وقال البقاعيّ عن عنايته هذا التفسير بتناسب الآيات والسور: " وفي خزانة جامع الحاكم كثير منه، فطلبت منه جزءًا فرأيتُ الأمرَ كذلك بالنسبة إلى الآيات لا جملها وإلى القصص لاجميع آياتها، ومن نظر في كتابي هذا مع غيره علم النسبة بينهما " (1)
وقال: " ولقد شافَهَنِى بعضُ فضلاءِ العجمِ، وقد سألته عن شيءٍ من ذلك ، فرآه مُشكلا، ثمّ قرَّرْتُ إليه وَجْهَ مناسبتِه، وسألتُه: هل وضُح له؟ فقال: يا سيدي كلامُك هذا يتَسابَقُ إلى الذِّهنِ 0
فلا تظُنَّنَ أيها الناظرُ لكتابي هذا أنَّ المناسبات كانت كذلك قبل الكشف لقِناعِها، والرَّفعِ لستُورِها، فربَّ آيةٍ أقمتُ في تأَمُّلِها شهورًا منها:
{وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (آل عمران:121)
ومنها {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ....} (النساء: من الآية127)
{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ … } (النساء: من الآية176)
ومن أراد تصديق ذلك، فليتأمل شيئا من الآيات قبل أن ينظر ما قلته، ثُمّ لينظره يظهر له ما تعبت فيه، وما حصل من قبل الله سبحانه وتعالى، ومن العون سواء كان ظهره وجه ذلك عند تأمله أوْ لا، وكذا إذا رأى ما ذكر غيري من مناسبات بعض الآيات " (2)
وقال أيضًا: ولا تنكشف هذه الأغراض أتَمَّ انكشاف إلا لمن خاض غمرة هذا الكتاب، وصار من أوله وآخره وأثنائه على ثقة وصواب، وما يذكر إلا أولو الألباب
وقد ذكر الزركشي نحو أربع ورقات من مناسبات بعض الآيات، وإذا تأملتها عَظُمَ عندك ما في هذا البحر الزَّاخر من نفائس الجواهر " (3)--------------------------------------------
(1) – السابق:1/10
(2) – السابق:1/14 – 15
(3) – السابق:1/16
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
وقال: " أمدنى فيه- والحمد لله- تأييد سماويّ، فجعلته كالرديف لتفسير القاضي ناصر الدين البيضاوي، ولعل تسهيله كان ببركة مبشرة من آثار النبوة رأيتها في صباي، وأنا في حدود العاشرة من ستي في قريتنا من بلاد البقاع … ) (1)
وقال عنه: (التفسير الذي لم تسمح الأعصار بمثله، ولا فاض عليها من التفاسير على كثرة أعدادها كَصَيِّبِ وَبْلِهِ) (2)
وهو يذكر في آخره مدحا له قصيدة من مجزوء الرجز يقول:
(وقد قلت مادحا للكتاب المذكور بما أبان عنه من عجائب المقدور وغرائب الأمور شارحا لحالي وحالهم، وظفر آمالي وخيبة آمالهم من مجزوء "الرجز" وضربه مقطوع والقافية متواتر مطلق مجرد، مسميا له بـ"كتاب لمَّا" لأنَّ جلّ مقصوده بيان ارتباط الجمل بعضها ببعض حتى إنَّ كلّ جملة تكون آخذة بحُجزة ما أمامها متصلة بها، وذلك هو المظهر المقصود من الكلام وسره ولبابه الذي هو للكلام بمنزلة الروح وبيان معاني المفردات، وكلّ جملة على حيالها بمنزلة الجسد فالروح هو المقصود الأعظم يدرك ذلك من يذوق وبفهم، ويسري ذهنه في ميادين التراكيب ويعلم
و" لمّا " ظرف يراد بها ثبوت الثاني مما دخل عليه بثبوت الأول على غاية المكنة بمعنى أنها كالشرط تطلب جملتين يلزم لذلك الملزوم، فتمَّ الكتاب في هذا النظم بـ"لمَّا" لأنّي أكثرت من استعمالها فيه لهذا الغرض (3)
ومما قاله عن تفسيره في كتابه " مصاعد النظر":--------------------------------------------
(1) – السابق:1/4
(2) – السابق:22/443
(3) – السابق:22/ 446
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
" منَّ اللهُ - وله الحمد - عليَّ بِصَوْغِي لكتاب: " المناسبات بين السور والآيات " بل الجمل والكلمات الذي لم تسمح الأعصار بمثله حقيقة من غير غلوّ، ولا نسج ناسج على منواله وشكله، إخبارًا بالحق من غير فخر وعلوّ، فإنّه أخرج من كتاب الله سبحانه وتعالى خفايا أسرار ما ظفر بها أحد، وأبدى غرائب أنوار ما عثر على بارق منها ولا وجد، وأجرى سوانح أنهار ما صدر عن عذب ينابيعها ولا ورد، كان قلبي فيه مُدَدًا طوالا أسيرَ الواردات، وسمير الخفايا الشاردات
بيَّنت فيه سرائر آيات ما بيّنَ أحدٌ ظاهر تفسيرها، وأبديتُ أسرار سورٍ ما كشف أحد خفيّ ضميرها " (1)
وما ذكره عنه في كتابه " الفتح القدسي": قلت في بيان فضله واستقامة منهاجه وشرف سبله:
هَلْ رَأَيْتُمْ يَا أُولِى التفسيرِ مَنْ
صاغَ تفسيرًا كَنَظْمِ الدُّرَرِ
دَقََّّ مَعْنًى جَلَّ سَبْكًا لَفْظُهُ
فِي وُجُوهِ الفِكْرِ مِثْلُ الغُرَرِ
وقلت وعن الصدق ما حدتُ:
هَذا كتابٌ في التَّناسبِ مُفْرَدُ واللهِ لمْ يَنسُجْ علَى مِنْوالِه
أعْيَى بِدقتِه ومحْكمِ رَصفِه مَنْ رامَ أن يأتي الوَرَى بمِثالِه.
وقلت -وقد استكتبه العلامة "برهان الدين بن الظهيرة قاضي الشافعية بمكة، وقد عظم موقعه عنده:
أبْديتُ فِي التفسيرِ ما أعْيَي الوَرَى أسْرَارَه وأجله القُرآنُ
ماذا يقول الحاسدون وقد غدا في النَّاس يَنشرُ فضلَه "البرهان" (2) .
تلك بعض نصوص مقالات البقاعي عن تفسيره وهي يمتزج فيها التحدث عن نعمة الله سبحانه وتعالى عليه بفرحته بأن جعله الله عز وجل محل هذا الفيض وهو يعلن في هذه النصوص انه ما يقولها افتخارًا وعلوًا بل يقولها بيان لحق وشكرًا لفضل تفضل به المنعم جل جلاله عليه.
***
موقف العلماء من تفسيره:--------------------------------------------
(1) - مصاعد النظر:1/101- 102
(2) - الفتح القدسي في آية االكرسي للبقاعي: ق1 - مخطوط
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
يذكر البقاعي أنّ الناس قد انقسموا في شأن تفسيره ثلاثة أقسامٍ: مادح وقادح وصامت لم يبد وجهًا (1) .
((المادحون))
أورد البقاعي في كتابيه (مصاعد النظر) و (الأقوال القويمة) تقاريظ أعلام عصره لكتابه (نظم الدرر) من نحو"الشرف المناوي" و" المحب بن الشحنة " و"حسام الدين الطهطاوي" و"العز الحنبلي" وأمين الدين الأقصرائي" و"سيف الدين السيرافي" و"محيي الدين الكافييجي" و"تقي الدين الشمنى" و"تقي الدين الحصني" ومما جاء في تلك التقاريظ:
ما قاله " شرف الدين المناوي:
" وبعد فقد وقفت من هذا التأليف الحسن المستجاد على ما أعرب عن أنَّ مؤلفه إمام علامة في فنون العلم، فإنَّه قد أحسن وأجاد وأظهر من مجموع حسن مجموعا حسنا في غاية الصواب....
فحق لهذا التأليف أن يُتلقَّى بالقبول ولا يُصغى لقول حاسد فيه ولا عذول. والله تعالى يُبقي مؤلفه منهلا للوراد ويُديم النفع به، وبعلومه للمسلمين في تاسع عشر شعبان عام ثمانية وستين وثمان مئة) (2) .
ومما قاله محب الدين بن الشحنة:
" أما بعد: فقد وقف العبد الفقير الضعيف الحقير على هذا المصنف العديم النظير المشتمل من الورد الصافي على العذب النمير، فوجد مؤلفه قد حلى فيه من أبكار أفكاره المقصورات في الخيام على الأكفاء الكرام من ذوي العقول والأفهام كل خريدة بعيدة المرام......
فالله تعالى يبقيه لإبداء الفوائد ويجزيه من ألطافه الخفية على أجمل العوائد بمنه وكرمه000" (3) .
ومما قاله حسام الدين الطهطاوي"--------------------------------------------
(1) – مصاعد النظر للبقاعي:1/136
(2) - السابق:1/113
(3) – مصاعد النظر:1/115
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
" وبعد فقد وقفت على جزء من الكتاب الموسوم بـ"نظم الدرر من تناسب الآي والسور" جمع الشيخ الإمام العلامة الرحالة الحافظ " برهان الدين البقاعي" شرف الله عز وجل به البقاع، ونشر من فوائده وفرائده ما تلذ به الخواطر وتنشنف به الأسماع، فرايته في بابه غريبا في إعرابه بما أتى على عجمه وإعرابه، قد غاص في بحار العلوم، فاستخرج منها فرائد الدرر وسبر محاسنها فجمع منها أحاسن الغرر، وتتبع شواذ الملح، فجمع منها ما شتَّ وأرسل خيله في حلباتها، فحازت قصب السبق، فتصرف فيها كيف شاء، فوهن عند ذلك عضد حاسده، وفيه فتر أعاد الله جل جلاله من بركاته ونفعنا بصالح دعواته" (1) .
ومما قاله أمين الدين الأقصرائي:
" وبعد فقد شرفت بوقوفي على مواضع من المؤلف البديع المتوج بـ " نظم الدرر من تناسب الآي والسور" تصنيف سيدنا ومولانا الإمام العلامة الحبر الفهامة المدقق المحقق ذي التآليف الرفيعة في الأنواح فتوحا من رب الأرباب المستغنى عن الإطناب في الألقاب خالصة خلاصة المتقدمين ونخبة الأئمة المتأخرين زاده الله عز وجل علما وعملا.....
ومن نظر في مؤلفه بعين الإنصاف وترك الاعتساف علم مقدار ما حازه من قصبات السبق في مضمار التحقيق والتوفيق … " (2) .
ومما قاله "محيي الدين الكافييجي ":
" … هذا الكتاب "نظم الدرر" كتاب عظيم الشأن، ساطع البيان مؤسس بحسن ترتيب وجودة نظام على أحسن جواهر القواعد مرصع بأنواع فرائد الفوائد والعوائد، وأنَّه بحر لا تنقضي عجائبه، ولا تنتهي غرائبه وموصوفه بما تراه محط دائرة الضبط والبيان وعطية من عطايا الجواد الرحمن
كتابٌ في سرائرِه سرورٌ * مُناجِيه من الأحزانِ ناجِي
وكمْ معنًى بديعٍ تحتَ لفظٍ * هناك تزاوَجا كلَّ ازدواجِ.--------------------------------------------
(1) - السابق:1 /116
(2) - السابق: 1/118
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
ولقد تأمل العبد الفقير فيه حق التأمل كما ينبغي في مواضع كثيرة، فوجده ممتلئًا بأجناس درر نفيسة منظومة متناسبة عالية، ومتوجا بأصناف فصوص لامعة غالية ومناسبا صدره عجزه ومقرونا بلطائف دقائق المعاني والفحوى مع رعاية السياق والسباق، ولأجل هذا صار مثلا مشهورا في البلدان والآفاق ما عامَ أحَدٌ من الفضلاء والعلماء في بحره سوى العالم العلامة.....الشيخ الإمام الهمام شرف السلف خير الخلف المدرس المؤلف المفتى برهان الدين أبوالحسن إبراهيم الشهير بالبقاعي......." (1) .
وغير هذا من التقاريظ ما أثبته في كتابه (مصاعد النظر) وهو يقرر أنه لم يكن غرضه أن يعرض تفسيره على أحد من الأئمة ليقرظه لكنَّه لمَّا تكلَّم فيه بعض الحسدة اضطر إلى عرضه على الأئمة ليشهدوا بما فيه
ولم يكن من شانِهِ في أوَّل أمرِه حريصًا على أن يأخذَ علَى مؤلفاتِه خطوطَ أشياخِه بتقريظهم فكان أصحابُه يلومُونَه على ذلك، فكان يقول لهم:
" إنّي إذا صرت إلى سنّ يؤخذ فيه عن مثلي، فإنْ كنتُ أهلاً في تقسِي فأنا لا أحتاجُ إلى شهادة أحدٍ، وإنْ لمْ أكنْ أهلاً لم تفدني إجازات المشايخ" (2)
ومن ذكر البقاعي تقاريظهم ليسوا جميعا من أنصاره في بعض مواقفه التي يتجالد فيها ولا سيما مواقفه من ابن عربي وابن الفارض والقائلين بوحدة الوجود والاتحاد …
تراه يقول في مقدمة ذكره تقريظ "أمين الدين الأقصرائي": " مال على أهلِ السُّنةِ فِي فِتْنَةِ "ابنِ الفارضِ"، وأغْنَى اللهُ – وله الحمدُ – عنْهُ ومَا ضَرَّ إلَاّ نفسَهُ "
وقال في تقديمه تقريظ " عضد الدين السيرافي " " وكانَ فِي فِتْنَةِ "ابنِ الفارضِ" سَاكِتًا "--------------------------------------------
(1) – السابق:1/120-127
(2) 2- السابق: ج 1 ص129-130
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
هذا الذي ذكرته بعض ثناء عَصْرِيِّه من أهل العلم أمَّا ثناء العلماء من بعده علي هذا التفسير فإنه جد كثير لايتسع المقام لذكره، وكيفيك أن تنظر ما قاله "ابن حجر الهيثمي المكي " وهو من المعاندين للبقاعي في موقفه من ابن الفارض وابن عربي، وما قال الشوكانيّ عن تفسير البقاعيّ على الرغم من أنَّ الشوكَانِيّ لا يأخذ بمذهب تناسب الآيات والسور..
يقول الشوكانيّ: " ومن أمعن النظر في كتابه … في التفسير الذي جعله في المناسبات بين الآي والسور علم أنّه من أوعية العلم المفرطين في الذكاء الجامعين بين علم المعقول والمنقول.
وكثيرا ما يشكل عليَّ شيءٌ في الكتاب فأرجع إلى مطولات التفسير ومختصراتها فلا أجد ما يشفي، وأرجع إلى هذا الكتاب – نظم الدرر – فأجد فيه ما يفيد في الغالب " (1) .
***
((المعارضون))
كان على رأس معارضي البقاعي قرينه "شمس الدين السخاوي": محمد بن عبد الرحمن بن محمد (ت:902) وكان يذهب إلى أنَّ البقاعي قد اجترأ على كتاب الله سبحانه وتعالى بتفسيره هذا وأنَّه قد اعتمد على النقل من التوراة والإنجيل في تفسيره، فألف "السخاوي" كتابه: " الأصل الأصيل في تحريم النقل من التوراة والإنجيل" (2)
وكان "البدر بن القطان" من أشد المناوئين للبقاعيّ، وقد احتدمت الملاحاة بينهما فهجاه "البقاعي" بما ينفر المرء عن ذكره (3)
وخلاصة ما اعترض به المناوؤن على تفسيره:
هذا كتاب لا يحل بقاؤه في الناس لأنه قسمان:
- نقل من الكتب القديمة المحرفة: التوراة والإنجيل والزبور، وهذا لايحل
- كلام من عند نفسه فهو تفسير بالرأي لايحل
أنه سطا على مقولات غيره فنسبها إلى نفسه
لا حاجة إلي مثل هذا التفسير ولا معولّ عليه ولا يسدّ نقصًا في غيره--------------------------------------------
(1) - البدر الطالع:1/102
(2) – الضوء اللامع:1/102
(3) – الأقوال القويمة في حكم النقل من الكتب القديمة، للبقاعيّ: ص /9 - مخطوط
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
زعمه أنّ بعض أهل العلم قد طلب منه أن يفصل بين تفسيره وبين النّص القرآنيّ بكلمة (أي) حتى لا يلتبس كلامه بالقرآن الكريم.
وهذا مما دفع إلى اتهامه بالكفر، ومحاولة إقامة حد الردة عليه (1)
يقول " ابن إياس" في أحداث شهر" ذي الحجة" من سنة (877) :
" ومن الوقائع في هذا الشهر أنّ " البرهان البقاعيّ" وقاضي الجماعة " أبو عبد الله القلجانيّ المغربيّ المالكيّ " وقع بينهما بحثٌ في بعض المسائل، فوقع من " البرهان البقاعيّ " في ذلك المجلس جوابٌ ضبطه عليه قاضي الجماعة ، وصرّح بكفره، وشهد عليه (2) ، وأراد أن يقام عليه الدعوى عند قاضي القضاة المالكيّ ، فلمَّا علم كاتب السرِّ " ابن مزهر " بذلك طلب "البقاعيّ " إلى عنده، وحكم بعض القضاة بحقن دمه ، ولولا كاتب السرّ ما حصل على " البقاعيّ" خير، والذي جرى على " البقاعيّ بخطيئة " ابن الفارض " فإنّه كان رأس المتعصبين عليه (3) ، واستمر "البقاعيّ" في عكس حتى مات"
يقول "ابن حجر الهيثمي" " ضبط عليه في مناسباته، فحكم بتكفيره وإهدار دمه ولم يبق من ذلك إلا إزهاق روحه لولا استعان ببعض الأكابر حتى خلصه من تلك الورطة واستتيب في الصالحية بمصر وجدد إسلامه " (4) .--------------------------------------------
(1) - نظم الدرر:22/244، مصاعد النظر:1/111-112، 136، 147، البدر الطالع:1/20
(2) ?- لايليق بأحد فضلا عن أن يكون من اهل العلم فضلا عن أن يكون قاضي جماعة أن يسعى إلى إيقاع أحد من المسلمين في ما لايرضِي، ولا أن يتربص به يحصي عليه زلاته، بل المسلم شأنه مِعْذارٌ يقبل أعذار إخوانه بل يقيم لهم عند نفسه من الأعذار ما يزيده إقبالا عليهم وإن لم يكن لهم عند انفسهم عذر
(3) ?- هذا من الضلال والإضلال الذي لايستطيع مسلم عاقل أن يسكت عليه: كيف يكون التصدي للمنكر والأمر بالمعروف في باب التوحيد سببا في أن يعاقب
(4) – الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيثمي المكي: ص/53. وبدائع الزهور لابن إياس – ج3 ص 89
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
نقض البقاعي تلك الاعتراضات.
** ألف البقاعي للرد على القول بتحريم النقل من الكتب القديمة المحرفة كتابه: " الأقوال القويمة في حكم النقل من الكتب القديمة " بين فيه أنّه اقتفى في هذا أثر الأئمة من السلف (1) .
** القول بأنَّه تفسير بالرأي لا سند له، نقضه بأنَّه قول جاهل لا يعلم الفرق بين التفسير وكلام بالرأي في القرآن الكريم (2) .
** القول بأنَّه سطا على مقالات غيره فنسبها لنفسه ردَّه بأنَّه من العجب أن يكون هو وحده المطلع على تلك الأقوال، فما بال غيره لم يطلع عليها؟
والأعجب – كما يقول - أن يتجدد له ذلك عند كلّ سؤال أو بدا في الآية إشكال، وهو الذي نوَّه في كتابه هذا بالنقل عن جماعة ما عرفهم " المصريون" إلا منه، كمثل " أبو الحسن الحرالّيّ " و" أبو الفضل المشدالىّ المغربي " وقد سأله بعض المغاربة أن يسقط ذكر " المشدالي " من تفسيره لينسخ الكتاب ويبعث به إلى المغرب، فإنَّ المغاربة لا يقرون لـ" المشداليّ " بالفضل، فامتنع عن ذلك (3) .
** القول بأنّ الكتاب لا يسد نقصًا ولا حاجة إليه ولا معوَّل عليه منقوض بأنَّ كتابه هذا قائم بما لولاه لافتضح أكثرهم لو واقفه في القرآن الكريم مناظر، وحاوره في كثير من الجمل من أهل الملل محاور في مكان يأمن فيه الحيف، ولا يخشى سطوة السيف، ثم يذكر أمثلة لتلك الآيات التي لولا تفسيره لها لأمكن للكافر المعاند أن ينال من كثير (4) .
** القول بأنَّه قد طلب منه الفصل بين كلامه والقرآن فأبى لم طلع على ردّ للبقاعي عليه--------------------------------------------
(1) - نظم الدرر:22/444
(2) – مصاعد النظر:1/109
(3) – السابق:1/137-138
(4) - السابق:1/147
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
ولعله مما أشيع عنه زورًا، أو رأى أنّه رأي أهون من أنْ يرد عليه، وهو في هذا على حق مبين، فذلك اتهام جد غريب لرجل يؤذن صباح مساء بتقرير إعجاز القرآن الكريم، أضف إلى هذا أنَّ مزج القرآن الكريم بكلام المفسر بحيث لا يظهر إنَّما هو أمر لا يقوم أبدًا وأهل العلم ليسوا جميعا يفصلون في تفسيراتهم بكلمة (أي) ونحن نرى البقاعي يذكرها في تفسيره في مواضع عديدة في النسخ المخطوطة
والحق أنَّ تفسيره هذا لا يغنى عنه غيره من كتب التفاسير في باب تاويل مناسبة الجمل والآيات والمعاقد والسور، ولا يوقن بعظيم منزله في كتب التفسير السابقة واللاحقة إلا من صبر وصابر في قراءته قراءة بحث وتفتيش، أمَّا من نظر فيه نظرة عَجْلَى فهو إلى الإعراض عنه أقرب من الإقبال عليه.
هو من الأسفار التي تعلم طالب العلم الناظر فيها منهاج التأمل والتدبر لما فيه من مكنون المعاني ولمجاهدة عويص العلم لذة، وتفسير البقاعيّ يمنحك فيضًا من تلك اللذة، وإنى لا أستعذب من البيان ما كان مكشوفًا، فالغالب على مثل ذلك اقتقاره إلى كثير من دقائق المعاني ولطائفها وإلى كثير من المعاني الإحسانية لأنّ طبيعة تلك المعنى الإحسانية يعجز البيان الإنسانيّ المكشوف عن حملها
***.
{دلالة البرهان القويم على تناسب آي القرآن العظيم}
كأنَّ البقاعي قد استشعر أن اتساع القول في تفسيره وتعرضه لأمور قد يرى غيره أنها ليست من التفسير في شيء،أو أنها لا تعين القارئ على حسن المتابعة والوعي،ولاسيما من كان غير صبور على عناء التلقي، فعمد إلى اختصار تفسيره:نظم الدرر، وسماه (دلالة البرهان القويم على تناسب آي القرآن العظيم)
وهذا المختصر ما يزال مخطوطا
من الجزء الأول منه نسخة خطية في المكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية رقم (4724) وهي في (464ل) مصورة عن نسخة في تركيا- استانبول) رقم (853)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
وصورة هذا الجزء فيها غير قليل من الطمس والتلف الذي قد لا يتبين القارئ منه المعنى، ومن ثَمَّ أزعم أنَّ هذه النسخة وحدها قد لا تعين محققها على حسن تحقيق وتحرير النَّصّ،ولعلَّ الله عز وجل يقيض له من يملك القدرة على استجلاب نسخ أخرى تعين أهل العلم على تحقيقه وتحريره ونشره.
وقد كان لمحقق كتاب (مصاعد النظر) الفضل في إرشادي إليها فجزاه الله خير الجزاء، وما كان لى من علم بها وأنا أعدُّ بحثِي للعالمية عام (1399)
وفي خزانة كتبي نسخة من هذا الجزء المخطوط أنتظر استكماله والعثور على نسخة أخرى لتحقيقه وإخراجه لطلاب العلم إن شاء الله تعالى.
والجزء الذي أكرمت باقتناء صورة منه ينتهي بآخر اختصار تفسير سورة "المائدة":
استغرقت المقدمة من (ق: 2 / ب – 7 / أ)
والفاتحة من 7 / أ – 35 / ب)
والبقرة من (35 / ب - 261 / أ)
وآل عمران من (261 / أ - 327 / أ)
والنساء من (327 / أ - 399 / ب)
والمائدة من (399 / أ - إلى آخر الجزء المخطوط)
وفي أول هذه النسخة من المخطوط) ق:1- 7) قوله بعد البسملة والحمد والصلاة:
" وبعد فإني أردت في هذا الديوان العظيم الشان اختصار كتابي: نظم الدرر من تناسب الآي والسور من الفرقان " لأنه طال بسوق الأحاديث وتقليب مواد اللغة وإيراد ما يشهد من الكتب القديمة ببطلان ما يخالف الإسلام من الأديان......
وأزيده - إن شاء الله - عوض ما أحذف منه ما يعليه على … الجوزاء والميزان
وأضبط فيه - كما فعلت بأصله - السُّورةَ ببيان مقصودِها، فإنّه هادٍ إلى معرفة تناسُبِها
وأدلّ عليه بالتطبيق بينه وبين مدلول اسمها سواء كان ذلك واحدا أو أكثر وسواء كان اسم معنى أو حرف هجاء؛ لأنَّ اسم كلِّ سورةٍ مترجِمٌ عن مقصودِها؛ لأنّ اسم كلّ شيءٍ تُلحََظُ المناسبةُ بينه وبين مُسَمَّاه عنوانه الدالّ إجمالا على تفصيل ما فيه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
وأفسر البسملة بما يناسب ذلك المقصود من غير خروج عن مدلولات الكلمات من جهة اللغة
ثم أشرع في السورة بعد ربط أولها بآخر ما قبلها، وَأُفَسِّرُ الكلمةُ سواء كانت من أسماء الله سبحانه وتعالى أو غيرها بحسب سَوَابِقِ الكلام ولواحِقِه، مع حفظ القانونِ اللغوي، وإنْ عَسُرَ استخراجُ ذلك من كلام اللغويين على من لم يمارس اللغة
وأفسر الكلمة بكلمتين فأكثر بيانا لأنَّه لا تُقومُ كلمةٌ واحدةٌ مَقامَ كلمةٍ من القرآن أصلا
وبذلك تظهر أسرار التخصيص لبعض الأسماء المترادفة كالسَّنَةِ والعَامِ والحَولِ والحجة ببعض الأماكن، ولا يقوم آخر مرادف له بمكان آخر، فإنَّ السياق نظرًا إلى أصل المعنى المشتق منه ذلك اللفظ فينضم إلى المعنى الموضوع له ذلك اللفظ معنى آخر من أصل الاشتقاق فلا يقوم المرادف مقامه لفوات ما أداه الاشتقاق كما دعا إلى ذلك السياق....."
وقد بسط القول في مقدمة الكتاب (المختصر) بمثل ما بسطه في مقدمة الأصل (نظم الدرر)
وهو لا يقوم بالاختصار بحذف جمل من الأصل فحسب، بل إنه ليحدث ضروبا من التقديم والتأخير وإعادة صياغة العبارة وإضافة أشياء على الأصل: كلمات وجمل وفقر
ومن يناظر بين صنيعه في تفسيره الفاتحة في الأصل (نظم الدرر) ومختصره (دلالة البرهان) يدرك أن صنيعه في المختصر أقوم وأكثر تنسيقا من صنيعه في الأصل
وهو لا يعنى في المختصر بالنقل من رسائل "الحرالي": مفتاح الباب المقفل، كمثل ما كانت عنايته بذلك في الأصل
ولا يعنى - أيضًا - في المختصر بالنقل من كتاب " أبي جعفر بن الزبير":" البرهان" كما في الأصل
في سورة الفاتحة (ق:7) يبدا ببيان وجه تسميتها بالفاتحة وأم القرآن والأساس والمثاني والكنز والشافية … ، ويعرض لعدد آياتها وموقف العلماء من ذلك عند تسميتها بالسبع المثاني ووجه اختيار العدد سبعة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
وهو يذكر أن الصفات العلى سبع: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر، وإلى هذه الصفات ترجع جميع الأسماء التي نعرفها0 (ق:8/ب) وهذا منه على أصول الأشاعرة، وهذا التحديد لا مستند له من الكتاب والسنة أو أثر من آثار الصحابة رضوان الله عز وجل عليهم.
ويبين مقصودها ولا يخرج على ما في الأصل إلا بشيء من زيادة أو نقص يسير: يقول في المختصر:
" مقصودها: اثبات استحقاق الله عز وجل لجميع المحامد وصفات الكمال وملك الدنيا والآخرة، واستحقاق العبادة والاستعانة في المن بإلزام صراط الفائزين والإنقاذ من طريق الهالكين مختصا بذلك كله
ومدار هذا مراقبة العباد لربهم؛ لإفراده بالعبادة لأنه محيط بجميع صفات الكمال، ومختصٌُ بها، فهو مقصودها بالذَّات وغيره وسائلُ إليه، فإنَّه لابد في ذلك من إثبات إحاطته سبحانه وتعالى بكل شيءٍ، ولنْ يثبتَ حتَّى يعلمَ أنَّه المختصّ بأنَّه الخالقُ الملك المالك؛ لأنَّ المقصود من إرسال الرسل، وإنزال الكتب نصب الشرائع، والمقصود من نصب الشرائع جمع الخلق على الحقّ، والمقصود من جمعهم تعريفهم بالملك، وبما يُرضيه، ولا يعرف ما يرضه إلَاّ بالرسل، ولن يكونَ ذلك إلَاّ بما ذكرعلمًا وعملاً.
وأسماؤها تدلّّ على المراقبة: مقصودِها؛ لأنَّ كلَّ شيءٍ لا يفتتحُ بمراقبة اللهِ سبحانه وتعالى لا اعتداد به، وهي أمّ كل خير وأساس كل معروف، ولا يعتد بها إلَاّ إذا ثنِّيتْ فكانت دائمة التكرر....." (1)--------------------------------------------
(1) – دلالة البرهان القويم: ق:8ب –9 أ 0 مخطوط
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
وهو من بعد أن يبين علاقة أسمائها بمقصودها يعمد إلى وجه بيان الافتتاح بالتسمية وعلاقة هذه التسمية بمقصودها (ق: 9 / أ) وكيف أنَّ نسبة البسملة من الفاتحة نسبة الفاتحة من القرآن الكريم، فصدرت الفاتحة بالبسملة، وكيف أنَّ تقديم الجار أفاد الوحدانية وأنَّه الإله، وأقاد اسمه الرحمن بيان الشرائع بإنزال الكتب وإرسال الرسل، وأفاد اسمه الرحيم توفيق بعض المدعوين وخذلان بعضهم، وأنَّ هذا هو إجمال سورة الفاتحة التي هو إجمال تفصيل سائر القرآن.
وبين وجه مشروعية التعوّذ في مفتتح القراءة وحكم هذا التعوذ عند العلماء والصيغة التى هي أوفق
وما في صيغة التعوّذ من دلالات إشارية وما في بدء البسملة وختمها بحرف شفوي، ومن بعد بدأ في تحليل البسملة معنيا بتفسير الأسماء الحسنى فيها وهو هنا (ق:11/ أ) لا ينقل عن "الحراليّ" كما كان فاعلا في الأصل: " نظم الدرر"
كما أنّه هنا أكثر تنظيمًا لتداخل الكلام في الأصل بينما المختصر لم يمزج فيه كلامه بكلام "الحراليّ" فكان أقوم، ويبسط القول في تأويل البسملة أكثر مما بسطه في الأصل
وهو يؤكد أنَّه" لا تكرار أصلا في شيءٍ من كتاب الله عز وجل، بل مهما وجدته فيه معادًا فلمعنى غير المتقدم أو لزيادة في معناه بالتأكيد لما اقتضاه من الحال، فلا تتم البلاغة إلا بالإعادة" (ق:14/أ)
ويشير إلى الدلالة الإشارة لعدد حروف البسملة خطا وعددها نطقا فيقول:
" وكون البسملة تسعة عشر حرفًا خطية وثمانية عشر لفظية إشارة إلى أنَّها دوافع للنقمة بالنار التي أصحابها تسعة عشر، وجوالب للرحمة بركعات الصلوات الخمس وركعة الوتر اللاتي هنَّ اعظمُ العبادات " (1) وهذا مما ذكره في الأصل
ويبين وجه الإتيان بالحمد من بعد البسملة وأنَّ هذا من مراعاة النظير، وهو هنا لا يكتفي بما جاء به في الأصل" نظم الدرر" بل يضيف إليه ما يوضحه--------------------------------------------
(1) – السابق: ق 14 - مخطوط
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
يقول: " ولمَّا كانت البسملةُ نوعًا من الحمدِ ناسبَ كلَّ المناسبة تعقيبها لتحصل التثنية باسم الحمد الكليّ الجامع لجميع أفراده، مقترنًا بـ"لام التعريف " الدَّالّة فيما اتصلت به على انتهائه وكماله معرفًا سبحانه وتعالى لعباده كيف يحمدونه بعلمه بعجزهم عن الإتيان بما يليق به سبحانه وتعالى؛ لهذا قال سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم: " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " فكأنَّه قيل: احمدوه؛ لأنَّه المستحقُّ لجميع المحامد وخصّوا هذا النوع من الحمد في افتتاح أموركم، لما ذكر من استشعار الرَّغبة إليْهِ والرّهبة منْه المؤدي إلى لزوم طريق الهدى " (1)
وقد عنى في المختصر "دلالة البرهان" بتفصيل القول في مدلول مادة الحمد (ق:16 / ب) وهو لم يفعل هذا في الأصل" نظم الدرر" في تفسيره سورة الفاتحة.
وهو إذا ما كان في الأصل: " نظم الدرر" قد نقل مقالة "السعد التفتازاني" في وجه استفتاح خمس سور من القرآن الكريم بالحمد لله فإنَّه في المختصر"دلالة البرهان" يذكر ذلك إجمالا دون إشارة إلى مقالة "السعد " (ق:16/أ)
وهو ينقل شيئًا قليلا عن "الحراليّ" من تفسيره بينما يبسط النقل عنه في تفسيره ورسالته " المفتاح" في الأصل: " نظم الدرر"
ويبين لنا وجه وصف الله عز وجل بقوله: "رب العالمين" وقد أفاض في بيان معنى العالمين، ثُمَّ يقرر: " أنَّ الإنسَ والجِنَّ عاجزونَ عنْ الإتيانِ بمثل البسملة والحمدلة، بل وعن الإتيان بكلمة توازي كلمة من كلماتها، وتغنى عنها في جميع مدلولاتها، وكذا كلّ آية من آياتِ القرآن العزيز، بل وكلّ كلمةٍ لا يمكنُ أنْ يكونَ في معناها في أسلوبها والحال والذي اقتضاها ما يقوم مقامها، ولو كان معدودًا من المترادف.--------------------------------------------
(1) – السابق: ق:14/ب-15/أ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
وهذا لا يعرفه إلا من تبحّرَ في علم الأدب لاسيّما مفردات اللغة، وتحقق المقامات التي سيقت لها الآياتُ، وما تقتضيه من الإجمال والتفصيل والمدح والذمّ وغيرهما مراتب كلّ من ذلك، أو تفهم ما ذكرته في تقليب المواد في أصل هذا الكتاب " (1)
ونراه في تأويله قول الله سبحانه وتعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (الفاتحة:6) يقول ما لم يقله في الأصل: " نظم الدرر" في هذا الموضع، فأحببت أن تسمع، يقول:--------------------------------------------
(1) – السابق: ق:23 / ب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
" (اهدنا) وأصل الهدى أن يتعدّى إلى مفعول أول بنفسه، وإلى ثان بحرف الجر، وهو إمَّا " إلى" وهي الأصل، كقوله سبحانه وتعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (الفاتحة:6) {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الشورى: من الآية52) أو "اللام" إشارة إلى أنّ الهادي عظيم التأثير في الهداية، ومنه: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الاسراء: من الآية9) وقد يتسع فيه، فيحذف الحرف إذا أريد تأثيرا أبلغ مما أريدَ باللام، فيتعدى بنفسه، للإشارة إلى تضمينه معنى"الزم" كقوله تعالى: {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً} (الفتح: من الآية2) وكهذا الحرف، فالمعنى أوضح لنا ببيان الطريق، وإيجاد التوفيق في كلّ شيءٍ يرضيك أنا وجميع عبادك بأن ترشدنا وتدلنا دلالة عظيمةً جدًا بلطفٍ ومدد بإضافة القوى التي نتمكن بها من معرفة المصلح، ونصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل، وتنوّر بصائرننا، وتوفقنا لنلزم (الصراط) أي الطريق الأكمل بما أشعرت به "لام" الكمال، والتذكير، الواسع الواضح الذي يسْترط [أي بالسين المهملة] ويبتلعه بما له من الاتساع المكنى به عن سهولته ووضوحه بما أشار إليه تركيب حروفه، واختلاف القراء فيها مع التدبّر لصفاتها: انفتاح "سينه" الذي هوالأصل في هذه المادة في رواية" قنبل" عن "ابن كثير"ورويس" عن " يعقوب"، و"زايه" المتولد من إشراب "الصاد" في قراءة" حمزة"و"رائه" وصفير الأولين، و"الصاد" المبدل من "السين" عند الباقين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
وإطباق "صاده" و "طائه" واستعلاؤهما، وجهر "الزاي" و"الراء" و"الطاء" وشدة "الطاء" وقلقلته، وما له من التفخيم، وتكرير "الراء" الذي ضارع به مع التفخيم المستعلية مع رخاوة" السين" و"الصاد" والزاي" وهمس الأولين، واستفال " السين" و"الزاي" و"الراء" وقيامه بين الشدة والرخاوة، فامتزج له بما أبانته هذه الحروف المتصفة بهذه الأوصاف المتضادة من اللين والشدة أمر عجيب ٌله سرٌّ غريب يحتاج إلى شرح طويل يشير [إلى] حديث: "الدين يسر، ولن يُشادَّ الدين أحدٌ إلَاّ غلبَهُ " (1) وحديث: " إنَّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق" (2) ونحوهما
وإنّما قلت: إنَّ هذه المعاني مستفادة من هذه الحروف المرادة لخصوص هذا التأليف؛ لأنّ واضع هذه اللغة الحكيمة هو الله تعالى، وقد جعل سبحانه بحكمته بين الحروف الدَّالة والمعاني المفهومة منها مناسبة يفهمها أهل البصائر
وكون الصفات الشديدة أكثرمن الرخوة في حروف هذه الكلمة مشير إلى أنَّه ينبغِي في حال السلوك أنْ يكون الخوفُ أغلبَ على السَّالك من الرجاء....
هذا مادلّتْ عليه الحروف أصلا وفرعًا من جهة الصفات، ودلّ اتحاد مخرجها، وهو "رأس اللسان " الذي هو أوسع المخارج وأخفاها، وهو مع كونه أوسطها أقرب الوسط إلى الختام [دلَّ] على أنَّه أوسعُ الأديان، وأسهلها ، وأقربها إلى السَّاعةِ، فما بعده دينٌ ينتظر، ولا بعد نبيه نبيٌّ يبعثُ، وعلى أنَّهُ واحدٌ وإنْ تعدّدتْ فروعُهُ، وأنَّ الكثير إنما هو طرق الضلال......" (3)--------------------------------------------
(1) ? 1 - رواه الشيخان في كتاب الإيمان: ونصّه في البخاري: {إنَّ الدّين يسْرٌ، ولن يُشادَّ الدّينَ أحدٌ إلا غَلَبَهُ، فسَدِّدوا، وقاربُوا، وأبشروا، واستعينُوا بالغَدْوَة وَالرّوْحَةِ وشَيْءٍ مِنض الدُّلْجةِ "
(2) ? 2- رواه أحمد بسنده مرفوعًا عن أنس ين مالك رضي الله عنهم (1 / 199)
(3) - السابق: ق: 28 / أ – 30 / ب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
هذا الذي نقلته هنا لست بِالْوَاجِدِهِ في الأصل " نظم الدرر" في تفسيره سورة"الفاتحة" وهو كما ترى مهم، ممال يجعلك مستشعرا أنَّه وهو يختصر تفسيره في " دلالة البرهان" لم يكن قائما بحذف بعض ما كان في الأصل بل هو قائم بأمور من وراء الحذف هي جدُّ جليلة ومهمة مما يجعل الأصل غير مغن عن مختصره.
- - -..
{مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور}
ذلك عنوانه في كل النسخ المخطوطة التي اطلعت عليها أو على مصادر ذكرتها. والبقاعي نفسه يذكره بذلك الاسم في مواضع عدة من مؤلفاته وهو من بعد أن يذكر اسمه في مفتتحه يقول: …
"ويصلح أن يسمى: المقصد الأسمى في مطابقة اسم كل سورة للمسمى" (1)
بدأ في تأليف هذا الكتاب في أثناء تأليفه كتاب "نظم الدرر" سنة سبعين وثمان مئة (870) بالقاهرة
يقول: " وكان ابتدائي فيه في نصف شوال سنة سبعين، وكان فراغي من مسودته ليلة الجمعة رابع عشر جمادى الأولى من سنة إحدى وسبعين وثمان مئة (871) ، وكان فراغي من هذه النسخة [نسخة المؤلف المودعة بمعهد المخطوطات بالقاهرة] ليلة الثلاثاء رابع عشر من شعبان من السنة كلّ ذلك بمنزلى ومسجدي في رحبة باب العيد من القاهرة المعزية".
نسخ الكتاب المطبوعة والمخطوطة:.
ظلَّ الكتاب مخطوطا إلى سنة ثمان وأربع مئة وألف من الهجرة حتى أخرجه موفقا إلى الخير الدكتور: عبد السميع محمد أحمد حسنين الأستاذ المساعد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض محققا معلقا عليه ومخرجا أحاديثه في ثلاث مجلدات.
وقد حققه على نسختين:
نسخة المؤلف، مكتوبة في سنة إحدى وسبعين وثمان مئة وهي مودعة بمعهد المخطوطات بالقاهرة في (146 ق)
ونسخة بدارالكتب المصرية تحت رقم (19691/ب) في (149ق)
معرضا عن نسخة أخرى في دار الكتب المصرية لرداءتها ونسخة أخرى في الرباط بالمغرب
والحق أن َّ المحقق قد أحسن إلى الكتاب وإلينا فجزاه الله عز وجل خير الجزاء--------------------------------------------
(1) مصاعد النظر:1/98
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
وكنت قد أعددت دراستي للعالمية (الدكتوراة) على نسخة خطية هي النسخة رقم (19691ب) بدار الكتب المصرية وقد اعتمد عليها محقق الكتاب
وهنالك نسخة أخرى مخطوطة بدار الكتب المصرية غير التي ذكرها المحقق رقم (20323/ب) نسخت عن (19691/ب) وخطها أجود نسخت سنة (1356)
ونسخة أخرى في مكتبة عاشر أفندي بتركيا = راجع فهرس نوادر المخطوطات للجزائري- ج:2ص48، 69- (خ) دار الكتب المصرية
هدف الكتاب:
يبين البقاعي أنّ كتابه هذا قائم بتبيان مقاصد السور لتحقق معرفة الحق من تفسير كلّ آية من تلك السور
وكأنَّ كتابه هذا يستكمل كتابه: (نظم الدرر) فهو كالمقدمة له، ولذا جعل رتبته أوله من حيث إنه كالتعريف، فهو معرفة إجمالية لتفسير السور، وكتابه (نظم الدرر) معرفة تفصيلية لتفسيرها
فكتابه المصاعد هو مما يعرف بعلوم القرآن الكريم المساعدة لعلم تفسير القرآن الكريم، فهي مما يتحدث عن القرآن العظيم وليس مما يتحدث فيه، فكانه مما يعرف بفلسفة العلم وليس من العلم نفسه
. منهجه فيه وخطته:
جعل "البقاعي" لكتابه "المصاعد" مقدمة طويلة بين فيها اسم الكتاب واختراعه له والدافع إلى تأليفه مما وقع له بسبب كتابه (نظم الدرر) ذاكرا مواقف العلماء من تفسيره مدحا واعتراضا، ونقل بعض تقارظ العلماء تفسيره، ثم تحدث عن علم التناسب معرفا له ومبينا منزلته من علم البلاغة وغايته ومنفعته وغير ذلك مما عرض له (1)
ثم بدأ في تناول السور القرآنية على النحو التالي:
- يبين منزلة السورة من المكية والمدنية وآراء العلماء ويحدد الخلاف وفي سورة "الفاتحة" يبين ضابط المكي والمدني قائلا:
" كلّ ما نزل قبل الهجرة فهو مكيّ، وكلّ ما نزل بعدها فهو مدنيّ، ولو كان النبيّ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وقت نزوله في بلد آخر.....--------------------------------------------
(1) – مصاعد النظر:1/97 -154
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)