وأما قبر النبي صلى الله عليه وسلم فالسفر إلى زيارته هو السفر إلى مسجده، والسفر إلى مسجده مستحب بالإجماع ليس من مسائل النزاع.
وكل من علم أنه إنما يصل إلى مسجده، وعلم أنه مسجده الذي كان يصلي فيه هو وأصحابه، وأنه أفضل المساجد بعد المسجد الحرام أو مطلقًا، وأنه صلى الله عليه وسلم جعل الصلاة فيه بألف صلاة، وأنه قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) ونحو ذلك وهو مؤمن بالرسول صلى الله عليه وسلم، فلا بد أن يقصد -إذا سافر إلى هناك- السفر إلى مسجده لا يمكن مع علمه بذلك وإيمانه بالرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يقصد السفر إلى مسجده، فلا يقصد السفر إلى القبر دون المسجد إلا جاهل أو كافر، لكن كثير من الناس قد عرفوا فضيلة مسجده والسفر إليه فهم يقصدون ذلك ويقصدون السفر إلى القبر أيضًا، ثم منهم من يستوي عنده القصدان، ومنهم من يكون قصد المسجد أقوى عنده، ومنهم من يكون قصد القبر أقوى عنده.
وهؤلاء يظنون أن قصد السفر إلى قبره من المحبة له والتعظيم، وأن ذلك أعظم من قصد السفر إلى مسجده، وهم غالطون في ذلك، فإن السفر إلى المسجد الحرام الذي بناه إبراهيم والتأسي بإبراهيم فيما كان يفعله هناك من الحج أفضل من زيارة قبر إبراهيم بالكتاب والسنة والإجماع، بل الحج كما حج إبراهيم قد فرضه الله على عباده، والسفر إلى غير المساجد الثلاثة قد نهى عنه. وكذلك السفر إلى بيت المقدس هو أفضل من السفر إلى قبر سليمان الذي بناه بعد إبراهيم، وكذلك السفر إلى مسجد / نبينا صلى الله عليه وسلم والتأسي به فيما كان يفعله فيه من العبادات وفعل ما رغب في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
فعله في المسجد هو الذي يصدر عن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ومحبته وتعظيمه دون السفر إلى مجرد قبره.
ولو قدر أن شخصًا سافر إلى قبر إبراهيم ولم يسافر إلى مسجده -المسجد الحرام- وهو الحج واعتقد أنهما سواء، أو أن السفر إلى قبره أفضل كان كافرًا. وكذلك بيت المقدس، من اعتقد أن السفر إلى قبر سليمان أفضل من السفر إليه أو هما سواء كان كافرًا.
كذلك السفر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، من اعتقد أن السفر إلى مجرد القبر أفضل من السفر إلى المسجد أو مثله فهو إما جاهل بشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم وإما كافر به. وهؤلاء نظير الذي يعتقد أن السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين مثل الحج أو أفضل من الحج. وهذا لا يعتقده إلا جاهل مفرط في الجهل بدين الإسلام، أو كافر مشاق للرسول صلى الله عليه وسلم من بعد ما تبين له الهدى متبع غير سبيل المؤمنين.
فمن لم يفرق بين السفر المشروع إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وزيارة قبره السفر الشرعي والزيارة الشرعية المجمع على استحبابها وبين السفر إلى قبر غيره فهو إما جاهل بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وإما كافر بالرسول صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: كيف يزور قبره مع كونه كافرًا به؟ قيل: كثير من الناس يعظمون الرسول صلى الله عليه وسلم ويعتقدون أنه من أفضل الناس، ولكن يقولون أنهم لا يجب عليهم اتباعه وطاعته بل لهم طريق إلى الله تغنيهم عنه، وقد يقولون إن طريقهم أفضل من طريقه كما يعتقد كثير من اليهود والنصارى أنه كان مبعوثًا إلى الأميين لا إليهم فهم يعظمونه ظاهرًا وباطنًا. لكن يقولون: لا يجب علينا اتباعه، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
وكذلك كثير ممن يظهر الإسلام يثبتون نبوته على رأي الفلاسفة، وأنه كان صاحب قوة قدسية، وقد يفضلونه على جميع الخلق، ومع هذا لا يقرون بما جاء به ولا يوجبون على أنفسهم اتباعه ظاهرًا وباطنًا، بل ويقولون: هو رسول إلى العامة، أو إلى الجميع في الشرائع الظاهرة دون الحقائق الباطنة والحقائق العقلية. كما يقول مثل هذا كثير ممن يظهر الإسلام. وهؤلاء من أشد الناس تعظيمًا للقبور / والسفر إليها ودعاء أصحابها، ولهم في ذلك كلام ذكرناه في غير هذا الموضع. وهؤلاء وأمثالهم قد يقولون إن زيارة قبره وقبر من هو دونه أفضل من الحج إلى البيت الحرام ومن صلاة الجمعة والجماعة في مسجده وغير مسجده.
والمقصود أن هذا المعترض وأمثاله لم يفرقوا بين السفر إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيارته المجمع على استحبابها وبين السفر إلى زيارة قبر غيره وإن كان عنده مسجد، فإن ذلك مجمع على عدم استحبابه، بل سووا بين المستحب بالنص والإجماع وبين ما ليس بمستحب بالنص والإجماع، وظنوا أن المجيب سوى بينهما في نفي الاستحباب فقابلوه بأن سووا بينهما في الاستحباب، فوقعوا في أنواع من الباطل المخالف للكتاب والسنة والإجماع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
ولو قال قائل: إنّ إتيان المساجد لا يستحب ولا يشرع كان كافرًا حلال الدم، ولو قال قائل: لا يسافر إلى مسجد إلا إلى ثلاثة مساجد لكان قد قال ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم وقاله علماء المسلمين. فمن لم يفرق بين هذا وهذا كان من أجهل الناس.
وكذلك لو قال: لا يستحب السفر إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وزيارته المشروعة [في المسجد] كالصلاة والسلام عليه كان مخالفًا للإجماع. لكن من العلماء من لا يسمي هذا زيارة لقبره ويكره هذه التسمية. وهذا القول أشبه بالمعقول والمنقول.
ولو قال يستحب السفر إلى جميع القبور والصلاة في المساجد المبنية عليها لكان مخالفًا للنص والإجماع.
وهب أن المعارض سوى بينهما في نظره وجوابه، كيف يحل له أن يكذب على غيره ويحكي عنه التسوية بينهما في التحريم ويقول إنه حكى إجماع المسلمين على تحريم الزيارة مطلقًا بسفر وغير سفر.
ونحن نحكي لفظ الجواب الذي اعترض عليه لينظر ما نقله عنه وأبطله منه: هل هو صدق وعدل، أم لا؟
ولفظ السؤال:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
(ما تقول السادة العلماء في رجل نوى زيارة قبور الأنبياء والصالحين مثل قبر نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره، فهل يجوز له في سفره أن يقصر الصلاة؟ وهل هذه الزيارة شرعية أم لا؟ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم / أنه قال: (من حج ولم يزرني فقد جفاني، ومن زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي)، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا).
ولفظ الجواب: (الحمد لله، أما من من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين فهل يجوز له قصر الصلاة؟ على قولين معروفين.
أحدهما: -وهو قول متقدمي العلماء الذين لا يجوزون القصر في سفر المعصية، ويقولون إن هذا سفر معصية كأبي عبد الله بن بطة وأبي الوفاء بن عقيل وطوائف كثيرين من العلماء المتقدمين- أنه لا يجوز القصر في مثل هذا السفر، لأنه سفر منهي عنه. ومذهب الشافعي ومالك وأحمد أن السفر المنهي عنه لا تقصر فيه الصلاة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
والقول الثاني: أنه يقصر فيه الصلاة وهذا يقوله من يجوز القصر في السفر المحرم كأبي حنيفة، ويقوله بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ممن يجوز السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين كأبي حامد الغزالي وأبي محمد المقدسي وأبي الحسن بن عبدوس الحراني، وهؤلاء يقولون: إن هذا السفر ليس بمحرم لعموم قوله: (فزوروا القبور).
وقد يحتج بعض من لا يعرف الحديث بالأحاديث المروية في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم كقوله: (من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي) رواه الدارقطني. وأما ما يذكره بعض الناس من قوله صلى الله عليه وسلم (من حج ولم يزرني فقد جفاني) فهذا لا يرويه أحد من العلماء، وهذا مثل قوله: (من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له [على الله] الجنة) فإن هذا أيضًا باطل [باتفاق العلماء] لم يروه أحد ولم يحتج به أحد، وإنما يحتج بعضهم بحديث الدارقطني).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
وقد زاد فيها المجيب حاشية بعد ذلك: (ولكن هذا وإن كان لم يروه أحد من العلماء في كتب الفقه والحديث -لا محتجًّا به ولا معتضدًا به- ولكن ذكره أبو أحمد ابن عدي في: كتاب الضعفاء، ليبين به ضعف راويه، فذكره من حديث النعمان بن شبل الباهلي المصري عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي / صلى الله عليه وسلم قال: (من حج ولم يزرني فقد جفاني) قال ابن عدي: لم يروه عن مالك غير هذا، يعني وقد علم أنه ليس من حديث مالك فعلم أن الآفة من جهته.
قال موسى بن هارون: كان النعمان هذا متهمًا.
وقال أبو حاتم بن حبان: يأتي عن الثقات بالطامات.
وقال الدارقطني: الطعن في الحديث من محمد بن محمد لا من النعمان. وأما الحديث الآخر (من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة) فهذا ليس في شيء من الكتب، لا بإسناد موضوع ولا غير موضوع، وقد قيل إن هذا لم يسمع في الإسلام حتى فتح المسلمون بيت المقدس في زمن صلاح الدين، فلهذا لم يذكر أحد من العلماء لا هذا ولا هذا لا على سبيل الاعتضاد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
ولا على سبيل الاعتماد، بخلاف الحديث الذي تقدم فإنه قد ذكره جماعة ورووه، وهو معروف من حديث حفص بن سليمان الغاضري القارئ صاحب عاصم عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي). وقد اتفق أهل العلم بالحديث على الطعن في حديث حفص هذا دون قراءته.
قال البيهقي في شعب الإيمان: وقد روى حفص بن أبي داود -وهو ضعيف- عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
قال يحيى بن معين في حفص هذا: ليس بثقة. وهو أصح قراءة من أبي بكر بن عياش، وأبو بكر أوثق منه.
وفي رواية عنه: كان حفص أقرأ من أبي بكر، وكان أبو بكر صدوقًا، وكان حفص كذابًا.
وقال البخاري: تركوه.
وقال مسلم بن الحجاج: متروك.
وقال علي بن المديني: ضعيف الحديث تركته على عمد.
وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه، وقال مرة: متروك.
وقال صالح بن محمد البغدادي: لا يكتب حديثه، وأحاديثه كلها مناكير.
وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث.
وقال أبو حاتم الرازي: لا يكتب حديثه، وهو ضعيف الحديث لا يصدق، متروك الحديث.
وقال عبد الرحمن بن خراش: / هو كذوب متروك يضع الحديث.
وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث.
وقال ابن عدي: عامة أحاديثه عمن روى عنه غير محفوظة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
وفي الباب حديث آخر رواه البزار والدارقطني وغيرهما من حديث موسى بن هلال: حدثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من زار قبري وجبت له شفاعني) قال البيهقي -وقد روى هذا الحديث- ثم قال: وقد قيل: عن موسى عن عبيد الله قال: وسواء قال عبد الله أو عبيد الله فهو منكر عن نافع عن ابن عمر، لم يأت به غيره.
وقال العقيلي في موسى بن هلال هذا: لا يتابع على حديثه.
وقال أبو حاتم الرازي: هو مجهول.
وقال أبو زكريا النووي في شرح المهذب لما ذكر قول أبي إسحاق: ويستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، لما روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من زار قبري وجبت له شفاعتي) قال النووي: أما حديث ابن عمر فرواه أبو بكر البزار والدارقطني والبيهقي بإسنادين ضعيفين جدًّا. هذا آخر الحاشية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
قال المجيب في تمام الجواب: وقد احتج أبو محمد المقدسي على جواز السفر لزيارة القبور والمساجد بأنه كان يزور قباء ويزور القبور، وأجاب عن حديث (لا تشد الرحال) بأن ذلك محمول على نفي الاستحباب.
وأما الأولون فإنهم يحتجون بما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى).
وهذا الحديث اتفق الأئمة على صحته والعمل به، فلو نذر الرجل أن يصلي بمسجد أو مشهد أو يعتكف فيه ويسافر إليه غير المساجد الثلاثة لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة. ولو نذر أن يسافر إلى المسجد الحرام بحج أو عمرة وجب عليه ذلك باتفاق العلماء، ولو نذر أن يأتي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو المسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي في أحد قوليه وأحمد. ولم يجب عليه عند أبي حنيفة لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ما كان من جنسه واجبًا بالشرع.
وأما الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة لما ثبت في صحيح البخاري عن / عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) والسفر إلى المسجدين طاعة ولهذا وجب الوفاء به.
وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة فلم يوجد أحد من العلماء السفر إليها إذا نذره، حتى نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء لأنه ليس من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
الثلاثة، مع أن مسجد قباء تستحب زيارته لمن كان بالمدينة لأن ذلك ليس بشد رحل كما في الحديث الصحيح: (من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة). وهذا الحديث رواه أهل السنن كالنسائي وابن ماجه والترمذي وحسنه، وقالوا: لأن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة، وهذا مما ذكره أبو عبد الله ابن بطة في الإبانة الصغرى من البدع المخالفة للسنة.
وبهذا يظهر ضعف حجة أبي محمد المقدسي، لأن زيارة النبي صلى الله عليه وسلم إلى مسجد قباء لم تكن بشد رحل، والسفر إليه لا يجب بالنذر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
وقوله في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال): أنه محمول على نفي الاستحباب، عنه جوابان:
أحدهما: أن هذا تسليم منه أن هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة ولا هو من الحسنات.
فإذن من اعتقد السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين أنه قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع. وإذا سافر لاعتقاده أنها طاعة كان ذلك محرمًا بإجماع المسلمين، فصار التحريم من هذه الجهة.
ومعلوم أن أحدًا لا يسافر إليها إلا لذلك. وأما إذا قدر أن الرجل سافر إليها لغرض مباح فهذا جائز وليس من هذا الباب.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث يقتضي النهي والنهي يقتضي التحريم.
وما ذكره السائل من الأحاديث في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي موضوعة، لم يخرج أحد من أهل السنن المعتمدة شيئًا منها، ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها. بل مالك إمام / أهل المدينة النبوية الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة كره أن يقول الرجل: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم. ولو كان هذا اللفظ معروفًا عندهم أو مشروعًا أو مأثورًا عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكرهه عالم المدينة. والإمام أحمد أعلم الناس في زمانه بالسنة لما سئل عن ذلك لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك من الأحاديث إلا حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
(ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام. وعلى هذا اعتمد أبو داود في سننه.
وكذلك مالك في الموطأ روى عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا دخل المسجد قال: (السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت). ثم ينصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني).
وفي سنن سعيد بن منصور أن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رأى رجلاً يختلف إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني)، ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في مرض موته (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما فعلوا، قالت عائشة: (ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا). وهم دفنوه في حجرة عائشة خلاف ما اعتادوه من الدفن في الصحراء لئلا يصلي أحد عند قبره ويتخذه مسجدًا فيتخذ قبره وثنًا.
وكان الصحابة والتابعون لما كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد -إلى زمن الوليد بن عبد الملك- لا يدخل أحد إلى عنده: لا لصلاة هناك، ولا لتمسح بالقبر، ولا دعاء هناك، بل هذا جميعه إنما يفعلونه في المسجد. وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلموا على النبي صلى الله عليه وسلم وأرادوا الدعاء دعوا مستقبلي القبلة، لم يستقبلوا القبر.
وأما وقوف المسلم عليه، فقال أبو حنيفة: يستقبل القبلة أيضًا لا يستقبل القبر.
وقال أكثر الأئمة: بل يستقبل القبر عند السلام عليه خاصة. ولم يقل / أحد من الأئمة إنه يستقبل القبر عند الدعاء، أي الدعاء الذي يقصده لنفسه، إلا في حكاية مكذوبة تروى عن مالك ومذهبه بخلافها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقبله، وهذا كله محافظة على التوحيد، فإن من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد كما قال طائفة من السلف في قوله تعالى {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًّا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا) [سورة نوح: (23)]، قالوا: [هؤلاء كانوا] قومًا صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. وقد ذكر بعض هذا المعنى [البخاري في صحيحه] لما ذكر قول ابن عباس: إن هذه الأوثان صارت إلى العرب. وذكره ابن جرير الطبري وغيره في التفسير عن غير واحد من السلف. وذكره وثيمة وغيره في قصص الأنبياء من عدة طرق. وقد بسطت الكلام على هذه المسائل في غير هذا الموضع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
وأول من وضع هذه الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التي على القبور هم أهل البدع من الروافض ونحوهم الذين يعطلون المساجد ويعظمون المشاهد التي يشرك فيها ويكذب فيها ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به سلطانًا، فإن الكتاب والسنة إنما فيهما ذكر المساجد دون المشاهد، كما قال تعالى: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين} [سورة الأعراف: (29)]، وقال: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا} [سورة الجن: (18)]، وقال {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر} [سورة التوبة: (18)]، وقال: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [سورة البقرة: (187)]، وقال تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} [سورة البقرة: (114)]، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك). والله تعالى أعلم.
فهذه ألفاظ المجيب، فليتدبر الإنسان ما تضمنته وما عارض به هؤلاء المعارضون مما نقلوه عن الجواب وما ادعوا أنه باطل هل هم صادقون مصيبون في هذا أو هذا أو هم بالعكس؟ والمجيب أجاب بهذا من [بضع عشرة] سنة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
بحسب / حال السائل واسترشاده، ولم يبسط القول فيها ولا سمى كل من قال بهذا القول، ومن قال بهذا القول، بحسب ما تيسر في هذا الوقت، وإلا فهذان القولان موجودان في كثير من الكتب المصنفة في مذهب مالك والشافعي وأحمد وفي شروح الحديث وغير ذلك.
والقول بتحريم السفر إلى غير المساجد الثلاثة -وإن كان قبر نبينا صلى الله عليه وسلم وهو قول مالك وجمهور أصحابه، وكذلك أكثر أصحاب أحمد الحديث عندهم معناه تحريم السفر إلى غير الثلاثة، لكن منهم من يقول: قبر نبينا صلى الله عليه وسلم لم يدخل في العموم.
ثم لهذا القول مأخذان:
أحدهما: أن السفر إليه سفر إلى مسجده، وهذا المأخذ هو الصحيح وهو موافق لقول مالك وجمهور أصحابه.
والمأخذ الثاني: أن نبينا لا يشبه بغيره من النبيين كما قال طائفة من أصحاب أحمد إنه يحلف به، وإن كان الحلف بالمخلوقات منهيًّا عنه، وهو رواية عن أحمد. ومن أصحابه من قال في المسألتين: حكم سائر الأنبياء كحكمه. قاله بعضهم في الحلف بهم، وقال بعضهم في زيارة قبورهم. وكذلك أبو محمد الجويني ومن وافقه من أصحاب الشافعي على أن الحديث يقتضي تحريم السفر إلى غير الثلاثة. وآخرون من أصحاب الشافعي ومالك وأحمد قالوا: المراد بالحديث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
نفي الفضيلة والاستحباب ونفي الوجوب بالنذر لا نفي الجواز، وهذا قول الشيخ أبي حامد وأبي علي وأبي المعالي والغزالي وغيرهم، وهو قول ابن عبد البر وأبي محمد المقدسي ومن وافقهما من أصحاب مالك وأحمد.
فهذان هما القولان الموجودان في كتب المسلمين ذكرهما المجيب ولم يعرف أحدًا معروفًا من العلماء المسلمين في الكتب قال إنه يستحب السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين. ولو علم أن في المسألة قولاً ثالثًا لحكاه، لكنه لم يعرف ذلك، وإلى الآن لم يعرف أن أحدًا قال ذلك، ولكن أطلق كثير منهم القول باستحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وحكى بعضهم الإجماع على ذلك. وهذا مما لم يذكر فيه المجيب نزاعًا في الجواب، فإنه من المعلوم أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يستحب السفر إليه بالنص والإجماع، فالمسافر إلى قبره لا بد إن كان / عالمًا بالشريعة أن يقصد السفر إلى مسجده ولا يدخل ذلك في جواب المسألة، فإن الجواب إنما كان عمن سافر لمجرد زيارة قبورهم، والعالم بالشريعة لا يقع في هذا، فإنه يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد استحب السفر إلى مسجده والصلاة فيه، وهو يسافر إلى مسجده، فكيف لا يقصد السفر إليه؟ وكل من علم ما يفعله باختياره فلا بد أن يقصده. وإنما ينتفي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)