لكن هؤلاء لم يكن لهم في حياته صلى الله عليه وسلم من التمييز ما ينقلون عنه أقواله وأفعاله التي ينقلها الصحابة، مثل ما ينقله جابر وسهل بن سعد وغيرهما. وأما ابن عمر فكان قد مات قبل ذلك عام قتل ابن الزبير بمكة سنة ثنتين وسبعين، وابن عباس مات قبل ذلك بالطائف سنة بضع وستين، فهؤلاء وأمثالهم من الصحابة لم يدرك أحد منهم تغيير المسجد وإدخال الحجر فيه، وأنس بن مالك كان بالبصرة لم يكن بالمدينة، وقد قيل إنه آخر من مات بها من الصحابة.
وكانت حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم / شرقي المسجد وقبليه، وقيل وشاميه، فاشتريت من ملاكها ورثة أزاجه صلى الله عليه وسلم وزيدت في المسجد فدخلت حجرة عائشة.
وكان الذي تولى ذلك عمر بن عبد العزيز نائب الوليد على المدينة، فسد باب الحجرة وبنوا حائطًا آخر عليها غير الحائط القديم، فصار المسلم عليه من وراء الجدار أبعد من المسلم عليه لما كان جدارًا واحدًا.
قال هؤلاء: ولو كان سلام التحية الذي يرده على صاحبه مشروعًا في المسجد كان له حد ذراع أو ذراعين أو ثلاثة، فلا يعرف الفرق بين المكان الذي يستحب فيه هذا السلام، والمكان الذي لا يستحب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
فإن قيل: من سلم عليه عند الحائط الغربي رد عليه.
قيل: وكذلك من كان خارج المسجد وإلا فما الفرق، وحينئذ فيلزم أن يرد على جميع أهل الأرض، وعلى كل مصل في كل صلاة كما ظنه بعض الغالطين، ومعلوم بطلان ذلك.
وإن قيل: يختص بقدر بين المُسلِّم وبين الحجرة، قيل: فما حد ذلك؟ وهم لهم قولان: منهم من يستحب القرب من الحجرة، كما استحب ذلك مالك وغيره، ولكن يقال فما حد ذلك القرب؟ وإذا جعل له حد فهل يكون من خرج عن الحد فعل المستحب؟ وآخرون من المتأخرين يستحبون التباعد عن الحجرة، كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبي حنيفة والشافعي، فهل هو بذراع أو باع أو أكثر؟ وقدره من قدره من أصحاب أبي حنيفة بأربعة أذرع، فإنهم قالوا يكون حين يسلم عليه يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره ولا يدنو أكثر من ذلك.
وهذا والله أعلم قاله المتقدمون، لأن المقصود به السلام المأمور به في القرآن كالصلاة عليه، ليس المقصود به سلام التحية الذي يرد جواب المسلم عليه، فإن هذا لا يشرع فيه هذا البعد ولا يستقبل به القبلة ولا يسمع إذا كان بالصوت المعتاد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)
وبالجملة فمن قال إنه يسلم سلام التحية الذي يقصد به / الرد فلا بد له من أن يحد مكان ذلك، يقال إلى أين يسمع ويرد السلام؟ فإن حد في ذلك ذراعًا أو ذراعين أو عشرة أذرع أو قال إن ذلك في المسجد كله أو خارج المسجد فلا بد له من دليل، والأحاديث الثابتة عنه فيها (إن الملائكة يبلغونه صلاة من يصلي عليه، وسلام من يسلم عليه) ليس في شيء منها أنه يسمع بنفسه صلى الله عليه وسلم ذلك، فمن زعم أنه يسمع ويرد من خارج الحجرة من مكان دون مكان فلا بد له من حد.
ومعلوم أنه ليس في ذلك حد شرعي، ولا أحد يحد في ذلك حدًّا إلا عورض بمن يزيده أو ينقصه ولا فرق.
وأيضا فذلك يختلف بارتفاع الأصوات وانخفاضها، والسنة في السلام عليه خفض الصوت، ورفع الصوت في مسجده منهي عنه بالسلام والصلاة وغير ذلك، بخلاف المسلم من الحجرة فإنه فرق ظاهر بينه وبين المسلم عليه من المسجد.
ثم السنة لمن دخل مسجده أن يخفض صوته، فإن المسلم عليه إن رفع الصوت أساء الأدب برفع الصوت في المسجد، وإن لم يرفع لم يصل الصوت إلى داخل الحجرة، وهذا بخلاف السلام الذي أمر الله به ورسوله الذي يسلم الله على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
صاحبه كما يصلي على من صلى عليه، فإن هذا مشروع في كل مكان لا يختص بالقبر.
وبالجملة فهذا الموضع فيه نزاع قديم بين العلماء ، وعلى كل تقدير فلم يكن عند أحد من العلماء الذين استحبوا سلام التحية في المسجد حديث في استحباب زيارة قبره يحتجون به، فعلم أن هذه الأحاديث ليست مما يعرفه أهل العلم.
ولهذا لما تتبعت وجدت رواتها إما كذاب وإما ضعيف سيء الحفظ ونحو ذلك كما قد بين في غير هذا الموضع، وهذا الحديث الذي فيه (ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام / قد احتج به أحمد وغيره من العلماء، وقيل: هو على شرط مسلم ليس على شرط البخاري، وهو معروف من حديث حيوة بن شريح المصري الرجل الصالح الثقة عن أبي صخر عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي هريرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)
وقد أخرج مسلم حديثًا بهذا الإسناد، وأبو صخر هذا متوسط. ولهذا اختلف فيه عن يحيى بن معين، فمرة قال: هو ضعيف، ووافقه النسائي، ومرة قال: لا بأس به، ووافقه أحمد.
فلو قدر أن هذا الحديث مخالف لما هو أصح منه وجب تقديم ذاك عليه، ولكن السلام على الميت ورده السلام على من سلم عليه قد جاء في غير هذا الحديث.
ولو أريد إثبات سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الحديث لكان هذا مختلفًا فيه، فالنزاع في إسناده وفي دلالة متنه. ومسلم روى بهذا الإسناد قوله صلى الله عليه وسلم (من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم اتبعها حتى تدفن كان له قيراطان من الأجر كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد)، وهذا الحديث قد رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة وعائشة من غير هذا الطريق، ومسلم قد يروي عن الرجل في المتابعات ما لا يرويه فيما انفرد به، وهذا معروف منه في عدة رجال يفرق بين من يروي عنه ما هو معروف من رواية غيره وبين من يعتمد عليه فيما ينفرد به، ولهذا كان كثير من أهل العلم يمتنعون أن يقولوا في مثل ذلك هو على شرط مسلم أو البخاري كما بسط هذا في موضعه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
الوجه الثامن: أنه لو كان في هذا الباب حديث صحيح لم يخف على الصحابة والتابعين بالمدينة، ولو كان ذلك معروفًا عندهم لم يكره أهل العلم بالمدينة -مالك وغيره- أن يقول القائل: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم فلما كرهوا هذا القول دل على أنه ليس عندهم فيه أثر، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة.
الوجه التاسع: أن الذين كرهوا / هذا القول والذين لم يكرهوه من العلماء متفقون على أن السفر إلى زيارة قبره صلى الله عليه وسلم إنما هو سفر إلى مسجده، ولو لم يقصد إلا السفر إلى القبر لم يمكنه أن يسافر إلا إلى المسجد، لكن قد يختلف الحكم بنيته كما تقدم.
وأما زيارة قبره كما هو معروف في زيارة القبور فهذا ممتنع غير مقدور ولا مشروع، وبهذا يظهر أن قول الذين كرهوا أن يسمى هذا زيارة لقبره صلى الله عليه وسلم وهم أولى بالصواب، فإن هذا ليس زيارة لقبره، ولا فيه ما يختص بالقبر، بل كل ما يفعل فإنما هو عبادة تفعل في المساجد كلها وفي غير المساجد أيضًا، ومعلوم أن زيارة القبر لها اختصاص بالقبر، ولما كانت زيارة قبره المشروعة إنما هي سفر إلى مسجده وعبادة في مسجده ليس فيها ما يختص بالقبر كان قول من كره أن يسمى هذا زيارة لقبره أولى بالشرع والعقل واللغة، ولم يبق إلا السفر إلى مسجده، وهذا مشروع بالنص والإجماع، والذين قالوا تستحب زيارة قبره إنما أرادوا هذا. فليس بين العلماء خلاف في المعنى بل في التسمية والإطلاق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)
والمجيب لم يحك نزاعًا في استحباب هذه الزيارة الشرعية التي تكون في مسجده، وبعضهم يسميها زيارة لقبره وبعضهم يكره أن تسمى زيارة لقبره، وإذا كان المجيب يستحب ما يستحب بالنص والإجماع وقد ذكر ما فيه النزاع، كان الحاكي عنه خلاف ذلك كاذبًا مفتريًا يستحق ما يستحقه أمثاله من المفترين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)
فصل
قال المعترض:
ـ[وتضافرت النقول عن الصحابة والتابعين وعن السادة العلماء المجتهدين بالحض على ذلك والندب إليه، والغبطة لمن سارع لذلك وداوم عليه، حتى نحا بعضهم في ذلك إلى الوجوب، ورفعه عن درجة المباح والمندوب، ولم يزل الناس مطبقين على ذلك قولاً وعملاً (*)، لا يشكون في ندبه ولا يبغون عنه / حولاً، وفي مسند ابن أبي شيبة (من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيًا سمعته).]ـ
هكذا في النسخة التي أحضرت إلي مكتوبة عن المعترض، وقد صحح على قوله (سمعته) وهو غلط، فإن لفظ الحديث (من صلى علي عند قبري سمعته ومن صلى علي نائيًا بلغته) هكذا ذكره الناس، وهكذا ذكره القاضي عياض عن ابن أبي شيبة. وهذا المعترض عمدته في مثل هذا الكتاب القاضي عياض.--------------------------------------------
(*) قال معد الكتاب للشاملة: في الأصل المطبوع: (عملاً قولاً)، وهو خطأ. وتم التصويب من رد شيخ الإسلام على هذه الجملة في ص354، وكذلك من نسخة أخرى مطبوعة للكتاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)
وهذا الحديث قد رواه البيهقي وغيره من حديث العلاء بن عمرو الحنفي حدثنا أبو عبد الرحمن عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيًا بلغته) قال البيهقي: أبو عبد الرحمن هذا هو محمد بن مروان السدي فيما أرى، وفيه نظر، وقد مضى ما يؤكده.
قلت: هو تبليغ صلاة أمته وسلامهم عيه كما في الأحاديث المعروفة مثل الحديث الذي في سنن أبي داود وغيره عن حسين الجعفي. حدثنا عبد الرحمن بن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)
يزيد بن جابر عن أبي الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس الثقفي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي) قالوا: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت، يقولون بليت، فقال: (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء).
وهذا الحديث رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ورواه أبو حاتم، قال البيهقي وله شواهد، وروى حديثين عن ابن مسعود وأبي أمامة، وله شواهد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)
أجود مما ذكره البيهقي.
منها ما رواه ابن ماجة: حدثنا عمرو بن سواد البصري حدثنا عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أيمن عن عبادة بن نسي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدًا لم يصل علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها).
قال قلت: وبعد الموت؟ قال: (وبعد الموت، إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)
ورواه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تهذيب الآثار من حديث سعيد بن أبي هلال كما تقدم.
ومنها ما رواه أبو داود وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم) وهذا له شواهد مراسيل من وجوه مختلفة يصدق بعضها بعضًا، منها ما رواه سعيد بن منصور في سننه: حدثنا حبان بن علي حدثنا محمد بن عجلان عن أبي سعيد مولى المهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تتخذوا بيتي عيدًا ولا بيوتكم قبورًا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني).
وقال سعيد: حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال (هلم إلى العشاء) فقلت لا أريده. فقال: (ما لي رأيتك عند القبر؟) فقلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم. فقال (إذا دخلت المسجد فسلم عليه) ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تتخذوا بيتي عيدًا ولا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم) ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 344)
ورواه إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتاب فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولفظه قال: ما لي رأيتك وفقت؟ قلت: وفقت أسلم على النبي صلى الله عليه وسلم / فقال: إذا دخلت المسجد فسلم. وذكر الحديث ولم يذكر قول الحسن.
وقال إسماعيل: حدثنا إبراهيم بن الحجاج عن وهيب عن أيوب السختياني قال: بلغني والله أعلم أن ملكًا موكل بكل من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم حتى يبلغه.
وأما السلام ففي النسائي وغيره من حديث سفيان الثوري عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام).
وفي الحديث الذي تقدم من رواية أبي يعلى الموصلي، وقد تقدم إسناده عن علي بن الحسين أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها، فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)
قال: (لا تتخذوا بيتي عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم).
فهذه الأحاديث المعروفة عند أهل العلم التي جاءت من وجوه حسان يصدق بعضها بعضًا، وهي متفقة على أنه من صلى عليه وسلم عليه من أمته فإن ذلك يبلغه ويعرض عليه، وليس في شيء منها أنه يسمع صوت المصلي والمسلّم بنفسه، إنما فيها أن ذلك يعرض عليه ويبلغه صلى الله عليه وسلم في مدينته ومسجده أو مكان آخر.
فعلم أن ما أمر الله به من ذلك فإنه يبلغه، وأما من سلم عليه عند قبره فإنه يرد عليه ذلك كالسلام على سائر المؤمنين ليس هو من خصائصه ولا هو السلام المأمور به الذي يسلم الله على صاحبه عشرًا كما يصلي على من صلى عليه عشرًا، فإن هذا هو الذي أمر الله به في القرآن وهو لا يختص بمكان دون مكان.
وقد تقدم حديث أبي هريرة أنه يرد السلام على من سلم عليه، والمراد عند قبره، لكن النزاع في معنى كونه عند القبر، هل المراد به في بيته، كما يراد مثل ذلك في سائر ما أخبر به من سماع الموتى إنما هو لمن كان عند قبورهم قريبًا / منها، أو يراد به من كان في المسجد أيضًا قريبًا من الحجرة كما قاله طائفة من السلف والخلف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)
وهل يستحب ذلك عند الحجرة لمن قدم من سفر أو لمن أراده من أهل المدينة، أو لا يستحب بحال؟ وليس الاعتماد في سماعه ما يبلغه من صلاة أمته وسلامهم إلا على هذه الأحاديث الثابتة.
فأما ذاك الحديث وإن كان معناه صحيحًا فإسناده لا يحتج به وإنما يثبت معناه بأحاديث أخر، فإنه لا يعرف إلا من حديث محمد بن مروان السدي الصغير عن الأعمش كما ظنه البيهقي، وما ظنه في هذا هو متفق عليه عند أهل المعرفة بالحديث، وهو عندهم موضوع على الأعمش، قال عباس الدوري عن يحيى بن معين: محمد بن مروان ليس بثقة.
وقال البخاري: سكتوا عنه، لا يكتب حديثه ألبته.
وقال الجوزجاني: ذاهب الحديث.
وقال النسائي: متروك الحديث.
وقال صالح جزرة: كان يضع الحديث.
وقال أبو حاتم الرازي والأزدي: متروك الحديث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)
وقال الدارقطني: ضعيف.
وقال ابن حبان: لا يحل كتب حديثه لا اعتبارًا ولا للاحتجاج به بحال.
وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ، والضعف على رواياته بين.
فهذا الكلام على ما ذكره من الحديث مع أنا قد بينا صحة معناه بأحاديث أخر. وهو لو كان صحيحًا فإنما فيه أنه يبلغ صلاة من صلى عليه نائيًا ليس فيه أنه يسمع ذلك كما وجدته منقولاً عن هذا المعترض فإنهذا لم يقله أحد من أهل العلم ولا يعرف في شيء من الحديث، وإنما يقوله بعض المتأخرين الجهال، يقولون: إنه ليلة الجمعة ويوم الجمعة يسمع بأذنيه صلاة من يصلي عليه.
فالقول إنه يسمع ذلك من نفس المصلي باطل، وإنما في الأحاديث المعروفة أنه يبلغ ذلك ويعرض عليه، وكذلك السلام تبلغه إياه الملائكة.
وقول القائل إنه يسمع الصلاة من البعيد ممتنع، فإنه إن أراد وصول صوت المصلي / إليه فهذه مكابرة، وإن أراد أنه هو يكون بحيث يسمع أصوات الخلائق من بعيد فليس هذا إلا الله رب العالمين الذي يسمع أصوات العباد كلهم، قال تعالى: {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون} [سورة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)
الزخرف: (80)]، وقال {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم} الآية [سورة المجادلة: (7)].
وليس أحد من البشر بل ولا من الخلق يسمع أصوات العباد كلهم، ومن قال هذا في بشر فقوله من جنس قول النصارى الذين يقولون إن المسيح هو الله وإنه يعلم ما يفعله العباد ويسمع أصواتهم ويجيب دعاءهم، قال تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم -إلى قوله- والله هو السميع العليم} [سورة المائدة: (72 - 76)]، فلا المسيح ولا غيره من البشر ولا أحد من الخلق يملك لأحد من الخلق لا ضرًّا ولا نفعًا بل ولا لنفسه، وإن كان أفضل الخلائق، قال تعالى: {قل إني لا أملك لكم ضرًّا ولا رشدًا} [سورة الجن: (21)]، وقال {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك} الآية [سورة الأنعام: (50)]، وقال: {قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير [وما مسني السوء]} الآية [سورة الأعراف: (188)]. وقوله {إلا ما شاء الله} فيه قولان: قيل هو استثناء متصل وإنه يملك من ذلك ما ملكه الله، وقيل هو منقطع، والمخلوق لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا بحال، فقوله {إلا ما شاء الله} استثناء منقطع، أي لكن يكون من ذلك ما شاء الله كقول الخليل عليه السلام {ولا أخاف ما تشركون به} ثم قال {إلا أن يشاء ربي شيئًا} [سورة الأنعام: (80)]، أي لا أخاف أن تفعلوا شيئًا، لكن إن شاء ربي شيئًا كان وإلا لم يكن، وإلا فهم لا يفعلون شيئًا. وكذلك قوله {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة -ثم قال- إلا من شهد بالحق [وهم يعلمون]} [سورة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
(*) الزخرف: (86)]، فيه قولان: أصحهما أنه استثناء منقطع، أي لكن من شهد بالحق تنفعه الشفاعة وتنفع شفاعته كقوله {ولا تنفع الشفاعة / عنده إلا لمن أذن له} [سورة الأنبياء: (23)]، وقال {قل لله الشفاعة جميعًا} [سورة الزمر: (44)]، وبسط هذا له موضع آخر.--------------------------------------------
(*) قال معد الكتاب للشاملة: في الأصل المطبوع تكرر في بداية هذه الصفحة ما جاء في نهاية الصفحة السابقة، وهي العبارة التالية: ({دونه الشفاعة -ثم قال- إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} سورة). فتم حذفها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)
فصل
وأما ما ذكره من تضافر النقول عن السلف بالحض على ذلك وإطباق الناس عليه قولاً وعملاً فيقال: الذي اتفق عليه السلف والخلف وجاءت به الأحاديث الصحيحة هو السفر إلى مسجده والصلاة والسلام عليه في مسجده وطلب الوسيلة له وغير ذلك مما أمر الله به ورسوله، فهذا السفر مشروع باتفاق المسلمين سلفهم وخلفهم، هذا هو مراد العلماء الذين قالوا إنه يستحب السفر إلى زيارة قبر نبينا صلى الله عليه وسلم فإن مرادهم بالسفر إلى [زيارته هو السفر إلى] مسجده، وذكروا في مناسك الحج أنه يستحب زيارة قبره، وهذا هو مراد من ذكر الإجماع على ذلك كما ذكر القاضي عياض.
قال: وزيارة قبره سنة بين المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها. فمرادهم الزيارة التي بينوها وشرحوها، كما ذكر القاضي عياض في هذا الفصل، فصل زيارة قبره.
قال: وقال إسحاق بن إبراهيم الفقيه: ومما لم يزل من شأن من حج المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والتبرك برؤية روضته ومنبره وقبره ومجلسه وملامس يديه ومواطئ قدميه والعمود الذي كان يستند إليه وينزل جبريل بالوحي فيه عليه، وبمن عمره وقصده من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، والاعتبار بذلك كله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)
قلت: وذلك أن لفظ زيارة قبره ليس المراد بها نظير المراد بزيارة قبر غيره، فإن قبر غيره يوصل إليه ويجلس عنده ويتمكن الزائر مما يفعله الزائرون للقبور عندها من سنة وبدعة، وأما هو صلى الله عليه وسلم فلا سبيل لأحد يصل إلى مسجده أن أن يدخل بيته ولا يصل إلى قبره بل دفنوه في بيته، بخلاف غيره فإنهم دفنوا في الصحراء كما في الصحيحين عن عائشة [رضي الله عنها] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في / مرض موته (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما فعلوا، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن خشي أن يتخذ مسجدًا. فدفن في بيته لئلا يتخذ قبره مسجدًا ولا عيدًا ولا وثنًا.
فإن في سنن أبي داود من حديث أحمد بن صالح عن عبد الله بن نافع أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم).
وفي الموطأ وغيره عنه أنه قال: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
وفي صحيح مسلم عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك)، فلما لعن من يتخذ القبور مساجد تحذيرًا لأمته من ذلك ونهاهم [عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)