النفس في حفظ الأحوال، بالأفعال والأقوال، البطن وما حوى، والرأس وما وعى، وآيات تتلى، وسلوك الطريقة المثلى، وحج وجهاد، ورعاية السنة في المواسم والأعياد، ونصيحة تهتدى، وأمانة تؤدى، وخلق على خلق القرآن يحدى، وصلاة وصيام، واجتناب مواقع الآثام، وبيع النفس والمال من الله {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة:111] الآية.
{وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ} [البقرة:177] الآية {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً} [الأنعام:153] الآية.
الصراط المستقيم كتاب الله وسنة رسول الله، وليس الصراط كثرة الرايات، والاجتماع للبيات، وحضور النساء والأحداث، وتغيير الأحكام الشرعية بالبدع والأحداث، والتصفيق والرقص، وغير ذلك من أوصاف الرذائل والنقص، {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ} [فاطر:8] الآية.
عن المقدام بن معدي كرب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يجاء بالرجل يوم القيامة وبين يديه راية يحملها، وأناس يتبعونه فيسأل عنهم ويسألون عنه، {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} [البقرة:166] الآية.
فيجب على من ولاه الله من أمر المسلمين شيئا من السلطان والخلائف، أن يمنعوا هؤلاء الطوائف، من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يدين لله واليوم الآخر أن يحضر معهم أو يعينهم على باطلهم، فإياكم ثم إياكم والبدع، فإنها تترك مراسم الدين خالية خاوية، والسكوت على المناكر يحيل رياض الشرائع ذابلة ذاوية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
فمن المنقول على الملل، والمشهور في الأواخر والأوائل، أن البدع والمناكر إذا فشت في قوم أحاط بهم سوء كسبهم، وأظلم مابينهم وبين ربهم، وانقطعت عنهم الرحمات، ووقعت فيهم المثلات، وشحت السماء وسبحت النقماء، وغيض الماء، واستولت الأعداء، وانتشر الداء، وجفت الضروع، ونقصت بركة الزروع، لأن سوء الأدب مع الله يفتح أبواب الشدائد، ويسد طريق الفوائد، والأدب مع الله ثلاثة:
1 - حفظ الحرمة بالاستسلام والاتباع.
2 - رعاية السنة من غير إخلال ولا ابتداع.
3 - مراعاتها في الضيق والاتساع، لاما يفعله اليوم هؤلاء الفقراء، فكل ذلك كذب على الله وافتراء، {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ} [آل عمران:31] الآية.
عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلام موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا، فقال: أوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة لمن وليكم وإن كان عبدا حبشيا فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (1).--------------------------------------------
(1) تقدم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
وها نحن عباد الله أرشدناكم وحذرناكم وأنذرناكم، فمن ذهب بعد لهذه المواسم، أو أحدث بدعة في شريعة نبيه أبي القاسم، فقد سعى في هلاك نفسه، وجر الوبال عليه وعلى أبناء جنسه، وتله الشيطان للجبين، وخسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين، {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور:63] … الآية. إلى آخر المرسوم.
وممن انتصر للمرسوم وأيده من علماء المغرب: العلامة المؤرخ أحمد الناصري، حيث قال في الاستقصا (8/ 124): … وقد تكلم الشاطبي وغيره من العلماء فيما يقرب من هذا، وذكروا أن الغلو في التعظيم أصل من أصول الضلال، ولو لم يكن في ذلك إلا قضية الشيعة لكان كافيا، فالحاصل أن خير الأمور الوسط، ومن هنا أيضا كان السلطان المولى سليمان رحمه الله قد أبطل بدعة المواسم بالمغرب، وهي لعمري جديرة بالإبطال، فسقى الله ثراه، وجعل في عليين مثواه. اهـ.
وكذا انتصر له عبد السلام بن محمد السرغيني (ت1354) في مسامرة في الانتصار للسنة وقمع البدعة. وقد تقدم.
وكذا العلامة محمد كنوني المذكوري مفتي رابطة علماء المغرب في الفتاوى التي أصدرتها الرابطة، وأيده في ذلك أمينها العام العلامة عبد الله كنون.
وقد قدمت كلامه هذا فيما تقدم لكن لا بأس بإعادته هنا لصلته الوثيقة بما نحن بصدده من موقف المغاربة من مواسم الأضرحة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
قال: السؤال السادس: حول الاستسقاء عند ضريح ولي كل عام في موعد محدد مع حفلة يسمونها الصدقة.
الجواب عنه: أن الاستسقاء جعلت له الشريعة الإسلامية صلاة تخصه، فقد روى الأئمة أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي، ورواه مسلم ولم يذكر الجهر بالقراءة عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم خرج يستسقي، قال: فحول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة (1) اهـ.
هذه هي الصلاة المشروعة في الاستسقاء، لا أن يذهب الأحياء إلى الأموات ويقيمون عندهم الحفلات في أوقات مألوفة وأماكن معروفة، فأين الصلاة وأين الدعاء إلى الله، والالتجاء والتضرع إليه، كما وصف لنا ابن عباس في حديثه الذي رواه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج متواضعا مبتذلا متخشعا متضرعا فصلى ركعتين الخ (2)، وأين الاستغفار الذي كان يفعله الصحابة الكرام عند ذلك، لأن منع المطر لا يكون إلا عن ذنوب ومعاصي، والاستغفار يمحوها، فيزول بزوالها المانع من المطر.
نعم، ثبت أن سيدنا عمر استسقى بسيدنا العباس رضي الله عنهما عند القحط، فقد روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب كان--------------------------------------------
(1) تقدم.
(2) تقدم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم انا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا فيسقون. (1) اهـ.
وقد بينوا صفة ما دعا به العباس هذه الواقعة أنه قال: اللهم إنه لا ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث، قال: فأرخت السماء مثل الجبال، حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس.
ومن هنا استحب العلماء الاستسقاء بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوءة، وكثرة الاستغفار، هو الذي لم يزد عليه عمر عندما خرج يستسقي مرة أخرى، حيث قرأ {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً} [نوح: 10 - 11] و {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً} [هود: 52] الآية.
فقيسوا أعمالكم يا من يقيمون الحفلات عند قبور الأموات التي تذكر الآخرة لا أفراح الدنيا، على أعمال رسولكم صلى الله عليه وسلم، وأعمال خلفائه الراشدين والصحابة المهتدين، فحينئذ يظهر أنكم تطلبون القحط لا القطر، حيث تركتم التوجه إلى ربكم الحي الدائم بالخضوع والخشوع، والاستغفار والخنوع إلى قبر، الله أعلم بحال صاحبه غافلين عن قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ--------------------------------------------
(1) تقدم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف: 194 - 196].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
علماء المالكية والاحتفال بالمولد النبوي
اختلف علماء المذهب في حكم الاحتفال بالمولد النبوي، علما أنه أجمع كافة العلماء والمؤرخين أن الصحابة والتابعين وأتباعهم وكذا الأئمة الأربعة لم يعرف عنهم الاحتفال بالمولد النبوي، ولا تعرف هذه البدعة إلا في القرون المتأخرة.
بل أول من أحدثه هم الفاطميون العبيدون من الباطنيين، كما نقله المقريزي في خططه (1/ 490) والقلقشندي في صبح الأعشى (3/ 498) والسندوبي في تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي (69) ومحمد بخيت في أحسن الكلام (44) وعلي فكري في محاضراته (84) وعلي محفوظ في الإبداع … (ص126) (1).
وعلى القول بجواز الاحتفال فإن ما يفعله الصوفية في هذا اليوم من الرقص والشطح باسم الذكر يعد من البهتان ومن أعظم الافتراء على الشريعة وعلى نبينا صلى الله عليه وسلم، ومن قال بأن هذا احتفال بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو من أكبر المستهزئين به صلى الله عليه وسلم، الساخرين بمقامه الرفيع. فكيف يعظم النبي صلى الله عليه وسلم في يوم ميلاده بالرقص والشطح. سبحانك هذا بهتان عظيم.--------------------------------------------
(1) كذا ذكر الشيخ علي حسن الحلبي في تحقيقه لرسالة الفاكهي الآتي ذكرها.
وضعف قول من قال: إن أول من أحدثه هو الملك المظفر صاحب إربل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
ومن أكثر علماء المذاهب الأربعة تصنيفا وتشنيعا على هذا الاحتفال: علماء المذهب المالكي.
وممن علمته تكلم في عدم جواز ذلك أو عدم جواز بعض ما يعمل في المولد:
أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي المالكي (ت 474هـ) ألف رسالة سماها: حكم بدعة الاجتماع في مولد النبي صلى الله عليه وسلم (1).
وأبو حفص تاج الدين عمر بن علي الفاكهاني المالكي (ت731) صنف "المورد في عمل المولد" (2).
صنفه لبيان بدعية الاحتفال بالمولد النبوي.
ومما قاله فيه (8 - 9): لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطَّالون، وشهوة نفس، اغتنى بها الأَكَّالون.
وقال في آخر الرسالة: هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم، وهو ربيع الأول هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح بأولى من الحزن فيه.--------------------------------------------
(1) نشرت هذه الرسالة في مجلة الإصلاح (المجلد الأول/ العدد الخامس/ ص 278). كما في جهود علماء المغرب (421).
(2) طبع بتحقيق علي حسن الحلبي. طبع دار القاسم ضمن مجموع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
وعد العلامة أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي الشهير بابن الحاج (المتوفى سنة 737) في كتابه "المدخل" الاحتفال بالمولد النبوي (2/ 2) من البدع.
وقال الونشريسي في المعيار المعرب (7/ 99 - 100 - 101): وسئل الأستاذ أبو عبد الله الحفار عن رجل حبس أصل توت على ليلة مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ثم مات المحبس فأراد ولده أن يتملك أصل التوت المذكور فهل له ذلك أم لا؟
فأجاب: وقفت على السؤال فوقه، وليلة المولد لم يكن السلف الصالح وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم يجتمعون فيها للعبادة، ولا يفعلون فيها زيادة على سائر ليالي السنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعظم إلا بالوجه الذي شرع فيه تعظيمه، وتعظيمه من أعظم القرب إلى الله، لكن يتقرب إلى الله جل جلاله بما شرع، والدليل على أن السلف لم يكونوا يزيدون فيها زيادة على سائر الليالي أنهم اختلفوا فيها، فقيل إنه صلى الله عليه وسلم ولد في رمضان، وقيل في ربيع، واختلف في أي يوم ولد فيه على أربعة أقوال، فلو كانت تلك الليلة التي ولد في صبيحتها تحدث فيها عبادة بولادة خير الخلق صلى الله عليه وسلم لكانت معلومة مشهورة لا يقع فيها اختلاف، ولكن لم تشرع زيادة تعظيم، ألا ترى أن يوم الجمعة خير يوم طلعت عليه الشمس، وأفضل ما يفعل في اليوم الفاضل صومه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة مع عظيم فضله، فدل هذا على أنه لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
تحدث عبادة في زمان ولا في مكان إلا إن شرعت، وما لم يشرع لا يفعل، إذ لا يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما أتى به أولها.
ولو فتح هذا الباب لجاء قوم فقالوا: يوم هجرته إلى المدينة يوم أعز الله فيه الإسلام فيجتمع فيه ويتعبد.
ويقول آخرون: الليلة التي أسرى به فيها حصل له من الشرف ما لا يقدر قدره، فتحدث فيها عبادة.
فلا يقف ذلك عند حد، والخير كله في اتباع السلف الصالح الذين اختارهم الله له، فما فعلوا فعلناه وما تركوا تركناه.
فإذا تقرر هذا ظهر أن الاجتماع في تلك الليلة ليس بمطلوب شرعا، بل يؤمر بتركه، ووقوع التحبيس عليه مما يحمل على بقائه واستمرار ما ليس له أصل في الدين، فمحوه وإزالته مطلوب شرعا.
ثم هاهنا أمر زائد في السؤال أن تلك الليلة تقام على طريقة الفقراء، وطريقة الفقراء في هذه الأوقات شنيعة من شنع الدين، لأن عهدهم في الاجتماع إنما هو الغناء والشطح، ويقررون لعوام المسلمين أن ذلك من أعظم القربات في هذه الأوقات وأنها طريقة أولياء الله، وهم قوم جهلة لا يحسن أحدهم أحكام ما يجب عليه في يومه وليلته، بل هو ممن استخلفه الشيطان على إضلال عوام المسلمين، ويزينون لهم الباطل ويضيفون إلى دين الله تعالى ما ليس منه، لأن الغناء والشطح من باب اللهو واللعب وهم يضيفونه إلى أولياء الله، وهم يكذبون في ذلك عليهم ليتوصلوا إلى أكل أموال الناس
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
بالباطل، فصار التحبيس عليهم ليقيموا بذلك طريقتهم تحبيسا على ما لا يجوز تعاطيه، فيبطل ما حبس في هذا الباب على غير طريقته، ويستحب للمحبس أن يصرف هذا الأصل من التوت إلى باب آخر من أبواب القربات الشرعية، وإن لم يقدر على ذلك فينقله لنفسه، والله تعالى يمن علينا باتباع هدي نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، واتباع السلف الصالح الذين في اتباعهم النجاة، والسلام على من يقف عليه. من محمد الحفار.
وقال الونشريسي في المعيار المعرب (2/ 489) معددا البدع: ومنها اتخاذ طعام معلوم في ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعض المواسم.
قال ابن الحاج (1): ولم يكن في عاشوراء لمن مضى طعام معلوم لابد من فعله. وقد كان بعض العلماء يتركون النفقة فيه قصدا لينبهوا على أن النفقة فيه ليست بواجبة، ولم يكن السلف رضوان الله عليهم يتعرضون في هذه المواسم ولا يعرفون تعظيمها إلا بكثرة العبادة والصدقة والخير واغتنام فضيلتها لا بالمأكول.
وممن أكثر التشنيع على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي من أعلام المغرب المالكية: العلامة أبو العباس القباب أحمد بن قاسم الجذامي (المتوفى بعد780 هـ) (2).--------------------------------------------
(1) المدخل (1/ 286).
(2) له ترجمة في الديباج (1/ 162) وتوشيح الديباج (55) والحلل السندسية (1/ 638) وشجرة النور (1/ 235).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
قال الونشريسي في المعيار المعرب (12/ 48 - 49): وسئل سيدي أحمد القباب عما يفعله المعلمون من وقد الشمع في مولد النبي صلى الله عليه وسلم واجتماع الأولاد للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ويقرأ بعض الأولاد ممن هو حسن الصوت عشرا من القرآن وينشد قصيدة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم ويجتمع الرجال والنساء بهذا السبب. فهل ما يأخذ المعلم من الشمع جائز أم لا؟ لأن بعض الطلبة قال: إنه إجازة ولا فرق بينه وبين حق الشهور والحذاق، ولا سيما من عرف منه أنه لا يزين المسجد ولا يقرأ أحد عنده عشرا ولا ينشد مديحا ولا غيره ولا يسوق له إلا من يقرأ عنده.
فقال له السائل: إن الأولاد يكلفون آباءهم بشراء الشمع ويشترونه كرها، فقال له: يلزمك هذا في حق الشهور والحذاق، والأولاد يطلبون من آبائهم فيعطونه كرها، وهذا غير معتبر، لأن الآباء قد دخلوا عليه فيلزمهم، لأنه إذا رد ولده التزم أنه يعطي حق الشهر والحذاق والشمع في المولد، ولو كانت ثم عادة أخرى لالتزمها.
فهل ما قاله هذا الطالب صحيح أم لا؟ فإن كان صحيحا فهل يؤثر اجتماع الرجال والنساء إن اجتمعوا؟ أم لا يلزم هذا إلا الحاكم، لأن هذا أمر لا يقدر على تغييره إلا من له أمر؟
فأجاب بأن قال: جميع ما وصفت من محدثات البدع التي يجب قطعها، ومن قام بها أو أعان عليها أو سعى في دوامها فهو ساع في بدعة وضلالة، ويظن بجهله أنه بذلك معظم لرسول الله صلى الله عليه وسلم قائم بمولده، وهو مخالف سنته
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
مرتكب لمنهيات نهى عنها صلى الله عليه وسلم متظاهر بذلك، محدث في الدين ما ليس منه، ولو كان معظما له حق التعظيم لأطاع أوامره فلم يحدث في دينه ما ليس منه، ولم يتعرض لما حذر الله تعالى منه حيث قال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63]. وأما ما يأخذه المعلم من ذلك فإن كان إنما يعطاه على القيام بهذه البدع والقيام بتلك الأمور، فلا خفاء بقبح المأخوذ على هذا الوجه، وإن كانوا يعطونه ذلك في هذا الوقت وإن لم يفعل شيئا من هذه البدع فقد قال ابن حبيب: إنه لا يقضى للمعلم بشيء في أعياد المسلمين، وإن كان ذلك مما يستحب فعله، وقال: إن الإعطاء في أعياد النصارى مثل النيروز والمهرجان مكروه، ولا يجوز لمن فعله ولا يحل لمن قبله، لأنه من تعظيم الشرك.
قال ابن رشد: كان القياس أن لا فرق بين الحذاق وما يعطى في الأعياد إذا جرت بها العادة وأنه يقضي بالجميع، وإنما فرق ابن حبيب بين ذلك لأن الحذاق بلغها الصبي بتعليم المعلم والأعياد لا فعل فيها.
وإذا كان ابن حبيب يقول ألا يقضى له بالأعياد والمواسم الشرعية، فكيف بما ليس بشرعي؟ وعلى الجملة، لا شك أن الأمر أخف إذا كان لا يقوم ببدعة في ذلك الوقت.
وأما ما ذكرتم عن القائل إن الصبي يطلب ذلك من أبيه حتى يعطيه كرها فكلام لا يساوي سماعه، ومن استقرأ العادة علم أن المعطي لشيء من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
ذلك إنما يقصد به إقامة تلك البدع، وكون المعطى شمعا يعين هذا المقصد، وإذا كان كذلك كان المأخوذ إنما هو على بدعة.
ومن علماء المغرب المالكية كذلك الذين أبطلوا الاحتفال بالمولد النبوي: علامة المغرب بدون منازع: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (المتوفى سنة 790 هـ):
قال الونشريسي في المعيار المعرب (9/ 252): وسئل الأستاذ أبو إسحاق الشاطبي، رحمه الله، عمن عهد بثلثه ليوقف على إقامة مولده صلى الله عليه وسلم.
فأجاب: أما الوصية بالثلث ليوقف على إقامة ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم فمعلوم أن إقامة المولد على الوصف المعهود بين الناس بدعة محدثة، وكل بدعة ضلالة، والإنفاق على إقامة البدعة لا يجوز، والوصية غير نافذة، بل يجب على القاضي فسخه ورد الثلث إلى الورثة يقتسمونه فيما بينهم، وأبعد الله الفقراء الذين يطلبون إنفاذ مثل هذه الوصية، وما ذكرتم من وجهي المنع من الإنفاذ صحيح يقتضي عدم التوقف في إبطال الوصية، ولا يكفي في ذلك منكم السكوت لأنه كالحكم بالإنفاذ عند جماعة من العلماء فاحذروا أن يكون مثل هذا في صحيفتكم، والله يقينا وإياكم الشر بفضله.
وألف محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي (المتوفى سنة 1376 هـ) صفاء المورد بعدم القيام عند سماع المولد (1).--------------------------------------------
(1) مخطوط الخزانة العامة رقم 112 ح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
وحقيقة قيام المولد أنه عند سرد المولد الشريف والوصول لذكر وضع أمه له صلى الله عليه وسلم ينهض جميع من حضر وقوفا على الأقدام، ويبقى الكل على تلك الحالة مدة ليست بقصيرة، أكثر من مدة الصلاة على الجنازة بكثير، والقارئ يقرأ المولد، وهم يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم، كذا في صفاء المورد (ص3).
والكتاب يقع في 40 صفحة، وأصل الكتاب أنه وقع نقاش بين الحجوي وعبد الهادي بن محمد التادلي المكناسي الفاسي الطنجي حول الموضوع، فألف التادلي كتابه: "إيقاظ النيام عن استحباب القيام في مولد خير الأنام".
فرد عليه الحجوي، ثم رد التادلي على الحجوي بكتاب آخر سماه: إقماع المتمرد عن القيام عند سماع المولد، يوجد مخطوطا بالحسنية (11617)، لكنه غير تام، فلم يكتب منه إلا مقدمته في 9 صفحات فقط.
وكذا رد الحجوي على بعض من رد عليه، ذكره عقب صفاء المورد (212ح)، وهو في 14 صفحة.
وممن ألف منتصرا للحجوي:
محمد العابد السودي خطيب الحرم الأندلسي (ت1359 هـ)، له مسامرة الأعلام وتنبيه العوام بكراهة القيام بذكر مولد خير الأنام (1).
وممن رد على الحجوي: محمد الرافعي الأزموري الجديدي المتوفى سنة (1360 هـ)، يوجد بخزانة علال الفاسي (676).--------------------------------------------
(1) مخطوط الخزانة العامة (112ح- ص61).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
وممن انتصر للحجوي كذلك: محمد المصوري الفاسي، له: سوط الإفهام والإفحام بما في روض الأمنية والأماني من الإلحاد والتحريف والأوهام.
طبع في الجزائر سنة: 1339/ 1921.
وهو رد على أحد المصنفين الفاسيين الذي رد على الحجوي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
المالكية والمذهب الأشعري
كان الأئمة المتقدمون المعتبرون من أصحاب مالك على عقيدة السلف القائمة على الإثبات كعبد الرحمان بن القاسم (1) وعبد الله بن وهب، وعبد العزيز بن الماجشون (2)، وتلاميذ تلامذته كسحنون (3)،
وأصبغ بن الفرج (4)،--------------------------------------------
(1) قال ابن القيم في الصواعق (2/ 503 - مختصره): وكذلك ابن القاسم صاحب مالك صرح في رسالته في السنة: إن الله تكلم بصوت، وهذا لفظه، قال: والإيمان بأن الله كلم موسى بن عمران بصوت سمعه موسى من الله تعالى لا من غيره، فمن قال غير هذا أوشك فقد كفر، حكى ذلك ابن شكر في الرد على الجهمية عنه.
(2) روى الذهبي في السير (7/ 311 - 312) عن عبد العزيز بن الماجشون أنه سئل عما جحدت به الجهمية فقال: أما بعد فقد فهمت ما سألت عنه فيما تتابعت الجهمية في صفة الرب العظيم، الذي فاتت عظمته الوصف والتقدير، وكلت الألسن عن تفسير صفته، وانحسرت العقول دون معرفة قدره، فلما تجد العقول مساغا فرجعت خاسئة حسيرة، وإنما أمروا بالنظر والتفكر فيما خلق، وإنما يقال كيف؟ لمن لم يكن مرة، ثم كان، أما من لا يحول ولم يزل وليس له مثل فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو، والدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه، لا يكاد يراه صغرا يحول ويزول، ولا يرى له بصر ولا سمع، فاعرف غناك عن تكليف صفة مالم يصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها، فأما من جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقا وتكليفا فقد استهوته الشياطين في الأرض حيران، ولم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}. القيامة فقال: لا يرى يوم القيامة … وذكر فصلا طويلا في إقرار الصفات وإمرارها وترك التعرض لها.
(3) قال الذهبي في السير (12/ 67) وعن يحيى بن عون قال: دخلت مع سحنون على ابن القصار وهو مريض فقال: ما هذا القلق؟ قال له: الموت والقدوم على الله. قال له سحنون: ألست مصدقا= =بالرسل والبعث والحساب والجنة والنار؟ وأن أفضل هذه الأمة أبو بكر ثم عمر، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يرى يوم القيامة، وأنه على العرش استوى، ولا تخرج على الأئمة بالسيف وإن جاروا؟ قال: إي والله. فقال: مت إذا شئت، مت إذا شئت ..
(4) وقال أصبغ: وهو مستو على عرشه وبكل مكان علمه وإحاطته. ذكره ابن القيم في "اجتماع الجيوش" (76).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
وأتباع مذهبه كأبي عمر ابن عبد البر، وابن أبي زيد القيرواني (1)، وأبي عمر الطلمنكي (2)، وأبي بكر محمد بن موهب (3)، وعبد العزيز بن يحيى الكناني (4)، ورزين بن معاوية صاحب "تجريد الصحاح" (5)، والأصيلي، وأبي الوليد بن الفرضي، وأبي عمرو الداني، ومكي القيسي (6)، وابن أبي زمنين، وغيرهم.
قال الذهبي في السير (17/ 557) عن أبي ذر الهروي: " أخذ الكلام ورأي أبي الحسن (7) عن القاضي أبي بكر بن الطيب، وبث ذلك بمكة وحمله عنه المغاربة إلى المغرب والأندلس (8)، وقبل ذلك كانت علماء المغرب لا--------------------------------------------
(1) كما هو واضح من خلال مقدمته للرسالة، خلافا لأكثر شارحيها كزروق، وابن ناجي وغيرهما.
(2) له كتاب " الوصول إلى معرفة الأصول" ذكر فيه أقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم، وأقوال مالك وأئمة أصحابه، كما في " الصواعق المرسلة لابن القيم" (2/ 357)، وانظر السير (17/ 560)، والفتاوى (3/ 219).
(3) له شرح على الرسالة، قرر فيه عقيدة السلف، كما في "الصواعق المرسلة" (2/ 358).
(4) له كتاب "الرد على الجهمية والزنادقة"، كما في "الصواعق" (2/ 380).
(5) قال ابن القيم: هو أعلم أهل زمانه بالسنن والآثار، وهو من المالكية، اختصر تفسير ابن جرير الطبري، "الصواعق" (2/ 326).
(6) كما في السير (17/ 557).
(7) أي الأشعري.
(8) كأبي الوليد الباجي المتوفي سنة (474).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
يدخلون في الكلام، بل يتقنون الفقه والحديث أو العربية، ولا يخوضون في المعقولات، وعلى ذلك كان الأصيلي، وأبو الوليد بن الفرضي، وأبو عمر الطلمنكي، ومكي القيسي، وأبو عمرو الداني، وأبو عمر بن عبد البر، والعلماء" (1). انتهى.
وأبو ذر الهروي المالكي مع كونه معروفا بالميل إلى المذهب الأشعري إلا أنه كثير الانتصار لعقائد السلف في أمور كثيرة.
قال الذهبي في السير (17/ 558) في ترجمته: وقد ألف كتابا سماه الإبانة ويقول فيه: فإن قيل فما الدليل على أن لله وجها ويدا؟ قال: قوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} وقوله: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}. فأثبت تعالى لنفسه وجها ويدا. إلى أن قال: فإن قيل: فهل تقولون إنه في كل مكان؟ قيل: معاذ الله، بل هو مستو على عرشه، كما أخبر في كتابه. إلى أن قال: وصفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفا بها: الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والوجه واليدان والعينان والغضب والرضى. فهذا نص كلامه. وقال نحوه في كتاب التمهيد له، وفي كتاب الذب عن الأشعري. وقال: قد بينا دين الأمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف ولا تحديد ولا تجنيس ولا تصوير.
قلت (أي الذهبي): فهذا المنهج هو طريقة السلف وهو الذي أوضحه أبو الحسن وأصحابه، وهو التسليم لنصوص الكتاب والسنة، وبه قال ابن--------------------------------------------
(1) انظر موقف ابن تيمية من الأشاعرة (2/ 503)، وأحال على التطور المذهبي بالمغرب (25 - 30).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
الباقلاني وابن فورك والكبار إلى زمن أبي المعالي، ثم زمن الشيخ أبي حامد، فوقع اختلاف وألوان، نسأل الله العفو. انتهى.
ومن أشهر المالكية معارضة لمذاهب الأشاعرة: الحافظ الكبير والإمام بدون منازع: أبو عمر بن عبد البر، وكلامه في إثبات الصفات التي ينفيها الأشعرية مشهور (1)، اقتصر منه على نقل واحد، قال رحمه الله في كتاب التمهيد (7/ 145): أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة. اهـ
وهذا الاعتقاد الذي نقله ابن عبد البر يخالف عقائد الأشعرية جملة وتفصيلا، فقد اتفق جميع الأشعرية على حمل نصوص الصفات على المجاز لا على الحقيقة، إلا صفات سبع، يؤول أمرها عند التحقيق إلى المجاز كذلك، بل عند كثير منهم مَن حمل نصوص الصفات على الحقيقة كفر، وقال آخرون: فسق فقط.
وقال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/ 117): حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن ثنا إبراهيم بن بكر، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن أحمد بن إسحاق بن خويزمنداد المصري المالكي في كتاب الإجارات من كتابه في الخلاف: قال مالك: لا تجوز الإجارات في شيء من كتب أهل الأهواء والبدع والتنجيم، وذكر كتبا ثم قال: وكتب أهل الأهواء والبدع عند--------------------------------------------
(1) وانظر في تفصيل ذلك: "فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر" للشيخ محمد المغراوي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)