المبحث الرابع
بعض المخلوقات المسخرة للدفاع عن الصحابة رضي الله عنهم
وهذا مما يطول استقصاؤءه، ولكن حسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق، وذكر بعض الشواهد والنماذج التي تجلي المقصود وتبيّن المراد:
1 - أخرج الإمام اللالكائي بسنده قال: حدثنا علي بن زيد أن سعيد بن المسيب قال له: مرّ غلامك فلينظر إلى وجه هذا الرجل، قلت له: أنت تكفيني أخبرني عنه فقال: إن هذا الرجل قد سوّد الله وجهه، كان يقع في علي وطلحة والزبير، فجعلت أنْهاه، فجعل لا ينتهي، فقلت: اللهم إن كنت تعلم أنّه قد كانت لهم سوابق وقدم، فإن كان مسخطاً لك ما يقول: فأرني به آية، واجعله آية للناس، فسوّد الله وجهه (1)
2 - قال أبو الأحوص: لو أن الروم أقبلت من موضعها يعني: تقتل ما بين يديها، وتقبل حتى تبلغ النخيلة، ثم خرج رجل بسيفه، فاتنقذ ما في أيديها وردها إلى موضعها، ولقي الله تعالى، وفي قلبه شيء على بعض أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ما رأينا ذلك ينفعه (2)
3 - قال سفيان الثوري: كنت امرءاً أغدوا إلى الصلاة بغلس،--------------------------------------------
(1) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة:: 7/ 1332
(2) ضياء الدين المقدسي: النهي عن سب الأصحاب: 19
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)
فغدوت ذات يوم، وكان لنا جار، كان له كلب عقور، فقعدت حتى يتنحا فقال لي الكلب: جز يا أبا عبد الله، فإنما أمرت بمن يشتم أبا بكر وعمر (1)
4 - عن عبد الملك بن عمير قال: كان بالكوفة رجل يعطي الأكفان، فمات رجل، فقيل له: فأخذ كفناً وانطلق حتى دخل على الميت وهو مسجى، فتنفس، وألقى الثوب عن وجهه وقال: غروني، أهلكوني، النار النار، قلنا له: قل لا إله إلا الله، قال: لا أستطيع، قيل ولم؟ قال: بشتمي أبا بكر وعمر (2)
5 - قال أبو إسحاق صاحب الشاط: ذهبت إلى ميت لأغسله، فلما كشفت الثوب عن وجهه إذا بحية تطوقت علي حلقه، فذكر من غلظها، قال فخرجت فلم أغسله، فذكروا أنّه كان يسب الصحابة رضي الله عنهم (3)
6 - قال بعض السلف: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية، إذ جاء رجل فقال عمر: يا رسول الله: هذا ينتقصني، فكأنه انتهره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: إني لا انتقص هؤلاء، ولكن هذا - يعني - معاوية، فقال: ويلك، أوليس هو من أصحابي؟ قالها ثلاثاً، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حربة فناولها معاوية فقال:--------------------------------------------
(1) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 7/ 1332
(2) ضياء الدين المقدسي: مرجع سابق: 22
(3) ابن القيم: الروح: 94
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)
جابها في لبته فضربه بها، وانتبهت فبكرت إلى منزلي فإذا ذلك الرجل قد أصابته الذبحة من الليل ومات، وهو راشد الكندي (1)
7 - قال أحمد بن سليمان بن عبد السيد الخليلي: كنا بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم نحواً من أربعة فقراء، فكنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه، فسمعنا رجل من أهل المدينة فدعانا إلى بيته فمضينا معه، ونحن نظن أنّه يطعمنا شيئاً، فلما دخلنا أغلق الباب وضربنا ضرباً كثيراً حتى كسر مرفقي، فخرجنا ومضينا إلى نخل حمزة فقعدنا هناك، فإذا شاب قد جاءنا فقال: يا فقراء هل يحسن أحد منكم يغسل الميت، فقلت له: نعم قال تعالوا، ثم جاء بنا إلى دار الرجل الذي ضربنا فقال: إن هذا أبي هو الذي ضربكم، وقد مات فغسلوه، وأعلمكم أني رجعت عن مذهبه، قال: فكشفنا عن وجهه فإذا هو وجه خنزير، قال فغسلته وكفنته (2)
8 - وذكر الإمام اللالكائي بسنده: أن رجلاً كان يسب أبا بكر وعمر، وكان قد صحبنا في سفر فنهيناه فلم ينته، فقلنا له: اجتنبنا، ففعل فلما أردنا الرجوع تذممنا فقلنا: لو صحبنا حتى نرجع، فلقينا غلامه فقلنا له: قل لمولاك يرجع إلينا فقال: إنه قد حدث بي أمر عظيم، فأخرج ذراعيه فإذا هما ذراعي خنزير، فتحول إلينا فكان معنا حتى انتهينا إلى قرية كثيرة--------------------------------------------
(1) ابن كثير: البداية والنهاية: 8/ 133
(2) ضياء الدين المقدسي: النهي عن سب الأصحاب: 35
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)
الخنازير، فلما رآها صاح صياح الخنازير، فوثب من دابته فإذا هو خنزير، فاختلط مع الخنازير، فلم نعرفه، فجئنا بمتاعه وغلامه إلى الكوفة (1)
9 - وعن عمر بن الحكم عن عمه قال: خرجنا نريد مدان، ومعنا رجل يسب أبا بكر وعمر، قال: فنهيناه فلم ينته، وانطلق ليقضي حاجته فوقع عليه الدبر فلم يقلع عنه حتى قطعه (2)
10 - قال أبو الحباب: كنا في غزاة في البحر وقائدنا / موسى بن كعب، ومعنا في المركب، رجل من أهل الكوفة فأقبل يشتم أبا بكر وعمر، فزجرناه فلم ينزجر، ونهيناه فلم ينته، فأرسينا إلى جزيرة في البحر، فتفرقنا فيها نتأهب لصلاة الظهر، فأتانا صاحب لنا فقال: أدركوا أبا الحجاج فقد أكلته النحل، قال أبو الحباب: فحفرنا له لندفنه فاستوعرت علينا الأرض، قال: صليت فلم نقدر على أن نحفر له، فألقينا عليه ورق الشجر والحجارة وتركناه.
وزاد ابن منيع في حديثه قال خلف: وكان صاحب لنا يبول فوقعت نحلة على ذكره فلم تضره فعلمنا، ها كانت مأمورة (3)
11 - قال عبد الواحد بن أحمد الملحي: دخلت على الحكم أي عمرو--------------------------------------------
(1) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 7/ 1331
(2) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 7/ 1330
(3) ضياء الدين المقدسي: النهي عن سب الأصحاب: 29، اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 7/ 1330
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)
خليد بن الحسن بن سفيان النسوي بنيسابور، وكان معه شيخ يقال له: علان، فقال له الحاكم: اقصص حديثك على هذا فقال: كنت في بلد الري، وكنت أذكر فضائل الشيخين أبي بكر وعمر، فأنهى ذلك الصاحب فأمر بأخذي، ففرت إلى جرجان، فكنت يوماً في سوق وإذا بقوم جاءني وشدوني على جمازة فحملت إلى الري، فلما أدخلت على الصاحب، أمر بقطع لساني فقطع ذاك، وكنت على حالة من الضيق والألم، فلما أن دخل الليل رأيت فيما يرى النائم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وجماعة من أصحابه، فقالا: يا رسول الله، هذا الذي أصيب فينا، فدعا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونفث فمي، فانتبهت وليس بي شيء من وجع، ورد علي الكلام، وخرجت من ولايته إلى همذان، وكانوا أهل السنة، فقصصت عليهم قصتي فظهر لي هناك قبول، وكنت ثم مدة أنشر فضائل الشيخين. قال عبد الواحد: ففتح لنا فاه فما رأينا في فيه لساناً، فشاهدناه على ذلك، وكان يتكلم بكلام فصيح كما تكلم ذو اللسان (1).
12 - وأختم هذا المبحث في الدفاع عن الحسين بن علي رضي الله عنهما:
أما فضائل السبطين "الحسن والحسين " فهي أشهر من أن تذكر، فهما ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما سيدا شباب أهل الجنة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبهما ويكرمهما ويحنو عليهما.--------------------------------------------
(1) ضياء الدين المقدسي: النهي عن سب الأصحاب: 24
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)
ولكن كان ما كان من قدر الله تعالى في مقتل الحسين رضي الله عنه في سنة إحدى وستين، يوم الجمعة في يوم عاشوراء، وله أربع وخمسون سنة، وستة أشهر ونصف (1).
قال الإمام ابن كثير: فكل مسلم ينبغي أن يحزنه قتله رضي الله عنه فإنه من سادات المسلمين، وعلماء الصحابة وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي أفضل بناته، وقد كان عابداً شجاعاً وسخياً، ولكن لا يحسن ما يفعله الشيعة من إظهار الجزع والحزن الذي لعل أكثره تصنع ورياء، وقد كان أبوه أفضل منه فقتل، وهم لا يتخذون مقتله مأتماً كيوم مقتل الحسين، فإن أباه قتل يوم الجمعة وهو خارج إلى صلاة الفجر في السابع عشر من رمضان سنة أربعين، وكذلك عثمان كان أفضل من علي عند أهل السنة والجماعة، وقد قتل وهو محصور في داره في أيام التشريق من شهر ذي الحجة سنة ست وثلاثين، وقد ذبح من الوريد إلى الوريد ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتماً، وكذلك عمر بن الخطاب وهو أفضل من عثمان وعلي قُتل وهو يصلي في المحراب صلاة الفجر ويقرأ القرآن، ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتماً، وكذلك الصديق كان أفضل منه، ولم يتخذ الناس يوم وفاته مأتماً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، وقد قبضه الله إليه كما مات الأنبياء قبله، ولم يتخذ أحد يوم موتهم مأتماً يفعلون فيه ما يفعله هؤلاء الجهلة من الرافضة يوم مصرع الحسين، ولا ذكر أحد أنّه ظهر يوم موتهم وقبلهم شيء--------------------------------------------
(1) ابن كثير: البداية والنهاية: 8/ 142 - 162
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)
مما ادعاه هؤلاء يوم مقتل الحسين من الأمور المتقدمة، مثل كسوف الشمس والحمرة التي تطلع في السماء وغير ذلك. وأحسن ما يقال عند ذكر هذه المصائب وأمثالها ما رواه علي بن الحسين عن جده رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (ما من مسلم يصاب بمصيبة فيتذكرها وإن تقادم عهدها فيحدث لها استرجاعاً إلا أعطاه الله من الأجر مثل يوم أصيب منها) رواه الإمام أحمد وابن ماجه (1).
وقال رحمه الله: ولقد بالغ الشيعة في يوم عاشوراء، فوضعوا أحاديث كثيرة كذباً فاحشاً من كون الشمس كسفت يومئذ حتى بدت النجوم، وما رفع يومئذ حجر إلا وتحته دم، وأن أرجاء السماء احمرت، وأن الشمس كانت تطلع وشعاعها كأنه الدم، وصارت السماء كأنها علقة، وأن الكواكب خرب بعضها بعضاً، وأمطرت السماء دماً أحمر، وأن الحمرة لم تكن في السماء قبل يومئذ، ونحو ذلك.
وروي ابن لهيعة عن أبي قبيل المعافري: أن الشمس كسفت يومئذ حتى النجوم وقت الظهر، وأن رأس الحسين لما دخلوا به قصر الإمارة جعلت الحيطان تسيل دماً، وأن الأرض أظلت ثلاثة أيام، ولم يمس زغفران ولا ورس بما كان معه يومئذ إلا احترق من مسه، ولم يرفع حجر من حجارة بيت المقدس إلا ظهر تحته دم عبيط، وأن الإبل التي غنموها من إبل الحسين حين طبخوها صار لحماً مثل العلقة، إلى غير ذلك من الأكاذيب--------------------------------------------
(1) ابن كثير: البداية والنهاية: 8/ 191
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)
والأحاديث الموضوعة التي لا يصح منها شيء (1).
وأما ما نحن بصدد الحديث عنه وهو الدفاع عن الصحابة رضي الله عنهم: فقد رويت أحاديث وفتن أصابت قتلة الحسين ومن تهكم به، قال الإمام ابن كثير: وأما ما روي من الأحاديث والفتن التي أصابت من قتله فأكثرها صحيح، فإنه قلّ من نجا من أولئك الذين قتلوه من آفة وعاهة في الدنيا، فلم يخرج منها حتى أصيب بمرض، وأكثرهم أصابه الجنون، وللشيعة والرافضة في صفة مقتل الحسين كذب كثير وأخبار باطلة (2).
أخرج الإمام الترمذي في جامعه عن عمارة بن عمير قال: لما جيء برأس عبيد الله بن زياد وأصحابه، نضّدت في المسجد في الرحبة، فانتهيت إليهم وهم يقولون: قد جاءت، قد جاءت: فإذا حية قد جاءت تخلل الرؤوس حتى دخلت في منخري عبيد الله بن زياد فمكثت هنيهة ثم خرجت فذهبت حتى تغيبت ثم قالوا: قد جاءت، قد جاءت، ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثاً. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (3).
قوله " نضدت " أي جعل بعضها فوق بعض مرتبة، والرحبة: محلة بالكوفة.--------------------------------------------
(1) ابن كثير: البداية والنهاية: 8/ 190
(2) ابن كثير: البداية والنهاية: 8/ 190
(3) أخرجه الترمذي في جامعه كتاب المناقب باب مناقب الحسن والحسين (3789)، الذهبي: سير أعلام النبلاء: 4/ 160
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 359)
قال العلامة المباركفوري: وإنما أورد الترمذي هذا الحديث في مناقب الحسين؛ لأن فيه ذكر المجازاة، لما فعله عبيد الله بن زياد برأس الحسين رضي الله عنه (1) وذلك أنّه جيء برأس الحسين إلى عبيد الله بن زياد فجعل يقول بقضيب له في أنفه ويقول: ما رأيت مثل هذا حسناً لم يذكر، فقال أنس بن مالك: أما إنّه كان من أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم (2).
قال أبو رجاء العطاردي: كان لنا جار من بلهجيم، فقدم الكوفة، فقال: ما ترون هذا الفاسق ابن الفاسق قتله الله - يعني الحسين بن علي رضي الله عنهما: فرماه الله بكوكبين من السماء، فطمس بصره (3).
وقال السدي: أتيت كربلاء تاجراً، فعمل لنا شيخ من طي طعاماً، فتعشينا عنده، فذكرنا قتل الحسين، فقلت: ما شارك أحد في قتله إلا مات ميتة سوء، فقال: ما أكذبكم، أنا ممن شارك في ذلك فلم نبرح حتى دنا من السراج وهو يتقد بنفط فذهب يخرج الفتيلة بأصبعه، فأخذت النار فيها، فذهب يطفئها بريقه، فعلقت النار في لحيته، فعدا، فألقى نفسه في الماء فرأيته كأنه حممه (4).
وعن الأعمش قال: تغوط رجل من بني أسد على قبر الحسين،--------------------------------------------
(1) المباركفوري: تحفة الأحوذي: 10/ 263
(2) أخرجه الترمذي في جامعه كتاب المناقب باب مناقب الحسن والحسين (3787)
(3) الذهبي: سير أعلام النبلاء: 4/ 159، الطبري: ذخائر العقبى: 248
(4) الذهبي: سير أعلام النبلاء: 4/ 159، الطبري: دخائر العقبى: 428
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 360)
فأصاب أهل ذلك البيت خبل وجنون وبرص وفقر وجذام (1).
وأن قاتل الحسين لما جاء ابن زياد، وذكر له كيفية قتله، وما قال له الحسين، اسودّ وجهه (2).
والأخبار في ذلك كثيرة، وهو جزاء كل من لطخ يده بدم الصديقين، أو استهزئ وازدرى أهل البيت الطاهرين.
ولذا لما بلغ أم سلمة مقتل الحسين قالت: قد فعلوها، ملأ الله قبورهم - أو بيوتهم - ناراً، ووقعت مغشيا عليها (3).
ولما تكلم ابن زياد بعد مقتل الحسين قام إليه عبد الله بن عفيف الأزدي، فقال: ويحك يا ابن زياد، تقتلون أولاد النبيين، وتتكلمون بكلام الصديقين، فأمر به ابن زياد فقتل وصلب (4).
ونقول ما قال جماعة أهل السنة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما من قتل الحسين ،أو أعان على قتله أو رضي بذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً (5).
وقال رحمه الله: والحسين رضي الله عنه أكرمه الله تعالى بالشهادة في هذا اليوم،--------------------------------------------
(1) الذهبي: سير أعلام النبلاء:4/ 161
(2) الذهبي: سير أعلام النبلاء:4/ 158 الطبري: ذخائر العقبي: 427
(3) ابن كثير: البداية والنهاية: 8/ 190
(4) ابن كثير: البداية والنهاية: 8/ 180
(5) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 4/ 487
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)
وأهان بذلك من قتله، أو أعان من قتله أو رضي بقتله، وله أسوة حسنة ممن سبقه من الشهداء، فإنه وأخوه سيدا شباب أهل الجنة، وكانا قد تربيا في عز الإسلام، لم ينالا من الهجرة والجهاد والصبر على الأذى في الله ما نال أهل بيته؛ فأكرمهما الله تعالى بالشهادة؛ تكميلاً لكرامتهما، ورفعاً لدرجتهما. وقتله مصيبة عظيمة، والله سبحانه قد شرع الاسترجاع عند المصيبة بقوله تعالى [وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ] البقرة 55 - 57.
ثم قال: ومن أحسن ما يذكر هنا: أنّه قد روى الإمام أحمد وابن ماجه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته وإن قدمت، فيحدث عندها استرجاعاً، كتب الله له مثلها يوم أصيب. هذا حديث رواه عن الحسين ابنته فاطمة التي شهدت مصرعه.
وقد علم أن المصيبة بالحسين تذكر مع تقادم العهد، فكان من محاسن الإسلام أن بلغ هو هذه السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أنّه كلما ذكرت هذه المصيبة يسترجع لها، فيكون للإنسان من الأجر مثل الأجر يوم أصيب بها المسلمون.
وأما من فعل مع تقادم العهد بها، ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند حدثان العهد بالمصيبة فعقوبته أشد مثل لطم الخدود وشق الجيوب والدعاء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
بدعوى الجاهلية.
ثم قال: فكيف إذا انضم إلى ذلك ظلم المؤمنين، ولعنهم وسبهم وإهانة أهل الشقاق والإلحاد على ما يقصدونه للدين من الفساد وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى (1).
قال الإمام الذهبي: ولما استشار المسلمون عائشة رضي الله عنها في دفن الحسن رضي الله عنه في حجرتها لما مات فقالت: نعم وكرامة، فبلغ ذلك مروان فقال: كذب وكذبت، والله لا يدفن هناك أبداً، منعوا عثمان من دفنه في المقبرة، ويريدون دفن حسن في بيت عائشة، فلبس الحسين ومن معه السلاح، واستلأم مروان أيضاً في الحديد، ثم قام في إطفاء الفتنة أبو هريرة، أعاذنا الله من الفتن ورضي عن جميع الصحابة فترضى عنهم يا شيعي تفلح، ولا تدخل بينهم، فالله حكم عدل يفعل فيهم سابق علمه، ورحمته وسعت كل شيء، وهو القائل (إن رحمتي سبقت غضبي) و [لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ] الأنبياء 23، فنسأل الله أن يعفو عنا وأن يثبتنا بالقول الثابت. آمين (2).
وأخيراً: بعد ذكر هذه الوقائع والأحداث والقصص والشواهد، ليس المقصود من إيرادها وسردها إلا شفاء قلوب المؤمنين الصادقين المحبين للصحابة الكرام الأخيار، وآل البيت الأطهار رضي الله عنهم وأرضاهم، في--------------------------------------------
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 4/ 511 وما بعده.
(2) الذهبي: سير أعلام النبلاء: 4/ 142
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)
بيان نصرتهم، وأوجه الدفاع عنهم، وأن الله سبحانه وتعالى بالمرصاد لكل طاعن ومستهزئ بأفضل القرون، وأنه سبحانه يدفع عنهم، وينتصر ممن عادهم (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب).
وكذا المنهج النبوي في المنافحة عن الصحابة الكرام، ومن بعده أخذوا هذا المنهج وساروا عليه، ولذا النماذج المذكورة شواهد على ما أقول.
ولسنا هنا فقط في مقام من يسرد الشواهد والنماذج، ويتواكل عليها وعلى أمثالها ويؤثر الدعة والسكون والراحة، بل المقصود الأعظم هو استنهاض الهمم للقيام بالواجب تجاه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بما يجب ويلزم، ولنكن وجهاً من أوجه الدفاع طبعاً بالتي هي أحسن - عن الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين.
والمحروم من حرم هذا الشرف العظيم وهو الذب عن الصحابة الأطهار، خاصة في الأزمان التي يحصل فيها التطاول عليهم ويكثر.
ويكفي في هذا المقام أن نذكر القوم بقول الحبيب المصطفى والنبي المجتبى عليه الصلاة والسلام: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته) (1).
وقال صلى الله عليه وسلم: (كل المسلم على المسلم حرام: ماله وعرضه ودمه، حسب--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الأدب باب في الغيبة (4872)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)
امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم).
وقال صلى الله عليه وسلم: (إن من أربى الربا: الاستطالة في عرض المسلم بغير حق) (1).
وقال صلى الله عليه وسلم: (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدروهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم) (2).
وأي عرض أعظم من عرض أفاضل الخلق وسادات المسلمين وأولياء الله المتقين أصحاب النبي الأمين، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
ويكفيك أيها الذاب عن الأعراض الطاهرة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من حمى مؤمناً من منافق) أراه قال: (بعث الله ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مسلما بشيء يريد شينه به، حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال) (3).--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الأدب باب في الغيبة (4868)
(2) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الأدب باب في الغيبة (4870)
(3) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الأدب باب من رد مسلم غيبة (4875)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)
الخاتمة والتوصيات
في ختام هذا التطواف المبارك مع الثلة المباركة نخلص إلى النتائج التالية:
[1] أن جيل الصحابة خير الأجيال، وقرنهم خير القرون، بلا خلاف، لنص المصطفى صلى الله عليه وسلم. وما ميزهم على غيرهم، صحبتهم للنبي الكريم، والتماسهم من جميل صفاته، وكريم أخلاقه، وكمال تعاملاته، وهذا ما مكنهم في الأرض وجعلهم الساسة السادة القادة.
يقول الإمام الغزالي: وإنما فضل الصحابة لمشاهدتهم قرائن أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم واعتلاق قلوبهم أموراً أدركت بالقرائن فسددهم ذلك إلى الصواب، من حيث لا يدخل في الرواية والعبارة، إذ فاض عليهم من نور النبوة ما يحرسهم الأكثر عن الخطأ (1)
فكان لهم من موجب التقدير والاحترام والإجلال ما ليس لغيرهم، حتى إن شاعراً مدح سالم بن عبد الله بن عمر فقال: (وبلال عبد الله خير بلال) فقال له ابن عمر: كذبت، بل (وبلال رسول الله خير بلال) (2).
وروي أنّه جيء للفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه برجل بدوي هجا الأنصار، فقال لهم: لولا أن له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أدري ما نال فيها--------------------------------------------
(1) الغزالي: إحياء علوم الدين: 1/ 79
(2) الذهبي: سير أعلام النبلاء: 3/ 155
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)
لكفيتكموه، ولكن له صحبة منه. فها هو ذا عمر على صرامته في الحق قد توقف عن معاتبته فضلاً عن معاقبته؛ لكونه علم أنّه حظي بشرف الصحبة (1).
فكانوا رضي الله عنهم أطوع الناس لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وأسرعهم فيئة إلى الحق، وأكرمهم للحق، فما من خلق حسن إلا ولهم منه أكمله، وما من عمل بر إلا وهم أوله، حازوا قصب السبق في كل مجالات الحياة، فهم العلماء العاملون، والرواد المبدعون، وأهل الفكر والفهوم، وكانوا إذا جن عليهم الليل قليلاً ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون، وفي أموالهم حق للسائل والمحروم، فهم رهبان الليل وفرسان النهار.
قال الله تعالى عنهم [وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً] النساء 87، [أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] وقال سبحانه وتعالى عنهم [وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً] النساء 122، [فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ] الحشر 9.
ولا يعني بحال من الأحوال، أن هذه الأعطيات والمنح الإلهية الربانية لأولئك القوم وذاك الجيل، كانت موجباً للكسل والتواني، بل كانوا أقوم الناس بالحق، وأقولهم للحق، وأشجعهم في نصرة الحق [وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ] الحشر 8. والصحابة رضي الله عنهم أعرف الناس للحق، واتبع له. يقول الإمام ابن القيم: كل من كان أعرف للحق واتبع--------------------------------------------
(1) أبو شهبة: دفاع عن السنة: 93
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 367)
له، كان أولى بالصراط المستقيم. ولا ريب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم: هم أولى بهذه الصفة من الروافض. فإنه من المحال أن يكون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم - جهلوا الحق وعرفه الروافض، أو رفضوه وتمسك به الروافض. ثم رأينا آثار الفريقين تدل على أهل الحق منهما. فرأينا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحوا البلاد، وقلبوها بلاد إسلام، وفتحوا القلوب بالقرآن والعلم والهدى. فآثارهم تدل على أنهم هم أهل الصراط المستقيم. ورأينا الرافضة بالعكس في كل زمان ومكان، فإنه قط ما قام للمسلمين عدو من غيرهم إلا كانوا أعوانهم على الإسلام، وكم جروا على الإسلام وأهله من بلية؟ وهل عاثت سيوف المشركين عباد الأصنام - من عسكر هولاكو وذويه من التتار- إلا من تحت رؤوسهم؟ وهل عطلت المساجد، وحرقت المصاحف، وقتل سروات المسلمين وعلماؤهم وعبادهم وخليفتهم إلا بسببهم ومن جرائهم؟ ومظاهرتهم للمشركين والنصارى معلومة عند الخاصة والعامة، وآثارهم في الدين معلومة. فأي الفريقين أحق بالصراط
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 368)
المستقيم؟ وأيهم أحق بالغضب والضلال، إن كنتم تعلمون؟ ولهذا فسر السلف الصراط المستقيم وأهله: بأبي بكر وعمر، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم، وهو كما فسروه، فإنه صراطهم الذي كانوا عليه، وهو عين صراط نبيهم. وهم الذين أنعم الله عليهم، وغضب على أعدائهم، وحكم لأعدائهم بالضلال (1).
وليست هذه المنح والأعطيات والهبات موجبة لعصمة القوم، لا! فهم بشر من جملة البشر، اصطفاهم الله تعالى واختارهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، والقتال عن دينه، فقاموا به حق قيام، وربما أخطأتهم الفطرة البشرية فجاء الدين مقوّما، والشرع مُهذّباً.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وسائر أهل السنة والجماعة وأئمة الدين لا يعتقدون عصمة أحد من الصحابة ولا القرابة ولا السابقين ولا غيرهم بل--------------------------------------------
(1) ابن القيم: مدارج السالكين: 1/ 94
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 369)
يجوز عندهم وقوع الذنوب منهم، والله تعالى يغفر لهم بالتوبة، ويرفع بها درجاتهم، ويغفر لهم بحسنات ماحية، أو بغير ذلك من الأسباب (1).
وبعض من يتحدث عن بشرية الصحابة رضي الله عنهم يجعله مدخلاً أو يفتح باباً للآخرين للقدح في القوم والنيل فيهم، والطعن في أعراضهم، وتتبع زلاتهم، وقولهم: إنهم بشر ونحن بشر، وما يقع منا يقع منهم.
قلت: لقد أبعدتم النجعة، فلو اتفقنا في البشرية فلن نتفق معهم في فضلهم ولا منزلتهم ولا مكانتهم ولا علمهم ولا أخلاقهم ولا تواضعهم ولا وفائهم ولا جهادهم ولا صدقهم (فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).
لسنا نغلو في القوم، فالغلو مذموم، ولكن أن نجفو حقهم، أو نقصر في مقامهم، فهذا ما تتطلع إليه نفوس حاقديهم، وإلا فإن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: (لا يبلغّني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر) (2) فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه رضي الله عنهم ما قال: تأديباً وتربية لهم وتفخيماً لشأنهم، والحذر من الوقوع في أعراضهم، فقال: (لا يبلغني أحد عن أحد شيئاً) فشيء: نكرة في سياق النهي، فيعم كل شيء مما يسوؤه ويكرهه ويغضبه في أصحابه (فإني أحب أن أخرج إليكم) من--------------------------------------------
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 35/ 69
(2) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الأدب باب في رفع الحديث من المجلس (4852)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 370)
البيت وألاقيكم، (وأنا سليم الصدر): من مساويكم، وهذا يشمل سلامة الصدر تجاههم في حياته عليه الصلاة والسلام وبعد مماته. قال الإمام ابن الملك: والمعنى أنّه صلى الله عليه وسلم يتمنى أن يخرج من الدنيا وقلبه راض عن أصحابه من غير سخط على أحد منهم، وهذا تعليم للأمة أو من مقتضيات البشرية (1).
وهاهم الصحابة رضي الله عنهم يعرفون لبعضهم فضل بعض، فأخرج الإمام الترمذي عن خيثمة بن أبي سبرة قال: أتيت المدينة فسألت الله أن ييسر لي جليساً صالحاً فوفقت لي، فقال لي: ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة، جئت ألتمس الخير وأطلبه، قال: أليس فيكم سعد بن مالك: مجاب الدعوة، وابن مسعود: صاحب طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم وبغلته، وحذيفة: صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمار: الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه، وسلمان صاحب الكتابين؟ قال قتادة: والكتابان: الإنجيل والفرقان، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب (2).
وكذا أخرج الإمام البخاري في صحيحه قول أبي الدرداء لما سأل الرجل: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة، فقال: أليس فيكم - أو منكم - صاحب السر الذي لا يعلمه غيره - يعني حذيفة - قال: قلت: بلى، قال: أليس فيكم - أو منكم - الذي أجاره الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم؟ يعني من الشيطان، يعني: عمار: قلت: بلى، قال: أليس فيكم - أو منكم - صاحب--------------------------------------------
(1) العظيم آبادي: عون المعبود: 8/ 228، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: 3/ 259
(2) أخرجه الترمذي في جامعه كتاب المناقب باب مناقب عبد الله بن مسعود (3820)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 371)