Arabic source text

📘 আল-ইখনাইয়্যাহ আও আর-রাদ্দু আলাল ইখনায়ী ত আল-আনাযী (ইবনু তাইমিইয়্যাহ - মৃত্যু 728 হিজরী)

📘 الإخنائية أو الرد على الإخنائي ت العنزي (ابن تيمية - ت 728 هـ)

📘 আল-ইখনাইয়্যাহ আও আর-রাদ্দু আলাল ইখনায়ী ত আল-আনাযী (ইবনু তাইমিইয়্যাহ - মৃত্যু 728 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
أحاديث مكذوبة وإما ألفاظ مجملة متشابهة كلفظ زيارة / القبور ونحوه مما يراد به أنواع من الأمور، وحصل فيها اشتباه ونزاع بين العلماء والجمهور، ويدعون الصحيح المنصوص المحكم الثابت من الأحاديث عن خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه التي ليس في سندها ولا فيما يستدل به من معناها نزاع بين العلماء، كما في الصحيحين عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا والمسجد الأقصى) ولفظ أبي سعيد الذي في صحيح مسلم وغيره (لا تشدوا الرحال) بصيغة النهي، وهو أيضًا مروي عنه من وجوه أخر كما رواه مالك وأهل السنن والمسانيد عن بصرة بن أبي بصرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولفظه أنه قال (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد) فإن هذا الحديث قد اتفق علماء المسلمين على صحة إسناده، واتفقوا على وجوب العمل بمعناه، واتفقوا على تناوله لمحل النزاع وهو السفر إلى القبور. ثم تنازعوا هل مراده النهي، أو مراده نفي الاستحباب والفضيلة؟ وما اتفقوا عليه كاف في الاحتجاج في مسألة النزاع.
وأما السلف من الصحابة والتابعين والأئمة فلا يعرف بينهم نزاع أنه نهى عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة. والحديث قد جاء في الصحيح بصيغة النهي الصريح فقال (لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) وأبو سعيد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، هكذا في الصحيح أنه سمعه منه لم يسمعه من غيره، بخلاف رواية أبي هريرة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)

فإنها مطلقة، وأبو هريرة كان يروي الحديث، ثم يقول: حدثني فلان كما في حديث صوم الجنب، فقال: حدثنيه الفضل بن عباس، ومثل ما في الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه (لعن الله / اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، وغير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا.
وفي الصحيحين أيضًا عن عائشة وابن عباس قالا: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها [عن وجهه] فقال وهو كذلك (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما صنعوا. فإذا كان قد لعن من يتخذ قبور الأنبياء مساجد يحذر أمته أن يفعلوا ذلك، مع أن المساجد إنما تكون لعبادة الله، لكن إذا اتخذت القبور مساجد للعبادة صار ذلك ذريعة إلى قصد القبر ودعاء صاحبه واتخاذه وثنًا، فإذا كان قد لعن من يفعل الوسيلة إلى الشرك، فكيف بمن أتى بالشرك الصريح! وإذا كان هذا حال من دعا أهل القبور من غير حج إليهم، فكيف بمن حج إليهم أو جعل الحج

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)

إليهم أفضل من الحج إلى بيت الله، بل الحج إلى آثارهم مثل مكان نزلوا به ويلبي ويحرم إذا حج إلى آثارهم كما كان بعض الشيوخ بمصر يحرم إذا حج إلى مسجد يوسف وكما حج مرة إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ثم رجع ولم يحج إلى مكة وقال: حصل المقصود بهذا.
وهو صلى الله عليه وسلم في مرضه يكرر تحذير أمته فينهاهم علانية في المسجد، ثم لعن من يفعل ذلك -وهو منزول به في السياق- حرصًا على هذه الأمة وتحذير الأمة من مظان الشرك وأسبابه، إذ كان جماع الدين هو عبادة الله وحده، وأعظم الذنوب الشرك. والقرآن مملوء من تعظيم التوحيد بالدعاء إليه والترغيب فيه، وبيان سعادة أهله، وتعظيم الشرك بالنهي عنه والتحذير منه، وبيان شقاوة أهله.
ففي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله / قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، إلا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك) فهذا نهيه قبل أن يموت بخمس، ولعنه في مرضه من يفعل ذلك كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، [وفي لفظ لمسلم: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)

وفي الصحيحين عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة ذكرتا من حسنها وتصارير فيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ([إن هؤلاء] كانوا إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) ذمهم على هذا وهذا، ولهذا نهى أمته عن هذا وهذا.
وفي صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال: قال علي بن أبي طالب (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أمرني أن لا أدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته)، فأمره بطمس التماثيل وتسوية القبور العالية المشرفة، إذ كان الضالون أهل الكتاب أشركوا بهذا وبهذا: بتماثيل الأنبياء والصالحين، وبقبورهم.
وفي المسند وصحيح أبي حاتم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد).
وفي صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)

تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها) وبسط هذا له موضع آخر، ولكن نبهنا هنا على مثل هذا لأن هذا المعترض لم يأت في كلامه بعلم ولا حجة ولا دليل، بل حجته من جنس ما ذكره هنا أن الزيارة لا بد فيها من الحركة والانتقال، وهذا معلوم لكل أحد.
فقوله: والزيارة نفسها قربة والوسيلة إلى القربة قربة، هذا مضمون كلامه.
ونسب المجيب إلى التناقض حيث أباح الزيارة ومنع من الوسيلة إليها وهو السفر، ولهذا قال:
ـ[فلو علم هذا القائل ما في كلامه من [الخطأ والزلل]، وما اشتمل عليه كلامه من المناقضة والخلل، لما أبدى لهم عواره، ولستر عنهم شناره.]ـ
وجواب هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال: أنت المتناقض فيما حكيته عنه، فإنك في أول كلامك قلت إنه ظهر لك من صريح كلامه وفحواه مقصده السيء ومغزاه، وهو تحريم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور والسفر إليها، ودعوى أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها.
وقد علم كل من وقف على الجواب أنه لم يحرم الزيارة مطلقًا، ولا حكى ذلك عن أحد فضلاً عن أن يحكيه إجماعًا، لكن هذا قول طائفة من السلف حرموا زيارة القبور مطلقًا كما نقل عن الشعبي والنخعي وابن سيرين، لكن المجيب لم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 397)

يذكر هذا القول فإنه قول مرجوح، ولو قدر أنه حكاه لم يحك الإجماع على التحريم، فإن بطلان هذا لا يخفى على آحاد طلبة العلم، إذ كانت كتب العلماء مشحونة بذكر جواز زيارة القبور للرجال أواستحباب ذلك.
ثم هنا جعلت المجيب يجوز الزيارة وينهى عن الوسيلة إليها وهو السفر، فجعلته متناقضًا.
وكذلك قلت بعدها:
ـ[لأنه نقل الجواز عن الأئمة المرجوع إليهم في علوم الدين والفتوى، المشتهرين بالزهادة والتقوى، / الذين لا يعتد بخلاف من سواهم، ولا يرجع في ذلك لمن عداهم. ونقل عدم الجواز إن صح نقله عمن لا يعتمد عليه ولا يعتد بخلافه ولا يعرج عليه.]ـ
فإذا كان قد نقل الجواز عن هؤلاء وهو جواز السفر للزيارة فكيف يحكى عنه أنه جعل كل زيارة القبور معصية محرمة مجمع عليها؟ هذا هوالتناقض. ثم نسبته إلى التناقض وأنت المتناقض فقلت:
ـ[ثم قال في آخر كلامه: إن ما ادعاه مجمع على أنه حرام، وهذه مناقضة لما تقدم منه في الكلام. فليت شعري حين قال هذا أكان به جنة، أم أدركته من الله محنة؟]ـ
فيقال لك: المستحق للطعن في عقله ودينه من جعل المستقيم أعوج، وزاغ عن سواء المنهج، وتناقض فيما يقول وجعل غيره هو المتناقض، كما قيل في المثل السائر (رمتني بدائها وانسلت).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 398)

ولكن أهل البدع المخالفين لما جاءت به الرسل يضاهئون أعداء الرسل الذين نسبوهم إلى الجنون، قال تعالى: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون} [سورة الذاريات: (52)]، وقال تعالى عن قوم نوح: {وقالوا مجنون وازدجر} [سورة القمر: (9)]، وقال فرعون {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} [سورة الشعراء: (27)]، [وقال تعالى: {وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون}] [سورة الحجر: (6)].
فيقال: لفظ الجواب أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، فهل يجوز له قصر الصلاة؟ على قولين معروفين.
وقوله: من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء احترازًا عن السفر المشروع، كالسفر إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر السفر المشروع، فسافر إلى مسجده وصلى فيه وصلى عليه وسلم عليه ودعا وأثنى كما يحبه / الله ورسوله، فهذا سفر مشروع مستحب باتفاق المسلمين، وليس فيه نزاع، فإن هذا لم يسافر لمجرد زيارة القبور بل للصلاة في المسجد، فإن المسلمين متفقون على أن السفر الذي يسمى زيارة لا بد فيه من أن يقصد المسجد ويصلي فيه لقوله صلى الله عليه وسلم (صلاة في مسجدي هذا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 399)

خير من ألف صلاة فيما سواه) ولقوله (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا).
والسؤال والجواب لم يكن المقصود فيه خصوص السفر إلى زيارة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذا السفر على هذا الوجه مشروع مستحب باتفاق المسلمين، ولم يقل أحد من المسلمين إن السفر إلى زيارة قبره محرم مطلقًا، بل من سافر إلى مسجده وصلى فيه وفعل ما يؤمر به من حقوق الرسول صلى الله عليه وسلم كان هذا مستحبًّا مشروعًا باتفاق المسلمين، لم يكن هذا مكروهًا عند أحد منهم، لكن السلف لم يكونوا يسمون هذا زيارة لقبره، وقد كره من كره من أئمة العلماء أن يقال: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم وآخرون يسمون هذا زيارة لقبره صلى الله عليه وسلم، لكنهم يعلمون ويقولون إنه إنما يصل إلى مسجده، وعلى اصطلاح هؤلاء من سافر إلى مسجده وصلى فيه وزار قبره صلى الله عليه وسلم الزيارة الشرعية لم يكن هذا محرمًا عند أحد من المسلمين، بخلاف السفر إلى زيارة قبر غيره من الأنبياء والصالحين، فإنه ليس عنده مسجد يسافر إليه.
فالسؤال والجواب كان عن جنس السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين كما يفعل أهل البدع، ويجعلون ذلك حجًّا، أو أفضل من الحج، أو قريبًا من الحج، حتى يروي بعضهم حديثًا ذكره بعض المصنفين في زماننا في فضل من زار الخليل قال فيه: وقال وهب بن منبه / (إذا كان آخر الزمان حيل بين الناس وبين

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 400)

الحج، فمن لم يحج ولحق ذلك ولحق بقبر إبراهيم فإن زيارته تعدل حجة)! وهذا كذب على وهب بن منبه، كما أن قوله (من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة) كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد ذكر بعض أهل العلم أن هذا الحديث إنما افتراه الكاذبون لما فتح بيت المقدس واستنقذ من أيدي النصارى على يد صلاح الدين سنة بضع وثمانين وخمسمائة، فإن النصارى نقبوا قبر الخليل وصار الناس يتمكنون من الدخول إلى الحظرة.
وأما على عهد الصحابة والتابعين -وهب بن منبه وغيره- فلم يكن هذا ممكنًا، ولا عرف عن أحد من الصحابة والتابيعن أنه سافر إلى قبر الخليل عليه السلام، بل ولا قبر غيره من الأنبياء، ولا من أهل البيت، ولا من المشايخ ولا غيرهم.
ووهب بن منبه كان باليمن لم يكن بالشام، ولكن كان من المحدثين عن بني إسرائيل والأنبياء والمتقدمين. مثل كعب الأحبار ومحمد بن إسحاق ونحوهما.
وقد ذكر العلماء ما ذكره وهب في قصة الخليل، وليس فيه شيء من هذا ولكن أهل الضلال افتروا آثارًا مكذوبة على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه والتابعين توافق بدعهم، وقد رووا عن أهل البيت وغيرهم من الأكاذيب ما لا يتسع هذا الموضع لذكره، وغرض أولئك الحج إلى قبر علي أو الحسين، أو إلى قبور الأئمة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 401)

كموسى والجواد وموسى بن جعفر وغيرهم من الأئمة الأحد عشر، فإن الثاني عشر دخل السرداب وهو عندهم حي إلى الآن ينتظر، ليس له غرض في الحج إلى قبر الخليل.
وهؤلاء من جنس المشركين الذين فرقوا / دينهم وكانوا شيعًا. فلكل قوم هدي يخالف هدي الآخرين، قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها -إلى قوله-[من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم] فرحون} [سورة الروم: (30 - 32)].
وهؤلاء تارة يجعلون الحج إلى قبورهم أفضل من الحج، وتارة نظير الحج، وتارة بدلاً عن الحج.
فالجواب كان عن مثل هؤلاء، ولكن ذكر قبر نبينا صلى الله عليه وسلم لشمول الأدلة الشرعية. فإنه اذا احتج بقوله صلى الله عليه وسلم (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) كان مقتضى هذا أنه لا يسافر إلا إلى المسجد لا إلى مجرد القبر، كما قال مالك للسائل الذي سأله عمن نذر أن يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن كان أراد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فليأته وليصل فيه، وإن كان أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد)، وهذا كما لو نهى الناس أن يحلفوا بالمخلوقات

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 402)

وذكر لهم قول النبي صلى الله عليه وسم (من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت)، وقوله صلى الله عليه وسلم (لا تحلفوا إلا بالله) ونحو ذلك، وقي إنه لا يجوز الحلف بالملائكة ولا الكعبة ولا الأنبياء ولا غيرهم. فإذا قيل: ولا بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ لزم طرد الدليل، فقيل: ولا يحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم. كما قال جمهور العلماء - وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين.
ومن الناس من يستنثني نبينا كما استثناه طائفة من الخلف، فجوزوا الحلف به، وهو إحدى الروايتين عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه كالقاضي أبي يعلى وأتباعه وخصوه بذلك.
وبعضهم طرد ذلك في الأنبياء، وهو قول ابن عقيل في كتابه المفردات. لكن قول الجمهور أصح، لأن النهي هو عن الحلف بالمخلوقات كائنًا من كان، كما وقع النهي عن عبادة المخلوق وعن تقواه وخشيته والتوكل عليه وجعله ندًّا لله. وهذا متناول لكل مخلوق: نبينا، وسائر الأنبياء، والملائكة وغيرهم، فكذلك الحلف بهم، والنذر لهم أعظم من الحلف بهم، والحج إلى قبورهم أعظم من الحلف بهم والنذر لهم. وكذلك السفر إلى زيارة القبور وقصر الصلاة فيه.
ولأصحاب أحمد فيه أربعة أقوال.
قيل: يقصر الصلاة مطلقًا في كل سفر لزيارة القبور.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 403)

وقيل: لا يقصر مطلقًا في شيء من ذلك.
وقيل: يقصر في السفر لزيارة قبر نبينا خاصة.
وقيل: بل لزيارة قبره صلى الله عليه وسلم وقبور سائر الأنبياء. فالذين استثنوا نبينا قد يعللون ذلك بأن السفر هو إلى مسجده، وذلك مشروع مستحب بالاتفاق فتقصر فيه الصلاة، بخلاف السفر إلى قبر غيره فإنه سفر لمجرد القبر، وقد يستثنونه من العموم كما استثناه من استثناه منهم في الحلف. ثم ظن بعضهم أن العلة هي النبوة فطرد ذلك في الأنبياء.
والصواب أن السفر إلى قبره إنما يستثنى لأنه سفر إلى مسجده ثم إن الناس أقسام:
منهم من يقصد السفر الشرعي إلى مسجده، ثم إذا صار في مسجده فعل في مسجده المجاور لبيته الذي فيه قبره ما هو مشروع، فهذا سفر مجمع على استحبابه وقصر الصلاة فيه.
ومنهم من لا يقصد إلا مجرد القبر، ولا يقصد الصلاة في المسجد أو لا يصلي فيه، فهذا لا ريب أنه ليس بمشروع.
ومنهم من يقصد هذا وهذا.
فهذا لم يذكر في الجواب إنما ذكر في الجواب من لم يسافر إلا لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين.
ومن الناس من لا يقصد إلا القبر، لكن إذا أتى المسجد صلى فيه، فهذا أيضًا يثاب على ما فعله من المشروع كالصلاة في المسجد، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والسلام عليه، ونحو ذلك من الدعاء والثناء عليه، ومحبته، وموالاته، والشهادة له

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 404)

بالرسالة والبلاغ، وسؤال الله الوسيلة له ونحو ذلك مما هو من حقوقه المشروعة في مسجده -بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.
ومن الناس من لا يتصور ما هو الممكن المشروع من الزيارة حتى يرى المسجد والحجرة، بل يسمع لفظ زيارة قبره فيظن ذلك كما هو المعروف المعهود من زيارة / القبور أنه يصل إلى القبر ويجلس عنده ويفعل ما يفعله من زيارة شرعية أو بدعية، فإذا رأى المسجد والحجرة تبين له أنه لا سبيل لأحد أن يزور قبره كالزيارة المعهودة عند قبر غيره، وإنما يمكن الوصول إلى مسجده والصلاة فيه وفعل مايشرع للزائر في المسجد لا في الحجرة عند القبر بخلاف قبر غيره، فإذا عرف معنى أول الجواب فالمجيب لما ذكر القولين وحجة كل منهما وذكر أن يحمل قوله صلى الله عليه وسلم (لا تشد الرحال) على نفي الاستحباب وأن أصحاب القول الآخر يجيبون عنه بوجهين:
أحدهما: أن هذا تسليم لكون هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة ولا طاعة ولا هو من الحسنات، فإذًا من اعتقد أن السفر لقبور الأنبياء والصالحين قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع، وإذا سافر لاعتقاده أن ذلك طاعة كان ذلك محرمًا بإجماع المسلمين، فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة، ومعلوم أن أحدًا لا يسافر إليها إلا لذلك. وأما إذا قدّر أن الرجل يسافر إليها لغرض مباح فهذا جائز وليس من ذاك.
الوجه الثاني: أن النفي يقتضي النهي، والنهي يقتضي التحريم. فهذا الإجماع المحكي هنا هو فيمن اعتقد أن ذلك طاعة وقربة، وسافر لاعتقاده أن ذلك طاعة، فإن الذين قالوا بالجواز قالوا إن قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال الخ) يقتضي أن السفر إليها ليس بمستحب وليس هو واجبًا بالاتفاق فلا يكون قربة وطاعة، فإن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 405)

القربة والطاعة إما واجب [وإما مستحب]، وما ليس بواجب ولا مستحب فليس قربة ولا طاعة بالإجماع. / فمن اعتقد أن ذلك قربة وطاعة أو قال إنه قربة وطاعة أو فعله لأنه قربة وطاعة، فقد خالف هذا الإجماع. ولكن من علم أن الفعل ليس بطاعة ولا قربة امتنع أن يعتقده قربة وطاعة، فإن ذلك جمع بين اعتقادين متناقضين، وامتنع من أن يفعله لذلك. وإنما يعتقده قربة ويفعله على وجه التقرب من لا يعلم أنه ليس بقربة ويكون مخطئًا في هذا الاعتقاد، وإن كان خطؤه مغفورًا له؛ وهذا لا يعاقب على هذا الفعل لأنه لم يعلم تحريمه كسائر المتقربين بما نهى عنه قبل العلم بالنهي، كمن كان يصلي إلى بيت المقدس قبل العلم بالنهي، وكمن صلى في أوقات النهي ولم يعلم بالنهي، فإن الله يقول: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} [سورة الإسراء: (15)]، لكن الأفعال التي ليست واجبة ولا مستحبة لا ثواب فيها، فهؤلاء لا يثابون ولا يعاقبون.
وهذا الإجماع المذكور فيمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين لم يدخل فيه السفر لزيارة قبر نبينا صلى الله عليه وسلم على الوجه المشروع. فإن هذا السفر مستحب بإجماع المسلمين، فمن ظن أن هذا يقتضي أنه لا يستحب سفر أحد إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا مسجده ولا قبره فقد غلط، فإن هذا لم يقله أحد، والقولان حكيا في جواز القصر لمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، فإنهما قولان

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 406)

معروفان في مذهب مالك والشافعي وأحمد، ومالك وجمهور أصحابه يقولون: إن السفر لغير المساجد الثلاثة -قبور الأنبياء وغيرها- محرم حتى قبر نبينا كما صرح به مالك، ونهى الناذر عن الوفاء به. وابن عبد البر ومن وافقه جعلوا ذلك جائزًا لا يجب بالنذر، لكن لو فعله جاز، واستدلوا بإتيان مسجد قباء، وكذلك طائفة من أصحاب أحمد كأبي محمد المقدسي، / وطائفة من أصحاب الشافعي كأبي المعالي والغزالي والرافعي، حملوا هذا الحديث على نفي الاستحباب والفضيلة، وكذلك أبو حامد الإسفرائيني وأبو علي بن أبي هريرة ومن اتبعهما.
قال أبو المعالي: كان شيخي -يعني والده أبا محمد الجويني- يفتي بالمنع من شد الرحال إلى غير هذه المساجد الثلاثة. وربما كان يقول: يحرم. قال: والظاهر أنه ليس فيه تحريم ولا كراهة، وبه قال الشيخ أبو علي.
ومقصود الحديث تخصيص القربة بالمساجد الثلاثة.
وقال الشيخ أبو حامد في توجيه أحد قولي الشافعي: إنه لا يجب بالنذر، قال: يحتمل أن يريد به لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد واجبًا، ويحتمل أن يريد به لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مواضع مستحبًّا، فيحمل الحديث على نفي الوجوب مع النذر أو نفي الاستحباب.
وأما قدماء أصحاب أحمد فقولهم كقول مالك، وعليه يدل كلام أحمد، وكذلك أبو محمد الجويني وغيره من أصحاب الشافعي، وأبو محمد الجويني من أصحاب الوجوه، والوجهان في مذهب الشافعي ذكرهما أبو المعالي والرافعي وغيرهما، كما ذكر القولين أبو زكريا النووي في شرح مسلم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 407)

فقال: واختلف العلماء في شد الرحال وإعمال المطي إلى غير المساجد، كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك، فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا: هو حرام، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره قال: والصحيح عند أصحابنا وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحققون أنه لا يحرم ولا يكره.
قلت: والقاضي عياض مع مالك، وجمهور أصحابه يقولون: إن السفر إلى غير المساجد الثلاثة محرم كقبور الأنبياء. فقول القاضي عياض: إن زيارة قبره سنة مجمع عليها وفضيلة / مرغب فيها، أراد به الزيارة الشرعية كما ذكره مالك وأصحابه من أنه يسافر إلى مسجده ثم يصلى عليه ويسلم عليه كما ذكروه في كتبهم.
وقد قال القاضي عياض في هذا الفصل -فصل الزيارة- قال بعضهم: رأيت أنس بن مالك أتى إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم انصرف.
قال: وقال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا يقف بوجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدنو ويسلم ولا يمس القبر بيده.
وقال في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، ولكن يسلم ويمضي. فهذا مالك لم يستحب إلا السلام خاصة كما كان ابن عمر يفعل، قال نافع: رأيت ابن عمر يسلم على القبر، رأيته مائة مرة وأكثر يجيء إلى القبر فيقول:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 408)

السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف.
قال مالك في رواية ابن وهب: يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
قال القاضي عياض: وعن ابن قسيط والقعنبي كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخلوا المسجد مسوا رمانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة يدعون. فهذا المنقول عن الصحابة أنهم كانوا يدعون في الروضة من ناحية المنبر لا من ناحية الحجرة، ويمسكون بميامنهم رمانة المنبر.
وقد ذكرنا في مواضع اختلاف العلماء عند السلام عليه هل يستقبل الحجرة ويستدبر القبلة كما قال مالك، أو يستقبل القبلة كما قال أبو حنيفة؟ وفي مذهب أحمد نزاع، والمشهور عند أصحابه كما قال مالك.
وفي منسك المروذي الذي نقله عن أحمد أنه قال في السلام على النبي صلى الله عليه وسلم: ولا تستقبل الحائط، وخذ مما يلي صحن المسجد فسلم على أبي بكر وعمر.
وقال: فإذا أردت الخروج فأت المسجد وصل ركعتين وودع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل سلامك الأول، وسلم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وحول

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 409)

وجهك إلى القبلة وسل الله حاجتك متوسلاً إليه بنبيه صلى الله عليه وسلم تقض من الله عز وجل. فقد نهاه عن استقبال حائط القبر. وأمره إذا سلم على الشيخين أن يأخذ مما يلي صحن المسجد، وهذا يقتضي أن يسلم عليهم مستقبل الحجرة بحيث يكون مستقبلاً للمغرب مستدبرًا للمشرق والقبلة عن يمينه ويسلم عليه عند رأسه. فإذا أراد السلام على الشيخين أخذ مما يلي صحن المسجد لا يستقبل حائط المسجد من جهة القبلة بل ينصرف عن يساره إلى رأسيهما فيسلم عليهما هناك. وهذا السلام واستقبال القبلة هو الذي يفهم من سلام ابن عمر، فإنه كان يسلم قبل أن تدخل الحجرة في المسجد ولم يكن حينئذ (*) يمكن أحدًا أن يستقبل الحجرة ويستدبر القبلة فإن قبلي الحجرة لم يكن من المسجد ولا كان منفصلاً طريقًا، بل كان متصلاً بحجرة حفصة وغيرها. فعلم أن ابن عمر وغيره من الصحابة لم يكن يمكنهم السلام من جهة القبلة جهة الوجه، بل كانوا يكونون إما مستقبلاً للقبلة والحجرة النبوية عن يساره، كما قال أبو حنيفة، أو يستقبل الحجرة ويستدبر المغرب كما قال أحمد.
وهذا يوافق سلام ابن عمر وغيره من الصحابة، فإنهم لم يكونوا يسلمون عند وجهه.--------------------------------------------
(*) قال معد الكتاب للشاملة: في الأصل المطبوع كتبت: (حيئذ)، وهو خطأ، فتم تصحيحه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 410)

وما ذكره القاضي عياض عن أنس بن مالك لا يدل على هذا القول، بل يدل على قول أبي حنيفة، فإنه ذكر عن بعضهم قال: رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فوقف فرفع (*) يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة، فسلم على / النبي صلى الله عليه وسلم ثم انصرف. فقول الراوي إنه رفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة دليل على أنه كان مستقبل القبلة، فإن المصلي لا بد أن يستقبلها، ولو كان يستقبل الحائط من ناحية القبلة أو من الغرب لم يظن أنه يصلي فإن أحدًا لا يصلي إلى الشمال ولا المشرق.
لكن روى القاضي إسماعيل بن إسحاق في المصنف الذي له في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قال: حدثني إسحاق بن محمد الفروي حدثنا عبيد الله بن عمر حدثنا نافع أن ابن عمر كان إذا قدم من سفر صلى السجدتين في المسجد ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فيضع يده اليمنى على قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويستدبر القبلة ثم يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسلم على أبي بكر وعمر. فهذه الرواية فيها نظر، فإن فيها خلاف ما قد جاء عن مالك وأحمد من فعل ابن عمر أنه كان يدنو إلى القبر ولا يمسه.--------------------------------------------
(*) قال معد الكتاب للشاملة: في الأصل المطبوع كتبت: (فرع)، وهو خطأ، فتم تصحيحه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 411)

وحديث ابن عمر هذا رواه مالك عن نافع وعن عبد الله بن دينار، ورواه عن نافع أيوب السختياني وغيره، وعن أيوب حماد بن زيد ومعمر، وقد ذكر ذلك مالك وغيره أنه لا يمس القبر وكذلك كان سائر علماء المدينة، وكذلك قال أحمد إن ابن عمر فعل ذلك.
قال أبو بكر الأثرم قلت لأحمد بن حنبل: قبر النبي صلى الله عليه وسلم يمس ويتمسح به؟ فقال: ما أعرف هذا، قلت له: فالمنبر؟ قال: أما المنبر فنعم قد جاء فيه -قال أبو عبد الله- شيء يروونه عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن عمر أنه كان يمسح على المنبر.
وقال: ويروونه عن سعيد بن المسيب في الرمانة، قلت: ويروونه عن يحيى بن سعيد أنه حيث أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا. فرأيته استحسنه.
ثم قال: لعله عند الضرورة والشيء قيل لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر.
وقلت له: أرأيت أهل العلم من أهل / المدينة لا يرونه ويقومون ناحية فيسلمون عليه، فقال أبو عبد الله: نعم، وهكذا كان ابن عمر يفعل ثم قال أبو

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 412)