبي صلى الله عليه وسلم مجاور مسجده، فإذا أتى مسجده فعل فيه ما يشرع له من حق الرسول من الصلاة والسلام وغير ذلك، وكل ما يفعله من ذلك في مسجده فهو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 499)
مشروع في سائر المساجد والأمكنة، لكن مسجده أفضل، فالصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. وهذا الفعل المشروع في حقه -كالصلاة والسلام- هل يسمى زيارة لقبره ويطلق ذلك عليه؟ على قولين معروفين، فإنه لا يوصل إلى قبره ويزار الزيارة المعروفة في حق غيره بل قد منع الناس من ذلك، فما بقي المشروع هناك كالمشروع من الزيارة لسائر القبور إذ كان الله قد خص نبيه بالأمر بالصلاة والسلام عليه في كل مكان وزمان، وخص بالدفن في حجرته فلا يصل أحد إليه لئلا يتخذ قبره مسجدًا ووثنًا وعيدًا. فكلما تدبر الإنسان ما أمر به وشرعه تبين له أنه جمع في شرعه بين كمال توحيد الرب وإخلاص الدين له وبين كمال طاعة الرسل وتعزيرهم ومحبتهم وموالاتهم ومتابعتهم، فأسعد الناس في الدنيا والآخرة أتبعهم للرسول باطنًا وظاهرًا. صلى الله عليه وسلم تسليمًا. والحمد لله وصلواته وسلامه على محمد وآله وصحبه وسلم. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وجد في آخر الأصل ما نصه:
آخر كتاب (الرد على الإخنائي) قاضي المالكية، واستحباب زيارة خير البرية الزيارة الشرعية لا البدعية، لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية.
أنهاه بقلمه راجي عفو ربه وكرمه الفقير إلى رحمة ربه الولي، حسين بن حسن بن حسين بن علي غفر الله له ولوالديه ولكافة المسلمين. جعله الله نافعًا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 500)
من قرأه ومن نظر فيه ومن سأل لوالدي المغفرة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غرة جمادى الآخرة سنة 1303هـ.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 501)