وجاء في رواية: «حتى إذا كان من الغد وارتفع النهار حتى جاء وقت الظهر» .
«قال موسى لفتاه آتنا غدآءنا» والغداء: بفتح الغين المعجمة والممدودة الطعام الذي يؤكل أول النهار.
«لقد لقينا من سفرنا هذه نصبا» أي: تعباً، وإنما حصل لسيدنا موسى التعب والجوع بعد مفارقة الحوت لا قبله، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولم يجد موسى مساً من النصب حتى جاوز المكان الذي أُمر به» .
والحكمة في حصول التعب له والجوع بعد مفارقة الحوت حتى يطلب الغداء، فيذكر فيه نسيان الحوت، فيرجع إلى محله فيجتمع بمراده.
قال أبو الفضل الجوهري: مشى موسى عليه السلام للمناجاة أربعين يوماً لم يحتج إلى طعام، ولما مشى إلى بشر لحقه الجوع.
«فقال لفتاه» يوشع لما طلب منه الغداء «أرأيت إن أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت» أي: لما نمنا عند الصخرة نسيت الحوت.
سؤال: فإن قيل: كيف نسى يوشع الحوت ومثله لا ينسى، لكونه أمارة على مرادهما.
جوابه: أن الشيطان قد شغله بوسواسه حتى نسي، ولذلك قال: ?وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَاّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ? [الكهف: 63] .
«قال موسى» له لما استمع قوله: فإني نسيت الحوت «ذلك ما كنا نبغ» أي: فقدنا للحوت هو الذي كنا نطلبه، لأنه علامة على وجود مطلوبنا.
«فارتدا على آثارهما قصصاً» أي: فرجعا يقتصان الآثار حتى وصلا إلى الصخرة.
«فلما أتيا إلى الصخرة» أراه مكان فقد الحوت.
«إذا برجل مسجى بثوب، أو قال: تسجى بثوبه» أي: فلما وصل إلى الصخرة وإذا بالخضر مغطىً بثوب كله كتغطية الميت وجهه ورجله وجميعه، كما جاء في رواية أخرى: «قد تسجى بثوب قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه» .
وقال الثعلبي: فانتهى موسى وفتاه إلى الخضر وهو نائم على طنفسة خضراء، على وجه الماء، وهو مسجي بثوب أخضر.
وفي صحيح البخاري (1) : «فأتيا جزيرة فوجدا الخضر قائماً يصلي على طنفسة--------------------------------------------
(1) وقع في الأصل صحيح مسلم ولم نقف على هذه الرواية في صحيح مسلم فلعل الصواب ما أثبتناه.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٩٩)
خضراء على كبد البحر» (1) أي: وسطه.
«فسلم موسى» على الخضر، «فقال» له «الخضر وأنى بأرضك السلام» أي: من أين السلام في هذه الأرض التي لا يعرف فيها السلام، فأني اسم استفهام بمعنى: من أين هنا، كما في قوله تعالى: ?أَنَّى لَكِ هَذَا? [آل عمران: 37] فإنها نكون بمعنى: من أين، وبمعنى: متى وحيث وكيف.
وتعجب الخضر من وقوع السلام إما لأن السلام لم يكن معروفاً عندهم إذ ذاك، إلا بين الأنبياء والأولياء، وإما لأن تلك البلاد كانت بلاد كفر وهم لا يعرفون السلام.
فلما قال له الخضر: «وأنى بأرضك السلام» تحقق موسى أن الخضر عرفه فعرَّفه بنفسه «فقال: أنا موسى فقال» له الخضر: أنت «موسى نبي بني إسرائيل؟ قال: نعم» .
وقال بعض العلماء: إن موسى لما سلم عليه وهو مغطى عرَّفه أنه موسى، فرفع رأسه واستوى جالساً وقال: عليك السلام يا نبي بنى إسرائيل، قال: ما الذي أدراك بي، ومن أخبرك أني نبي بني إسرائيل؟ قال: الذي أدراك بي ودلك علي، ثم قال الخضر: يا موسى أما يكفيك أن التوراة بيدك، وأن الوحي يأتيك، قال موسى: إن ربي أرسلني لأتبعك وأعلم من علمك.
ثم «قال» موسى للخضر: «هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً» أي: صواباً أرشد به، وإنما سأله ذلك لأن الزيادة إلى العلم مطلوبة.
سؤال لصاحب الكشاف وهو: فإن قيل: دلت حاجته إلى العلم من الخضر أنه ليس موسى بن عمران بل موسى بن ميشا لأن موسى بن عمران نبي، والنبى يجب أن يكون أعلم أهل زمانه.
وأجاب: أنه لا نقص بالنبي في أخذ العلم من نبي مثله.
وقال الكرماني: وهذا الجواب لا يتم على القول بولاية الخضر، ثم أجاب: بأن موسى لم يسأل الخضر عن شيء من أمر الدين، والأنبياء لا يجهلون ما يتعلق بدينهم الذي يعبدون الله به، وإنما سأله عن شيء ليس عنده علمه مما ذكر في السورة.
فلما سأل موسى الخضر أن يتبعه حتى يتعلم منه «قال» له الخضر: «إنك لن--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (4/1754، رقم 4449) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٠٠)
تستطيع معي صبراً» يعني: إنك سترى مني شيئاً ظاهره منكر فلا تصبر عليه.
ثم قال له الخضر أيضاً: «يا موسى إني أعلم علم من علم الله علمينه لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه إياه الله لا أعلمه» أنا.
جاء في رواية: «أن الخضر قال له: فما شأنك إن الوحي يأتيك يا موسى، إن لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه» .
ثم قال له: «وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً» يعني: على ما لم تعلمه.
«قال» له موسى: «ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً» : إنما قال موسى إن شاء الله لأنه لم يكن على ثقة من نفسه فيما التزم من عدم عصيانه، وهذه عادة الأنبياء والأولياء ألا يثقوا إلى أنفسهم طرفة عين.
فقال الخضر: «فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً» يعني: إذا رأيت مني ما تنكره باطناً بحسب علمك، فاصبر حتى أبينه لك بعلته بحسب علمي، فقبل موسى شرطه رعاية لأدب المتعلم مع العالم.
«فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، ليس لهما سفينة فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهما، فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نول» .
سؤال: فإن قيل: كيف قال «فحملوهما» مع أنهم كانوا ثلاثة الخضر وموسى ويوشع، ويدل عليه قوله: «فكلموهم» .
فالجواب: أن يوشع لما كان تابعاً اكتفي بذكر الأصل عن الفرع، وهذا نظير قوله تعالى: ?فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى? [طه: 117] ولم يقل فتشقيان، بل ثنى ثم أفرد، لأن آدم هو الأصل فأفرد بالذكر، وحواء كانت تابعة فلم تذكر اكتفاءً بذكر الأصل عن الفرع.
فالحاصل: أن أهل السفينة حملوا الثلاثة في سفينتهم بغير أجرة.
«فجاء عصفور» وذكر بعضهم: أنه الصُّرَد قاله الزركشي.
«فوقع على حرف السفينة» أي: على طرفها «فنقر نقرة أو نقرتين في البحر، فقال الخضر: يا موسى، ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور» نقص علمي وعلمك من علم الله عز وجل لاكتفون هذا العصفور في البحر.
استشكل العلماء هذا وقالوا: إن ظاهره يقتضي أن علم الله يدخله النقص مع أن الزيادة والنقص لا يدخلان في علم الله تعالى؟
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٠١)
وأجابوا عن الاستشكال المذكور بأجوبة:
أحدهما: أن هذا على جهة التمثيل، والمعنى: أن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله كنسبة ما نقر العصفور من البحر، فإنه لقلته وحقارته لا يظهر، وكأنه لم يأخذ شيئا.
الثاني: أن «إلا» هنا بمعنى «ولا» كأنه قال: ما نقص علمي وعلمك شيئاً من علم الله، ولا ما أخذ العصفور من هذا البحر، أي: أن علم الله لا يدخله النقص ومثل هذا قوله تعالى ?وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَاّ خَطَئاً? [النساء: 92] .
والثالث: أن «إلا» على بابها، والمراد بالنقص: التفويت الذي له أثر محسوس، ونقر العصفور ليس ينقص البحر بهذا المعنى، فكذلك علمنا لا ينقص من علم الله شيئاً.
وهذا كقول الشاعر:
ولا عيب فيه غير أن سيوفهم … بهن فلول من قراع الكتائب
أي: ليس فيهم عيب.
الرابع: أن العلم هنا بمعنى: المعلوم كالعمل في قوله تعالى: ?وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ? [البقرة: 256] ولولا ذلك لما صح دخول التبعيض فيه، لأن الصفة القديمة لا تبعض.
الخامس: لابن رجب وهو جواب حسن قال: إن البحر لا ينقص البتة من العصفور، بل ولا بشرب غيره من الحيوانات، بل ولا بالاستسقاء منه، ولو نزف منه جميه أهل الأرض لم ينقص شيئاً في الحقيقة، وذلك أن البحر يمده جميع أنهار الدنيا، ومياهها الجارية، فلا يؤخذ منه شيء، إلا وفي تلك الحال يستخلف فيه ما هو أكثر مما أخذ منه، فلا يتصور نقصه مع ذلك.
وشبه ذلك بما في الجنة من طعام وشراب وثمار وغيرها قال: فإنها لا تنقص أبداً مع تناول أهل الجنة منها، فإنه يستخلف في الحال مثل المأخوذ منه أو أكثر فالمعنى: إن علمي وعلمك لا ينقص من علم الله شيئاً كما لا ينقص هذا العصفور من هذا البحر شيئاً، وهذا كقوله تعالى: ?لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَاّ سَلاماً? [مريم: 62] أي: لا يسمعون فيها لغو البتة.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فعمد الخضر إلى لوح من ألواح السفينة» أي: بعد أن توسطوا البحر.
«فنزعه» وقيل: نزع لوحين منها.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٠٢)
وقد جاء في رواية في الصحيح: «أنه وتد فيها وتداً» .
وفي رواية أخرى: «أنه عمد إلى قدوم» أي: فأس «فخرق لوحاً من السفينة حتى دخلها الماء» .
«فقال موسى» بعد أن دخل الماء السفينة وحشا الخرق بثوبه، وقيل: إن الماء لم يدخلها وسدها موسى بثوبه خوفاً من دخوله.
«قوم حملونا بغير نول» وأحسنوا إلينا.
«فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها» أي: ما هذا جزاؤهم منا.
«لقد جئت شيئاً إمراً» أي: لقد فعلت فعلاً عظيماً منكراً.
فقال الخضر لموسى: «ألم أقل إنك لم تستطيع معي صبراً» فاعتذر إليه موسى وقال: «لا تؤاخذني بما نسيت» أي: غفلت.
«ولا ترهقني من أمري عسراً» يعني عاملني في صحبتي إياك بالعفو والتيسير، ولا تضيق علي وتعاملني بالعسر.
«فكانت الأولى» أي: المسألة الأولى «من موسى نسياناً» أي: فلهذا اعتذر، وأما الثانية: فإنه لم ينس فلهذا لم يعتذر، وجاء في رواية في الصحيح: «فكانت الأولى من موسى نسياناً، والوسطى شرطاً، والثالثة عمداً» .
فائدة: قال الثعلبي: قال ابن عباس: «لما خرق الخضر السفينة تنحى موسى ناحيته ثم قال في نفسه: ما كنت أصنع بمصاحبة هذا الرجل، كنت في بني إسرائيل أتلو عليهم كتاب الله غدوة وعشية، وآمرهم فيطيعون، فقال له الخضر: يا موسى أتريد أن أخبرك بما حدثت به نفسك؟ قال: نعم، قال: قلت كذا وكذا، قال: «صدقت» .
«فانطلقا بعد خروجهما من السفينة يمشيان على الساحل فإذا غلام» لطيف ظريف وضيئ.
«يلعب مع الغلمان» أي: مع الأطفال، وكانوا عشرة فأخذه الخضر وقتله بلا ذنب في الظاهر، وموسى ينظر إليه.
وفي مسلم: «فذعر موسى ذعرة منكرة عندها» (1) .
واختلف العلماء في كيفية قتله إياه:
فقيل: أخذه فضجعه ثم ذبحه بالسكين.--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (4/1850، رقم 2380) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٠٣)
وقيل: ضرب رأسه بالجدار حتى قتله.
وقيل: أدخل أصبعه في سرته أي الصبي فاقتلعها فمات.
وقال في هذا الحديث: «فأخذ الخضر برأسه من أعلاه فاقتلع رأسه بيده» .
واختلفوا في اسمه أيضاً، فقيل: جيسور، وقيل: حسين، وقيل جنتور، وقيل غير ذلك.
«فقال موسى أقتلت نفسا ذكية» أي: طاهرة من الذنوب لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث.
وأكثر العلماء والمفسرين على أنه كان دون البلوغ، والذي يدل عليه أنه كان دون البلوغ قوله: «إذا غلام يلعب مع الصبيان» فإن الغلام يطلق على من دون البلوغ فقد قال العلماء: المولود يسمى غلاماً وصبياً وطفلاً إلى البلوغ، فإذا بلغ يسمى شاباً إلى الثلاثين، فإذا وصل إلى الثلاثين يسمى كهلاً إلى الأربعين، فإذا وصل إلى الأربعين يسمى شيخاً.
وذهب بعض العلماء إلى أنه كان بالغاً لما قتله الخضر، واستدلوا على ذلك بقوله: «بغير نفس» فإن المعنى: قتلت نفساً ذكية من غير أن يصدر منها قتل يوجب القصاص، والصبي لو قتل لا قصاص عليه، فدل على أنه كان بالغاً.
وأجاب الكرماني عنه: بأن المراد بقوله: «بغير نفس» التنبيه على أنه قتل بغير حق، أو إن شرعهم كان يقضي إيجاب القصاص على الصبي.
«قال موسى: للخضر لقد جئت» بقتلك الصبي
«شيئاً نكراً» أي: منكراً فلما قال له هذا الكلام غضب الخضر، ثم اقتلع كتف الصبي الأيسر، وقشر اللحم منه، فإذا عظمة كتفه مكتوب عليها كافر لا يؤمن بالله أبداًً، فلما اعترض على الخضر في فعله الثاني، وأنكر عليه كما أنكر عليه أولاً.
«قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً، قال ابن عينية: وهذا أوكد» يعني: زيادة لك هنا أوكد في عتاب موسى، وفي عدم حفظه للوصية وقلة صبره، وفي ذلك أيضاً تنبيه على أنه لا عذر لموسى في هذه المرة الثانية بخلاف الأولى، ولهذا قال للخضر: «إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني بعد هذه المرة» أي: لا تتركني أتبعك وفارقني قد بلغت من لدني عذراً في فراقك إياي.
«فانطلقا يمشيان حتى إذا أتيا أهل قرية» واختلف العلماء في هذه القرية التي أتاها الخضر وموسى.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٠٤)
فقيل: هي «أنطاكية» وعليه ابن عباس وأكثر العلماء والمفسرين.
وقيل: هي قرية من قري الروم تسمى «الناصورة» وإليها ينسب النصاري.
وقيل: «آيلة» وهي: أبعد الأرض من السماء.
وكان دخولهما قبل غروب الشمس، وكانوا محتاجين إلى الطعام مفتقرين إلى تحصيله، إما بكسب أو سؤال، وقد مستهما الحاجة إليه، لأن ذلك الوقت كان وقت جدب واضطرار.
فلما دخلا القرية «استطعما أهلها» أي: طلبوا منهم الطعام ضيافة، «فأبوا أن يضيفوهما» فإنهم كانوا لئاماً.
وقد روى أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله: ?فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا? [الكهف: 77] قال: «كانوا أهل قرية لئاماً» قال قتادة: شر القرى التي لا تضيف الضيف ولا تعرف لابن السبيل حقه.
فلم يجدوا تلك الليلة في تلك القرية قرى (1) ولا مأوى، وكانت ليلة باردة فالتجئوا إلى حائط على شارع «يريد أن ينقض» أي: يقرب أن يسقط لميلانه كما أشار الله إلى ذلك بقوله: ?فَوَجَدَا فِيهَا جِداَراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ? [الكهف: 77] ، ولم يزل أهل القرية وغيرهم من الناس يمر تحته على خوف منه، وكان قد بناه رجل صالح.
قال الثعلبي: وكان سمك ذلك الحائط مائتي ذراع بذارع ذلك القرن، وكان طوله على وجه الأرض خمسمائة ذراع، وكان عرضه خمسون ذراعاً فأقامه الخضر لما رآه مائلاً.
واختلف العلماء في كيفية إقامته، فقيل: هدمه ثم قعد يبنيه، وقيل: دفعه بيده ثم قعد يبنيه، وقيل: دفعه بيده فقام، وقيل: مسحه بيده فاستقام كما قال في هذا الحديث: «قال الخضر بيده، فأقامه» أي: أشار إليه بيده فأقامه، قيل: في هذا الذي فعله الخضر دلالة على أنه نبي، لأن إقامة هذا الجدار بإشارة من يده معجزة عظيمة، وأجاب عنه الكرماني: بأنه يحتمل أن يكون ذلك كرامة تصدر من الولي، فلا دلالة فيه على أنه نبي.
«فقال له موسى» لما أقام الجدار وأصلحه: قوم استضفناهم فلم يضيفونا مع شدة احتياجنا إلى الطعام فأصلحت جدارهم بلا ضيافة منهم.--------------------------------------------
(1) المراد به إكرام الضيف.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٠٥)
«لو شئت لاتخذت عليه أجراً» أي: لاتخذت على ذلك أجرة لتكون لنا قوة وبلغة على سفرنا.
قال الخضر: «هذا فراق بيني وبينك» أي: لهذا الاعتراض الثالث علي سبب للفراق بيني وبينك يا موسى (1) .
ثم قال له: ?سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً? [الكهف: 78] أي: سأخبرك عن سبب خرق السفينة وقتل الغلام وإصلاحي الجدار، لتعلم أنه لا إنكار علي.
ثم أخذ يبين له ذلك فقال كما قال الله تعالى حكاية عنه: ?أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ? أي: لعشرة مساكين أخوة، ولم يكن لهم معيشة غيرها ورثوها من أبيهم، وكانت تساوي ألف دينار.
ثم قال له الخضر: فأردت أن أعيب هذه السفينة قطعاً لطمع الطامعين فيها، ودفعاً لشرهم، فإنه كان ?وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً? قال: فخرقتها وعبتها لئلا يتعرض لها ذلك الملك ويدعها لعيبها، فإذا جاوزوه صلحوها فانتفعوا بها، وقد أصلحها الخضر بعد مجاوزة الملك.
فائدة: استدل ابن عبد السلام بخرق السفينة مخافة أخذ الغاصب على أنه إذا كان تحت يد الإنسان مال يتيم أو سفيه أو مجنون، وخاف عليه أن يأخذه ظالم، أنه يجب أن يعيبه لأجل حفظها، وقريب من هذه المسالة ما لو خاف الوصي على المال الذي تحت يده من استيلاء ظالم عليه فله تخليصه بشيء منه، والله يعلم المفسد من المصلح، ونظير هذا ما لو كان تحت يده مال يتيم مثلاً وعلم أنه لو لم يبذل منه شيء لقاضي سوء لانتزعه منه وسلمه لبعض خونته وأدي ذلك إلى ذهابه، فإنه يجب عليه أن يدفع إليه شيئاً ويتحرى في أقل ما يمكن إرضاؤه به، والقول قوله إذا نازعه المحجور عليه بعد رشده في بذل ذلك، وإن لم تدل القرائن عليه، وكذلك القول من عيب مال اليتيم قوله ونحوه إذا نازعه اليتيم ونحوه بعد الرشد ونحوه في أنه لم يفعله لهذا الغرض، كما قاله القاضي زكريا في شرح الروض قبيل باب الوديعة أنه الأوجه، قال: لأن ذلك لا يعلم إلا منه غالباً.
ثم أخذ الخضر يبين له ما فعله بالغلام فقال كما قال الله حكاية عنه ?وَأَمَّا الغُلامُ--------------------------------------------
(1) إلي هنا انتهت الرواية التي عند البخاري وبعدها أكمل السفيري القصة بنحو ما جاء في سورة الكهف من الآية (79) إلي الآية (81) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٠٦)
فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ? وكان هو كافراً، وكان ابن عباس يقرأ هذه الآية ?وَأَمَّا الغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ?.
وفي صحيح مسلم: «وأما الغلام فطبع يوم طبع كافراً، وكان أبواه قد عطفاً عليه فلو أنه أدرك أرهقهما طغياناً وكفراً» .
وهذا بمعنى قول الخضر ?فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً? أي: فعلمنا أنه لو أدرك وبلغ لدعى أبويه إلى الكفر، فيجيبانه ويدخلان معه في دينه لفرط حبهما إياه فيدخلان النار، والطغيان: الزيادة في الضلال.
ثم قال الخضر: ?فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً? أي: وأوصل للرحم وأبر بوالديه.
قال الثعلبي: فأبدلهما الله جارية مؤمنة أدركت يونس بن متى، فتزوجها نبي من الأنبياء فولدت له نبياً فهدى الله تعالى على يديه أمة من الأمم.
وري عن جعفر الصادق عن أبيه أنه قال: أبدلهما جارية ولدت سبعين نبياً.
ثم أخذ يبين له حال الجدار فقال كما قال الله تعالى: ?وَأَمَّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المَدِينَةِ? وكان اسم الغلامين: «أصرم، وصريم» .
?وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا? واختلف العلماء في ذلك الكنز أي شيء كان:
فقيل: كان صحفاً مدفونة تحته فيها علم.
وقيل: كان لوحًا من ذهب مكتوب في أحد شقية: «بسم الله الرحمن الرحيم عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي شقه الآخر أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه» رواه عطاء عن ابن عباس.
وقال أكثر العلماء: إن الكنز كان ملآناً بذهب وفضة وهو الظاهر من إطلاقه.
ثم قال: ?وَكَانَ أَبُوهُمَا? شيخاً ?صَالِحاً? أي: أميناً تقياً، فحفظا بصلاح أبيهما ولن يذكر منهما صلاحاً، وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء.
قال محمد بن المنكدر: إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده وبقعته التي
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٠٧)
هو فيها، والدويرات حوله، فما يزالون في حفظ وستر (1) .
لطيفة: حكي عن بعض العلوية أنه دخل على هارون الرشيد وقد همَّ بقتله، فلما دخل عليه أكرمه وخلى سبيله، فقيل له: بما دعوت حتى أنجاك الله منه قال: قلت: يا من حفظ الكنز على الصبيين لصلاح أبيهما احفظني منه لصلاح آبائي (2) .
قال الخضر: ?فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا? المدفون تحت الجدار ?وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي? وإنما فعلته بأمر الله ?ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً?.
لطيفة: قال الثعلبي: لما أنكر موسى على الخضر خرق السفينة مخافة غرق أهلها، وقتل الغلام، وإقامة الجدار محتسباً بدون أجر، قال له: يا موسى أتلومني على خبر السفينة مخافة غرق أهلها ونسيت نفسك حين ألقتك أمك وأنت صغير في اليم ضعيف فحفظك الله، وتلومني على قتل الغلام الكافر بلا أمر، ونسيت نفسك حين قتلت القبطي بغير أمر، تلومني على ترك أخذ الأجرة في إقامة الجدار، ونسيت نفسك حين سقيت أغنام شعيب لأجل الله تعالى (3) .
قال الثعلبي: وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أو غيره: أن موسى لما أرد فراق الخضر قال له الخضر: استودعك الله، فقال له موسى: أوصني، فقال له الخضر، لا تكن مشاء في غير حاجة، وإياك واللجاجة، ولا تضحك من غير عجب، ولا تعير الخطائين بخطاياهم، وابك على خطيئتك، ولا تؤخر عمل اليوم إلى الغد (4) .
«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله موسى لوددنا لوصبر حتى يقص علينا من أمرهما» .
«لوددنا» جواب قسم محذوف، «ولو صبر» في تأويل المصدر أي: والله لوددنا صبر موسى، لأنه لو صبر لأبصر أعجب العجائب.
وروي عن أبي بن كعب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أحداً فدعا له بدأ بنفسه فقال ذات يوم: «رحمة الله علينا وعلى أخي موسى لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب العجاب، ولكنه قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت--------------------------------------------
(1) أورده ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (1/187) .
(2) انظر: قصص الأنبياء المسمي عرائس المجالس (ص 129) .
(3) انظر: قصص الأنبياء السابق.
(4) انظر: قصص الأنبياء السابق.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٠٨)
من لدني عذراً» .
استنبط الإمام النووي وغيره من قصة موسى والخضر فوائد كثرة:
قالوا: فيه دلالة على استحباب الرحلة للعلم وفضيلة طلبه.
وفيه: دلالة على جواز النزول للسفر.
وفيه: دلالة على أنه ينبغي للإنسان أن يستعمل الأدب مع العالم، وأن يحترم المشايخ، وأن يترك الاعتراض عليهم، وأن يؤول ما لم يفهم ظاهره من أقوالهم وأفعالهم، وأن يوفي بما عاهدهم عليه، وأن يعتذر لهم عند مخالفتهم.
وفيه: دلالة على أنه يجوز للإنسان أن يطلب من غيره الطعام عند احتياجه إليه.
وفيه: دليل على إثبات كرامات الأولياء.
وفيه: دليل على جواز الإجازة، وعلى جواز ركوب السفينة، وعلى جواز ركوبها بغير أجرة برضا صاحبها.
وفيه: دليل على أن الشرع إنما يحكم بالظاهر حتى يتبين خلافه.
وفيه: دليل على أن الكذب: الإخبار على خلاف الواقع عمداً أو سهواً خلافاً للمعتزلة (1) .
وفيه: دليل على أنه إذا تعارضت مفسدتان على شيء واحد جاز دفع أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما، كمسئله ابن عبد السلام السابقة وغيرها، ولهذا خرق الخضر السفينة لدفع غصبها، فإن الخرق أهون من الغضب.
وفيه: دليل على جواز فساد بعض المال لإصلاح باقيه.
قال العلماء: يجوز خصاء صغار الحيوان المأكول لأجل أن يطيب لحمه، ولا يجوز خصاء كبار المأكول ولا خصاء غير المأكول مطلقاً، وعليهما يحمل حديث النهي عن خصاء البهائم.
وقالوا: يجوز قطع بعض آذان الأنعام للتمييز، قاله ابن الملقن.
وفيه: دليل على جواز التسليم لكل ما جاء به الشرع، وإن كان بعضه لا تظهر حكمته للعقول ولا يفهمه كل الناس، ولو كان ظاهره منكراً، واستفيد هذا من قتل الغلام وخرق السفينة، فإن صورتهما صورة المنكر، وفي نفس الأمر كانا صحيحين--------------------------------------------
(1) فإنهم يشترطون الكذب عن طريق العمد فقط، ولكن المذهب الحق أن الإخبار بغير الواقع سواء كان عمداً أو سهواً أو غلطاً. قاله النووي في شرح مسلم (1/94) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٠٩)
ولهما حكمة كانت خفية عن الخلق، فلما أعلمهم الخضر بها بعد أن أعلمه الله بها علموها، ولهذا قال: ?وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي?.
وفيه: دليل على أنه يجب الرجوع إلى قول أهل العلم عند التنازع.
وفيه: دليل على أنه يجب على العالم الرغبة في الزيادة من العلم والحرص عليه، ولا يقنع بما عنده، ولهذا لم يكتف موسى بعلمه بل طلب الزيادة.
وفيه: دليل على أنه لا بأس على العالم والفاضل أن يخدمه المفضول، ويقضي له حاجته، ولا يكون هذا من أخذ العوض على تعليم العلم والآداب، بل من مروءات الأصحاب، وحسن العشرة، ودليل هذا: حمل فتى موسى وهو يوشع الغداء.
وفيه: دليل على أنه ينبغي لمن سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم ولا أدري.
جاء في الخبر: «العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة قائمة، ولا أدري» (1) .
وقال الشعبي: «لا أدري» نصف العلم.
وقال الإمام مالك: جنة العالم «لا أدري» فإذا أخطأها فقد أصيبت مقالته.
وقال أبو حفص النيسابوري: العالم هو الذي يخاف عند السؤال أن يقال له يوم القيامة: من أين أجبت؟.
وكان ابن عمر يقول: يريدون أن يجعلونا جسراً يعبرون علينا.
وكان ابن عمر أيضاً يسأل عن عشر مسائل فيجيب عن واحدة ويسكت عن تسعة.
ونقل عن الإمام مالك أنه سئل عن ثماني وأربعين مسألة فقال في اثنين وثلاثين منها: «لا أدري» .
وكذلك قال إمامنا الشافعي «لا أدري» في مسائل.
وكذلك أبو حنيفة سئل عن تسع مسائل فقال فيها: «لا أدري» .
وكذلك كان أحمد بن حنبل يكثر من قول: «لا أدري» .
حتى نقل عن جبريل أنه قال: «لا أدري» .
وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم قال: «لا أدري» .--------------------------------------------
(1) أخرجه الطبراني في الأوسط (1/299، رقم 1001) عن ابن عمر، قال الهيثمي (1/172) : رواه الطبراني في الأوسط، وفيه منسوب رواه عن مالك بن أنس، وروى عنه إبراهيم بن المنذر، ولم أر من ترجمه.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢١٠)
قال حجة الإسلام الغزالي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أدري أعزير نبي أم لا، وما أدري تبع ملعون أم لا، وذو القرنين نبي أم لا» (1) .
ولما سئل عن خير بقاع الأرض وشرها؟ قال: «لا أدري» حتى نزل جبريل فسأله فقال: «لا أدري» إلى أن علمه الله تعالى أن المسجد خير البقاع، وشرها السوق (2) .
وكان في الفقهاء من يقول: «لا أدري» أكثر من أن يقول: «أدري» منهم: الثوري، ومالك، وأحمد، والفضيل، وبشر بن الحارث.
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلي: «أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين صحابياً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منهم من أحد يسأل عن حديث أو فتيا إلا ودَّ أن أخاه كفاه ذلك» (3) .
وفي لفظ آخر: «كانت المسألة تعرض على أحدهم فيردها إلى الآخر ويردها الآخر إلى الآخر حتى تعود إلى الأول» (4) .
وفي الحديث: دليل على أنه ينبغي للعالم التواضع مع الناس كلهم، خصوصاً مع المتعلمين، فيرفق بهم ويلين لهم الكلام، ويبذل لهم النصيحة، كما أن المتعلم ينبغي له أن يتواضع لعلمه، ويجلس بين يديه متأدباً، لأن الله تعالى عتب على موسى حين لم يرد العلم إليه، وأراه من هو أعلم منه، وقد أمر الله سيد المتواضعين نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم بخفض الجناح قال الله تعالى: ?وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ? [الحجر: 88] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا نأتي أبا سعيد الخدري فيقول: مرحباً بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الناس لكم تبع، وإن رجالاً ليأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا آتوكم فاستوصوا بهم خيراً» رواه الترمذي وابن ماجة وغيرهما (5) .--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود (4/218، رقم 4674) ، والحاكم (1/92، رقم 104) ، وقال: صحيح على شرط الشيخين. والبيهقي (8/329، رقم 17373) عن أبي هريرة.
(2) أخرجه الطبراني في الأوسط (7/154، رقم 7140) عن أنس، قال الهيثمي (2/6) : فيه عبيد بن واقد القيسي، وهو ضعيف.
(3) أخرجه ابن المبارك في الزهد (1/19، رقم 58) ، والدارمي (1/65، رقم 135) .
(4) أورده الغزالي في إحياء علوم الدين (1/70) .
(5) أخرجه الترمذي (5/30، رقم 2650) ، وابن ماجه (1/91، رقم 249) ، وأخرجه أيضًا: الطبراني في الشاميين (1/226، رقم 405) ، وأبو نعيم في الحلية (9/253) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢١١)
وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لينو لمن تعلمون ولمن تتعلمون منه» (1) .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أكرم الناس جليسي الذي يتخطى الناس حتى يجلس إلي، لو استطعت أن لا يقع الذباب على وجهه لفعلت» (2) .
وفي رواية قال: «إن الذباب ليقع عليه فيؤذيني» .
وقال أيوب السجستاني: ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعاً لله تعالى.
وفي قول الخضر لسيدنا موسى عليه السلام: «إني على علم من علم علمنيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه» دليل على أن موسى علمه الله الشريعة دون الحقيقة.
قال شيخنا جلال الدين السيوطي: إنما جمعت الحقيقة والشريعة لنبينا صلى الله عليه وسلم ولم يكن للأنبياء إلا أحدهما بدليل قصة موسى مع الخضر وقوله: «إني على علم … » إلى آخره.
قال البلقيني: قول الخضر لموسى: «إني على علم … » إلى آخره، ظاهره أنه يمتنع تعليم العلمين معاً وهو مشكل، فإنه لا يمنع جمعها. ثم أجاب بجوابين:
أحدهما: بين فيه وجه امتناع الجمع بين الحقيقة الشريعة فقال: جواب هذا الإشكال: أن علم الحقائق والكشوف ينافي علم الظاهر، فلا ينبغي للعالم الحاكم بالظاهر أن يعلم الحقائق للتنافي، لأنه إذا وجد غلاماً ظاهر الشرع يقتضي امتناع قتله، والحقيقة تقتضي أن يقتل، فلا ينبغي له أن يعلم هذا لما قررناه من التنافي، وأما العالم بالحقيقة فلا ينبغي له أن يعلم العلم الظاهر الذي ليس مكلفاً به، والذي ينافي ما عنده من الحقيقة، فإنه إذا اطلع بمقتضى الحقيقة على أن هذا الغلام يقتل كان منافياً للظاهر الشريعة.
الجواب الثاني: أنه يمكن حمل العلم على تنفيذه أي: العمل به لا على امتناع تعلمه والمعنى: أن لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه لتعمل به، ولأن العمل به مناف لمقتضى الشرع، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه فأعمل بمقتضاه لأن مقتضاه منافي لمقتضى الحقيقة، قال: فعلى هذا لا يجوز للولي التابع لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اطلع على حقيقة شيء أن ينفذ ذلك بمقتضى الحقيقة، وإنما عليه تنفيذ الحكم للظاهر، قال: ولا أر من تعرض لذلك، والله تعالى أعلم.--------------------------------------------
(1) أخرجه الديلمي (1/79، رقم 238) ، وابن عدي (4/335 ترجمة 1165 عباد بن كثير الثقفي) عن أبي هريرة.
(2) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (7/86، رقم 9569) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢١٢)
المجلس السادس والثلاثون
في الكلام على قوله تعالى:
? وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ? [الإسراء: 85]
وفيه فوائد كثيرة متعلقة بالروح
قَالَ البُخَارِي:
باب قول الله تعالى: ? وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلَاّ قَلِيلاً ? [الإسراء: 85]
حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِى مَعَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فِى خَرِبِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَسْأَلُوهُ لَا يَجِىءُ فِيهِ بِشَىْءٍ تَكْرَهُونَهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَنَسْأَلَنَّهُ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا الرُّوحُ فَسَكَتَ. فَقُلْتُ إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ. فَقُمْتُ، فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ، قَالَ ?وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتُوا مِنَ الْعِلْمِ إِلَاّ قَلِيلاً? [الإسراء: 85] . قَالَ الأَعْمَشُ هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا (1) .
يتعلق بهذا الحديث وهذه الآية فوائد كثيرة في الروح وغيره:
الفائدة الأولى: «الروح» تذكر وتؤنث فيقال: روح طيب، وروح طيبة.
الفائدة الثانية: تطلق «الروح» في القرآن وغيره على معان، تطلق ويراد بها: ملك له أحد عشر ألف جناح وألف وجه يسبح الله تعالى إلى يوم القيامة.
وتطلق ويراد بها: ملك له سبعون ألف لسان يسبح الله بها ويقدسه.
وتطلق ويراد بها: ملك رجلاه في الأرض السفلى، ورأسه عند قائمة العرش.--------------------------------------------
(1) قال الحافظ بن حجر في الفتح (1/224) : قوله: «خرب» : جمع خربة ويقال بالعكس والخرب ضد العامر.
قوله: «عسيب» : أي عصا من جريد النخل.
قوله: «لا تسألوه لا يجيء» : لا تسألوه خشية أن يجيء فيه بشيء.
قوله: «لنسألنه» جواب القسم المحذوف.
قوله: «الروح» : الأكثر على أنهم سألوه عن حقيقة الروح الذي في الحيوان، وقيل: عن جبريل. وقيل: عن عيسى. وقيل: عن القرآن. وقيل: عن خلق عظيم روحاني.
قوله: «هكذا في قراءتنا» أي قراءة الأعمش وليست هذه القراءة في السبعة بل ولا في المشهور من غيرها وقد أغفلها أبو عبيد في كتاب القراءات له من قراءة الأعمش والله أعلم.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢١٣)
وتطلق ويراد بها: خلق كخلق بني آدم له أيد وأرجل.
وتطلق ويراد بها: عيسى عليه السلام.
ونطلق ويراد بها: القرآن.
وتطلق ويراد بها: الوحي.
وتطلق ويراد بها: خلق من خلق الله، لا ينزل ملك إلى الأرض إلا نزل معه.
وتطلق ويراد بها: مَلَك عظيم يقوم وحده فيكون صفاً، وتقوم الملائكة صفاً، قال تعالى: ?يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفاًّ? [النبأ: 38] .
وتطلق ويراد بها الروح التي في الجسد.
فهذه أحد عشر معنى للروح.
والفائدة الثالثة: اختلف العلماء في المراد بالروح المسئول عنها في الآية من هذه المعاني، فقيل: عيسى بن مريم، كأنهم سألوه عنه فقال لهم: هو من أمر الله لا كما تقوله النصارى فيه.
وأكثر المفسرين والعلماء على أن الروح المسئول عنها هي: الروح التي في الجسد سألوه عن حقيقتها وكيفية امتزاجها في الجسم فقال لهم في الجواب: «هي من أمر ربي» أي: ما استأثر الله بعلمه، أي: اختص بعلمه ولم يطلع عليها أحد من خلقه.
قال بعضهم: قال أكثر أهل العلم: وليس في الآية دليل على أن الروح أي: روح الجسد لا تعلم، ولا أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يعلمها، ولكن إنما أمره الله تعالى أن يقول لهم: «هي من أمر ربي» ولم يعينها لهم لأمرين:
أحدهما: أنه كان عندهم في التوراة أن الروح من أمر الله تعالى، لا يطلع عليها أحداً، فقالت اليهود: نسأله عنها فإن أجاب فليس بنبي، وإن لم يجب فهو صادق، فلما سألوه لم يجبهم بل انتظر حتى نزلت عليه الآية، فأخبرهم أنها من أمر الله، فقالوا: هكذا نجده عندنا.
الأمر الثاني: إنما قال لهم: «هي من أمر الله» لأنهم قصدوا تعجيزه وتغليطة، فإن الروح لما كانت مشتركة بين المعاني التي قدمنا ذكرها، قصدوه أن يسألوه فبأي معنى من المعاني أجاب قالوا: ليس هذا، فأمره الله تعالى أن يجيبهم جواباً مجملاً، فإن أمر ربي يصدق على كل واحدة من مسميات الروح.
واعلم أنه قد افترق الناس فيها فرقتين، فرقة أمسكت عن الكلام فيها، لأنها سر من أسرار الله تعالى لم يؤت علمه لبشر، وهذه الطريقة هي المختارة.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢١٤)
قال الجنيد: الروح شيء استاثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحداً من خلقه، فلا يجوز لعباده البحث عنه بأكثر من أنه موجود.
وعلى هذه الطريقة ابن عباس وأكثر السلف (1) .
وها هنا سؤال على هذه الطريقة وهو: فإن قيل: ما الحكمة في عدم اطلاع عباده على حقيقة الروح؟
جوابه: الحكمة في ذلك إظهار عجز المرء، لأنه إذا لم يعلم بحقيقة نفسه مع القطع بوجوده كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق سبحانه وتعالى من باب أولى قاله القرطبي.
وقال ابن بطال: الحكمة في ذلك تعريف الخلق عجبهم من علم ما لا يدركونه، حتى يضطرهم ذلك إلى رد العلم إليه.
والفرقة الثانية: تكلمت فيها وبحثت عن حقيقتها.
قال النووي: وأصح ما قيل في ذلك قول إمام الحرمين: إنها جسم لطيف مشتبك بالأجسام الكثيفة اشتباك الماء بالعود الأخضر.
وقال جمهور الأطباء: هو البخار اللطيف الساري في الأبدن.
وقيل: هي بعض الجسم.
وقال أبو الحسن الأشعري (2) : الروح النفس الداخل والخارج. قال ابن الملقن وهذا أشهر الأقوال.
وقيل: الروح الدم.
وقيل: جسم لطيف متصور على صورة الإنسان داخل الإنسان.
قال ابن الملقن: وذكر بعضهم فيها سبعين قولاً.
الفائدة الرابعة: اختلف العلماء هل علم النبي صلى الله عليه وسلم الروح وأمره الله أن لا يطلع عليها أحداً، أو ما علمها؟
فقيل: إنه قبض ولم يعلمها.
وقيل: أطلعه الله عليها ولم يأمره أن يطلع عليها أمته، وهذا نظير الخلاف في علم الساعة.
الفائدة الخامسة: وقع الاختلاف في الروح هل هي جسم أو عرض.--------------------------------------------
(1) وهذه الطريقة في الوقوف عند تعريف الروح أن حقيقتها مما استأثر الله بعلمه، قال ابن حجر في الفتح (1/224) أنه هو الصحيح.
(2) أبو الحسن الاشعري هو: علي بن إسماعيل بن إسحاق، أبو الحسن، من نسل الصحابي أبي موسى الاشعري، مؤسس مذهب الأشاعرة، كان من الأئمة المتكلمين المجتهدين، ولد في البصرة سنة: 260 هـ، وتلقى مذهب المعتزلة وتقدم فيهم ثم رجع وجاهر بخلافهم، وتوفي ببغداد سنة: 324 هـ، قيل: بلغت مصنفاته ثلاثمائة كتاب، منها: إمامة الصديق، والرد على المجسمة، ومقالات الإسلاميين، والإبانة عن أصول الديانة، ورسالة في الايمان، ومقالات الملحدين، والرد على ابن الراوندي، وخلق الأعمال، والأسماء والأحكام، واستحسان الخوض في الكلام، واللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، يعرف باللمع الصغير.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢١٥)
فذهب كثير من الصوفية كما قاله الرزكشي إلى أنها ليست بجسم ولا عرض، بل جوهر مجرد قائم بنفسه غير متحيز، وله تعلق خاص بالبدن للتدبير والتحريك، غير داخل في البدن ولا خارج عنه. وهذا هو رأي الفلاسفة.
وذهب كثير من المتكلمين وأهل المعتزلة إلى أنها عرض وأنه الحياة التي صار البدن بوجودها حياً.
وأكثر المسلمين على أنها جسم كما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، لوصفها في الأحاديث والآيات بالترقي والقبض والإمساك والإرسال والإخراج والخروج والتنعم والتعذيب والتردد في البرزخ، وأنها تأكل وتشرب وتسرح وتنطلق وتعرف، وهذه صفات الأجسام، والعرض لا يتصف بها.
الفائدة السادسة: اختلف العلماء في النفس والروح هل هما شيء واحد أو مختلفان؟
والذي عليه أكثر العلماء: أن الروح والنفس بمعنى واحد، وذهب بعض العلماء إلى أنها غير النفس، وبه قال السهيلي، وفرقوا بينهما بأن النفس طينية نارية، والروح نورية روحانية، وبأن النفس لا تريد إلا الدنيا، والروح تدعو إلى الآخرة.
الفائدة السابعة: اختار ابن عبد السلام أن الروح في القلب، وبه جزم الغزالي في كتابه الانتصار، وقال بعض المتكلمين: الذي يظهر أن الروح بقرب القلب، والذي قاله إمام الحرمين وقال النووي إنه أصح ما قيل: إن الروح في سائر البدن لا في القلب فقط كما قدمنا ذلك.
الفائدة الثامنة: أجمع أهل السنة والجماعة على أن الروح محدثة مخلوقة، ولم يخالف في ذلك إلا الزنادقة، ويدل على حدوثها حديث: «الأرواح جنود مجندة» (1) والمجندة--------------------------------------------
(1) بقية الحديث: « … فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف»
أخرجه البخاري (3/1213، رقم 3158) ، وأبو يعلى (7/344، رقم 4381) ، والقضاعي (1/185، رقم 274) عن عائشة.
وأخرجه مسلم (4/2031، رقم 2638) ، وأبو داود (4/260، رقم 4834) ، وأحمد (2/295، رقم 7922) ، وابن حبان (14/42، رقم 6168) عن أبي هريرة.
وأخرجه الطبراني في الكبير (10/230، رقم 10557) عن ابن مسعود. قال الهيثمي (8/87) : رجاله رجال الصحيح.
وأخرجه أبو نعيم في الحلية (1/198) ، والحاكم (4/466، رقم 8296) ، وقال: صحيح الإسناد. والطبراني في الكبير (6/263، رقم 6169) ، وفي الأوسط (2/160، رقم 1577) عن سلمان.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢١٦)
لا تكون إلا مخلوقة.
الفائدة التاسعة: اختلف العلماء في الروح هل خلقت قبل الأجساد أو بعدها؟
فقيل: بعدها واستدل بحديث: «لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط منه كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة امثال الذر» (1) أخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة.
و «النسمة» : الروح.
وبحديث: «إن الله خلق أرواح العباد قبل العباد بألفي عام، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» (2) .
لكن قال شيخنا الجلال السيوطي سنده ضعيف جداً.
الفائدة العاشرة: ذهب أهل الملل من المسلمين وغيرهم إلى أن الروح تبقى بعد موت البدن، فهي أبدية، وخالف في ذلك الفلاسفة.
وإذا قلنا ببقائها فهل تفنى عند القيامة ثم تعاد توفيه بظاهر قوله تعالى: ?كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ? [الرحمن: 26] أو لا تفنى؟ حكاهما السبكي في تفسيره المسمي «بالدر النظيم» .
وقال: والأقرب منهما أنها لا تفنى، وإنما تكون حينئذ ممن استثنى الله في قوله: ?إِلَاّ مَن شَاءَ? [النمل: 87] (3) كما قيل في الحور العين.
وأما قوله تعالى: ?كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ? [آل عمران 185] فالمراد بموت النفوس: مفارقتها الأجساد وخروجها منها، لا أنها تعدم وتضمحل وتصير عدماً محضاً، بل هي باقية بعد مفارقة الأجساد في نعيم أو في عذاب، وحينئذ فلا إشكال على من يقول ببقائها وعدم فنائها.
الفائدة الحادية عشر: فإن قيل: بأي شيء تتمايز الأرواح بعد مفارقة الأشباح--------------------------------------------
(1) أخرجه الحاكم (2/355، رقم 3257) وقال: صحيح على شرط مسلم. وأخرجه أيضا: الترمذي (5/267، رقم 3076) وقال: حسن صحيح. وأبو يعلى (11/263، رقم 6377) .
(2) أورده ابن القيم في كتاب الروح من طريق ابن مندة (1/160) عن عمرو بن عبسة.
(3) والآية بتمامها تدل على هذا المعنى قال الله تعالى: ?وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلَاّ مَن شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ? [النمل: 87] .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢١٧)
حتى تتعارف، وهل تتشكل بشكل؟
فالجواب: أنها تأخذ من بدنها صورة تتميز بها عن غيرها، فإنها ذات قائمة بنفسها تصعد وتنزل، وتتصل وتنفصل، وتذهب وتجيء، وتتحرك وتسكن، وقد شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أرواح الأنبياء ليلة الأسراء في مثال الأجساد.
وقال جماعة: الأرواح على صورة الخلق لها أيدي وأرجل وأعين وسمع وبصر ولسان.
قال العلامة ابن القيم: بل تمييزها بعد المفارقة يكون أظهر من تميز الأبدان، فإن الأبدان تشتبه كثيراً، وأما الأرواح فقل ما تشبته.
قال: وقل أن ترى بدناً قبيحاً وشكلاً شنيعاً إلا وكانت روحة المتعلقة به تشاكله وتناسبه، وقل أن ترى شكلاً حسناً وصورة جميلة وتركيب لطيف إلا وكانت روحه المتعلقة به مناسبة له (1) .
قال: وإذا كانت الملائكة تتميز من غير أبدان تحملهم، وكذلك الجن فالأرواح البشرية أولى (2) .
الفائدة الثانية عشر: وقع في كلام الغزالي في «الدرة الفاخرة» أن روح المؤمن على صورة النحلة، وروح الكافر على صورة الجرادة.
قال شيخنا العلامة جلال الدين السيوطي في كتابه «شرح الصدور» : وهذا شيء لا يعرف له أصل، ولا يُستدل على ما قاله الغزالي بما وقع في حديث الصور من أن إسرافيل يدعو الأرواح فتأتيه جميعاً، أرواح المؤمنين تتوهج نوراً، والأخرى مظلمة فيجمعها جميعاً فيلقيها في الصور ثم ينفخ فيه، فيقول الرب جل جلاله: «وعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى جسدها» فتخرج الأرواح من الصور مثل النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، فتأتي كل روح إلى جسدها فتدخل تمشي في الأجساد مثل السم في اللديغ (3) .
وإنما لم يستدل به: لأن قوله: «مثل النحل» ليس المراد به أن الأرواح تخرج من الصور في صورة النحل وهيئتها، بل المراد: أن هيئة خروجها من الصور كهيئة خروج--------------------------------------------
(1) انظر: الروح لابن القيم (1/40) .
(2) انظر: الروح لابن القيم (1/40) .
(3) أخرجه إسحاق بن راهويه (1/84، رقم 10) ، والبيهقي في شعب الإيمان (1/312) عن أبي هريرة.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢١٨)