لأنها مثله في حقها.
فالحاصل: أنه يجب غسل باطن شعور الوجه كما يجب غسل ظاهر باطن اللحية الكثة، إلا إذا كانت من المرأة والخنثى، هذا إذا كانت في حد الوجه، وأما الشعور الخارجة عن حده كشعر اللحية النازل وشعر العذار والسبال فإن كانت كثيفة وجب غسل ظاهرها فقط، وإن كانت خفيفة وجب غسل الظاهر والباطن منها.
أما النزعتان وهما بياضان يكتنفا الناصية والصدغين، وهما فوق الأذنين متصلان بالعذرين فليسا من الوجه.
فائدة: لو خلق للإنسان وجهان وجب غسلهما، ولو خلق للإنسان رأسان كفاه المسح على بعض أحديهما، والفرق أن الواجب في الوجه غسل جميعه فيجب غسلهما، لحصول المواجهة بهما، والواجب في الرأس مسح بعض ما يسمى رأساً، وذلك يحصل ببعض أحدهما.
الفرض الثالث: غسل اليدين مع المرفقين.
فائدة: في المرفقين لغتان: أحدهما: كسر الميم وفتح الفاء، والثانية: فتح الميم وكسر الفاء.
سؤال: فإن قيل: ما الدليل على وجوب غسل المرفقين مع اليدين؟
فالجواب: الدليل على ذلك قوله تعالى: ?وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ? [المائدة: 6] والإجماع، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم المبين للوضوء المأمور به، فإنه صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم اليسرى حتى أشرع في العضد.
فإن قيل: لا دليل في الآية على وجوب غسل المرفقين مع اليدين، لأن «إلى» لنهاية الغاية، والغاية لا تدخل في المغيا؟
فالجواب: أن اليد حقيقة من رؤوس الأصابع إلى المنكب على الأصح، فإما أن تجعل اليد في الآية مجازاً إلى المرفق، وتدخل الغاية في المغيا هنا بقرنيتي الإجماع والاحتياط للعبادة، وإما أن تجعل باقية على حقيقتها إلى المنكب، وتجعل حينئذ غاية الغسل وتدخل الغاية في المغيا أيضاً لما تقدم كما قال بذلك جماعة، أو تجعل «إلى» حينئذ للترك المقدر، وتخرج الغاية حينئذ عن المغيا كما قال به كما قال جماعة أخرى، والمعنى على الأول: اغسلوا أيديكم من رؤوس أصابعها إلى المرافق، وعلى الثاني: اغسلوا أيديكم واتركوا منها إلى المرافق.
وأوضح من هذا الجواب أن يقال: إن «إلى» في الآية بمعنى مع كما في قوله تعالى ?
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٣٩)
مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ? [آل عمران: 52] أي: مع الله، وفي قوله تعالى: ?وَلَاتَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ? [المائدة: 2] أي: مع أموالكم.
قال العلماء: فإن قطع شيء من يد الإنسان وجب غسل ما بقي لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (1) وإن قطعت من مرفقه وجب غسل رأس عظم العضد لأنه من المرفق، وإن قطعت من فوق المرفق سقط هذا الفرض، وندب غسل باقي عضده، لئلا يخلو العضو عن طهارة.
سؤال: فإن قيل: من القواعد المشهورة أن التابع يسقط بسقوط المتبوع، كسقوط رواتب الفرائض عن المجنون تبعاً للفرائض، فلأي شيء قالوا هنا يستحب غسل باقي عضده مع سقوط غسل اليد عنه؟
فالجواب: أن سقوط المتبوع عن المجنون رخصته فالتابع أولى به، وسقوطه هنا ليس رخصته بل لتعذره، فحسن الإتيان بالتابع محافظة على العبادة بقدر الإمكان، ولأن التابع للفرائض شرع تكملة لنقصها، فإذا لم يكن متبوع فلا تكملة، وهنا لم يشرع تكملة للمتبوع، لأنه كامل بالمشاهدة، فتعين أن يكون مطلوباً لنفسه.
ويجب غسل اليدين ما عليهما من شعر، وغسل يد زائدة إن نبت بمحل الفرض، وإن نبت بغير محل الفرض غسل ما حاذى منها محل الفرض، لوقوع اسم اليد عليه، ولو خلق له يدان أصليتان أو أحدهما أصلية والأخرى زائدة ولم تتميز وجب غسلهما، أما إذا تميزت الزائدة بفحش قصر ونقص أصابع وضعف بطش ونحوه فلا يجب غسلها إذا كانت في غير محل الفرض.
سؤال: فإن قيل: قالوا في السرقة إذا خلق له يدان أصليتان يقطع إحداهما فقط فلأي شيء قالوا هنا إذا خلق له يدان يجب غسلهما؟
فالجواب: أن الوضوء مبناه على الاحتياط لأنه عبادة، وأما السرقة فإنه حد والحد مبناه على الدرء لأنه عقوبة.
قال الفقهاء: ولو كشطت جلدة العضد ونزلت منه لم يجب غسلها مع غسل اليدين ولا غيره، لأن اسم اليد لا يقع عليها، ولو كشطت جلدة الذراع منه وجب غسلها لأنها من اليد سواء المحاذي وغيره، إلا إذا التصقت بعد كشطها من أحدهما--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن حبان (9/18، رقم 3704) ، وابن خزيمة (4/129، رقم 2508) عن أبي هريرة.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٤٠)
بالآخر فإنه يجب غسل المحاذي للفرض دون غيره، وإن تجافت بعد أن التصقت عن محل الفرض لزمه غسل ما تحتها أيضاً لندرته، ولو كشطت جلدة أحدهما وانتهى كشطها إلى الآخر ثم تدلت منه، فالاعتبار بما تدلت منه، فإذا بلغ كشطها من العضد إلى الذراع وجب غسلها معه، لأنها صارت جزءاً من محل الفرض، وإذا انتهى كشطها من الذراع إلى العضد فلا يجب، لأنها صارت جزءاً من غير محل الفرض.
الفرض الرابع: بعض الرأس سواء أمسح على بشرته أو على شعره الذي لا يخرج عن حده ولو قدر رأس أبرة، حتى لو أخذ أبرة وغمسها في الماء ووضعها على رأسه كفاه عند علمائنا الشافعية.
أما إذا مسح على الشعر الذي يخرج عن حد الرأس بالمد من جهة سفله فإنه لا يكفي، ولو قطر الماء على رأسه كفى.
قال في الأنوار: ولو قطرت على خمارها ووصلت رطوبتها إلى شعرها حصل الفرض، ولو وقف تحت المطر فنزل على رأسه كفى، ولو غسل رأسه بدل مسحه كفاه ولم يكره ولم يستحب، بخلاف ما لو غسل الخف بعد لمسه فإنه يكره، لأنه يعيبه، ولو مسح رأسه ببرد وثلج لا يذوبان كفى لحصول المقصود به، ولو كان عنده ثلج أو برد فذاب فتوضأ به واغتسل كفاه، بل يجب استعماله إن لم يجد غيره، واختلف الروايات عن أبي حنيفة في مسح الرأس، ففي رواية: أنه يجزئ قدر ربع الرأس، وهو الراجح عندهم، وفي رواية أخرى: مقدار الناصية، وفي رواية أخرى: قدر ثلاث أصابع، ومذهب الإمام أحمد والإمام مالك وجوب استيعاب الرأس فلا يجزئ سواه، واكتفى الشافعي بمسح البعض، لأن المفهوم من المسح عند إطلاقه، والله تعالى قال ?وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ? [النائدة: 6] وأطلق فدل على الاكتفاء بالبعض، وأيضاً الباء إذا دخلت على متعدد كما في الآية تكون للتبعيض، أو على غيره كما في قوله تعالى: ?وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ? [الحج: 29] تكون للإلصاق.
سؤال: فإن قيل: لأي شيء وجب تعميم مسح الوجه واليدين في التيمم ولم يجب تعميم الرأس في الوضوء مع أن آية التيمم وهي: ?فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ? [النساء: 43] كآية مسح الرأس؟
فالجواب: إنما وجب الإستيعاب في التيمم لثبوت ذلك بالسنة، ولأنه يدل عن الوضوء فاعتبر مبدله، ومسح الرأس أصل فاعتبر لفظه.
فإن قيل: لأي شيء لم يجب تعميم مسح الخف بالماء مع أنه بدل عن غسل
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٤١)
الرجلين؟
فالجواب: أن التعميم يفسده، مع أن مسحه مبني على التخفيف لجوازه مع القدرة على الغسل، بخلاف التعميم.
الفرض الخامس: غسل الرجلين مع الكعبين من كل رجل، وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، ولا يجب غسل الرجلين في حق لابس الخفين عيناً، بل هو مخير بين الغسل وهو أفضل لأصالته، ولمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم غالباً، وبين المسح، وذهبت الشيعة إلى أن الواجب في الرجلين في الوضوء المسح لا الغسل، واستدلوا على ذلك بقرأة من قرأ ?وَأَرْجِلِكُم? بالجر وقالوا أنه معطوف على ?بِرُءُوسِكُمْ? فوجب فيهما المسح كوجوبه في المعطوف عليه.
واستدل أهل السنة على وجوب غسل الرجلين بقوله تعالى: ?وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ? [المائدة: 6] على قراة النصب والجر، أما على قراءة النصب فإنه معطوف على ?وُجُوهَكُمْ? لفظاً، وأما قراءة الجر فإنه معطوف أيضاً على ?وُجُوهَكُمْ? لمجاورته لرؤوسكم، ويسمى جر الجوار فهو كقوله تعالى: ?عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ? [هود: 26] والأليم صفة للعذاب وإنما جر بالمجاورة، وكقولهم: «حجر ضب خرب» فهو وإن كان مجرور لفظاً فهو منصوب معنى عطفاً على ?وُجُوهَكُمْ? والمعطوف على المغسول مغسول، فبطل ما قاله الشيعة من أنه معطوف على الممسوح فوجب مسحه.
الفرض السادس: الترتيب في أفعاله خلافاً لأبي حنيفة دليلنا عليه فعله صلى الله عليه وسلم المبين للوضوء المأمور به قال الإمام الرازي: إنما أوجب الشافعي الترتيب في الوضوء لوجوه عديدة مستنبطة من الآية وساقها وذكر منها:
أن الترتيب لو لم يكن واجباً لكان مقتضى البلاغة أن يبدأ الله تعالى في الآية بالرأس ويختم بالرجلين، فلما بدأ بالوجه وختم بهما دل على وجوبه.
وأيضاً: لو لم يكن الترتيب واجباً لكان مقتضى البلاغة أن يميز الممسوح من المغسول فلما ذكر سبحانه ممسوحاً بين مغسولات، وتفريق للتجانس لا ترتكبه العرب إلا لفائدة، وفائدته هنا وجوب الترتيب لا ندبه بقرينة الأمر في قوله: ?فَاغْسِلُوا? وإنما بدأ الله دل على وجوبه.
ها هنا فوائد:
الأولى: بين القفَّال في كتابه محاسن الشريعة حكمة ترتيب هذه الأعضاء فقال: قدم الوجه لشرفه ثم اليدين لأنهما بارزتان، ويعمل بهما غالباً بخلاف الرأس والرجلين،
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٤٢)
ثم الرأس.
الثانية: قيل الحكمة في وجوب غسل هذه الأعضاء ومسح الرأس: أن آدم مشى إلى الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها برجليه، ونظر إليها بعينه متوجهاً إليها بواجهة وأخذ منها بيديه، ولمس رأسه ورقها.
وكان ابن عباس يقول بوجوب غسل باطن العين في الوضوء والغسل، والصحيح أنه لا يجب غسل باطن العين بل لا يستحب بل يكره.
وقيل: الحكمة في اختصاص هذه الأعضاء أن أكثر معاصي ابن آدم من هذه الأعضاء الأربعة.
الثالثة: لو توضأ الإنسان منكوساً أربع مرات أجزأه لحصول غسل كل عضو في مرة.
الرابعة: لو اغتسل محدث بنية رفع الحدث أو نحوه أجزأه عن الوضوء، ولو لم يمكث في الانغماس زمناً يمكن فيه الترتيب، لأن الغسل يكفي للأكبر فالأصغر، ولأن الترتيب يقدر في لحظات.
سؤال: فإن قيل: لو أغفل لمعة من غير أعضاء الوضوء في هذا الغسل هل يكفي هذا الغسل عن وضوءه أم لا؟
قال القاضي حسين: لا يكفي.
ولو اغتسل المتوضئ ونوى رفع الجناية أو نحوها هل يكفيه عن وضوءه أم لا؟
جوابه: إن نوى ذلك غالطاً ورتب كفاه وإلا فلا.
الخامسة: لنا وضوء صحيح خال عن غسل الرجلين أو عن غسل اليدين، وصورته: ما إذا اغتسل جنب إلا يديه أو إلا رجليه مثلاً، ثم أحدث ثم غسلهما عن الجنابة توضأ، ولا تجب عليه إعادة غسلهما لارتفاع حدثهما بغسلهما عن الجنابة، فهذا وضوء خال عن غسل الرجلين أو اليدين، وهما مكشوفان بلا علة.
وزعم ابن القاضي أنه خال عن الترتيب أيضاً، وغلطه الأصحاب بأنه غير خال عنه بل لم يجب فيه الغسل الرجلين أو اليدين.
السادسة: لنا وضوء خال عن الترتيب، وصورته: ما إذا غسل الجنب بدنه إلا أعضاء الوضوء ثم أحدث لم يجب ترتيبها أفاده القاضي زكريا في شرح الروض.
السابعة: لو نوى بعد الفراغ من الوضوء قطعه لم يبطل، ولو نوى في أثنائه قطعة لم يبطل ما مضى له من الوضوء، ولكن انقطعت نيته فيعيدها للباقي.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٤٣)
الثامنة: إذا بطل وضوءه في أثنائه بحدث أو غيره يثاب على الماضي أم لا؟
قيل: أن يثاب كما في الصلاة، ويحتمل أن يقال: إن بطل باختباره فلا، أو بغيره فنعم.
قال النووي عن الماوردي: ومن أصحابنا من قال: لا ثواب له بحال، لأنه لا يراد لغيره بخلاف الصلاة.
التاسعة: لو توضأ فقطعت يده أو تثقب لم يجب غسل ما ظهر، لأن ذلك ليس ببدل عما تحته، إلا إذا أحدث بعده ونظيره ما لو خلق رأسه بعد مسحه فإنه لا يعيد المسح.
العاشرة: إذا كان الإنسان متوضئاً أو أراد تجديد الوضوء ماذا ينوي، لا يستقيم أن ينوي رفع الحدث لأن حدثه مرتفع، ولا استباحة الصلاة لأنه مستبيح لها بوضوءه الأول، ولا فرض لأنه ليس بفرض عليه، قال الأسنوي قد يقال: يكتفى بنية الرفع أو الاستباحة كالصلاة المعادة، ثم قال غيره: إن ذلك مشكل خارج عن القواعد، لكن قال ابن العماد: وتخريجه على الصلاة ليس ببعيد، لأن قضيته التجديد أن يعيد الشيء بصفته الأولى، وإلا لم يكن تجديداً.
الحادية عشر: أي عضو من أعضاء الوضوء يجب غسله في بعض الأزمان دون بعض، وليس عليه جبيرة ولا خف وقد نظم هذا السؤال بعضهم فقال:
يا إماماً قد فاق أهل الزمان … بفنون من العلوم حسان
ما الذي أنت قائل في سؤال … هو من فنك الكثير المعاني
أي عضو من الوضوء يغسل … في زمان قد خص دون زمان
لم يكن موضع الجبائر والخف … ولكنه خفي المكان
فأتنا بالجواب عما سألناك … سريعاً فيه بغير ثوان
وصورته في موضع اللحية الكثيفة، فإنه قبل نبات الشعر عليه يجب غسله بعد كثافته مع نباته لا يجب غسله، وإذا خف بعد كثافته وجب غسله، وقد أجاب السائل عنه نظماً فقال:
خد جواباً عما سألت سريعاً … حسن اللفظ في بديع المعاني
إن هذا المكان يعرف منا … بمحل اللحى من الأذقان
شعر الوجه إن تكاثف فيه … لم يجب غسله على الإنسان
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٤٤)
وهو قبل الإنبات يغسل أو … أخف نبات من فوق هذا المكان
هاك درراً بأعلى الدر في … النظم إذا كان من نحور الغوان
وأما شرائط الوضوء: فقد اختلف العلماء في عددها، فمنهم من جعلها عشرة، ومنهم من زاد على ذلك، ومنهم من نقص عن ذلك، ومنهم من وصلها إلى مائة وست وخمسين شرطاً، ثم رد الجميع إلى شرط واحد، وهو لا يقترن بمانع.
قال العلماء: معرفة شروط العبادات واجبة على كل مخاطب، لتوقف العبادات على معرفتها والإتيان بها على الوجه المشروع، إذ لا يغتفر فيها الجهل ولا النسيان، فمن توضأ مع الجهل بكيفية الوضوء لم يصح.
فمن شروط الوضوء: الإسلام، فلا يصح وضوء الكافر.
ومنها: الماء الطهور، فلا يصح الوضوء بل ولا الغسل ولا إزالة النجاسة بغير الطهور، كالماء المستعمل ولو كان المستعمل له صبياً أو من لا يرى وجوب النية في الوضوء والغسل وهو الحنفي، وإنما يصح بالطهور وهو الماء المطلق، والمطلق ما يقع عليه اسم ماء بلا قيد، أما إذا تقيد الماء كأن تغير لونه أو طعمه أو ريحه بشيء طاهر مخالط تغيراً يمنع إطلاق اسم الماء عليه فإنه لا يصح الوضوء منه، ولا الغسل ولا إزالة النجاسة، كما إذا وقع في الماء زعفران فغير لونه، أو صابون أدخل فغير لونه، أو مسك فغير رائحته، وإنما كان غير طهور لأنه: لا يسمى ماء، ولهذا لو حلف أن لا يشرب الماء فشرب هذا المتغير بطاهر لا يحنث، خلافاً لأبي حنيفة فإنه جوز الوضوء بالماء المتغير بالزعفران أو نحوه.
ولنا شخص توضأ بماء متغير لا يقع عليه اسم الماء، ولا هو باق على أصل خلقته ويصح وضوءه، وصورته: في الماء المتغير بما في مقره أو ممره أو بمجاوره كعود أو دهن أو نحو ذلك.
ومنها: العلم بأنه طهور، فإذا لم يعلم من أراد الوضوء من ماء أنه طهور لا يصح الوضوء منه.
ومنها: التمييز، فلا يصح وضوء غير المميز كالمجنون والصبي الذي لا يميز.
ولنا شخص غير مميز ويصح وضوءه، وصورته: فيما إذا حج الإنسان ومعه صبي غير مميز أو مجنون فإن الولي يحرم عنه بالحج لينال أجر الحج، وعند الطواف يوضئه وينوي عنه ويصح وضوءه في هذه الصورة.
ومنها: طهارة المحل عن الخبث إن لم يصلح الغسل لإزالة الحدث، كالسادسة في
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٤٥)
الكلبية، فإذا تنجس وجه الإنسان مثلاً نجاسة كلبيه فغسله خمس مرات، ثم أراد أن يتوضأ فيشترط لصحة الوضوء أن يغسله مرة أخرى لتصير سادسة، فإن السادسة كالتي قبلها لا تصح لإزالة الحدث، إذ لا يزال الخبث باق اتفاقاً بخلاف السابعة بعد الترتيب فإنها صالحة لإزالتها، أفاد هذا الشرط الجوهري وغيره.
ومنها: أن لا يكون على أعضاء الوضوء شيء مانع من وصول الماء إليه، يسمى «بالمانع الحببي» كشمع ونحوه، فإذا يجعل الإنسان في شقوق رجليه دهن شمع ووضع على يده أو رجليه حناء أو نحو ذلك وجب عليه في الوضوء أو الغسل إزالة عينه، فإن لم يزله لم يصح وضوءه ولا غسله حتى يغسل ذلك المحل، ويغسل ما بعده في الوضوء، نعم لا يضر بقاء لون الحناء فإنه ليس بحائل، ولو كان على عضوه دهن مائع فجرى عليه الماء فلم يثبت بل قطع صح وضوءه، وأما الوسخ الذي تحت الأظافر فقال جمهور العلماء: إنه مانع من صحة الوضوء والغسل، وقال الإمام حجة الإسلام الغزالي: لا يمنع من صحته لمشقة الاحتراز عنه، وما أحسنها من رخصة فإنه قل من سلم من وسخ تحت أظافره خصوصاً أرباب الصنائع والحرف.
سؤال: فإن قيل: أي شيء على أعضاء الوضوء أو الغسل مانع من وصول الماء إلى ذلك العضو لا يضر.
جوابه: الوسخ الذي نشوءه من البدن، فإذا تجمد من عرق الإنسان وسخ، فإنه ليس بمانع من صحة الوضوء ولا الغسل، وإن منع من وصول الماء إلى العضو، لأنه جزء من البدن، أما إذا تجمد الوسخ من الغبار فإنه يضر، لأنه ليس جزءاً منه.
ومنها: معرفة كيفيته.
ومنها: أنه لا يميز بين فرض الوضوء ونفله، فمن اعتقد أن جميع أفعال الوضوء سنة لا يصح وضوءه، كما أنه لو اعتقد أن جميع أفعال الصلاة سنة، فإن صلاته لا تصح، ولو اعتقد بعض أفعال الوضوء ولم يميز بين الفرض والسنة لم يصح أيضاً وضوءه، كما لو اعتقد ذلك في الصلاة فإنها لا تصح، وإن كان بعضها سنة.
وغايته: أنه أدى سنة باعتقاد أنها فرض، فإنه لا يصح، كما قال الغزالي: العامي الذي لا يميز فرائض صلاته من سننها تصح صلاته بشرط: أن لا يقصد النفل بما هو فرض، أما لو اعتقد أن جميع أفعال الوضوء فرض فإنه يصح، وإن كان بعضها سنة كما لو اعتقد ذلك في الصلاة فإنها تصح، وإن كان بعضها سنة، وغايته: أنه أدى سنة باعتقاد أنها فرض وذلك لا يضر.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٤٦)
ومنها: استحباب النية حكماً، فمن نوى قطع الوضوء في أثنائه بطلب نيته بالنسبة إلى بقية الأعضاء فيجب استئنافها، وأما ما مضى فهو صحيح كما تقدم.
ومنها: جريان الماء على العضو المغسول، فلا يكفي إيصال الماء إلى العضو المغسول من غير جريان، فكم من إنسان عند غسل الوجه مثلاً يمسح وجهه بالماء مسحاً من غير أن يسيل عليه الماء، فهذا وضوء باطل، لأن الواجب في الوجه واليدين الغسل لا المسح، ولا يتميز الغسل عن المسح إلا يجريان الماء.
ومنها: استيعاب العضو للمغسول بالغسل، فلا يكفي غسل بعضه قال صلى الله عليه وسلم: «ويل للأعقاب من النار» (1) .
ومنها: أن يغسل مع المغسول جزءاً يتصل به من غيره، فإذا غسل وجهه فلابد أن يغسل شيئاً من الرأس والرقبة ليتقين أنه استوعبه، وإذا غسل يديه فلابد أن يغسل معهما شيئاً من الساقين لما تقرر في علم الأصول أن ما لا يتم الواجب إلا به، وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب.
ومنها: أن لا يقترن بمانع شرعي، فمن وضأته امرأة أجنبية وكانت تلمس أعضاءه فإن وضوءه لا يصح عندنا، وكذلك من توضأ وريحه أو بوله خارج منه لاقترانه بمانع شرعي، نعم لنا شخص توضأ وبوله يسيل منه ووضوءه صحيح، وصورته: فيمن به سلس البون مثلاً إذا تعذر عليه حبسه فإن وضوءه صحيح وصلاته أيضاً وإن قطر بوله على الحصير، ويشترط في صحة وضوء صاحب الضرورة أيضاً دخول الوقت، وأن يحشو فرجه بقنطه وغيرها، وأن يقدم الاستنجاء على الوضوء، وأن يتوضأ لكل فريضة، فمن حدثه دائم كمن به سلس البول لا يصح وضوءه إلا بعد دخول الوقت كالمتيمم، ولا يصح وضوءه إلا بعد حشو فرجه والاستنجاء، وإذا توضأ لكل فرض--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد (3/316، رقم 14432) ، وابن أبي شيبة (1/32، رقم 268) عن جابر.
وأخرجه البخاري (1/33، رقم 60) ، ومسلم (1/214، رقم 241) ، وأبو داود (1/24، رقم 97) ، والنسائي (1/77، رقم 111) ، وابن ماجه (1/155، رقم 455) عن ابن عمرو.
وأخرجه البخاري (1/73، رقم 163) ، ومسلم (1/214، رقم 242) ، والترمذي (1/58، رقم 41) ، وابن ماجه (1/154، رقم 453) ، وعبد الرزاق (1/20، رقم 58) ، وأحمد (2/482، رقم 10253) ، وابن حبان (3/368، رقم 1088) عن أبي هريرة.
وأخرجه مالك (1/19، رقم 35) ، والشافعي (1/175) ، وعبد الرزاق (1/23، رقم 69) ، ومسلم (1/213، رقم 240) وابن ماجه (1/154، رقم 451) عن عائشة.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٤٧)
يجب عليه أن يدخل قطنته في إحليله فإن انقطع وإلا عصب مع ذلك رأس الذكر.
فائدة: من به سلس المني يغتسل لكل فرض.
وأما فضائل الوضوء فكثيرة:
منها: أن المتوضئ يحبه الله كما يحب التائب قال الله تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ? [البقرة: 222] بالماء من الأحداث والنجاسات.
وقال تعالى: ?فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ? [التوبة: 108] .
ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الطهارة نصف الإيمان أو نصف الصلاة، فقد روينا في صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الطهور شطر الإيمان» (1) .
واختلف بالمراد بالإيمان في هذا الحديث:
فقيل: المراد به الصلاة، فإن الإيمان يطلق عليها قال الله تعالى: ?وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ? [البقرة: 143] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس.
وقيل: المراد به معناه الحقيقي وهو المقابل للكفر، وعلى المعنيين فيه دلالة على فضل الوضوء، بل على فضل مطلق الطهارة، أما على الأول فإنها جعلت نصف الصلاة التي هي أفضل العبادات البدنية.
وهنا سؤال وهو: الطهارة بعض شرائط الصلاة، فكيف جعلت نصف الصلاة؟
جوابه: أن الطهارة أقوى شرائط الصلاة فجعلت كأنها الشرط كله، فأطلق عليها الشطر بهذا الاعتبار.
وأما على الثاني فإنها جعلت نصف الإيمان الحقيقي باعتبار أنها طهارة عن الشرك، وأنها طهارة عن الأحداث، فهما طهارتان إحداهما تختص بالباطن، والأخرى بالظاهر، فما أعظمها من فضيلة حيث جعلت نصف الإيمان الذي هو السبب في سعادة الدارين.--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (1/203، رقم 223) ، والترمذي (5/535، رقم 3517) وقال: صحيح. والدارمي (1/174، رقم 653) ، وأحمد (5/342، رقم 22953) ، وأبو عوانة (1/189، رقم600) ، والطبراني في الكبير (3/284، رقم 3423) ، وابن منده (1/374، رقم 211) ، والبيهقي في شعب الإيمان (3/3، رقم 2709) عن أبي مالك الأشعري.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٤٨)
ومنها: أنه مفتاح الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: «مفتاح الصلاة الطهور» (1) .
ومنها: أنه سبب للنظافة التي بُني الدين عليها، قال صلى الله عليه وسلم: «بني الدين على النظافة» (2) .
ومنها: أنه مكفر للذنوب والخطايا ورفع الدرجات، روينا في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط» (3) .
ومعنى «إسباغ الوضوء على المكاره» إتمامه في شدة البرد.
فائدة: ذكر أهل العلم في معنى قوله: «فذلكم الرباط» وجهين:
أحدهما: أنه شبه الذي يتوضأ في شدة البرد، ويكثر الذهاب إلى المسجد، وينتظر الصلاة بعد الصلاة في الأجر بالمرابط في سبيل الله قبالة أعدائه.
والثاني: أنه رباط صاحبه عن إثم الخطيئة، فكأنه عقله عنها بفعله.
وروينا في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده، حتى تخرج من تحت أظفاره» (4) .--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود (1/167 رقم 618) والترمذي (1/8، رقم 3) وقال: هذا الحديث أصح شىء في هذا الباب. وابن ماجه (1/101 رقم 275) ، وأبو يعلى (1/456، رقم 616) ، والدارقطني (1/360) ، والضياء (2/341، رقم 718) وقال: إسناده حسن. والشافعي (1/34) ، وابن أبي شيبة (1/208، رقم 2378) ، وأحمد (1/123، رقم 1006) عن على.
وأخرجه ابن أبي شيبة (1/208، رقم 2380) ، والحاكم (1/223، رقم 457) وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم. والبيهقي (2/85، رقم 2386) . أخرجه أيضاً: الطبراني في الأوسط (3/36، رقم 390) عن أبي سعيد.
(2) أورده الرافعي في التدوين (1/176) عن أبي هريرة.
(3) أخرجه مسلم (1/219، رقم 251) . وأخرجه أيضا: الترمذي (1/72، رقم 51) ، والنسائي (1/94، رقم 139) ، ومالك (1/161، رقم 384) ، وعبد الرزاق (1/520، رقم 1993) ، وأحمد (2/235، رقم 7208) ، وابن حبان (3/313، رقم 1038) ، وابن خزيمة (1/6، رقم 5) عن أبي هريرة.
(4) أخرجه مسلم (1/216، رقم 245) . وأخرجه أيضاً: أحمد (1/66، رقم 476) ، والبزار (2/82، رقم 433) ، وأبو عوانة (1/194، رقم 615) ، والبيهقي في شعب الإيمان (3/12، رقم 2731) عن عثمان.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٤٩)
وروينا أيضاً في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، ومع آخر قطره من الماء، فإذا غسل يديه خرج كل خطيئة بطشها يداه مع الماء ومع آخر قطره من الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء ومع آخر قطره من الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب» ، وأخرجه الترمذي أيضاً وقال: هذا حديث حسن صحيح (1) .
رواه النسائي وزاد فيه: «وإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافله له» (2) .
ومنها: كما قاله في نزهة المجالس: إن العبد إذا غسل وجهه صار في الآخرة كوجه يوسف، وإذا غسل يديه أخذ كتابه بيمينه، كما أخذ موسى الألواح بيمينه، وإذا مسح رأسه يوضع عليه تاج العز، كما وضع على سليمان، وإذا غسل رجليه ركب النجائب، كما ركب محمد صلى الله عليه وسلم البراق.
ومنها: أنه ينجو من عذاب القبر، ويدل على ذلك الحديث الطويل الذي رواه الطبراني في الكبير والحكيم والترمذي في نوادر الأصول والأصبهاني في الترغيب وهو حديث كثير الفوائد وسنذكره في المجالس الآتية فإنه ذكر فيه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت رجلاً من أمتي قد سلط عليه عذاب القبر، فجاءه وضوءه فاستنقذه منه» (3) .
فائدة: إذا أراد العبد العاصي أن يتوب إلى الله تعالى فينبغي له أن يتوضأ قبلها، ويأتي بأركان التوبة، ويصلي ركعتين، فقد نص علماؤنا الشافعية على استحباب ركعتين عند التوبة لخبر رواه الترمذي وحسنه: «ليس عبد يذنب ذنباً فيقوم فيتوضأ--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (1/215، رقم 244) ، والترمذي (1/6، رقم 2) وقال: حسن صحيح. وأخرجه أيضاً: مالك (1/32، رقم 61) ، والدارمي (1/197، رقم 718) ، وابن خزيمة (1/5، رقم 4) ، وأبو عوانة (1/207، رقم 669) ، والبيهقي (1/81، رقم 386) ، وابن حبان (3/315، رقم 1040) عن أبي هريرة.
(2) أخرجه النسائي (1/74، رقم 103) عن عبد الله الصنابحي.
(3) أورده الحكيم (3/231) ، وأخرجه الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (7/180) قال الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما سليمان بن أحمد الواسطي وفي الآخر خالد بن عبد الرحمن المخزومي وكلاهما ضعيف. كلاهما عن عبد الرحمن بن سمرة
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٥٠)
يصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر له» (1) ثم فراغه يتوسل إلى الله في قبول توبته، فقد قيل: إن الله سبحانه وتعالى لما أراد أن يتوب على آدم، أمره جبريل أن يتوضأ ويتوسل إلى الله تعالى.
كما نقل عن ابن عباس أنه قال: «لما أصاب آدم الزلة أهبط على الأرض إلى جبل «سرنديب» وهو يبكي، فلما طال بكاؤه وهبط إليه جبريل فقال: يا آدم كم هذا البكاء ألم تعلم أن الله تعالى جعل الماء طهوراً، والإيمان نوراً؟ فقال: نعم، قال: قم واغسل الأعضاء التي قصدت بها الزلة، وتوجه إليه، وتوكل عليه، فقام آدم وتوضأ وصلي وجعل يقول: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين فتقبل منه وغفر له» .
وقيل: إن آدم في مدة بكائه كان واضعاً وجهه على الأرض لله وهو يبكي حتى نبت العشب حول وجهه من دموعه وغطى رأسه، وكلما ذكر زلته يتأوه ويصيح فيخرج من فمه نفس يُسوِّد العشب، فلما أراد أن يتوب عليه ناداه يا آدم يا صفوتي فلم يجب ربه، فناداه ثانيا فلم يجبه، فناداه ثالثاً فلم يجبه، فارتعدت الملائكة من الخوف وقالوا: أهلكنا فإن آدم لم يجب ربه، فنزل جبريل وقال: يا آدم ألم تسمع نداء ربك؟ قال آدم: نعم أسمع نداءه وهو يقول: يا صفوتي، فكيف أكون صفياً وأنا قد عصيت، وظننت أنه خلق غيري وهو يناديه، فإن كان النداء لي فلبيك اللهم لبيك، فنودي وهو على تلك الحال: يا آدم ما كنت تقول في قلبك قبل ندائي لك وأنا علام الغيوب؟ قال: يارب كنت أقول: ومن يغفر الذنوب إلا الله، وكلما تذكرت ذنبي انكسر قلبي، فقال الله تعالى: يا آدم ألم تعلم أني عند المنكسرين من أجلي إذا لم يقطع عبدي الرجاء.
في صحيح مسلم في حديث مطول عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما منكم رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي (2/257، رقم 406) وقال: حسن. وأخرجه أيضا: أبو داود (2/86، رقم 1521) ، ووالنسائي في الكبرى (6/109، رقم 10247) ، وابن ماجه (1/446، رقم 1395) ، وابن حبان (2/389، رقم 623) ، وأبو يعلى (1/25، رقم 15) ، والبيهقي في شعب الإيمان (5/401، رقم 7077) ، والضياء في الأحاديث المختارة (1/82، رقم 7) وقال: إسناده صحيح. والطيالسي (1/2، رقم 1) ، وابن أبي شيبة (2/159، رقم 7642) ، وأحمد (1/2، رقم 2) ، والحميدي (1/4، رقم 4) عن أبي بكر.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٥١)
غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلى فحمد الله وأثنى عليه ومجده بالذي هو له أهل وفرغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه» (1) .
وقال الغزالي في الإحياء قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا توضأ العبد المسلم فتمضمض خرجت الخطايا من فمه، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه، حتى تخرج من أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفاره، ثم كان مشية إلى المسجد وصلاته نافلة له» (2) .
ويروى: «إن الطاهر كالصائم» (3) .
وقال عمر رضي الله عنه: «إن الوضوء الصالح يطرد عنك الشيطان» (4) .
* * *--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (1/569، رقم 832) . وأخرجه أيضاً: أحمد (4/112، رقم 17060) ، والبيهقي (1/81، رقم 387) ، وأبو عوانة (1/206، رقم 668) ، وابن سعد (4/217) عن عمرو بن عبسة.
(2) أخرجه النسائي (1/74، رقم 103) ، وابن ماجه (1/103، رقم 282) ، ومالك (1/31، رقم 60) ، وأحمد (4/349، رقم 19091) ، والحاكم (1/220، رقم 446) وقال: صحيح. والبيهقي في شعب الإيمان (3/13، رقم 2734) عن عبد الله الصنابحي.
(3) أخرجه الديلمي (2/463، رقم 3981) عن عمرو بن حريث. قال المناوي (4/289) : قال الحافظ العراقي: سنده ضعيف.
(4) انظر: إحياء علوم الدين (1/135 - 136) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٥٢)
المجلس الثامن والثلاثون
في بيان أسباب الحدث
قَالَ البُخَارِي:
بَابُ لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ
هذه الترجمة هي لفظ حديث صحيح رواه مسلم في صحيحه من طريق ابن عمر بزيادة: «ولا صدقة من غلول» (1) والغلول: الخيانة في المغنم.
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» . قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ (2) .--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (1/204، رقم 224) . وأخرجه أيضاً: الطيالسي (ص: 255، رقم 1874) ، وأحمد (2/19، رقم 4700) ، وابن الجارود (1/28، رقم 65) ، وابن خزيمة (1/8، رقم 8) ، وأبو عوانة (1/198، رقم 635) ، والبيهقي (2/255، رقم 3196) .
(2) للحافظ ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث فوائد منها:
قوله: «لا تقبل» المراد بالقبول هنا ما يرادف الصحة وهو الإجزاء، وحقيقة القبول ثمرة وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما في الذمة. ولما كان الإتيان بشروطها مظنة الإجزاء الذي القبول ثمرته عبر عنه بالقبول مجازا، وأما القبول المنفي في مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «من أتى عرافاً لم تقبل له صلاة» فهو الحقيقي، لأنه قد يصح العمل ويتخلف القبول لمانع، ولهذا كان بعض السلف يقول: لأن تقبل لي صلاة واحدة أحب إلى من جميع الدنيا، قاله ابن عمر. قال: لأن الله تعالى قال: ?إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ? [المائدة: 27] .
قوله: «أحدث» : أي وجد منه الحدث، والمراد به الخارج من أحد السبيلين، وإنما فسره أبو هريرة بأخص من ذلك تنبيها بالأخف على الأغلظ، ولأنهما قد يقعان في أثناء الصلاة أكثر من غيرهما، وأما باقي الأحداث المختلف فيها بين العلماء - كمس الذكر ولمس المرأة والقيء ملء الفم والحجامة - فلعل أبا هريرة كان لا يرى النقض بشيء منها. وقيل إن أبا هريرة اقتصر في الجواب على ما ذكر لعلمه أن السائل كان يعلم ما عدا ذلك، وفيه بعد.
واستدل بالحديث على بطلان الصلاة بالحدث سواء كان خروجه اختياريا أم اضطراريا، وعلى أن الوضوء لا يجب لكل صلاة لأن القبول انتفى إلى غاية الوضوء، وما بعدها مخالف لما قبلها فاقتضى ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقاً.
قوله: «يتوضأ» : أي بالماء أو ما يقوم مقامه، وقد روى النسائي بإسناد قوي عن أبي ذر مرفوعاً «الصعيد الطيب وضوء المسلم» فأطلق الشارع على التيمم أنه وضوء لكونه قام مقامه، ولا يخفى أن المراد بقبول صلاة من كان محدثاً فتوضأ أي: مع باقي شروط الصلاة. والله أعلم. انظر فتح الباري (1/235) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٥٣)
هذا الرجل الذي سأل أبا هريرة لا يعرف اسمه، وجاء أنه أعرابي.
قوله: «لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ» القبول يطلق شرعاً ويراد به حصول الثواب، ولا يلزم في بقية نفي الصحة، بل نفي الثواب مع حصول الصحة، بدليل صحة صلاة العبد الآبق وصلاة شارب الخمر إذا لم يسكر ما دام في جسده شيء منها، والصلاة في الدار المغصوبة عند الشافعية، فلا ثواب لواحد منهم.
ويطلق ويراد به وقوع الفعل صحيحاً، وحينئذ يلزم من نفيه نفي الصحة، وهذا المعنى هو المراد هنا بقرينة الإجماع، فمعنى الحديث: لا تصح صلاة من أحدث حتى يتوضأ، وإذا لم يكن صحيحه فلا ثواب لها.
سؤال: فإن قيل: تقبل الصلاة وتصح بالتيمم أيضاً فكيف قال: لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ فقط؟
فالجواب: أن المراد حتى يتوضأ أو ما يقوم مقامه كالتيمم، واقتصر على الوضوء لأنه الأصل، والوضوء يطلق على التيمم بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين» (1) .
فقوله: «حتى يتوضأ» أي: بالماء والتراب.
والحدث ينقسم إلى حدث أصغر وهو ما أوجب الوضوء، وإلى أكبر وهو ما أوجب الغسل كالجنابة ونحوها.
وقال بعض العلماء: الحدث ينقسم إلى حدث أصغر وكبير وأكبر، فالأصغر: ما أوجب الوضوء، والكبير ما أوجب الغسل كالجنابة والجماع، والأكبر ما أوجبه لحيض ونفاس.
والمراد «بالحدث» في الحديث أي: الخارج من أحد السبيلين فيمنع من صحة الصلاة، وله أربعة أسباب.--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي (1/211، رقم 124) وقال: حسن صحيح. والنسائي (1/171، رقم 322) ، وابن حبان (4/140، رقم 1313) ، والدارقطني (1/186) ، والبيهقي (1/212، رقم 962) ، وعبد الرزاق (1/238، رقم 913) ، وأحمد (5/155، رقم 21408) ، والحاكم (1/284، رقم 627) وقال: صحيح. جميعا عن أبي ذر.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٥٤)
فإن قيل: لأي شيء اقتصر أبو هريرة حين سأله الرجل عن الحدث على بعض الأسباب وقال له في الجواب: «فساء أو ضراط» مع أن الحدث يحصل بغيرها كما ستسمعه؟
فالجواب: أن أبا هريرة إنما اقتصر على ذلك لأنه الذي كان يجهله هذا الرجل الأسباب فعلمه ما يجهله منها أو أنه أجابه عما يحتاج إلى معرفته في غالب الأمر، أو أنه عما يقع من الأسباب في الصلاة غالباً، ولم يذكر غيرها كالبول مثلاً لأنه لا يعهد وقوعه فيها، بدليل قوله في الحديث الآخر الآتي: لما سئل عن الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء أي الحركة التي يظن بها أنها حدث، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينفتل ولا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» (1) أي لا يخرج من صلاته حتى يعلم وجود أحدهما يقيناً بالسماع وبالشم.
والانفتال: بمعنى الانصراف.
وقوله: «لا ينفتل» بالرفع على أنه نفي، وبالجزم على أنه نهي.
«أو لا ينصرف» شك من الراوي وهو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني.
السبب الأول (2) : خروج شيء من قبله أو دبره ولا فرق بين أن يكون صوتاً أو ريحاً، ولا فرق بين الرجل والمرأة في ذلك، ولا فرق بين أن يكون الخارج طاهراً كالحصاة أو نجساً، ولا بين أن يكون معتاداً كالبول والغائط، أو نادراً كالدم، ولا فرق في الخارج من قبل المرأة بين أن يكون من مخرج أو من غيره كمدخل الذكر، ولو أخرجت دودة رأسها من فرجها ثم رجعت انتقض الوضوء، ودبر الخنثي المشكل ينتقض الخارج منه كغيره والخارج من قبليه جميعاً، أما الخارج من أحدهما فإنه لا ينتقض.
ومن خلق له ذكران فإن كان يبول منهما انتقض الوضوء بالخارج من أحدهما، وإن كان يبول من أحدهما فالحكم له أي: ينقض الخارج منه فقط، والآخر زائد لا يتعلق به نقض قاله الأسنوي وغيره.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (1/77، رقم 175) ، ومسلم (1/276، رقم 361) ، وأبو داود (1/45 رقم 176) ، والنسائي (1/98 رقم 160) ، وابن ماجه (1/171، رقم 513) ، وأحمد (4/40، رقم 16497) ، وابن خزيمة (1/17، رقم 25) ، والحميدي (1/201، رقم 413) ، وأبو عوانة (1/201، رقم 650) .
(2) أي من أسباب الحدث أو خروج شيء من أحد السبيلين وقد مر أنها أربعة أسباب.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٥٥)
قال القاضي زكريا: الحكم في الحقيقة منوط بالأصالة لا البول، حتى لو كانا أصليين ويبول بأحدهما ويطأ بالآخر نقض كل منهما، أو كان أحدهما أصلياً والآخر زائداً نقض الأصلي فقط وإن كان يبول بهما، إلا إذا كان الزائد على سنن (1) الأصلي فإن الوضوء ينتقض بالبول منه، قال: وإن التبس الأصلي بالزائد فالظاهر أن النقض منوط بهما معاً لا بأحدهما.
ولو خلق للمرأة فرجان فبالت وحاضت بهما انتقض الوضوء بالخارج من كل منهما فإن بالت وحاضت بأحدهما اختص الحكم به، ولو بالت بأحدهما وحاضت بالآخر فالوجه تعلق الحكم بكل منهما.
ويستثني من الخارج «المني» فإنه لا ينقض الوضوء ولكن يوجب الغسل، ويتصور خروجه من غير جماع بما إذ نام وهو قاعد على وضوء ممكن مقعده من الأرض، أو نزل بفكر أو نظر، وإنما لم ينقض لأنه أوجب أعظم الأمرين وهو الغسل بخصوصه أي: بخصوص كونه منياً.
ولنا مني ينقض الوضوء ولا يوجب الغسل، وصورته: فيما إذا استدخلت المرأة منيها أو مني غيرها بعد انفصاله، ثم توضأت ثم خرج منها فإنه ينقض وضوءها ولا يوجب الغسل.
سؤال: فإن قيل: لأي شيء نقض الحيض الوضوء، مع أنه أوجب أعظم الأمرين بخصوصه، فما الفرق بينه وبين المني؟
جوابه: أنهم فرقوا بينهما من وجوه:
الأول: أن الحيض مانع من صحة الوضوء في الاستدامة، فلا يبقى معه في الابتداء بخلاف الجنابة فإنها لا تمنع صحة الوضوء في الاستدامة، ولا يمتنع بقائه في الابتداء.
الثاني: أن المني خارج طاهر ودم الحيض خارج نجس، فلا يصح إيراده نقضاً لعدم المساواة وقيام الفرق.
الثالث: أن الحيض وخروج المني يختلف أحكامها في التغليظ والتخفيف، فلا يلزم من كون الحيض ناقضاً أن يكون المني ناقضاً قياساً عليه، لأن حدث الحيض استغلظ من حدث الجنابة، لأنه يحرم به أشياء لا تحرم بالمني، وقد ذكر علماء الأصول: أن شرط القياس أن لا يختلف المقيس والمقيس عليه في التغليظ والتخفيف، وحيئنذ فلا يرد--------------------------------------------
(1) هاكذا بالأصل ومعناه: على صفته من حيث أنه يؤدي به ما يوديه الأصلي.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٥٦)
السؤال لعدم المساواة بينهما في العلة.
قال العلماء: ولو انسد مخرج الإنسان وانفتح له مخرج بدله تحت معدته أي: تحت سرته، فخرج منه شيء انتقض وضوءه، إذ لابد للإنسان من مخرج فأقيم هذا مقامه، أما إذا انفتح له مخرج تحت المعدة، والأصلي منفتح أو فوقها أي: فوق المعدة، بأن انفتح في السرة فما فوقها، والأصلي من محاذيها يشبه القيء، والقيء لا ينقض، وما انفتح تحت المعدة والأصلي منفتح لا ضرورة إلى جعله مخرجاً مع انفتاح الأصلي، هذا إذا طرأ الانسداد على الأصلي، أما لو خلق الإنسان منسداً ففي أي: موضع انفتح له مخرج ينقض الخارج منه سواء فوق المعدة أو تحتها.
فائدة: حيث جعلنا الأصلي المنفتح كالأصلي في النقض بخروج الخارج منه فلا نجعله مثله في أجزاء الحجر فيه عند الاستنجاء، ولا في نفض الوضوء بمسه، ولا في وجوب الغسل وغيره من أحكام الوطئ بالإيلاج فيه، ولا في حرمة النظر إليه حيث كان فوق العورة، وأما الأصلي فأحكامه باقية إذا طرأ عيله الانسداد، أما إذا كان منسداً أصالة كعضو زائد من الخنثي لا يجب بمسه وضوءه إلا بإيلاجه والإيلاج فيه غسل.
السبب الثاني: زوال العقل وزوال التمييز بجنون أو إغماء أو سكر أو نوم أو غير ذلك، فإذا نام المتوضئ أو جن أو أغمي عليه أو سكر أو نحو ذلك انتقض وضوءه، وإنما انتقض الوضوء بالنوم لقوله صلى الله عليه وسلم: «العينان وكاء السَّة فمن نام فليتوضأ» (1) رواه أبو داود وابن السكن في صحاحه.
كني صلى الله عليه وسلم «بالعينين» عن اليقظة.
«الوكاء» بكسر الواو بالمد الخيط الذي يربط به الشيء، والمراد الحفاظ.
«والسة» : الدبر.
والمعنى: أن اليقظة هي الحافظة لما يخرج، والنائم قد يخرج منه الشيء ولا يشعر، وإذا ثبت النقض بالنوم ثبت بالجنون والاغماء والسكر ونحوها، لأنها أبلغ منه في الذهول الذي هو مظنة لخروج شيء من دبره، لأن النوم يستر العقل، والجنون يزيله، والإغماء يغمره، ولا ينقض النعاس المسمى «بالسنة» ، ولا حديث النفس، ولا أوائل--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود (1/52، رقم 203) . وأخرجه أيضاً: أحمد (1/111، رقم 887) ، وابن ماجه (1/161، رقم 477) ، والدارقطني (1/161) ، والبيهقي (1/118، رقم 575) ، والضياء (2/255، رقم 632) عن علي.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٥٧)
نشوة السكر، لعدم زوال الشعور.
ويحصل الفرق بين النوم والنعاس بسماع كلام الحاضرين، وإن لم يفهمه وبالرؤيا، فإن سمع كلام الحاضرين وإن لم يفهمه فذلك نعاس لا ينقض، وإن رأى رؤيا ذلك نوم ناقض، ولو شك هل نام أو نعس لم ينتقض وضوءه.
وللنوم أربع علامات سنذكرها في محلها إن شاء الله تعالى.
ويستثنى ما إذا نام ممكناً مقعده من مقره فإن وضوءه لا ينتقض ولو كان مستنداً إلى شيء لو أزيل عنه لسقط، وكذا لو نام محتبياً أي: جالساً على إليته رافعاَ ركبتيه محتوياً عليهما بيديه أو غيرهما.
والذي يدل على أن من نام قاعداً ممكناً مقعده من مقرة لا ينتقض وضوءه ما ورد في صحيح مسلم عن أنس: «أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ينامون، ثم يصلون ولا يتوضؤون» (1) .
وهو محمول على أنهم كانوا ينامون ممكنين مقعدهم من مقرهم، جمعاً بينه وبين ما رواه أبو داود والترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا وضوء على من نام قاعداً إنما الوضوء على من نام مضجعاً» (2) فإن من نام مضطجعاً استرخت مفاصله.
سؤال: فإن قيل: يحتمل أن يخرج ممن نام ممكنا مقعده من الأرض من مقره الريح من قبله، فلم قلتم لا ينتقض وضوءه مطلقاً؟
فالجواب: أن خروج الريح من القبل نادر فلم يرتفع به أصل الطهارة، نعم يستحب لمن نام قاعداً ممكناً مقعده أن يتوضأ للخروج من الخلاف قاله في الروضة.
قال العلماء: وإذا نام ممكناً مقعده من الأرض فمال في نومه حتى زالت إحدي إليتيه عن الأرض هل ينتقض وضوءه أم لا؟
فيه تفصيل وهو أن يقال: إن زالت قبل انتباهه انتقض، وإن لم تقع يده على الأرض لمضي لحظه وهو نائم غير ممكن، وإن زالت مع انتباهه أو بعد أو شك هل زالت قبل انتباهه أو بعده فلا ينتقض وضوءه، لأن الأصل بقاء الطهارة، ولو تيقن النوم وشك هل كان ممكن أم لا؟ يجب عليه الوضوء، ولو نام على قفاه ملصقاً مقعده من--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (1/284، رقم 376) .
(2) أخرجه أبو داود (1/52، رقم 202) وقال: منكر. والترمذي (1/111، رقم 77) . وأخرجه أيضاً: الطبراني (12/157، رقم 12748) ، والبيهقي (1/121، رقم 592) عن ابن عباس.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٥٨)