الفتوى الأولى: نقل الونشريسي في المعيار المعرب عن أبي عبد الله محمد بن عبد المومن التازي (2/ 485) قوله: ومنها قول بعد الناس ما أحدث من النداء عند إرادة الخطيب أن يخطب بقوله: روى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت» (1). أنصتوا رحمكم الله.
ابن الحاج (2): والعجب من بعض الناس أنهم ينكرون على مالك رحمه الله تعالى أخذه بعمل أهل المدينة واستحسنوا هذا الفعل، واحتجوا على صحته بأنه من عمل أهل الشام وعادتهم المستمرة. انتهى.
واستمر عمل تلمسان على رواية هذا الأثر واستمر عمل فاس على تركه، وهو الصواب إن شاء الله. انتهى.
فانظر كيف يقرر هذا الإمام المالكي بأن الصواب ترك رواية حديث الإنصات يوم الجمعة، الذي تلزم به وزارة الأوقاف المغربية جميع المساجد، وتعتبر الالتزام به من أهم المهمات، والإخلال به من أسباب التوقيف والإقالة من العمل.
وقرر الإمام أبو إسحاق الشاطبي المالكي بدعية هذا العمل كذلك …--------------------------------------------
(1) رواه الشيخان.
(2) المدخل (2/ 268).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
الفتوى الثانية: قال الونشريسي في المعيار المعرب (1/ 148 - 149): وسئل - أي العلامة ابن لب - عن قارئ قرأ في الاشفاع في رمضان، فلما بلغ سورة والضحى أخذ يقول آخر كل سورة: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، فأنكر عليه ذلك فقال: كذلك أفعل وأزيد منه، وظهر منه عناد كبير.
فأجاب: إن ذكر الله حسن، وفيه الأجر والثواب، لكن على طريقة الاقتداء والاتباع، لا على مقتضى الأهواء والابتداع.
ومن الكلمات الجامعة لخير الدنيا والآخرة: اتبع لا تبتدع، اتضع لاترتفع، من ورع لا يتسع.
أفيحسن أن يعوض من قراءة الصلاة ذكر غيرها أو شغل المأموم بالذكر عن سماعه قراءة الإمام في الجهر؟!
وللعبادة ووظائف الطاعات حدود وخصوص وأحوال وشروط، والقراءة سنة تتبع، وطريقة هي المورد والمشرع، ولا يجوز فيها العدول عما روي إلى غيرها، والخروج عما دخل في باب المروي وصح في نقله، وخلاف ذلك بدعة وضلالة، وتنقص لما درج عليه السلف من سنة القراءة.
ولقد كان بعض المعلمين للقراءة هنا يأمر الصبي في بدء القراءة بالاستعاذة والبسملة وزيادة الصلاة على الرسول عليه السلام قبل الشروع في القراءة، فسمع بذلك الشيخ شيخ الإسلام في عصره أبو إسحاق بن العاصي،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
فاستحضر المعلم وأغلظ له في القول على تلك الزيادة، حتى ربما أقسم له إن عاد إلى مثل ذلك ليوجعنه بالسياط ضربا، فانتهى الرجل.
وهكذا ينبغي أن يفعل بذلك المبتدع المذكور، فإن انتهى وإلا فيجب تأخيره عن الإمامة وهجره وأخذه بما يكره ويسوؤه.
والحق واضح، والطريق لاحب لائح، والناكب عنه هالك. انتهى.
فتأمل تقرير هذا الإمام المالكي السنة، ورده للبدع التي لا دليل عليها من كتاب ولاسنة.
الفتوى الثالثة: قال أبو إسحاق الشاطبي: قال الطرطوشي: فأما المآثم فممنوعة بإجماع العلماء، والمآثم هو الاجتماع في المصيبة، وهي بدعة منكرة، ولم ينقل فيه شيء، وكذلك ما بعده من الاجتماع في الثاني والثالث والرابع والسابع والشهر والسنة، فهو طامة … إلى آخر كلامه. المعيار (1/ 328).
وتكلم العلامة أبو القاسم محمد بن علي بن خجو الحساني (ت956هـ) في شرح نظم بيوع ابن جماعة (1) عن عدد من المخالفات التي سماها بدعا، وأغلبها محرمات.
وذكر ابن خجو فيها جملة.
منها: اختلاط الرجال والنساء في الأعراس وغيرها والنياحة وضرب الخدود وشق الجيوب وحلق الشعر ورفع الصوت بالويل والثبور.--------------------------------------------
(1) مخطوط بمؤسسة علال الفاسي، رقم (378). والعامة رقم (917ق).
وقد اعتمدت على نسخة علال الفاسي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
وذكر من البدع كذلك: الوسم، وذبح الحيوان على رجل المريض، واقتناء دم الأضاحي للتداوي والتبرك وجعل العجين والدقيق أو الملح في فم الأضحية.
وذكر منها كذلك: إظهار العورة، والتطير، وترك العمل يوم الحسوم وغيره، ومنع الزكاة وإطعامها لمن يريد.
وذكر منها اتخاذ الجهال قدوة في الدين.
وذكر من البدع المذمومة شد الرحل لزيارة غير المساجد الثلاثة.
ومما قال: فمن أقام الرحلة للصلاة في مسجد من المساجد غير المساجد المذكورة فإنه مبتدع، وإن تواطأ على ذلك قوم، وليس هناك قبر ولي يزار، فليمنعوا ويقاتلوا على ذلك.
وذكر من البدع تزين الرجال بزينة النساء كالصبغ بالحناء في أيديهم وأرجلهم، وجعل الأخراص في آذانهم وغير ذلك.
وقال: ومن البدع المحرمة التعظيم للأحجار والتداوي بها.
وعد من البدع: الكهانة.
وتكلم العلامة المكي الناصري في إظهار الحقيقة وعلاج الخليقة (20 - 21) على وجوب اتباع السنة وترك البدع المحدثات بكلام جيد قوي، أقتطف منه قوله: ومنهم من لم يرضوا بالشرع المبين، فابتدعوا أحكاما في الدين وشرعوا واجبات وسننا ومستحبات واخترعوا عبادات وقربات، لم يأت بها الإسلام ولا عهد له بها، كأن الله تعالى ترك لنا ديننا ناقصا فأكملوه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
وأودع لنا فيه سبحانه بعض الفساد فلم يوافقوا عليه وأصلحوه، أو لم ينزل على رسوله يوم حجة الوداع تلك الآية الكريمة المشيرة إلى إكمال هذا الدين الإسلامي {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً} [المائدة:3] أو لم يقل رسوله في خطبته فيها: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي» (1).
أو لم يتم تبليغ رسالته فهم أتموها لنا، أو كتم أو أسر شيئا من الدين كما يزعمون، تعالى الله عما يقولون، وتنزه رسوله عما يأفكون.--------------------------------------------
(1) أخرجه مالك بلاغا (رقم 1594) ووصله الحاكم (1/ 171) والمروزي في السنة (26) والبيهقي في الاعتقاد (228) وفي دلائل النبوة (5/ 449) من طريق ابن أبي أويس حدثني أبي عن ثور بن يزيد الديلي عن عكرمة عن ابن عباس.
وسنده فيه ضعف: إسماعيل بن أبي أويس فيه لين، كما في الميزان، وأبوه فيه ضعف كذلك.
ورواه ابن عبد البر في التمهيد (24/ 331) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده.
وكثير متروك، كما في الميزان والتهذيب.
ورواه الحاكم (1/ 172) وابن عبد البر (24/ 331) والعقيلي في الضعفاء (2/ 250) من طريق صالح بن موسى الطلحي عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة.
وصالح الطلحي ضعيف جدا، كما في الميزان.
وله شواهد، منها عن عروة مرسلا، رواه البيهقي في الدلائل (5/ 448)، وفي سنده ابن لهيعة.
ومنها عن موسى بن عقبة مرسلا، رواه البيهقي في الدلائل (5/ 448).
والحديث حسنه الألباني في تخريج المشكاة (1/ 66)، وانظر السلسلة الصحيحة (4/ 361) وبصائر ذوي الشرف للهلالي (137).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
مسألة قراءة القرآن جماعة:
صح عن الإمام مالك رحمه الله إنكار قراءة القرآن جماعة، وتابعه على هذا عدد من علماء المالكية، وأبى ذلك آخرون، وأجازوا قراءة القرآن جماعة.
ومن النصوص المأثورة عن الإمام مالك في ذلك:
قال محمد العتبي الأندلسي المالكي (المتوفى سنة 255هـ) في العتبية (1/ 298): قال ابن القاسم: قال مالك في القوم يجتمعون جميعا فيقرؤون في السورة الواحدة مثل ما يفعل أهل الإسكندرية، فكره ذلك وأنكر أن يكون من فعل الناس. انتهى.
قال ابن رشد في البيان والتحصيل (1/ 298): إنما كرهه لأنه أمر مبتدع ليس من فعل السلف، ولأنهم يبتغون به الألحان وتحسين الأصوات بموافقة بعضهم بعضا وزيادة بعضهم في صوت بعض على نحو ما يفعل في الغناء، فوجه المكروه في ذلك بَيِّن، والله أعلم.
وقال محمد العتبي الأندلسي المالكي كذلك في العتبية (1/ 242): وسئل عن القراءة في المسجد فقال: لم يكن بالأمر القديم، وإنما هو شيء أحدث، ولم يأت آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، والقرآن حسن.
قال ابن رشد في البيان والتحصيل (1/ 242): يريد أن التزام القراءة في المسجد بإثر صلاة من الصلوات أو على وجه ما مخصوص حتى يصير ذلك كأنه سنة مثل ما يفعل بجامع قرطبة إثر صلاة الصبح، فرأى ذلك بدعة، وأما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
القراءة على غير هذا الوجه فلابأس بها في المسجد ولا وجه لكراهيتها … إلى آخر كلامه.
وقال محمد العتبي الأندلسي المالكي كذلك في العتبية (2/ 17): وسئل عن دراسة القرآن بعد صلاة الصبح في المسجد، يجتمع عليه نفر فيقرؤون في سورة واحدة، فقال: كرهها مالك ونهى عنها ورآها بدعة.
وكرر مالك نفس الشيء كما في العتبية كذلك (18/ 349 - البيان والتحصيل) وقال: لا يعجبني ولا أحبه، واحتج بقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف:204].
وذكر الطرطوشي في الحوادث والبدع (117 - 118) قراءة القرآن جماعة ضمن البدع، غير أنه أجازه بالإدارة أي: أن يقرأ هذا، ثم يقرأ الذي بعده، فهذه غير داخلة في القراءة جماعة.
ونقل (118) من مختصر ما ليس في المختصر لابن شعبان قول مالك: والذين يجتمعون ويقرؤون سورة واحدة حتى يختموها، يختمها كل واحد على إثر صاحبه مكروه منكر، ولو قرأ أحدهم منها آيات، ثم قرأ الآخر على إثر صاحبه، والآخر كذلك، لم يكن به بأس، هؤلاء يعرضون بعضهم على بعض.
وسئل أبو إسحاق الشاطبي عن قراءة الحزب بالجمع هل يتناوله قوله عليه السلام: «ما اجتمع قوم في بيت». الحديث كما وقع لبعض الناس أهو بدعة؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
فأجاب: إن مالكا سئل عن ذلك فكرهه، وقال: هذا لم يكن من عمل الناس. وفي العتبية: سئل عن القراءة في المسجد يعني على وجه مخصوص كالحزب ونحوه، فقال: لم يكن بالأمر القديم، وإنما هو شيء أحدث، يعني أنه لم يكن في زمان الصحابة والتابعين، قال: ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها. وقال في موضع آخر: أترى الناس اليوم أرغب في الخير ممن مضى؟ يعني أنه لو كان في ذلك خير لكان السلف أسبق إليه، يدل على أنه ليس بداخل تحت معنى الحديث. المعيار (11/ 112).
وقال في الاعتصام (2/ 396): وقد أحدث بالمغرب المتسمي بالمهدي تثويباً عند طلوع الفجر وهو قولهم: "أصبح ولله الحمد" إشعاراً بأن الفجر قد طلع، لإلزام الطاعة، ولحضور الجماعة، وللغدو لكل ما يؤمرون به. فَمَحَّضَه هؤلاء المتأخرون تثويباً بالصلاة كالأذان. ونقل أيضاً إلى أهل المغرب الحزب المحدث بالإسكندرية، وهو المعتاد في جوامع الأندلس وغيرها، فصار ذلك كله سنة في المساجد إلى الآن، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقال (2/ 301) عادًّا البدع الإضافية: ومن ذلك قراءة القرآن بهيئة الاجتماع. وانظر (2/ 321).
وممن اختار المنع من قراءة القرآن مفتي رابطة علماء المغرب العلامة محمد كنوني المذكوري، وأيده الأمين العام للرابطة علامة المغرب بغير منازع عبد الله كنون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
قال محمد كنوني في جوابه على أسئلة وردت على الأمانة العامة لرابطة علماء المغرب: الجواب عن السؤال العاشر: حول قراءة القرءان بالصفة الجماعية، على النحو الذي يفعله قراؤنا.
والجواب هو أن الله تعالى يقول: وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون، لذلك كان السلف الصالح من الصحابة فمن بعدهم، لا يقرأون مثل هذه القراءة المسؤول عنها، بل يقرأ الواحد ويستمع الباقون، وذلك بإجادة التلاوة وإجادة الاستماع، فيدخل الجميع في رحمة الله، وقد روى لنا من ذلك صورة فريدة، أبو عبد الله البخاري، وكذلك مسلم من حديث الأعمش عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ علي»، فقلت يا رسول الله، اقرأ عليك وعليك أنزل، قال: «نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري»، فقرأت سورة النساء، حتى أتيت إلى هذه الآية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً} [النساء:41]. فقال: حسبك الآن، فإذا عيناه تذرفان (1)، قال الحافظ ابن كثير: وقد روي من طرق متعددة عن ابن مسعود، فهو مقطوع به عنه، ورواه أحمد من طريق أبي حيان (2) وأبي رزين (3) عنه. اهـ--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (4306 - 4762 - 4768) ومسلم (800) وأبو داود (3668) والترمذي (3025) وأحمد (1/ 380 - 432) وابن حبان (735) وابن أبي شيبة (6/ 155) وأبو يعلى (5228) والبزار (1510 - 1564) والطبراني في الكبير (9/ 80) عن الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله.
(2) مسند أحمد (1/ 374).
(3) مسند أحمد (1/ 374).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
فهذه الصورة هي السائدة عند السلف الصالح، ولا زال العمل جاريا بها في المشرق، ولكن العمل في المغرب جرى بالاجتماع للقراءة في المساجد وغيرها، ومن المقرر المعلوم أن الإمام مالكا رحمه الله يقول بكراهة ذلك حيث قال: ليست القراءة في المساجد من الأمر القديم، وإنما هو شيء أحدث، ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها.
واستشهد الإمام المازري بحديث الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن
عنده» اهـ (1)، حيث قال: ظاهر الحديث يبيح الاجتماع لقراءة القرآن في المساجد، وإن كان مالك كره ذلك في المدونة، لأنه لم ير السلف يفعلونه مع حرصهم على اتباع السنة، ولعله من البدع الحسنة كقيام رمضان وغيره اهـ.
وقد نقل الفقهاء عن صاحب المعيار قوله بالجواز وتعضده الآثار الصحيحة وكرهه مالك، وبجوازه جرى العمل اهـ.
وقال ابن لب: وبقراءة الحزب في الجماعة جرى العمل، وعليه الجمهور، وذكر ابن هلال أنه بدعة، وأن بعض المتأخرين ذكر أنه جرى به العمل دون كراهة اهـ.--------------------------------------------
(1) رواه مسلم (2699) وأبو داود (1455) والترمذي (2945) وابن ماجه (225) وأحمد (2/ 252) وابن حبان (768) وغيرهم من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
ولو تتبعنا كلام الفقهاء لطال بنا الحال لكثرة القيل والقال، فتبين مما سطرناه عمل السلف وعمل الخلف.
ولكن هذا القلم المتواضع يسطر هاهنا ملاحظة لم يشر لها أحد فيما وقفنا عليه من كلامهم، وهي ما يفوت القارئ في الجماعة من بعض الآيات عند تنفسه أو تنحنحه أو سعاله أو أي عارض آخر يعرض له.
وهذا العارض لا يختص به واحد، بل الجميع فيه سواء وهكذا يسري هذا الخلل عند جميع القراء وفي جميع القرآن، وهذا أمر معلوم عندهم بالضرورة.
وتارة يطرأ هذا العارض عند رأس الآية أو في وسطها أو بين الحروف فيما إذا كان هناك مد مثلا، وهناك يقع الفصل بين الجميع.
والذي ينبغي الأخذ به هو عمل السلف الصالح، ومنهم الإمام مالك رضي الله عن الجميع.
هذا مع احترامنا لساداتنا الفقهاء ومذاهبهم وآرائهم ما دام الكل يسعى لمصلحة الأمة الإسلامية وشريعتها الغراء.
وقبل إلقاء القلم، أنبه القارئ أني أعلم ما قاله بعض الفقهاء مما يخالف بعض ما سطرته في أجوبتنا هذه، ولكنني آثرت ما كتبته آخذا من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو أخبار وآثار السلف الصالح الذين هم أقرب عهدا وأصح سندا بالنسبة لمصدري التشريع الإسلامي الذي هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقربهم من القرون الثلاثة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
وإني وإن كنت أحب السابقين واللاحقين، فأنا كما قال القائل:
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا … بكاها فقلت الفضل للمتقدم
وإنني أشكر السائل الفاضل الذي أثار هذه المسائل التي أخذها من واقع الشعب وصميمه، كما أوجه شكري إلى أخينا العالم الجليل السيد عبد الله كنون المشرف على جريدة الميثاق والتي يوجهها توجيها دينيا، نحن في حاجة أكيدة إليه، سيما في هذا العصر الذي قل فيه الناصر لدين الله، وفق الله جهود المصلحين المخلصين. قاله وكتبه قليل الاطلاع قصير الباع، راد العلم إلى الله. محمد كنوني المذكوري.
ومنع الشيخ في نفس الفتاوى (71) تقسيم البدع مطلقا إلى خمسة أقسام.
وعد من البدع المكروهة كراهة شديدة: الختمة على الميت (72).
ومن البدع المكروهة كراهة تنزيه: المصافحة بعد أدبار الصلوات.
وجزم ببدعة الهيللة مع الجنازة، وقد تقدم كلامه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
المغاربة والتصوف
تباينت مواقف المالكية كغيرهم في باقي المذاهب من التصوف، فأبطله قوم وأجازه آخرون، وقد اشتهر جماعة من علماء المغرب بالرد على الصوفية أو الرد على بدعهم المخالفة للسنة:
ومن أشدهم على المتصوفة العلامة الإمام والمفسر الكبير أبو عبد الله القرطبي، الذي يعد أشهر مفسري القرآن على مدى التاريخ الإسلامي الطويل.
قال العلامة أبو عبد الله القرطبي في تفسيره (7/ 400): وعلى التفسيرين ففيه رد على الجهال من الصوفية الذين يرقصون ويصفقون ويصعقون، وذلك كله منكر يتنزه عن مثله العقلاء، ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت. انتهى.
قلت: وقد أجمع الصوفية الأوائل على ذم الرقص والصعق، وأما أهل زماننا كالدرقاويين والبوتشيشين والتيجانيين فدينهم هو الرقص والشطح باسم الذكر.
وقال القرطبي (10/ 366): قال ابن عطية: تعلقت الصوفية في القيام والقول بقوله: {إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الكهف:14] قلت: وهذا تعلق غير صحيح! هؤلاء قاموا فذكروا الله على هدايته وشكروا لما أولاهم من نعمه ونعمته، ثم هاموا على وجوههم منقطعين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
إلى ربهم خائفين من قومهم، وهذه سنة الله في الرسل والأنبياء والفضلاء الأولياء، أين هذا من ضرب الأرض بالأقدام والرقص بالأكمام! وخاصة في هذه الأزمان عند سماع الأصوات الحسان من المرد والنسوان هيهات! بينهما والله ما بين الأرض والسماء، وثم هذا حرام عند جماعة العلماء على ما يأتي بيانه في سورة لقمان إن شاء الله تعالى، وقد تقدم في (سبحان) عند قوله:
{وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً} [الإسراء:37] ما فيه كفاية. وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي (1) وسئل عن مذهب الصوفية فقال: وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون، فهو دين الكفار وعباد العجل على ما يأتي.
وقال القرطبي كذلك (11/ 13): قوله تعالى: {آتِنَا غَدَاءنَا} [الكهف62] فيه مسألة واحدة وهو اتخاذ الزاد في الأسفار، وهو رد على الصوفية الجهلة الأغمار الذين يقتحمون المهامه والقفار، زعما منهم أن ذلك هو التوكل على الله الواحد القهار، هذا موسى نبي الله وكليمه من أهل الأرض، قد اتخذ الزاد مع معرفته بربه وتوكله على رب العباد.
وقال القرطبي كذلك (11/ 237): وسئل الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله: ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ وأعلم - حرس الله مدته- أنه اجتمع جماعة من الرجال فيكثرون من ذكر الله تعالى وذكر محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيا عليه، ويحضرون شيئا يأكلونه هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين وهذا القول الذي يذكرونه:--------------------------------------------
(1) في المطبوع: الطرسوسي. وهو خطأ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
يا شيخ كف عن الذنوب … قبل التفرق والزلل
واعمل لنفسك صالحا … ما دام ينفعك العمل
أما الشباب فقد مضى … ومشيب رأسك قد نزل
وفي مثل هذا ونحوه.
الجواب: - يرحمك الله - مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري، لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون، فهو دين الكفار وعباد العجل، وأما القضيب فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى، وإنما كان يجلس النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار. فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا يعينهم على باطلهم، هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المسلمين، وبالله التوفيق. انتهى.
فتأمل ما أشد هذه الكلمات على المتصوفة، وتأمل كيف يجزم بضلالهم، ويحث السلطان على منعهم من دخول المسجد.
وقال (14/ 54): فأما ما ابتدعته الصوفية اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة من الشبابات والطار والمعازف والأوتار فحرام. انتهى.
ومن أكثر مواقف المغاربة شهرة في الإنكار على المتصوفة: ردودهم على كتاب إحياء علوم الدين للغزالي وإقدامهم على حرقه. وذلك في عهد علي بن يوسف بن تاشفين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
وكتاب إحياء علوم الدين من أهم الكتب الصوفية، والغزالي من أئمة الصوفية المجمع عليه بينهم.
وقد اشتهر العلماء المغاربة بكثرة ردودهم عليه ولهم في ذلك مصنفات عديدة، فُقِد بعضها ولا زالت أخرى على قيد الوجود.
فألف أبو بكر الطرطوشي محمد بن الوليد الفهري الأندلسي المالكي المتوفى سنة (520): "الأسرار والعبر في الرد على الإحياء". (1)
وللطرطوشي كذلك رسالة صغيرة إلى عبد الله بن المظفر مذكورة في المعيار (12/ 186 - 187)، ونشرها كذلك سعيد غراب، كما ذكر المنوني في حضارة الموحدين (196). وذكر بعضها الذهبي في سير أعلام النبلاء (19/ 339).
ونصها كما في المعيار:
ومما كتب به الأستاذ أبو عبد الله محمد بن الوليد الطرطوشي إلى عبد الله بن المظفر: أما ما ذكرت من أمر الغزالي فرأيت الرجل وكلمته، فوجدته رجلا جليلا من أهل العلم، قد نهضت به فضائله، واجتمع فيه العقل والفهم وممارسة العلوم طول عمره. وكان على ذلك معظم زمانه.
ثم بدا له عن طريق العلماء، ودخل في غمار العمال، ثم تصرف بمحيّر العلوم وأهلها، ودخل في علوم الخواطر وأرباب القلوب ووسواس الشيطان،--------------------------------------------
(1) يوجد السفر الأول منه مخطوطا بخزانة خاصة بمراكش.
والظاهر أنها بالخزانة الملكية الخاصة بالقصر الملكي بمراكش.
انظر حضارة الموحدين للمنوني (176).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
ثم شابها برأي الفلاسفة ورموز الحلاج، وجعل ينحو على الفقهاء والمتكلمين، ولقد كاد أن ينسلخ من الدين.
فلما عمل كتابه سماه: "إحياء علوم الدين" عمد يتكلم في علوم الأحوال ومراقي الصوفية، وكان غير دري بها ولا خبير بمعرفتها، فسقط على أم رأسه، فلا في علماء المسلمين قَرَّ، ولا في أحوال الزاهدين استقر.
شحن كتابه بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا أعلم كتابا على بسيط الأرض في مبلغ علمي أكثر كذبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه.
سبكه بمذاهب الفلاسفة ومعاني رسائل إخوان الصفا، وهم قوم يرون النبوءة اكتسابا، وليس النبي في زعمهم أكثر من شخص فاضل تخلق بمحاسن الأخلاق وجانب سفسافها، وساس نفسه حتى ملك قيادها، فلا تغلبه شهواته، ولا يقهره سوء أخلاقه. ثم ساس الخلق بتلك الأخلاق. وأنكروا أن يكون الله تعالى من أقر منهم بالصانع يبعث إلى الخلق رسولا ويؤيده بالمعجزات حيل ومخاريق.
ولقد شرف الله الإسلام وأوضح حجته، وأقام برهانه، وقطع عذر الخلائق بحججه الواضحة، وأدلته القاطعة الدامغة. وما من ينصر دين الإسلام بمذاهب الفلاسفة وآراء المنطقية إلا كمن يغسل الماء بالبول.
ثم يسوق الكلام سوقا يُرعد فيه ويُبرق، ويمني ويشوّق، حتى إذا تشوفت له النفوس، قال: هذا من علم المعاملة، وما وراءه من علم المكاشفة، ولايجوز
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
تسطيره (1) في الكتاب، أو يقول: وهذا من سر القدر الذي نهينا عن إفشائه. وهذا فعل الباطنية وأهل الدغل والدخل في دين الله يستغل الموجود، ويكلف النفوس بالمفقود، فهو تشويش لعقائد القلوب، وتوهين لما عليه كلمة الجماعة.
فإن كان الرجل يعتقد ما سطره في كتابه لم يبعد تكفيره، وإن كان لا يعتقده فما أقرب تضليله!
وأما ما ذكرت من إحراق الكتاب بالنار، فإنه إن تُرك انتشر بين ظهور الخلق ومن لا معرفة له بسمومه القاتلة، وخِيف عليهم أن يعتقدوا صحة ما سُطر فيه مما هو ضلال، فيُحرق قياسا على ما أحرقته الصحابة رضي الله عنهم من صحائف المصحف التي كان فيها اختلاف ألفاظ ونقص آي.
ألا ترى أنهم لو لم يحرقوا تلك الصحائف وانتشرت في الخلق لَحَفِظَ كل إنسان ما وقع منها إليه؟، وأوشك أن يختلفوا فيتقاتلوا ويتقاطعوا.
وإني لعلى عزم أن أنفرد له فأستخرج جميع هفواته، وأوضح سقطاته، وأبينها حرفا حرفا (2)، وفي دونه من الكتب غنية وكفاية لإخواننا المسلمين وطبقات الصالحين.
ومعظم من وقع في عشق هذا الكتاب رجال صالحون لا معرفة لهم بما يلزم العقل وأصول الديانات، ولا يفهمون الإلهيات، ولا يعلمون حقائق الصفات، ولا يخبرون شياطين الإنس الذين انتدبوا للطعن في الدين وتوهين--------------------------------------------
(1) في المطبوع: تسطير. ولعل الصواب ما ذكرت.
(2) وقد فعل رحمه الله. وصنف كتابه الأسرار والعبر الذي تقدم ذكره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
عمود الإسلام وتعطيل الصانع وإفساد المعجزات، فمن لم يكن عنده تمييز لهذه الأبواب من الذب عن دين الله تعالى ونصرة شريعته لم ينبغ له أن يقفو ما ليس له به علم، بمدح على غير علم، ويذم على غير علم، والسلام.
وللإمام أبي عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي المازري المالكي (المتوفى سنة 536) رد على "الإحياء" سماه: الكشف والإنباء عن كتاب الإحياء.
ومما قال فيه كما في السير للذهبي (19/ 330): … وفيه كثير من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم لفق فيه الثابت بغير الثابت، وكذا ما أورد عن السلف لا يمكن ثبوته كله، وأورد من نزغات الأولياء ونفثات الأصفياء ما يجل موقعه، لكن مزج فيه النافع بالضار، كإطلاقات يحكيها عن بعضهم لا يجوز إطلاقها لشناعتها، وإن أخذت معانيها على ظواهرها، كانت كالرموز إلى قدح الملحدين، ولا تنصرف معانيها إلى الحق إلا بتعسف على اللفظ مما لا يتكلف العلماء مثله إلا في كلام صاحب الشرع الذي اضطرت المعجزات الدالة على صدقه المانعة من جهله وكذبه إلى طلب التأويل …
إلى أن قال: هو بالفقه أعرف منه بأصوله، وأما علم الكلام الذي هو أصول الدين، فإنه صنف فيه، وليس بالمتبحر فيها، ولقد فطنت لعدم استبحاره فيها، وذلك أنه قرأ علوم الفلسفة قبل استبحاره في فن الاصول، فأكسبته الفلسفة جرأة على المعاني، وتسهلا للهجوم على الحقائق، لأن الفلاسفة تمر مع خواطرها، لا يزعها شرع، وعرفني صاحب له أنه كان له
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
عكوف على رسائل إخوان الصفا، وهي إحدى وخمسون رسالة، ألفها من قد خاض في علم الشرع والنقل، وفي الحكمة، فمزج بين العلمين، وقد كان رجل يعرف بابن سينا ملأ الدنيا تصانيف، أدته قوته في الفلسفة إلى أن حاول رد أصول العقائد إلى علم الفلسفة، وتلطف جهده، حتى تم له ما لم يتم لغيره، وقد رأيت جملا من دواوينه، ووجدت أبا حامد يعول عليه في أكثر ما يشير إليه من علوم الفلسفة.
وأما مذاهب الصوفية، فلا أدري على من عول فيها، لكني رأيت فيما علق بعض أصحابه أنه ذكر كتب ابن سينا وما فيها، وذكر بعد ذلك كتب أبي حيان التوحيدي، وعندي أنه عليه عول في مذهب التصوف، وأخبرت أن أبا حيان ألف ديوانا عظيما في هذا الفن، وفي " الإحياء " من الواهيات كثير … ويستحسن أشياء مبناها على ما لا حقيقة له … إلى آخر كلامه. سير أعلام النبلاء للذهبي (19/ 341).
وانتقده تلميذه أبو بكر بن العربي المعافري المالكي (المتوفى سنة 543) في كتابه العواصم من القواصم (2/ 101) (1)، ومما قال: كان أبو حامد تاجا في هامة الليالي وعقدا في لبة المعالي، حتى أوغل في التصوف، وأكثر معهم التصرف، فخرج على الحقيقة وحاد في أكثر أحواله عن الطريقة، وجاء--------------------------------------------
(1) هكذا في جهود علماء المغرب في الدفاع عن عقيدة أهل السنة (440). ولم أر هذا الكلام في نسختي من العواصم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)