وأكبر الظن أنَّ عمرو بن شعيب (- 120 هـ) - وهو حفيد عبد الله بن عمرو - إنما كان يروي فيما بعد من أحاديث هذه الصحيفة قارئاً أو حافظاً من أصلها (1). وقد أتيح للتابعي الجليل مجاهد بن جبر (- 103 هـ) أنْ يرى هذه الصحيفة عند صاحبها عبد الله بن عمرو (2).
ولقد شاعت في عصر الصحابة صيحفة خطيرة الشأن أمر النَّبِي عليه السلام نفسه بكتابتها في السنة الأولى للهجرة، فكانت أشبه شيء بـ «دستور» للدولة الفتية الناشئة آنذاك في المدينة: وهي الصحيفة التي دوَّن فيها كتاب رسول الله حقوق المهاجرين والأنصار واليهود وعرب المدينة. ولفظ الكتابة صريح في--------------------------------------------
(1) " تهذيب التهذيب ": 8/ 48 - 55 رقم 80 وقارن بـ " صحيفة همام ": ص 2 وبجولدتسيهر
Tradition Islamique، p. 11 وجدير بالذكر أنه متى قيل: صحيفة عمرو بن شعيب فهي في الحقيقة صحيفة عبد الله بن عمرو يرويها عنه حفيده ابن شعيب.
(2) " تهذيب التهذيب ": 8/ 54 و " المحدث الفاصل ": 4 ورقة 2 وجه 2 و" طبقات ابن سعد ": 2/ 2 ص 125 وكان عبد الله بن عمرو - لشدة حرصه على هذه الصحيفة - لا يسمح لأعزِّ الناس عليه بتناولها. ورؤية مجاهد لها لم تكن إلَاّ عرضاً فإنه قال: أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَتَنَاوَلْتُ صَحِيفَةً مِنْ تَحْتِ مَفْرَشِهِ ، فَمَنَعَنِي ، قُلْتُ: مَا كُنْتَ تَمْنَعُنِي شَيْئًا ، قَالَ: «هَذِهِ الصَّادِقَةُ ، هَذِهِ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَحَدٌ … » الخبر - " تقييد العلم ": ص 84.
أما الصحيفة التي ألقاها عبد الله بن عمرو إلى أبي راشد الحبراني - وفيها الذكر الذي يدعو به المؤمن إذا أصبح وإذا أمسى - فيغلب على الظن أنها إحدى الصحف الكثيرة التي لم يكن ابن عمرو يمنعها الناس، فما هي بالصحيفة الصادقة ولا قطعة منها. واقرأ الخبر كله مع صيغة الدعاء المذكور في " تقييد العلم ": ص 85.
وليس في وسعنا أنْ نقطع بوصف الطريقة التي كان ابن عمرو يُمْلِي بها أحاديثه على الناس، هل كان ذلك من حفظه أم كان ينظر في صحيفته الصادقة أو في أحد صحفه الأخرى الكثيرة. بَيْدَ أنَّ مما لا ريب فيه أنه كان يملي الحديث، وقد نقل عنه كتابان (انظر: " خطط المقريزي ": 2/ 332) بولاق سنة 1270.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
مطلعها: «هذا كتاب محمد النَّبِي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم: إنهم أمَّةٌ واحدة من دون الناس» (1). وقد تكرَّرت فيها عبارة (أهل هذه الصحيفة) خمس مرات، فلم يكن بُدّ من الاعتراف بكتابتها. ولقد بلغ من شهرة أمرها أنها أصبحت تقرن وحدها بكتاب الله لتواترها وكثرة ما فيها من أحكام الإسلام وكلياته الكبرى. ولعلَّ عليّ بن أبي طالب لم يكن يقصد سواها حين سُئِلَ: هل عندكم كتاب؟ فأجاب: لا، إلَاّ كتاب الله أو فهم أعطية رجل مسلم وما في هذه الصحيفة. فلما قيل له: وما في هذه الصحيفة؟ قال: «الْعَقْلُ (2)، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» (3) وكانت هذه الأمور جزءاً مُهِمّاً مِمَّا اشتملت عليه الصحيفة المذكورة (4).
وعبد الله بن عباس (- 69هـ) عني بكتابة الكثير من سُنَّةِ الرسول وسيرته في ألواح كان يحملها معه في مجالس العلم (5). ولقد تواتر أنه ترك حين وفاته حِمْل بعير من كتبه (6). وكان تلميذه سعيد بن جُبير (- 95 هـ) يكتب عنه ما يُملي عليه، فإذا نفد القرطاس كتب على لباسه ونعله وربما على كَفِّهِ ثم نسخه--------------------------------------------
(1) الرواية هنا عن أبي عُبيد وابن هشام. راجع " الوثائق السياسية في العهد النبوي " للدكتور محمد حميد الله رقم 1.
(2) يُراد بالعقل هنا المعاقل والديات.
(3) " فتح الباري": 1/ 182 «باب كتابة العلم» وراجع أَيْضًا «باب فكاك الأسير».
(4) لأنَّ أكثر ما ورد في هذه الصحيفة يتعلق بالمعاقل والديات. ويحسن مراجعتها في " الوثائق السياسية " لحميد الله رقم 1.
(5) " طبقات ابن سعد ": 2/ 2 ص 123 وقارن بما ذكره محمد زبير الصديقي في " السير الحثيث: ص 9 نقلاً عن كتاب " العلل " للترمذي.
(6) انظر " طبقات ابن سعد ": 5/ 216 و" تقييد العلم ": ص 136 و" شذرات الذهب ": 1/ 114.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
في الصحف عند عودته إلى بيته (1). ولا ريب أنَّ صحف ابن عباس ظلت معروفة متداولة مدة طويلة من الزمن، فقد ورثها ابنه عليٌّ (2)، وتعاقب الناس على الرواية منها والأخذ عنها حتى امتلأت كتب التفاسير والحديث بمسموعات ابن عباس ومروياته. ولكننا - مع ذلك - لا نستطيع تحديد الزمن الذي تلفت فيه تلك الصحف ولا الصورة التي تلفت عليها (3).
صَحِيفَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ لِهَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهٍ:
وكذلك تلفت الصحف الكثيرة التي جمعها الصحابي الجليل أبو هريرة (- 58 هـ) (4) إلَاّ صحيفة واحدة رواها عنه تلميذه التابعي همام بن منبه (5) المتوفَّى سَنَةَ 101 هـ (6) ثم نسبت إليه فقيل: صحيفة همام وهي في الحقيقة--------------------------------------------
(1) كما في " سنن الدارمي ": 1/ 128 و" ابن سعد ": 6/ 179.
(2) " طبقات ابن سعد ": 5/ 216 «وكان عليّ بن عبد الله بن عباس إذا أراد الكتاب كتب إلى كُريب: ابعث إليَّ بصحيفة كذا وكذا، فينسخها ويبعث بها» " تقييد العلم ": ص 136.
(3) ومن المؤسف أنَّ ورع بعض الصحابة كان يحملهم على إتلاف ما كتبوه من الأحاديث لأنفسهم مخافة أنْ تكون الذاكرة قد خانتهم فلم يوردوه بلفظ بينهم: ففي " طبقات الحفاظ ": 1/ 5 أنَّ أبا بكر الصدِّيق جمع أحاديث النَّبِي صلى الله عليه وسلم في كتاب فبلغ عددها خمسمائة حديث، ثم أتلفه مخافة أنْ يكون كتب شيئاً لم يحفظه جيِّداً.
(4) انظر ترجمته في " تهذيب التهذيب ": 12/ 265 رقم 1216وكانت صحفه كثيرة جداً. وقد رآها ابن وهب (" فتح الباري ": 1/ 184) وعمرو بن أمية الضمري (" جامع بيان العلم ": 1/ 74).
(5) ومن أوهام «بروكلمان» أنه نسب هذه الصحيفة إلى همام بن منده المتوفى سنة 151 هـ ولم يُصَحِّحْ ذلك في الطبعة الثانية ولا الذيل، انظر:
Brockelmann، Geschischte des Arab. Litter، 1، 354.
(6) آثرنا بما في " طبقات ابن سعد ": 5/ 396 لتحديد وفاة همام، لأنَّ هذه =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
صحيفة أبي هريرة لهمام. ولا يمكننا أنْ نسلك هذه الصحيفة في عداد ما كتب في العصر النبوي، لأنَّ هماماً ولد قبيل سنة 40 وتوفي شيخه أبو هريرة سنة 58، فلا بدَّ أنْ يكون تدوينه لهذه الصحيفة قبل وفاة شيخه - لأنها سماعه منه بعد مجالسته إياه - أي في منتصف القرن الهجري الأول، وتلك نتيجة علمية باهرة تقطع بتدوين الحديث في عصر مُبكِّرٍ، وتُصَحِّحُ الخطأ الشائع: أنَّ الحديث لم يُدَوَّنْ إلَاّ في أوائل القرن الهجري الثاني.
وإنما كانت لهذه الصحيفة مكانة خاصة في تدوين الحديث، لأنها وصلت إلينا كاملة سالمة كما رواها ودوَّنها همام عن أبي هريرة، فكانت جديرة باسم «الصحيفة الصحيحة» (1) على مثال «الصحيفة الصادقة» لعبد الله بن عمرو بن العاص وقد سبقت الإشارة إليها. وعثر على هذه الصحيفة الباحث المُحَقِّق الدكتور محمد حميد الله في مخطوطتين متماثلتين في دمشق وبرلين (2)، وزادنا ثقة بما جاء فيها أنها برُمَّتِها ماثلة في " مسند أحمد " (3)، وأنَّ كَثِيرًا من أحاديثها مروي في " صحيح البخاري " في أبواب مختلفة (4)، وتعداد هذه الصحيفة 138 حديثاً (5)--------------------------------------------
= الطبقات هي أقدم المصادر. وعند ابن حجر والنووي وسواهما توفي همام سَنَةَ 131 هـ، ولعله تصحيف لقول ابن سعد (مات سَنَةَ إحدى أو اثنتين ومائة) وانظر التصحيحات الملحقة بـ " صحيفة همام ": ص 2.
(1) كما في " كشف الظنون ".
(2) انظر وصف المخطوطتين في " صحيفة همام ": ص 21 - 22.
(3) " مسند أحمد ": 2/ 312 - 319.
(4) " صحيح البخاري ": ط. مصر سنة 1313 جـ 1 ص 34، 39، 56، 64، 91، جـ 4 ص 56، 63، 86 ومواضيع أخرى أَيْضًا.
(5) وهذا التعداد أَيْضًا يحقق نسبة هذه الصحيفة إلى همام من ناحية، وتداولها بين =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
ولدينا من الأخبار مَا يُؤَكِّدُ وُلُوعَ هَمَّامٍ بِالكُتُبِ وَاقْتِنَائِهَا وَإِمْلَائِهَا، فَقَدْ كَانَ «يَشْتَرِي الكُتُبَ لأَخِيهِ وَهْبٌ» (1) وكان يخرج إلى الناس الكتب والكراريس فَيُمْلِي منها الأحاديث (2).
مَوْقِفُ المُسْتَشْرِقِينَ مِنْ تَدْوِينِ الحَدِيثِ:
ليس علينا إذن أنْ ننتظر عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز حتى نسمع للمرة الأولى - كما هو الشائع - بشيء اسمه تدوين الحديث أو محاولة لتدوينه. وليس علينا أنْ ننتظر العصر الحاضر لنعترف بتدوين الحديث في عصر مُبَكِّرٍ جرياً وراء بعض المستشرقين كجولدتسيهر Goldziher وشبرنجر Springer، لأنَّ كتبنا وأخبارنا ووثائقنا التاريخية لا تدع مجالاً للشك في تحقيق تقييد الحديث في عصر النَّبِي نفسه وليس على رأس المائة الثانية للهجرة كما يمنُّ علينا هذان المستشرقان، وهي تنطق - فوق ذلك - بصدق جميع الوقائع والأقوال والسير والتصرفات التي تنطوي عليها الأحاديث الصحاح والحسان في كتب السُنَّة جميعاً لا في بعضها دون بعض كما يظن دوزي Dozy.
إنَّ هؤلاء المستشرقين لم تجشَّمُوا جمع الأدلة والبراهين على إثبات تدوين السُنَّة لإسداء خدماتهم الخاصة إلينا أدبنا وشريعتنا، بل لهم أغراض--------------------------------------------
= الناس من ناحية ثانية، لأنه التعداد المحفوظ في الكتب الموثوقة. فقد جاء في " تهذيب التهذيب ": 11/ 67 رقم 106: «فجالس - أي همام - أبا هريرة فسمع منه أحاديث وهي نحو من أربعين ومائة حديث بإسناد واحد».
(1) " تهذيب التهذيب ": 11/ 67 رقم 106.
(2) " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع " للخطيب البغدادي: جـ 8 وقة 112.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
إليها يهدفون، ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون.
أما جولدتسيهر فعقد فصلاً خاصاً لكتابة الحديث في أبحاثه Muhammedanische Studien التي ترجم المجلد الثاني منها إلى الفرنسية (1). وفي هذا الفصل ( p. 241 - 250) أتى بأدلة كثيرة على تدوين الحديث في أول االقرن الهجري الثاني، وكان في الفصل الأول من الكتاب نفسه ( p. 10 - 12) قد سرد طائفة من الأخبار تشير إلى بعض الصحف التي دوَّنت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه أحاطها بكثير من التشكك في أمرها، والريبة في صحتها. وقد رمى بهذا إلى غرضين، أحدهما إضعاف الثقة باستظهار السُنَّة وحفظها في الصدور، لتعويل الناس في القرن الهجري الثاني على الكتابة، والآخر وصم السُنَّة كلها بالاختلاق، والوضع على ألسنة المدونين لها الذين لم يجمعوا منها إلَاّ ما يوافق أهواءهم ويعبر عن آرائهم ووجهات نظرهم في الحياة. لذلك أطلنا الحديث عن الصحف المكتوبة في عهده - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - لنضع بين يدي القارئ الأسانيد التاريخية الموثوقة التي تثبت بدء الشروع في كتابة الأحاديث في حياته عليه السلام، وتؤكِّدَ تسلسل الرواية حفظاً وضبطاً في الوقت نفسه.
وشبرنجر في كتابه " الحديث عند العرب " (2) يحاول تفنيد المعتقد الخاطئ عن وصول السُنَّة بطريق المشافهة وحدها، ويجمع الكثير من الأدلَّة على تدوين الأحاديث والتعويل على هذا التدوين في عصر مبكِّرٍ يبدأ أَيْضًا في مطلع القرن--------------------------------------------
(1) ترجمها Leon Bercher سنة 1952 م بعنوان:
Etudes sur la Tradition Islamique، Maisonneuve، Paris.
(2) Springer، das Traditionsvesen beiden Arabern، 1856، 1 - 17 dans Uber das Traditionsvesen beiden Arabern
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
الهجري الثاني وليس في حياة الرسول عليه السلام. وغايته لا تختلف في شيء عن غاية جولدتسيهر.
وأما دوزي فَلَعَلَّهُ يخدع برأيه المعتدل كَثِيرًا من علمائنا فضلاً عن أوساط المُتعلِّمِينَ فينا، فقد كان هذا المستشرق يعترف بصحة قسم كبير من السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ التي حفظت في الصدور وَدُوِّنَتْ في الكتب بدقة بالغة وعناية لا نظير لها «وما كان يعجب لكثير من الموضوعات والمكذوبات تَتَخَلَّلُ كُتُبَ الحديث - فتلك كما يقول طبيعة الأشياء نفسها - بل للكثير من الروايات الصحيحة الموثوقة التي لا يرقى إليها الشك (ونصف " صحيح البخاري " على الأقل جدير بهذا الوصف عند أشد المُحَدِّثِينَ غُلُوًّا في النقد) مع أنها تشتمل على أمور كثيرة يَوَدُّ المؤمن الصادق لو لم ترد فيها» (1).
فلم يكن غرض هذا المستشرق خَالِصًا للعلم والبحث المُجَرَّدِ حين مال إلى الاعتراف بصحة ذلك النصيب الكبير من السُنَّةِ، وإنما كان يُفكِّرُ أَوَّلاً وَآخِرًا بما اشتملت عليه هذه السُنَّةُ الصَّحِيحَةُ، من نظرات مُسْتَقِلَّةٍ في الكون والحياة والإنسان، وهي نظرات لا يدرأ عنها استقلالها النقد والتجريح لأنها لم تنبثق من العقل الغربي المعجز، ولم تُصَوِّرْ حياة الغرب الطليقة من كل قيد!
لن نكون عالة على هؤلاء المستشرقين في تحقيق شيء يتعلق بماضي ثقافتنا--------------------------------------------
(1) عِبَارَةُ دُوزِي فِي الأَصْلِ أَوْقَحُ مِنْ أَنْ نُورِدَهَا عَلَى حَالِهَا. وَمَنْ رَغِبَ فِي الاطِّلَاعِ عَلَى آرَاءِ هَؤُلَاءِ النَّاسِ فَعَلَيْهِ بِكِتَابِ:
Dozy، Essai sur L'Histoire de l'Islamisme، traduit par V.Chauvin، p. 124.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
وستكون منهم على حذر في كل ما يؤرِّخُونه لحضارتنا - فما انتظرنا اعترافاتهم بتدوين الحديث، وما خفيت علينا الغاية من هذه الاعترافات، وسواء علينا أأقرُّوا أم جحدوا، فإنَّ رب الدار أدرى بالذي فيها، وإنَّ كتبنا الأمينة الموثوقة نطقت بوجود صحف مكتوبة في الحديث على عهده عليه السلام، وما يدرينا لعل جميع هذه الصحف ماثلة في كتب المسانيد في بطون مخطوطات الحديث المبثوثة في مكتبات العالم كما مثلت في " مسند ابن حنبل " صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص وصحيفة أبي هريرة لهمام!.
ومن الآراء التي تَخَبَّطََ فيها المستشرقون على غير هدى من منطق سليم أو نقل صحيح أنَّ الأحاديث الواردة في شأن تدوين العلم حثاً عليه أو نهياً عنه إنما كانت أثراً من آثار تسابق أهل الحديث في جانب آخر إلى وضع الأقوال المؤيِّدة لنزعتَيْهِم المُتباينتين. فأهل الحديث ينزعون إلى جواز تقييد السُنَّة ليكون مستنداً بين أيديهم لصحتها والاحتجاج بها، وأهل الرأي - على العكس - ينزعون إلى النهي عن الكتابة وإثبات عدم تقييد العلم تمهيداً لإنكار صحته وإنكار الاحتجاج به (1). وقد توَلَّى كِبْرَ هذا الضلال العلمي جولدتسيهر Goldziher بعد اطلاعه على مقال في «نشأة--------------------------------------------
(1) Goldziher، Etudes sur la Tradition Islamique، p. 245 - 250.
وقارن أَيْضًا بما كتبته الباحثة روث مكنسون متأثرة فيه برأي جولدتسيهر في مقالاتها:
Ruth Mackenson، Arabic books and librairies in the Omayad period (in AJSL، vol. L. II-LIV، 245 - 253; vol. L. III، 239 - 249 ; vol. L IV 41 - 61) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
الكتابة وتطورها» لسلفه المستشرق شبرنجر Springer (1) الذي اكتشف سنة 1855 م كتاب " تقييد العلم " للخطيب البغدادي. غير أنَّ منهج المستشرقين يختلف اختلافاً جوهرياً في هذا الموضوع. أما شبرنجر فقد استنتج من نشأة الكتابة عند العرب ومن خلال النصوص الواردة في الكتاب المذكور أنَّ الحديث لا بُدَّ أنْ يكون دُوِّنَ منه الكثير في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وكان هذا ما يعنيه أولاً وبالذات. وأما جولدتسيهر فقد ارتاب في صحة جميع تلك النصوص، ورأى أنَّ بعضها وضعه أهل الحديث، وبعضها الآخر وضعه أهل الرأي.
وقد قيَّضَ الله لهذا الكتاب أنْ يُنشَرَ في دمشق نشراً علمياً دقيقاً، وإذا بناشره المُحقِّق الدكتور يوسف العش يورد في مقدمته براهين لا تحتمل النقاش على خطأ جولدتسيهر في رأيه، إذ أثبت أنَّ النزاع حول جواز الكتابة أو المنع منها لم يكن ضرباً من التسابق بين أهل الحديث وأهل الرأي «لأنَّ من أهل الرأي من امتنع عن الكتابة كعيسى بن يونس (- 187 هـ) وحماد بن زيد (- 179 هـ) وعبد الله بن إدريس (- 192 هـ) وسفيان الثوري (- 161 هـ) وبينهم من أقرَّها كحماد بن سَلَمَة (- 167 هـ) والليث بن سعد (- 175 هـ) وزائدة بن قدامة (- 161 هـ) ويحيى بن الليمان (- 189 هـ) وغيرهم. ومن المُحَدِّثِينَ من كره الكتابة كابن عُلية (- 200 هـ) وهُشيم بن بشير (- 183 هـ) وعاصم بن--------------------------------------------
(1) Springer، Origin and progress of writing،in the journal of the Asiatic society of Bengal، xxv، 303 - 329.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
ضمرة (- 174 هـ) وغيرهم. ومنهم من أجازها كبقية الكلاعي (- 197 هـ) وعكرمة بن عمار (- 159 هـ) ومالك بن أنس (- 179 هـ) وغيرهم» (1).
ووفق الدكتور العش في تفسيره تطور موقف الصدر الأول من تقييد العلم محبة وبُغضاً، إلَاّ أنه يتفق وتطور الحياة الإسلامية السياسية والاجتماعية، ولسنا نشاطره رأيه في إيجاب هذا التقسيم، لأنه في ذاته مجرَّد اقتراح أو اصطلاح، فقد جعل الأجيال أربعة وحدَّدَ لكل جيل أربعين سنة (2)، وربما كان هذا التحديد «يوافق المدة التي يستطيع أنْ ينقطع فيها العالم في حقل العلم، ويوافق طبقات العلماء ونقل بعضهم عن بعض» (3)، ولكنه - على كل حال - تحديد زمني محصور في نطاق الزمن وحده، فأقل ما يفترض فيه الدقة التامة - وهي غير ميسَّرة - فقد تخالف وفيات بعض الرُواة هذا التحديد الزمني في قليل أو كثير فلا يسلم القول بهذا التقسيم. ويبدو لنا أنه ما يزال في وسعنا الاستفادة من--------------------------------------------
(1) " تقييد العلم " للخطيب البغدادي. مقدمة الناشر: ص 21 - 22.
(2) وإليك هذه الأجيال الأربعة كما أوردها الدكتور العش في مقدمة " تقييد العلم ": ص 17.
1 - عهد الرسول والصحابة الأولين، وينتهي حوالي سنة 40 هـ بوفاة آخر الخلفاء الراشدين.
2 - عند التابعين المتأخِّرين وينتهي حوالي سنة 80 في أواخر عهد عبد الملك بن مروان.
3 - عهد التابعين المتأخرين وينتهي حوالي سنة 120 في أواخر خلافة هشام بن عبد الملك.
4 - عهد الخالفين وينتهي حوالي سنة 160.
(3) " تقييد العلم ". مقدمة الناشر: ص 17.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
تقسيمات القدامى مع اعتبار الأطوار الاجتماعية التي تعاقبت على طبقاتهم المعروفة المشهورة، فجعلتهم يقفون من تقييد العلم مواقف متباينة، يؤيِّدُون الكتابة تارة ويكرهونها تارة أخرى. فهناك الصحابة والتابعون وأتباع التابعين، ولقد رأينا أنَّ الكتابة كانت أمراً واقعاً في عهد الصحابة، في حياته - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ -، ولكنها لم تكن كثيرة، فالصحف التي وصفها - مهما نطل الحديث عنها - كانت قليلة، وقد علَّلْنا تلك القلَّة تعليلاً مناسباً. وكان يعنينا شيء واحد هو إثبات خطأ الاعتقاد بتناقل الحديث عن طريق الحفظ وحده.
عَصْرُ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ:
حتى إذا كان عهد الخلفاء الراشدين لم يتغيَّر الحال كَثِيرًا، فقد كانت آراء هؤلاء الخلفاء في التشدُّدِ في الرواية والتورع عن الكتابة امتداداً لآراء إخوانهم الصحابة في عصر الرسول، فهذا أبو بكر يجمع بعض الأحاديث ثم يحرقها (1)، وهذا عمر بن الخطاب لا يلبث أنْ يعدل عن كتابة السُنن بعد أنْ عزم على تدوينها. وعن عُروة بن الزبير أنَّ عمر بن الخطاب أراد أنْ يكتب السُنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار عليه عامتهم بذلك فلبث عمر شهراً يستخير الله في ذلك شاكاً فيه، ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له، فقال: «إني كنت قد ذكرت لكم من كتاب السُنن ما قد علمتم. ثم تذكرت، فإذا أناس من أهل الكتاب قبلكم، قد كتبوا مع كتاب الله--------------------------------------------
(1) " تذكرة الحُفاظ ": 1/ 5.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
كُتُباً، فأكبُّوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألْبس كتاب الله بشيء أبداً، فترك كتاب السُنن» (1).
والخلفاء الراشدون لم يتشدَّدُوا في أمر الكتابة وحدها، بل بلغ بهم الورع أنْ راحوا يتشدّدُون حتى في الرواية، فلم يعط أبو بكر الجدَّةَ سُدُسَ الميراث إلَاّ بعد أنْ شهد المغيرة بن شُعبة ومحمد بن مسلمة أنَّ الرسول أعطاها السُدُس (2)، ولم يتساهل عمر مع أبي موسى الأشعري حين روى حديث الاستئذان، بل هدّدَهُ بتغزيره إنْ لم يشهد أحد من الصحابة على صحة سماعه، وقال له: «أقم عليه البيِّنَةَ وإلَاّ أوجعتك» (3).
فإذا رأينا كلاً من أبي بكر وعمر - بعد هذا - يكتبان الحديث أو ينصحان بكتابته (4)، وأنَّ كَثِيرًا من كبار الصحابة في عصرهما كانوا كذلك ينصحون بالكتابة ويأمرون بها أمراً صريحاً، أدركنا علة ذلك التشدُّدِ الذي وصفناه قبل، وثبت لنا - كما قال إسماعيل بن إبراهيم بن عُلية البصري (- 200 هـ) ---------------------------------------------
(1) " تقييد العلم ": ص 50 وانظر ما يقاربه في " جامع بيان العلم ": 1/ 64 و" طبقات ابن سعد ": 3/ 1 ص 206 و" كنز العمال " للمتقي الهندي: 5/ 239.
(2) " المختصر في علم رجال الأثر " لعبد الوهاب عبد اللطيف: ص 79.
(3) " صحيح مسلم ": 6/ 177 وقد شهد له أبو سعيد الخُدري بصحة سماعه.
(4) انظر مثلاً في المخطوطة (جمع الجوامع للسيوطي - الظاهرية حديث 196) الوجه الثاني من الورقة 108 كيف أن أبا بكر كتب لأنس كتاباً فيه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، وراجع في مستدرك الحاكم 1/ 106 وجامع بيان العلم 1/ 72 والمحدث الفاصل للرامهرمزي - مخطوطة الظاهرية حديث 400 قول عمر بن الخطاب "قيدوا العلم بالكتاب".
وكذلك علي بن أبي طالب حض على كتابة العلم، وشاعت عنه العبارة التي يرددها كثير من الصحابة "قيدوا العلم بالكتاب" انظر تقييد العلم ص 90 ومعادن الجوهر للأمين العاملي 1/ 3 دمشق 1347.
ُ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
أنَّ الصحابة «إِنَّمَا كَرِهُوَا الكِتَابَةَ، لأَنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اتَّخَذُوا الكُتُبَ فَأُعْجِبُوا بِهَا فَكَانُوا يَكْرَهُوَنَ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِهَا عَنِ الْقُرْآنِ» (1) وكما قال الخطيب البغدادي: «إِنَّ كَرَاهَةَ مَنْ كَرِهَ الكِتَابَ مِنَ الصَّدْرِ الأَوَّلِ، إِنَّمَا هِيَ لِئَلَاّ يُضَاهِي بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى غَيْرَهُ، أَوْ يُشْتَغَلَ عَنْ القُرْآنِ بِسِوَاهُ» (2).
عَصْرُ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ:
وإذا انتقلنا إلى عصر التابعين هالتنا تلك الروايات المتضافرة على كراهة كبار التابعين وأوساطهم وأواخرهم للكتابة، ثم لا نلبث أنْ نجد كَثِيرًا منهم يتساهلون في أمرها، أو يرخِّصُون بها، أو يحُضُّون عليها، ونجدها أصبحت أمراً «رَسْمِيًّا» في عصر أوساطهم، فيُخَيَّلُ إلينا أنَّ التضارب قائم في هذه الروايات، وأنه لا يمكن أنْ يستنتج منها حكم تاريخي موثوق. ولكن الموضوع أهون من هذا، فإنَّ الأسباب التي حملت الخلفاء الراشدين على الكراهة هي التي حملت التابعين عليها، فإذا بطلت أسباب هذه الكراهة قال الحميع قولاً واحداً، وأخذوا به وأجمعوا عليه: وهو جواز كتابة العلم، بل إيثار تقييده والتشجيع عليه.
ففي عصر كبار التابعين حتى آخر المائة الأولى امتنع كثيرون عن الإكتاب: منهم عُبيدة بن عمرو السلماني المرادي (- 72 هـ) وإبراهيم بن يزيد التيمي--------------------------------------------
(1) " تقييد العلم ": ص 57 وقارن بـ " تذكرة الحفاظ ": 1/ 296.
(2) " تقييد العلم ": ص 57.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
(- 92 هـ) وجابر بن زيد (- 93 هـ) وإبراهيم بن يزيد النخعي (- 96 هـ) وهم قوم لما يجدوا الضرورة الملجئة إلى الإكتاب بل ما تزال الأخبار عن الخلفاء الراشدين وكراهتهم الكتابة قريبة عهد منهم، شديد الشيوع في عصرهم، توحي بالكثير من ورع هؤلاء السادة الأخيار، فلا غرو أن يتأسَّوْا بهم ويقولوا بقولهم. ولا عجب أنْ يعد الواحد منهم تخليد كتاب عنه خطأ وإثماً: ولذلك قال عُبيدة لإبراهيم: «لَا تُخَلِّدَنَّ عَنِّي كِتَابًا» حين علم أنه يكتب عنده (1). وإذا بإبراهيم يقف عند هذه الوصية ويقول بعدها: «مَا كَتَبْتُ شَيْئًا قَطُّ» (2).
ومما زاد في كراهة القوم للكتابة أنَّ آراءهم الشخصية بدأت تشتهر، فكانوا يخشون إذا كتب الناس عنهم الأحاديث أن يكتبوا إلى جانبها هاتيك الآراء. ولدينا من الأخبار ما يؤكد هذا ويثبته، ولعل من أوضحه في عصر كبار التابعين ما رَوَوْا من أنه قيل لجابر بن زيد (- 93 هـ): إنهم يكتبون رأيك، فقال مستنكرًا: «يَكْتُبُونَ مَا عَسَى أَنْ أَرْجِعَ عَنْهُ غَدًا؟!» (3).
واستنكار هؤلاء جميعاً الكتابة عنهم يعني من طريق غير مباشر أنَّ في--------------------------------------------
(1) " جامع بيان العلم ": 1/ 67 و " تقييد العلم ": ص 46 وعُبيدة هو الذي ورد اسمه آنفاً (عُبيدة بن عمرو السلماني المُرادي) وقد دعا عُبيدة بكتبه عند موته فمحاها وقال: «أخشى أنْ يليها أحد بعدي، فيضعوها في غير موضعها» " طبقات ابن سعد ": 6/ 63. وفي " جامع بيان العلم ": 1/ 67 ما يقاربه. أما إبراهيم فهو ابن يزيد النخعي. وانظر في كراهة إبراهيم التيمي للكتابة " سنن الدارمي ": 1/ 122 في كراهة جابر بن زيد لها " جامع بيان العلم ": 2/ 31.
(2) " تقييد العلم ": ص 60.
(3) " جامع بيان العلم ": 2/ 31 وراجع ما يقوله بهذا الصدد الدكتور يوسف العش في مقدمة نشره لـ " تقييد العلم ": ص 20.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
القوم من بدأ يستسيغ التدوين. ولا سيما حين يكون مُجرَّدًا من الآراء الشخصية مقتصرًا على الأحاديث نفسها، لأنَّ محاولات الكتابة هي التي حملت هؤلاء العلماء على استنكارها، فهم لم يستنكروها نظريًا من حيث المبدأ بل تشدَّدُوا في أمرها عمليًا عند التطبيق. فلا يدهشنا بعد ذلك أنْ نجد لسعيد بن جُبير (- 95 هـ) نقلين في شأن الكتابة يوهمان التضارب ولا تضارب، فهو تارة ينقل عن ابن عباس أنه كان ينهى عن كتابة العلم وأنه قال: «إِنَّمَا أَضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمُ الكَتْبُ» (1) وتارة ينقل عنه أنه قال: «خَيْرُ مَا قُيِّدَ بِهِ العِلْمُ الكِتَابُ» (2): فالنهي ينصرف إلى ما تشتمل عليه الكتب من آراء خاصة. والنصيحة بالكتابة تنصرف إلى العلم بسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك لم يكتف سعيد بن جبير بالكتابة بل بالغ في الحرص عليها فقال: «كُنْتُ أَسِيرُ بَيْنَ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَكُنْتُ أَسْمَعُ الحَدِيثَ مِنْهُمَا، فَأكْتُبُهُ عَلَى وَاسِطَةِ الرَّحْلِ حَتَّى أَنْزِلَ فَأَكْتُبَهُ» (3).
ولما بدأ الناس يفرِّقُون بين فكرة النهي عن كتابة الأحاديث وفكرة النهي عن كتابة الآراء الشخصية، أصبح كثير من أوساط التابعين في أول المائة الثانية لا يرون بأساً في تقييد العلم، ويرخصون لتلامذتهم بتقييده، كما رخص سعيد بن المسيب (- 105 هـ) لعبد الرحمن بن حرملة بذلك حين شكا إليه سوء--------------------------------------------
(1) " تقييد العلم ": ص 43 وفي معناه ما جاء في " جامع بيان العلم ": 1/ 65.
(2) " تقييد العلم ": ص 92.
(3) " تقييد العلم ": ص 103 وانظر ما يقاربه في " جامع بيان العلم ": 1/ 72. وعلى هذا الأساس، يمكننا التوفيق بين قول كثير بن أفلح (- 63 هـ): «كنا نكتب عند زيد بن ثابت» - " تقييد العلم ": ص 102 وبين ما علمناه من رواية زيد بن ثابت حديث النهي عن الكتابة (راجع ما سبق أنْ ذكرناه في أول البحث).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
الحفظ (1). وراح الشعبي (- 104 هـ) يُرَدِّدُ العبارة المشهورة التي كانت صدى لحديث مرفوع إلى الرسول تناقله الصحابة والتابعون: «الكِتَابُ قَيْدُ العِلْمِ» (2). وينبه على فائدة الكتابة فيقول: «إِذَا سَمِعْتُمْ مِنِّي، شَيْئًا فَاكْتُبُوهُ وَلَوْ فِي حَائِطٍ» (3)، ويظهر أنه كتب بنفسه بعض العلم فقد وجدوا له بعد موته كتاباً في الفرائض والجراحات (4). أما مجاهد بن جبر المكي (- 103 هـ) فكان يصعد بالناس إلى غرفته فَيُخْرِجُ إليهم كُتُبَهُ فينسخون منها (5)، ومضى عطاء بن أبي رباح (- 114 هـ) يكتب لنفسه ويأذن بالكتابة لسواه (6)، وقتادة بن دعامة السدُوسي (- 118 هـ) لَمْ يَتَرَدَّدْ في إجابة الذي استفتاه في الكتابة بقوله الصريح له: «وَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَكْتُبَ وَقَدْ أَخْبَرَكَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ أَنَّهُ يَكْتُبُ: {قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى}» (7).
وأغلب الظن أنَّ الخليفة الورع التقي عمر بن عبد العزيز (- 101 هـ) حين أمر رَسْمِيًّا بالشروع في تدوين الحديث إنما استند إلى آراء العلماء، ولعله لم يقدم--------------------------------------------
(1) " جامع بيان العلم ": 1/ 73 و " تقييد العلم: ص 99.
(2) " تقييد العلم ": ص 99 والعبارة المشهورة عن الرسول في هذا هي كما رأينا «قيِّدُوا العِلْمَ بِالكِتَابِ».
(3) " تقييد العلم ": ص 100.
(4) " تاريخ بغداد ": 11/ 232.
(5) انظر " سنن الدارمي ": 1/ 128 و" تقييد العلم ": ص 105. على أَنَّ في " سنن الدارمي " نفسها: 1/ 121 ما يشير إلى كره مجاهد أنْ يكتب العلم في الكراريس.
(6) انظر " الإلماع " للقاضي عياض: ورقة 27 الوجه الأول و" سنن الدارمي ": 1/ 125.
(7) [طه: 52] وانظر " تقييد العلم ": ص 103 ويروي عنه الدارمي في " سننه ": 1/ 120 - مع ذلك - ما يفيد كراهته الكتابة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
على ذلك إلَاّ بعد أنْ استشارهم أو اطمأنَّ - على الأقل - إلى تأييد كثرتهم (1)، وإنْ كانت الأخبار المتضافرة توحي بتفرده في هذه الفكرة لما له في القلوب من منزلة، ولا سيما بين معاصريه الواثقين بِتُقَاهُ وَوَرِعِهِ.
ويتضح من جملة الأخبار المروية في هذا الشأن أنَّ خوف عمر من دُرُوسَ العِلْمِ وذهاب أهله هو الذي حمله على الأمر بالتدوين، فَإِنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ عَلَى المَدِينَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ يَأْمُرُهُ: «انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أَوْ سُنَّةٍ مَاضِيَةٍ أَوْ حَدِيثِ عَمْرَةَ [بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ] فَاكْتُبْهُ فَإِنِّي قَدْ خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وَذَهَابَ أَهْلِهِ» (2). وعَمْرَة المذكورة هنا هي عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، وقد ضُمَّ إليها بعض الروايات اسم القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدِّيق (- 107) وكلاهما من تلاميذ عائشة، فكانا أعلم الناس بأحاديثها عن رسول الله. ولقد قام أبو بكر بن حزم بما عهد إليه عمر، ولكن هذا الخليفة العظيم لحق بربه قبل أنْ يطلعه عامله على نتائج سعيه (3).
على أَنَّ عمر كان قد كتب إلى أهل الآفاق وإلى عُمَّالِهِ في الأمصار بمثل ما كتب إلى ابن حزم (4)، وكان أول من استجاب له في حياته وَحَقَّقَ له غايته عالم--------------------------------------------
(1) وإنما قلنا «تأييد كثرتهم» لأنَّ بعض العلماء أظهروا كراهتهم للتدوين في وجه عمر بن عبد العزيز، فقد رَوَوْا عن عبيد الله (- 106) أنه دخل على عمر بن عبد العزيز، فأجلس قومًا يكتبون ما يقول، فلما أراد أَنْ يقوم قَالَ لَهُ عُمَرُ: «صَنَعْنَا شَيْئًا» ، قَالَ: «وَمَا هُوَ يَا ابْنَ عَبْدِ العَزِيزِ؟» ، قَالَ: «[كَتَبْنَا] مَا قُلْتَ» ، قَالَ: «وَأَيْنَ هُوَ؟» ، قَالَ: «فَجِيءَ بِهِ فَخُرِّقَ»." تقييد العلم ": ص 45.
(2) انظر " طبقات " ابن سعد: 2/ 2 ص 134.
(3) انظر " مفتاح السُنَّة " لمحمد عبد العزيز الخولي: ص 20 (الطبعة الثالثة).
(4) " الرسالة المستطرفة ": ص 4.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
الحجاز والشام محمد بن مسلم بن شهاب الزُهري المدني (- 124 هـ) الذي دَوَّنَ له في ذلك كتابًا (1)، فغدا عمر يبعث إلى كل أرض دَفْتَرًا من دفاتره (2). وَحُقَّ لِلْزُّهْرِيِّ أنْ يفخر بعمله قائلاً: «لَمْ يُدوِّنْ هَذَا العِلْمَ أَحَدٌ قَبْلَ تَدْوِينِي» (3).
وَقَدْ يُخَيَّلُ للباحث عندما يبلغ هذه المرحلة من الدراسة أَنَّ فكرة كره التدوين قد اختفت إلى الأبد، وأنها في هذا العصر بدأت تُنْسَى، ثم لا يلبث أَنْ يسمع بنغمتها الرتيبة تتعالى حتى على لسان الذين رَخَّصُوا في التدوين أو حَضُّوا عليه أو أسهموا فيه. بل لَيَسْمَعَنَّ البَاحِثُ معها نغمة جديدة من الندم والحسرة عند الذين شاركوا في التدوين خاصة، فكأنهم لم ينهضوا بالأمر من تلقاء أنفسهم، بل بتحريض الأمراء وائتمارًا بأمرهم.
قال الزُهري: «كُنَّا نَكْرَهُ كِتَابَ العِلْمِ، حَتَّى أَكْرَهَنَا عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ الأُمَرَاءُ فَرَأَيْنَا أَلَاّ نَمْنَعَهُ أَحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ» (4). وهو في الواقع ما منع أحدًا من المسلمين كتابة شيء، ولا منع نفسه حين كان يغلو في الكتابة حتى ليكتب الحديث في ظهر نعله مخافة أن يفوته (5)، غير أَنَّ عَامِلاً آخر ربما شارك إكراه الأمراء في--------------------------------------------
(1) " الرسالة المستطرفة ": ص 4.
(2) " جامع بيان العلم ": 1/ 76.
(3) " الرسالة المستطرفة ": ص 4.
(4) " طبقات " ابن سعد: 2/ 2 ص 135 وفي كتاب " الأموال " للقاسم بن سلام: ص 578 (طبعة مصر 1353) تخصيص اسم عمر بن عبد العزيز من بين الأمراء، ومثل ذلك في " جامع بيان العلم ": 1/ 76.
(5) " تذكرة الحفاظ ": 1/ 103 و" تقييد العلم ". وليست الصحيفة المحفوظة عنه - التي يقول فيها الخطيب البغدادي أنها تحوي ثلاثمائة حديث - إلَاّ نموذجاً من صحفه الكثيرة التي قيد بها علمه الغزير. (انظر: " تاريخ بغداد ": 14/ 87).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
الإقبال على كتابة العلم والإذن بها، وهو تمييز حديث رسول الله مما وضع في فيه ولم يقله، وإنه لأمر أَقَضَّ مضجع الزُهري، فانطلق يقول كاظمًا غيظه: «لَوْلَا أَحَادِيثَ تَأْتِينَا مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ نُنْكِرُهَا لَا نَعْرِفُهَا ، مَا كَتَبْتُ حَدِيثًا وَلَا أَذِنْتُ فِي كِتَابِهِ» (1).
ولقد يكون رأي الزُهري هذا هو رأي أكثر العلماء في ذلك العصر، فالحرص على كلام رسول الله أنْ يضيع كالخوف عليه أنْ يشيع فيه غير الصحيح كانا عاملين كبيرين في توجيه العلماء نحول القول بكتابة الحديث تارة والنهي عنها تارة أخرى. فإذا كنا رأينا اسمي سعيد بن المسيب والشعبي بين أسماء المُرَخِّصِينَ في الكتابة فلن نعدم روايات تُصَوِّرُهُمَا لنا مستنكرين لها (2)، وقل مثل ذلك في مجاهد وقتادة (3)، حتى القاسم بن محمد بن أبي بكر (- 107 هـ) الذي أمر عمر بن عبد العزيز بجمع ما عنده من الأحاديث والروايات عن عائشة اشتهر عنه القول بكره التدوين (4)، وهكذا جمعوا وَدَوَّنُوا عن أشخاص كانوا يكرهون الجمع والتدوين. ولقد عَبَّرَ عن خوفهم من نتائج هذا التدوين الضحاك بن مزاحم الهلالي (- 105 هـ) حين طفق ينادي الناس: «لَا تَتَّخِذُوا لِلْحَدِيثِ كَرَارِيسَ كَكَرَارِيسِ--------------------------------------------
(1) " تقييد العلم ": ص 108.
(2) انظر كراهة سعيد بن المسيب للكتابة " تذكرة الحُفاظ ": 1/ 105 وفي كراهة الشعبي لها " المحدث الفاصل ": 4/ 5 الوجه الأول.
(3) انظر في كره مُجاهد كتابة العلم في الكراريس " سنن الدارمي ": 1/ 121 وقد سبق أنْ نبَّهْنا على أنَّ في " سُنن الدارمي " نفسها: 1/ 128 ما يشير إلى عناية مجاهد بالكتابة. وانظر في كره قتادة للكتابة " سنن الدارمي ": 1/ 120.
(4) انظر " جامع بيان العلم ": 1/ 67 و" تقييد العلم ": ص 46.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
المَصَاحِفِ» (1) مع أنه حين لا موضع للخوف أملى على الناس مناسك الحج (2).
وإذا كان أوساط التابعين قد بدؤوا يحذرون وضع الوَضَّاعِينَ فإن أواخر التابعين أمسوا يصادفون كَثِيرًا من نماذج الوَضَّاعِينَ وصور وضعهم تَأْيِيدًا لِلْفِرَقِ وَالشِِّيعِ المختلفة، فقد أمسى لِزَامًا أَنْ يشيع التدوين وينتشر في عصرهم حِفْظًا لِلْنُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ من عبث العابثين. وميزة التدوين في هذا العصر أنَّ الحديث كان ممزوجًا غالبًا بفتاوى الصحابة والتابعين: كما في " موطأ مالك " إمام المدينة (- 179).
وفي عصر أتباع التابعين، مِمَّنْ كانوا على رأس المائتين، عُنِيَ العلماء بتأليف المسانيد خالية من فتاوى الصحابة والتابعين، مقصورة على السُنَّة النَّبَوِيَّةِ وحدها. وأول من ألَّفَ تلك المسانيد أبو داوود الطيالسي (- 204 هـ) (3). ويعتبر " مسند أحمد بن حنبل " (- 241 هـ) أوْفَى تلك المسانيد وأوسعها، إلَاّ أنَّ هذا الإمام معدود من أتباع التابعين لأنَّ وفاته بعد العشرين والمائتين.
وَلَمْ تُدَوَّنْ السُنَّةُ الصحيحة وحدها مُرَتَّبَةً على الأبواب إلَاّ في عصر أتباع أتباع التابعين مِمَّنْ عاصر البخاري. وفي هذا العصر ألفت الكتب الستة الصحيحة. وسندرس ما يتعلق بها وبأصحابها (البخاري ومسلم والترمذي وأبي داوود، وابن ماجه والنسائي) في فصل «أَهَمِّ كُتُبِ الرِّوَايَةِ».
أما المُتَأَخِّرُونَ عن عصر الرواية فيكون عملهم - في نهاية المطاف - تهذيباً وشرحاً واختصاراً للكتب الصحيحة المشهورة، فيجمع أبو عبد الله--------------------------------------------
(1) " تقييد العلم ": ص 47.
(2) " جامع بيان العلم ": 1/ 72.
(3) وقد طبع هذا المسند في حيدر آباد بالهند سَنَةَ 1321 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)