النحل فالتشبيه راجع إلى هيئة الخروج لا إلى الصورة وهيئتها، وهذا نظير قوله تعالى: ?كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ? [القمر: 7] .
الفائدة الثالثة عشر: لا تزال الخصومة بين الناس حتى يختصم الروح والجسد يوم القيامة، فتقول الروح للجسد: أنت فعلت، وأنت كنت، لولاك لم أستطع أعمل شيئاً، ويقول الجسد للروح: أنت أردت، وأنت سولت، ولولاك كنت بمنزلة الجذع الملقى لا أحرك يداً ولا رجلاً، فيبعث الله ملكاً يقضي بينهما فيقول لهما: إن مثلكما كمثل رجل مقعد بصير وآخر ضرير دخلا بستاناً فقال المقعد للضرير: إني أرى هاهنا ثماراً لكن لا أصل إليها، فقال له الضرير: أركبني فتناولهما، فإيهما المعتدي؟ فيقولان: كلاهما فيقول لهما الملك فإنكما قد حكمتها على أنفسكما، يعني: أن الروح للجسد كالمطية وهو راكبه.
مسألة مهمة: وهي هل الروح أفضل من الجسد أو الجسد أفضل منها؟
فالجواب: أن الإمام الرازي صرح في كتابه «لوامع البينات» : أن الروح أفضل منه في الكلام على مسألة الفكر والذكر أيهما أفضل؟
الفائدة الرابعة عشر: في مستقر الأرواح بعد مفارقة أجسادهما.
اعلم أن ابن عبد البر نقل عن جمهور العلماء أن الأرواح تكون عند مفارقة الأجساد على أفنية القبر (1) .--------------------------------------------
(1) أورد ابن القيم كلام ابن عبد البر في كتابه الروح (ص 100) وناقش كلام ابن عبد البر مناقشة بديعة نذكرها إتماماً للفائدة.
قال ابن القيم: وأما قول من قال: الأرواح على أفنية قبورها، فإن أراد أن هذا أمر لازم لها لا تفارق أفنية القبور أبداً فهذا خطأ، ترده نصوص الكتاب والسنة من وجوه كثيرة، وإن أراد أنها تكون على أفنية القبور وقتاً، أو لها إشراف على قبورها وهي في مقرها، فهذا حق ولكن لا يقال: مستقرها أفنية القبور وقد ذهب إلى هذا المذهب جماعة منهم أبو عمر ابن عبد البر قال في كتابه في شرح حديث ابن عمر: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي» وقد استدل به من ذهب إلى ان الأرواح على أفنية القبور وهو أصح ما ذهب إليه في ذلك من طريق الأثر، ألا ترى أن الأحاديث الدالة على ذلك ثابتة متواترة وكذلك أحاديث السلام على القبور.
قلت: يريد الأحاديث المتواترة مثل حديث ابن عمر هذا، ومثل حديث البراء ابن عازب، وفيه: «هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة» ، ومثل حديث أنس: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إانه ليسمع قرع نعالهم» وفيه: «أنه يرى مقعده من الجنة والنار، وأنه يفسح للمؤمن في قبره سبعين ذراعاً، ويضيق على الكافر» ، ومثل حديث جابر: «إن هذه الأمة تبلى في قبورها، فإذا دخل المؤمن قبره وتولى عنه أصحابه، أتاه ملك … الحديث، وأنه يرى مقعده من الجنة فيقول: دعوني أبشر أهلي فيقال له: أسكن فهذا مقعدك أبداً» ، ومثل سائر أحاديث عذاب القبر ونعيمه ومثل أحاديث السلام على أهل القبور وخطابهم ومعرفتهم بزيارة الأحياء لهم.
وهذا القول ترده السنة الصحيحة والآثار التي لا مدافع لها، وكل ما ذكره من الأدلة فهو يتناول الأرواح التي هي في الجنة بالنص وفي الرفيق الأعلى، وعرض مقعد الميت عليه من الجنة والنار لا يدل على أن الروح في القبر ولا على فنائه دائماً من جميع الوجوه، بل لها إشراف واتصال بالقبر وفنائه، وذلك القدر منها يعرض عليه مقعده، فإن الروح شأناً آخر تكون في الرفيق الأعلى في أعلى عليين، ولها اتصال بالبدن بحيث إذا سلم المسلم على الميت رد الله عليه روحه فيرد عليه السلام، وهي في الملأ الأعلى، وإنما يغلط أكثر الناس في هذا الموضع حيث يعتقد أن الروح من جنس ما يعهد من الأجسام التي إذا شغلت مكاناً لم يمكن أن تكون في غيره، وهذا غلط محض، بل الروح تكون فوق السموات في أعلى عليين، وترد إلى القبر فترد السلام وتعلم بالمسلم وهي في مكانها هناك، وروح رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرفيق الأعلى دائماً ويردها الله سبحانه إلى القبر فترد السلام على من سلم عليه، وتسمع كلامه، وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى عليه السلام قائماً يصلى في قبره، ورآه في السماء السادسة والسابعة.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢١٩)
قال شيخ الإسلام ابن حجر وغيره: إن أرواح المؤمنين في عليين، وهو مكان في السماء السابعة تحت العرش وأرواح الكفار في سجين وهو مكان تحت الأرض السابعة، وهو محل إبليس وجنوده.
قال: ولكل روح بجسدها اتصال معنوي لا يشبه الاتصال في الحياة الدنيا، بل أشبه شيء به حال النائم، وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالاً، قال: وبهذا يجمع ما ورد أن مقرها في علين أو سجين وبين ما نقله ابن عبد البر عن الجمهور أنها عند أفنية قبورها.
وقال: بعضهم أرواح المؤمنين كلهم في الجنة، الشهداء وغيرهم إذا لم تحبسهم كبيرة.
وعلى هذا القول يسأل ويقال: ما الفرق بين أرواح الشهداء وغيرهم من المؤمنين في الجنة؟
ويجاب: بأن بينهم فرقاً من وجهين:
الأول: أن أرواح الشهداء بذلوا أجسادهم للقتل في سبيل الله، فعوضوا عنها بهذه الأجساد في البرزخ.
والثاني: أنهم يرزقوا من الجنة وغيره لم يثبت في حقه مثل ذلك.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٢٠)
قال ابن القيم: والصحيح أن الأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت بحسب درجاتهم في السعادة والشقاوة.
فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى وهم الأنبياء، وهم متفاوتون في منازلهم كما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج.
ومنها أرواح في حواصل طير تسرح في الجنة حيث شاءت، وهي أرواح بعض الشهداء لا جميعهم فإن منهم من يحبس عن دخول الجنة لدين أو غيره، ومنهم من يكون على باب الجنة، ومنهم من يكون محبوساً في قبره، ومنهم من يكون محبوساً في الأرض لم تصل روحه إلى الملأ الأعلى (1) .
ومنها أرواح تكون في تنور الزناة، وأرواح في نهر الدم.
قال: فليس للأرواح سعيدها وشقيها مستقر واحد.
قال: وكلها على اختلاف حالها لها اتصال بأجسادها في قبورها ليحصل له من النعيم أو العذاب ماكتب له، فإن الروح إذا كانت في الرفيق الأعلى فهي متصلة بالبدن أي: نورها مشرق على البدن كاتصال شعاع الشمس بالأرض، بحيث إذا سلم المسلم على الميت رد عليه السلام وعرفه بذلك الاتصال، وهي في مكانها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائياً بُلِّغْتُه» (2) .
وأفاد ابن حجر أن الأرواح وإن كانت في عليين فهي مأذون لها في التصرف، ثم تأوي إلى محلها من عليين أو سجين.
قال: وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر فالاتصال المذكور مستمر، وكذلك إذا تفرقت أجزاؤه.
وسنذكر في كتاب الجنائز ما يحبس الروح عن مقامها الكريم، وما يمنع الميت من الكلام مع الموتى.
الفائدة الرابعة عشر: أفاد النسقي في كتابه «بحر الكلام في أصول الدين» : أن الأرواح على أربعة أوجه أرواح الأنبياء وتخرج من جسدها وتصير صورتها مثل المسك الكافور، وتكون في الجنة تأكل وتشرب وتتنعم وتأوي بالليل إلى قناديل معلقة تحت العرش، وأرواح الشهداء تخرج من جسدها وتكون في أجواف طير خضر في الجنة،--------------------------------------------
(1) انظر: الروح لابن القيم (1/115) .
(2) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (2/218، رقم 1583) ، والخطيب (3/292) عن أبي هريرة.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٢١)
تأكل وتتنعم يدل عليه قوله تعالى: ?بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ? [آل عمران: 169، 170] وتأوي بالليل إلى قناديل معلقة تحت العرش.
وهنا سؤال: وهو أن يقال كيف يجعل أرواح الشهداء في حواصل طير خضر إكراماً لها مع أن ذلك حصر لها وتضيق عليها لا إكرام؟
وأجيب عنه بجوابين:
الأول: أن في قوله: «في حواصل طير خضر» بمعنى: على والمعنى: أن أرواحهم في جوف طير خضر كقوله تعالى: ?وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ? [طه: 71] وجائز أن يسمى الطير جوفاً إذ هو محيط به ومشتمل عليه.
الثاني: أنه لا مانع من أن يكون في الأجواف حقيقة، ويوسعها الله لها حتى تكون أوسع من الفضاء.
وأرواح المطيعين من المؤمنين برياض الجنة لا تأكل ولا تتمتع، ولكن تنظر في الجنة، وأرواح العصاة من المؤمنين تكون بين السماء والأرض في الهواء، وأما أرواح الكفار فهي في أجواف طير سود في سجين، وسجين تحت الأرض السابعة، وهي متصلة بأجسادها فتعذب أرواحها ويتألم ذلك الجسد، كالشمس في السماء ونورها في الأرض.
الفائدة الخامسة عشر: قال بعضهم: إن ملك الموت إذا نزل على العبد المؤمن لقبض روحه فلو جذبها بألف سلسلة ما خرجت، فيقول الله تعالى: دعها فإنها لا تخرج إلا بسماع يطيب لها، فيناديها: يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك، فتخرج بحلاوة الخطاب إلى يوم القيامة، يقول لها: ارجعي أي: إلى جسدك فتفرح بالجسد ويفرح بها فتقول: أنا ما قرَّ لي قرار، ويقول الجسد: أنا اكلني الدود والتراب، فيناديهما مناد: وليس بعد هذا الاجتماع فراق.
قيل: إنه يأتي إلى جسد الميت قبل إعادة الروح إليه ملك فيقول: أبشر كلما أندرست عظامك محيت آثامك، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: «الموت كفارة لكل مسلم» (1) .--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو نعيم في الحلية (3/121) ، والبيهقي في شعب الإيمان (7/171، رقم 9886) ، والخطيب (1/347) ، والقضاعي (1/133، رقم 171) ، والديلمي (4/239، رقم 6717) عن أنس.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٢٢)
لطيفة: قال في الروض الفائق: جاء في الأثر: «أن الروح إذا خرج من الجسد ومضى عليه سبعة أيام تقول: يارب ائذن لي حتى انظر إلى جسدي، فيقول: اذهبي فتأتي الروح إلى القبر فتنظر إليه من بعيد فتراه متغيراً، يسيل من منخره ماء، ومن فمه ماء، ومن عينيه ماء، ومن أذنية ماء، فكأنه في وسط الماء، فتقول له: صرت إلى هذا الحال بعد نضارة جسمك، ثم تمضي حتى إذا كان بعد سبعة أيام أخرى، فتقول: يارب ائذن لي أن انظر إلى جسدي ملحة له فيقول: اذهبي فتأتي القبر فتنظر إليه من بعيد فتراه قد تغير وقد صار الماء الذي في فيه صديداً، والذي في عينيه قيحاً، والذي في أنفه دماً، فتقول: هل صرت إلى هذا الحال، ثم يمضي حتى إذا كان بعد سبعة أيام أخرى فتقول يارب ائذن لي حتى انظر إلى جسدي ما حاله؟ فيقول: اذهبي فيأتيه فينظر إليه من بعيد وقد صار الصديد دوداً، وقد سقط حدقتاه على وجهه، والدود يدخل في فمه ويخرج من منخره، فتقول صرت إلى هذا الحال بعد النعيم والدلال.
فانظروا إلى أحوالكم كيف تصيرون بعد الموت، وكيف تطلبون العود، وقد حصل الفوت، وأنتم عما يراد بكم غافلون، وفي بحر الأمل غارقون، أصم في الآذان عن النصائح، عمي في القلوب عن جميع المصالح، تالله ما ينفع المرء في قبره إلا التقى والعمل الصالح، ولله در القائل:
الموت بحر موجه طافح … يجير فيه العائم السابح
يا نفس إني ناصح فاقبلي … مني فإني مشفق صالح
ما ينفع الإنسان في قبره … إلا التقى والعمل الصالح
الفائدة السادسة عشر: قال ابن القيم: للروح خمسة أنواع من التعلق متغايرة، الأول: تتعلق بالبدن وهو في بطن الأم.
الثاني: تتعلق به بعد الولادة.
الثالث: تتعلق به في حال النوم، فلها تعلق به من وجه ومفارقة من وجه.
الرابع: في البرزخ، فإنها وإن كانت فارقته بالموت، فإنها لم تفارقه فراقاً كلياً بحيث لم يبق لها إليه التفات.
الخامس: تعلقها به يوم البعث، وهو أكمل أنواع التعلقات ولا نسبه لما قبله إليه، ولا يقبل البدن معه موتاً ولا فساداً (1) .--------------------------------------------
(1) انظر: الروح لابن القيم (1/43 - 44) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٢٣)
الفائدة السابعة عشر: هل للشخص روح واحدة أم أكثر؟
قال ابن عبد السلام في كل جسد روحان:
أحدهما: روح اليقظة التي أجري الله العادة أنها إذا كانت في الجسد كان الإنسان مستيقظاً، فإذا خرجت من الجسد نام الإنسان ورأت تلك الروح المنامات.
والأخرى: روح الحياة التي أجري الله العادة أنها إذا كانت في الجسد كان حياً فإذا فارقته مات، فإذا رجعت إليه حي، قال: وهاتان الروحان في باطن الإنسان لا يعرف مقرهما، إلا من أطلعه الله على ذلك، فهما كجنينين في بطن امرأة واحدة.
وقال ابن القيم: وقالت طائفة: للمؤمن ثلاثة أرواح، وللمنافق والكفار روح واحدة.
وقال بعضهم: للأنبياء والصديقين خمسة أرواح.
ورد هذا ابن القيم وقال: الروح التي تتوفى وتقبض فهي روح واحدة وهي النفس، وأما ما يؤيد الله به أولياءه من الروح فهي روح أخرى غير هذه الروح كما قال تعالى: ?أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ? [المجادلة: 22] .
وكذلك الروح التي أيدها الله روح المسيح ابن مريم كما قال تعالى: ?إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ القُدُسِ? [المائدة: 110] .
وكذا الروح التي يلقيها على من يشاء من عباده غير الروح التي في البدن.
قال: وأما القوى التي في البدن فإنها تسمى أيضاً أرواحاً فيقال: الروح الباصر، والروح السامع، والروح الشاهد، فهذه الأرواح قوى موزعة في البدن، وتطلق الروح على أخص من هذا كله، وهي قوة المعرفة بالله والإنابة إليه ومحبته، وانبعاث الهمة إلى طلبه وإرادته، ونسبة هذه إلى الروح كنسبة الروح إلى البدن، فإذا فقدتها الروح كانت بمنزلة البدن إذا فقد روحه، وهي الروح التي يؤيدها أهل ولايته وطاعته، ولهذا يقول الناس: فلان فيه روح، وفلان ما فيه روح قصبة فارغة فالعمل روح، وللأجساد روح، وللإخلاص روح، وللمحبة روح، وللتوكل روح، والناس متفاوتون في هذه الأرواح أعظم تفاوت، فمنهم من تغلب هذه الأرواح عليه فيصير روحانياً، ومنهم من يفقدها، أو أكثرها فيصير أرضياً والله المستعان (1) .--------------------------------------------
(1) انظر: الروح لابن القيم (1/219 - 220) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٢٤)
الفائدة الثامنة عشر: هل النفس واحدة أم أكثر؟
وقع كثير من الناس أن لابن آدم ثلاثة أنفس: نفس مطمئنة، ونفس لوامة، ونفس أمارة، وأن من الناس من يغلب عليه واحدة من الثلاث، واستدل القائل بالثلاث بذكر الله لها في كتابة العزيز بقوله تعالى: ?يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ? [الفجر: 28] .
وقوله: ?لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ? [القيامة 1، 2] .
وقوله: ?إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ? [يوسف: 53] .
قال ابن القيم: والتحقيق أنها نفس واحدة، ولكن لها صفات فتسمى باعتبار كل صفة باسم.
فتسمى مطمئنة باعتبار طمأنينتها إلى ربها بعبوديته ومحبته، والإنابة إليه والتوكل عليه، والرضا به والسكون إليه (1) .
ولله در القائل فيها:
إلا يا نفس ويحك ساعديني … بسعي منك في ظلم الليالي
لعلك في القيامة أن تفوزي … بطيب العيش في تلك العوالي
وتسمى لوامة إما لأنها كثيرة التقلب والتلون، تتقلب وتتلون في الساعة الواحدة فضلاً عن اليوم والشهر والعام والعمر ألوانا متلونة أي: تحب وتكره، وتفرح وتحزن، وترضى وتغضب، وتسخط وتطيع، وتعصي وتتقي، وغير ذلك في كل وقت، وإما لأنها توقع الإنسان في الذنب ثم تلومه عليه، وهذا اللوم لا يكون إلا من السعيد، بخلاف الشقي فإنه لا يلوم نفسه عن ذنب، بل يلومها وتلومه في فواته.
وقالت طائفة: إن هذا اللوم يقع من النوعين السعيد والشقي، فالسعيد يلومها على ارتكاب معصية الله وترك طاعته، والشقي لا يلومها إلا على فوات حظها وهواها، وإما لأن كان واحد يلوم نفسه يوم القيامة إن كان مسيئاً يلوم نفسه على إساءته، وإن كان محسناً يلوم على تقصيره.
قال ابن القيم: وهذه الأقوال والأوجه كلها حق، فإن النفس موصوفة بهذا كله، باعتباره سميت لوامة ملومة، ولوامة غير ملومة، أما اللوامة الملومة: فهي النفس الجاهلة الظالمة التي تلوم صاحبها في تقصيره في معصية الله، أما الغير ملومة: فهي التي تلومه في تقصيره في طاعة الله مع بذله جهده، فهذه غير ملومة.--------------------------------------------
(1) انظر: الروح لابن القيم (1/220) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٢٥)
وأشرف الأنفس من لامت نفسها في طاعة الله، واحتملت لوم اللائمين في مرضاته، فلا تأخذها فيه لومة لائم، فهذه تخلصت من لوم الله لها (1) .
والنفس اللوامه بهذا الاعتبار محمودة ولهذا أقسم الله بها في قوله ?وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ? [القيامة: 2] .
وتسمى أمارة باعتبار أنها تأمر بكل شيء، فلا يلوح لها طمع إلا تعرضت له، ولا يبدو لها شهوة إلا اتبعتها، فهي مذمومة، فما تخلص أحد من شرها إلا من رحمه الله ووفقه وثبته.
قال تعالى في حقها حاكيا عن امرأة العزيز: ?وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَاّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ? [يوسف: 53] فما يسلم من شرها إلا من رحمه الله ووفقه وثبته وأعانه.
كما قال تعالى: ?وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً? [النور: 21] .
فنسأل الله العظيم أن يعيذنا من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه خطبة الحاجة وهي: «الحمد لله نستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له» (2) .
قال الإمام حجة الإسلام الغزالي: أما النفس فحسبك ما تشاهد من حالاتها، ورداءة إرادتها، وسوء اختيارها، ففي حال الشهوة بهيمة، وفي حال الغضب سبع، وفي حال المصيبة تراها طفلاً، وفي حال النعمة تراها فرعوناً، وفي حال الجوع تراها مجنوناً، وفي حال الشبع تراها مختلاً، إن أشبعتها بطرت ومرحت، وإن جوعتها صاحت--------------------------------------------
(1) انظر: الروح لابن القيم (1/226) .
(2) أخرجه أبو داود (2/238، رقم 2118) ، والترمذي (3/413، رقم 1105) وقال: حسن. والنسائي (3/104، رقم 1404) ، وابن ماجه (1/609، رقم 1892) ، وأحمد (1/392، رقم 3720) ، والحاكم (2/199، رقم 2744) ، والبيهقي (3/214 رقم 5594) ، والطيالسي (1/45، رقم 338) ، وعبد الرزاق (6/187، رقم 10449) ، وابن أبي شيبة (4/34، رقم 17508) ، والدارمي (2/191، رقم 2202) ، وابن الجارود (1/170 رقم 679) ، وأبو يعلى (9/168، رقم 5257) ، والطبراني في الكبير (10/98، رقم 10080) ، وفي الأوسط (3/42، رقم 2414) عن ابن مسعود.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٢٦)
وجزعت.
كما قال فيها بعضهم:
كحمار السوء إن أقضمته … رمح الناس وإن جاع نهق
ولقد صدق بعض الصالحين حيث قال: إن هذه النفس الخبيثة إذا همت بمعصيته أو انبعثت بشهوة، لو تشفعت إليها بالله سبحانه وتعالى، ثم برسوله صلى الله عليه وسلم وبجميع أنبيائه عليهم السلام، وبكتابة، وبجميع السلف الصالح من عباده، ويعرض عليها الموت والقبر والقيامة والجنة والنار، لا تعطي القياد ولا تترك الشهوة، نعم إذا استقبلتها بمنع رغيف تسكن وتترك شهوتها، وتعلم حسنتها وجهلها، فإياك أيها الرجل تغفل عنها، فإنها كما قال خالقها العالم بها جل جلاله الأمارة بالسوء، فكفى بقوله لمن غفل، ولقد صدق القائل:
توق نفسك لا تأمن غوائلها … فالنفس أخبث من سبعين شيطاناً
فتنبه رحمك الله لهذه الخداعة الأمارة بالسوء، ووطِّن على مخالفتها بكل حال تصب وتسلم إن شاء الله تعالى، فإنه لا يقدر أحد على قهرها إلا بمخالفتها.
لطيفة: عن إبراهيم الخواص (1) رضي الله عنه قال: لقيت غلاماً في التيه كأنه سبيكة فضة قلت: إلى أين يا غلام؟ قال: إلى مكة، قلت: بلا زاد ولا راحلة؟ فقال: يا ضعيف اليقين، الذي يقدر على حفظ السماوات والأرض يقدر أن يوصلني إلى مكة بلا زاد ولا راحلة، فلما دخلت مكة فإذا هو بالطواف يقول: يا نفس سبحي أبداً، ولا تحبي أحداً، إلا الخليل الصمدا، يا نفس موتى كمداً، فلما رآني قال: يا شيخ أنت بعد على ذلك الضعف من اليقين.
ولقد أحسن من قال:
يا نفس كم بخفي اللطف عاملني … وقد رآني على ما ليس يرضاه
يا نفس كم ذلة ذلت بها قدمي … وما أقال عثاري ثم إلا هو
يا نفس توبي إلى مولاك واجتهدي … عسى تنالي رضاه عند لقياه
إخواني: إذا كان صفاء المواعظ لا يؤثر في قلوبكم الكدرة، ومعاول التخويف لا تقطع في نفوسكم المتجبرة، فهذا كلام ربكم يتلى عليكم في آياية المطهرة ?فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراًّ يَرَهُ? [الزلزلة 7، 8] ويا غافلاً عما نهاه وأمره، يا مضيعاً في البطالة عمره، إلى متى تلهو وذنوبك مكتوبة--------------------------------------------
(1) إبراهيم الخواص هو: إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل، أبو إسحاق الخواص، صوفي، وكان أوحد المشايخ في وقته، وهو من أقران الجنيد، مات في جامع الري سنة: 291 هـ، قال الخطيب البغدادي: له كتب مصنفة والخواص: بائع الخوص.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٢٧)
متسطرة، كيف حياتك في سفرك وطريقك خطرة، وشاهدت ميزانك الذي يرجح بالذره الحقرة ?فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراًّ يَرَهُ? ويا غافلاً فالموت يقفو أثره، كيف بك إذا شاهدت السماء منفطرة، وحافظاك قد أحصيا عليك ما عملت من خير وشر وحصره، وقد تركت عليك الحجة وتعذرت المعذرة، فهنا يجد كل إنسان من الإحسان والعصيان ما أحضره ?فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراًّ يَرَهُ?.
ولقد أحسن في وعظ النفس من قال:
يا نفس توبي عن فعال منكرة … واسعي إلى دار البقاء مستبشرة
يا نفس فاز القوم من رب العلا … بالعفو عن زلاتهم والمغفرة
يا نفس قد قطعوا النهار لربهم … بصيامهم وقيامهم ما أكثره
يا نفس ويحك للمتاب فبادري … من قبل تأتيك الذنوب مسطرة
يا نفس إن القوم زادوا خيفة … من مكروه وقلوبهم متذكرة
يا نفس جدي في التقى وتزودي … عجلاً وكوني للقاء مستشعرة
يا نفس كم قوم على الدنيا احتووا … ظلماً ومالهم إذاً من آخرة
يا نفس كم أمم تفانوا في البلى … وعظامهم ضحت عظاماً ناخرة
يا نفس توبي اليوم من قبل الردى … فعسى تكوني في غد مستبشرة
يا نفس آه من ذنوب كلها … يوم القيامة في الكتاب محررة
يا نفس ما ينجيك في يوم اللقاء … من عظم أهوال الحساب المحضرة
إلا شفاعة أحمد الهادي الذي … يرجى لديه العفو عند المقدرة
فهو النبي الهاشمي المصطفى … والمحبتى من خلقه إذ طهره
يا نفس جدي في المسير لقبره … واسعي إلى أبوابه مستصغرة
وتمتعي بجماله ووصاله … كيلا تكوني في الوري منحسرة
وإذا وصلت إلى رباه فعظمي … تلك المواقف ادخلي متوقرة
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٢٨)
فعسى تنالي الفوز من رب العلا … وتعود زلات الذنوب مكفرة
وتشاهدي ذاك الضريح وقد … أنواره للكائنات منورة
هو صفوة الرحمن من كل الورى … وبأحسن التكوين حقاً صوره
صلى عليه الله ربي دائماً … ما أشرقت شمس ولاحت مسفرة
* * *
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٢٩)
المجلس السابع والثلاثون
في بيان فضائل الوضوء وأركانه وشرائطه
وفي بيان فوائد كثيرة متعلقة بذلك
وأحببت أن أفتحه بخطبة ذكرها الغزالي في أول كتاب أسرار الطهارات من كتابه أحياء علوم الدين وهي:
الحمد لله الذي تلطف بعباده فتعبدهم بالنظافة، وأفاض على قلوبهم تزكية لسرائرهم أنواره وإلطافه، وأعد لظواهرهم تطهيراً لها الماء المخصوص بالرقة واللطافة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المستغرق بنور الهدي أطراف العالم وأكنافه، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين صلاة تحمينا بركاتها يوم المخافة، وتنتصب جنة بيننا وبين كل آفة (1) .
قَالَ البُخَارِي:
كِتَابُ الوُضُوءِ
قال البلقيني: وإنما ذكر البخاري كتاب الوضوء بعد كتاب العلم وقبل كتاب الصلاة، لأن بعد العلم يكون العمل، وأفضل الأعمال البدنية الصلاة، ولا يتوصل إليها إلا بالطهارة.
«الوضوء» بضم الواو اسم للفعل أعني: غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، وبفتحها اسم للماء الذي يتوضأ به هذا هو المشهور فيهما، ومثله «الطهور والطهور» سمي هذا الفعل «وضوء» لحصول النظافة والنضارة به، فإنه مشتق من الوضاءة بالمد، وهو النظافة والنضارة، فإذا غسل المتوضئ هذه الأعضاء صار وضيئاً أي: نظيفا ذا ضياء وحسن.--------------------------------------------
(1) انظر: إحياء علوم الدين (1/125) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٣٠)
باب مَا جَاءَ فِي قَولِ اللهِ عز وجل
? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ ? [المائدة: 6] (1)
استدل البخاري بهذه الآية على وجوب الوضوء.--------------------------------------------
(1) للحافظ ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث فوائد منها:
الوضوء بالضم هو الفعل، وبالفتح الماء الذي يتوضأ به على المشهور فيهما، وحكي في كل منهما الأمران. وهو مشتق من الوضاءة، وسمي بذلك لأن المصلى يتنظف به فيصير وضيئا.
وأشار بقوله: «ما جاء» : إلى اختلاف السلف في معنى الآية فقال الأكثرون: التقدير إذا قمتم إلى الصلاة محدثين. وقال آخرون: بل الأمر على عمومه من غير تقدير حذف، إلا أنه في حق المحدث على الإيجاب، وفي حق غيره على الندب. وقال بعضهم: كان على الإيجاب ثم نسخ فصار مندوباً. ويدل لهذا ما رواه أحمد وأبو داود أن أسماء بنت زيد بن الخطاب حدثت أباه عبد الله بن عمر عن عبد الله بن حنظلة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر، فلما شق عليه وضع عنه الوضوء إلا من حدث. ولمسلم من حديث بريدة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله. فقال: عمدا فعلته» أي لبيان الجواز.
واختلف العلماء أيضا في موجب الوضوء فقيل: يجب بالحدث وجوبا موسعا، وقيل به وبالقيام إلى الصلاة معا ورجحه جماعة من الشافعية، وقيل بالقيام إلى الصلاة حسب، ويدل له ما رواه أصحاب السنن من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة» واستنبط بعض العلماء من قوله تعإلى: ?إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ? [المائدة: 6] إيجاب النية في الوضوء لأن التقدير إذا أردتم القيام إلى الصلاة فتوضؤوا لأجلها، ومثله قولهم: إذا رأيت الأمير فقم، أي لأجله. وتمسك بهذه الآية من قال: إن الوضوء أول ما فرض بالمدينة، فأما ما قبل ذلك فنقل ابن عبد البر اتفاق أهل السير على أن غسل الجنابة إنما فرض على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة كما فرضت الصلاة، وأنه لم يصل قط إلا بوضوء. قال: وهذا مما لا يجهله عالم. وقال الحاكم في المستدرك: وأهل السنة بهم حاجة إلى دليل الرد على من زعم أن الوضوء لم يكن قبل نزول آية المائدة. ثم ساق حديث ابن عباس: «دخلت فاطمة على النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي قالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك. فقال: ائتوني بوضوء. فتوضأ … الحديث» . قلت: وهذا يصلح رداً على من أنكر وجود الوضوء قبل الهجرة، لا على من أنكر وجوبه حينئذ. وقد جزم ابن الجهم المالكي بأنه كان قبل الهجرة مندوبا وجزم ابن حزم بأنه لم يشرع إلا بالمدينة، ورد عليهما بما أخرجه ابن لهيعة في المغازي التي يرويها عن أبي الأسود يتيم عروة عنه أن جبريل علم النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء عند نزوله عليه بالوحي، وهو مرسل، ووصله أحمد من طريق ابن لهيعة أيضا لكن قال: عن الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد عن أبيه.
وأخرجه ابن ماجه من رواية رشدين بن سعد عن عقيل عن الزهري نحوه، لكن لم يذكر زيد بن حارثة في السند.
وأخرجه الطبراني في الأوسط من طريق الليث عن عقيل موصولا، ولو ثبت لكان على شرط الصحيح، لكن المعروف رواية ابن لهيعة. انظر فتح الباري (1/232 - 233) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٣١)
سؤال: فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي أن الوضوء يجب لكل صلاة، سواء كان الإنسان محدثاً أو متوضأ، مع إنه لا يجب عليه إذا كان متوضأ وأراد الصلاة أن يتوضأ؟
فالجواب عنه من وجوه:
الأول: أنه لابد من تقدير في الآية، وهو أن يقال: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين كذا قال الجمهور.
الثاني: لا حاجة إلى التقدير فإن الوضوء كان في أول الإسلام يجب لكل صلاة فرض عملاً بظاهر الآية، ثم نسخ هذا الحكم يوم فتح مكة، حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك اليوم الصلوات الخمس بوضوء واحد، فوجوب الوضوء لكل فرض المستفاد من الآية كان في أول الإسلام ثم نسخ، لكن ضعف هذا النووي في شرح مسلم.
الثالث: أن الأمر بوجوب الوضوء لكل صلاة محمول في حق المتوضئ على الندب، وفي حق المحدث على الوجوب، وإن تجديده لكل صلاة مندوب إليه، فالحاصل: أنه يجوز للإنسان أن يصلي الصلوات الخمس وما شاء من الفوائت والنوافل بوضوء واحد، ودليله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات الخمس بوضوء واحد فقال عمر: إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله قال: «ياعمر فعلته عمداً» أي: لبيان الجواز رواه مسلم (1) .
لكن الأفضل والمستحب أن يتوضأ لكل صلاة وإن كان على طهارة.
فقد روى أحمد بإسناد صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء» (2) .
وروي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات» (3) .--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (1/232، رقم 277) . وأخرجه أيضا: أبو داود (1/44، رقم 172) ، والترمذي (1/89، رقم 61) وقال: حسن صحيح. والنسائي (1/86، رقم 133) ، والدارمي (1/176، رقم 659) ، وابن خزيمة (1/9، رقم 12) ، وابن الجارود (1/13، رقم 1) ، وعبد الرزاق (1/54، رقم 158) ، وأحمد (5/351، رقم 23023) ، وابن حبان (4/607، رقم 1708) عن بريدة.
(2) أخرجه أحمد (2/258، رقم 7504) ، قال الهيثمي (1/221) : فيه محمد بن عمر بن علقمة، وهو ثقة حسن الحديث. والنسائي في الكبرى (2/197، رقم 3039) عن أبي هريرة.
(3) أخرجه الترمذي (1/87، رقم 59) وقال: هذا إسناد ضعيف. وأخرجه أيضا: أبو داود (1/16، رقم 62) ، وابن ماجه (1/170، رقم 512) ، والطحاوي (1/42) ، وابن أبي شيبة (1/16، رقم 53) ، وعبد بن حميد (ص 271، رقم /859) عن عمر.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٣٢)
وقال: «الوضوء على الوضوء نور على نور» قاله الغزالي قال العراقي في تخريج الأحياء ولم أجد له أصلاً (1) .
قال العلماء: وإنما يستحب تجديد الوضوء بالأول صلاة ما فرضاً كانت أو نفلاً، وإلا فلا يستحب.
سؤال: فإن قيل: إن هذه الآية مدنية بإجماع العلماء، والوضوء فرضه الله تعالى بمكة مع فرض الصلاة؟
قال ابن عبد البر: معلوم عند جميع أهل المغازي أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل منذ فرضت عليه الصلاة إلا بوضوء، ولا يدفع ذلك إلا جاهل أو معاند، فكيف استدل البخاري وغيره من العلماء على وجوب الوضوء بهذه الآية وهي مدنية؟
فالجواب: أن هذه الآية من الآيات التي تأخر نزولها عن حكمها.
قال شيخنا العلامة جلال الدين السيوطي رحمه الله: من القرآن ما تأخر حكمه عن نزوله، ومنه ما تأخر نزوله عن حكمه.
يعني: أن النزول قد يكون سابقاً على الحكم كقوله: ?قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى? [الأعلى: 14، 15] فإنها نزلت في زكاة الفطر، وكان نزولها بمكة وزكاة الفطر فرضها الله تعالى في المدينة في السنة الثانية من الهجرة، لأنه لم يكن بمكة عيد ولا زكاة ولا صوم، فقد تأخر الحكم فيها عن النزول، وإن الحكم قد يكون سابقاً على النزول، ومثل له بآية الوضوء قال: والحكمة في نزول آية الوضوء بالمدينة بعد تقدمة العمل به وفرضه بمكة، ليكون فرضه متلواً في التنزيل.
فائدة: اختلف العلماء في الوضوء متى يجب؟
فقيل: يجب بالحدث وجوباً موسعاً.
وقيل: يجب بإرادة القيام إلى الصلاة، والأصح أنه يجب بهما أي: بالحدث وإرادة القيام إلى الصلاة، فعلى هذا لا يجب قبل دخول الوقت لكن يستحب، بل هو أفضل--------------------------------------------
(1) انظر: إحياء علوم الدين (1/135) ، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (1/98) : لا يحضرني له أصل من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ولعله من كلام بعض السلف، والله أعلم. وقال ابن حجر في فتح الباري (1/234) : حديث ضعيف. وقال العجلوني في كشف الخفاء (2/447) : ذكره في الإحياء وقال مخرجه العراقي لم أجد له أصلا، وسبقه لذلك المنذري، وقال الحافظ ابن حجر: حديث ضعيف، ورواه رزين في مسنده.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٣٣)
من فعله بعد دخول الوقت، وإن كان فعله بعد دخول الوقت واجباً فهذه سنة أفضل من فرض، وهي أحد المسائل الثلاث التي السنة فيها أفضل من الفرض.
الثانية: ابتداء السلام فإن رده فرض، والابتداء أفضل من الرد.
الثالثة: إبراء المعسر من كل الدين أو بعضه فإنه سنة، وهو أفضل من الصبر عليه إلى ميسرة وهو فرض، وقد ورد في فضل من انظر معسراً وإبراءه من الدين كله أو بعضه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أنظر معسراً ووضع له أظلم الله يوم القيامة تحت ظل عرشه، يوم لا ظل لا ظله» رواه الترمذي (1) .
وفي ذلك أيضاً نفع لمن عليه الدين وتنفيس كربه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من أقر عين مؤمن أقر الله عينه يوم القيامة» (2) .
وقال: «الخلق كلهم عيالاً لله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله» (3) .
وقال: «من أغاث ملهوفاً كتب الله له ثلاثاً وسبعين حسنة، واحدة يصلح بها آخرته ودنياه، والباقي في الدرجات» (4) .
وقد نظمها شيخنا العلامة السيوطي فقال:
الفرض أفضل من تطوع عابد … حتى ولو قد جاء منه بأكثر
إلا الله التطهر قبل وقت وابتداء … للسلام كذاك إبراء المعتسر
لطيفة في المعنى: قال في نزهة المجالس: إذا كان يوم القيامة أمر بطبقات المصلين إلى الجنة.
فتأتي أول زمرة وجوهم كالشمس فتقول الملائكة: من أنتم؟ قالوا: نحن المحافظون على الصلاة، قالوا: كيف محافظتكم على الصلاة؟ قالوا: كنا نتوضأ قبل الوقت.
ثم تأتي زمرة أخرى وجوههم كالبدر فتقول الملائكة: من أنتم؟ قالوا: نحن--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي (3/599، رقم 1306) وقال: حسن صحيح غريب. وأخرجه أيضا: أحمد (2/359، رقم 8696) عن أبي هريرة.
(2) أخرجه ابن المبارك (1/239، رقم 685) عن عبيد الله بن زحر عن بعض أصحابه مرسلاً.
(3) أخرجه أبو يعلى (6/65، رقم 3315) ، قال الهيثمي (8/191) : رواه أبو يعلى والبزار، وفيه يوسف بن عطية الصفار، وهو متروك. والبيهقي شعب الإيمان (6/43، رقم 7445) عن أنس.
(4) أخرجه أبو يعلى (7/255، رقم 4266) ، قال الهيثمي (8/191) : رواه أبو يعلى والبزار وفي إسنادهما زياد بن أبي حسان وهو متروك. والبيهقي في شعب الإيمان (6/120، رقم 7670) عن أنس.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٣٤)
المحافظون على الصلاة، قالوا: كيف كانت محافظتكم على الصلاة؟ قالوا: كنا نتوضأ قبل الوقت.
ثم تأتي زمرة أخرى وجوههم كالكوب فتقول الملائكة: من أنتم؟ قالوا: نحن المحافظون على الصلوات، قالوا: كيف كانت محافظتكم على الصلاة؟ قالوا: كنا نتوضأ بعد الأذان.
فقد تبين لك من هذا أن الوضوء قبل الوقت أفضل، إذ الزمرة التي كانت تتوضأ قبل الوقت جاءت وجوهها كالقمر ليلة البدر، والتي كانت تتوضأ بعد الوقت جاءت وجوهها كالكوكب، ولا شك في تفضيل القمر على سائر الكواكب، فالذي جاء على صورته كذلك، وأفضل من الزمرتين المذكورتين الزمرة الأولى، وهى التي جاءت وجوههم على صورة الشمس، فإن هذه الزمرة كانت تتوضأ قبل الوقت وتذهب إلى المسجد وتنتظر الأذان، فلهذا سبقت الزمر كلها، وجاءت على صورة الكوكب الأعظم وهو الشمس.
لكن لنا وضوء لا يصح إلا بعد دخول الوقت وهو: وضوء صاحب الضرورة كما سنذكره.
واعلم أن الوضوء له فرائض وشرائط وفضائل وسنن وآداب:
أما فرائضه: فقد اختلف أرباب المذاهب:
فعند أبي حنيفة فرائض الوضوء أربعة: غسل الوجه، وغسل اليدين مع المرفقين، ومسح بعض ربع الرأس، وغسل الرجلين مع الكعبين.
وعند إمامنا الشافعي إمام الأئمة -قدس الله سره ونور ضريحه- فرائض الوضوء ستة:
الفرض الأول: النية في الوضوء لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» (1) .
وعند أبي حنيفة لا تجب النية في الوضوء ولا في الغسل، ويصحان عنده بدونها،--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (1/3، رقم 1) ، ومسلم (3/1515، رقم 1907) ، والترمذي (4/179، رقم 1647) ، وأبو داود (2/262، رقم 2201) ، والنسائي (6/158، رقم 3437) ، وابن ماجه (2/1413، رقم 4227) ، والحميدي (1/16، رقم 28) ، وأحمد (1/25، رقم 168) ، والبيهقي (1/41، رقم 181) ، وابن خزيمة (1/73، رقم 142) ، والدارقطني (1/50) ، وأبو عوانة (4/487، رقم 7438) ، والبزار (1/380، رقم 257) ، وهناد (2/440، رقم 871) عن عمر بن الخطاب.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٣٥)
ويحتاج إلى الجواب عن الحديث.
نعم عند علمائنا الشافعية وضوء وغسل لا يحتاج كل منهما إلى النية وهو وضوء الميت وغسله فإنهما يصحان بلا نية من الغاسل.
بل لنا وضوء آخر مستقل، وغسل آخر مستقل غير وضوء الميت وغسله فيهما النية، بل يصح الوضوء وحده بدونهما، وكذا الغسل وصورته في الوضوء، والغسل من ماء السيل فإن العلماء قالوا: يستحب إذا سال الماء في الوادي أن يغتسل منه وأن يتوضأ، فإن لم يجمعهما وأراد الاقتصار على أحدهما فالاقتصار على الغسل أفضل وبعده الوضوء.
قال الأسنوي: وهل هما عبادتان يشترط فيهما النية أو لا؟ المتجه الثاني أي عدم اشتراط النية فيهما فهذا وضوء لا يجب فيه النية وغسل كذلك، وقد نظمت هذا السؤال فقلت:
يا عالما قد حاز كل الفضل … بين لنا ما صورة في الغسل
خالية عن نية معتبرة … في غير غسل ميت مصورة
وفي وضوء مستقل مثله … فأنت بمن شاع فينا فضله
أبقاك ربي دائماً مفيدا … مؤيداً على العدا فريدا
ومحل النية: القلب، ويكفي الاقتصار عليه ولو نوى بلسانه وقلبه غافل لا يكفيه ذلك، نعم الأكمل أن ينوي بقلبه ويتلفظ بلسانه، والنية في الوضوء لها ثلاث كيفيات:
الكيفية الأولى: أن يقول المتوضئ: نويت رفع الحدث.
قال فقهاؤنا: ولو كان على الإنسان أحداث كأن بال ولمس ونام ونوى رفع أحديهما بأن قال: نويت رفع حدث النوم مثلاً كفته هذه النية وارتفع حدثه، قال: وإن نوى غير ما عليه كأن نوى رفع حدث النوم مع أنه لم ينم وإنما بال فهل يصح وضوءه بهذه النية وهل يرتفع حدثه؟ فيه تفصيل وهو أن يقال: إن فعل ذلك عمداً لم يصح وضوءه، وإن فعله غلطاً صح.
الكيفية الثانية: أن ينوي استباحة شيء مفتقراً إلى طهر، والشيء المفتقر إلى الطهر الصلاة واستباحة الطواف أو استباحة مس المصحف أو نحو ذلك صح وضوءه.
سؤال: فإن قيل: إذا نوى استباحة شيء مفتقراً إلى طهر، ولكن يتعذر فعله بذلك الوضوء في ذلك الوقت، كمن نوى استباحة الطواف وهو «بحلب» مثلاً، أو استباحة صلاة العيد وهو في «رجب أو شعبان» مثلاً فهل يصح وضوءه أم لا؟
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٣٦)
فالجواب: أنه يصح وضوءه بهذه النية، ويصلي بها جميع الصلوات لأنه نوى ما لا يستباح إلا بالوضوء، وإذا قال: نويت استباحة قراءة القرآن، ودخول المسجد لم يصح وضوءه بهذه النية، فإن قرأته للقران من غير مس المصحف تباح بدون وضوء، وكذلك دخول المسجد يباح بدون الوضوء، نعم يستحب الوضوء لقراءة القرآن ولداخل المسجد، وسنذكر في المجالس الآتية أن الوضوء يستحب في أكثر من أربعين صورة.
الكيفية الثالثة: أن يقول: إني نويت أداء فرض الوضوء، ويكفي أن يقول: «إني نويت أداء الوضوء» بإسقاط لفظه «الفرض» ، ويكفي أن يقول: «نويت فرض الوضوء» بإسقاط لفظه «أداء» ، بل يكفي أن يقول: «نويت الوضوء» .
سؤال: فإن قيل: كيف يصح الوضوء بقول الإنسان: «نويت فرض الوضوء» إذا توضأ قبل دخول الوقت، مع أن وقت الوضوء قبل دخول الوقت سنة وليس بفرض؟
وسؤال آخر وهو: أن يقال: كيف يصح وضوء الصبي بقوله: «نويت فرض الوضوء» والوضوء في حقه ليس بفرض؟
فالجواب عن السؤالين: أنه ليس المراد بالفرض هنا: لزوم الإتيان به، وإلا لامتنع وضوء الصبي بهذه النية بل المراد كونه شرط للصلاة، وشرط الشيء يسمى فرضاً.
هذه الكيفيات الثلاث هي المشهورة، ولنا كيفية أخرى يصح الوضوء بها وهي أن يقول: «نويت الطهارة عن الحدث» ، أو «نويت الطهارة للصلاة» .
فإن قال: «نويت الطهارة» ولم يزد على ذلك، قيل: لا يصح وضوءه لأن الطهارة تكون عن خبث وعن حدث فلا يحصل التميز بقوله: «نويت الطهارة» إلا إذا قال عن الحدث أو للصلاة، ورجحه صاحب الروض.
وقيل: يصح وهو ظاهر كلام الرافعي وقواه النووي في المجموع.
وهذه الكيفيات يتخير فيها السليم وهو من سلم من سلس البول ونحوه، وأما الضرورة كمن حدثه دائم أي: كمن به سلس البول والمستحاضة فلا يكفيه أن يقول: «نويت رفع الحدث» لأن حدثه لا يرتفع بل يكفيه أن يقول: «نويت استباحة الصلاة» مثلاً، أو يقول: «نويت أداء الوضوء» كما صرح في الحاوي الصغير، وحكمه حكم المتيمم، فإذا نوى استباحة الفرض استباحه واستباح النفل، وإن نوى استباحة النفل استباح النفل فقط ولا يصلي به الفرض.
فائدة: يصح الوضوء والصلاة وغيرهما من العبادات بالنية من غير إضافة إلى الله تعالى، فإن العبادة لله تعالى وإن لم يضفها إليه.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٣٧)
قال العلماء: ويجب أن تكون النية عند أول مغسول من الوجه لتقترن بأول الفرض كنية الصلاة، وإذا نوى عند غسل الوجه ولم ينو قبل ذلك لم يحصل له ثواب السنن السابقة على الصحيح، فينبغي أن ينوي في ابتداء الوضوء عند غسل كفية ليثاب على السنن السابقة فيقول: «نويت الطهارة للصلاة» فإذا وصل إلى غسل الوجه ينوي رفع الحدث، أو أداء فروض الوضوء، واستباحة الصلاة كما تقدم.
ولو نوى عند المضمضة مثلاً رفع الحدث، فإن استصحب هذه النية إلى غسل الوجه جاز بل هو الأفضل ليثاب، على السنن السابقة، وإن كانت قبل غسل الوجه فلا تكفيه هذه النية، بل لابد من إعادتها عند غسل الوجه، ولا يجب على المتوضئ أن ينوي عند كل عضو، بل تكفي هذه النية عند غسل الوجه عن الكل، نعم لو فرقها على أعضائه جاز، بأن ينوي عند كل عضو رفع الحدث عنه بأن يقول عند غسل الوجه: نويت رفع حدث الوجه، وعند اليدين: نويت رفع حدث اليدين، وهكذا.
الفرض الثاني: غسل الوجه، سمي «وجهاً» لحصول المواجهة به، وله طول وعرض، فحده طولاً من منابت شعر رأسه غالباً إلى منتهي لحييه، وحده عرضاً من الأذن إلى الأذن، وإذا أنبت على جبهته شعر يسمى «الغمم» يجب غسله مع الوجه، كما يجب غسل الحاجب معه، وسمي «حاجباً» لأنه يحجب عن العين شعاع الشمس، ويجب مع غسل الوجه غسل «الهدب» بالدال المهملة وهو: الشعر النابت على جفن العين، وغسل «الشارب» وهو الشعر النابت على الشفة العليا، وسمي شارباً: لملاقاته فم الإنسان عند الشرب، وغسل «العنفقة» : وهو الشعر النابت تحت الشفة السفلى، وغسل «العذار» وهو: ما حاذى الأذن بين الصدع والعارضين.
وغسل هذه الشعور مع بشرتها واجب، سواء أخفت أم كثفت.
وأما «اللحية» فإن كانت خفيفة وجب غسل ظاهرها وباطنها، وإن كانت كثيفة وجب غسل ظاهرها فقط ولا يجب غسل باطنها، لأنه صلى الله عليه وسلم غسل وجه بغرفة واحدة كما رواه البخاري، وكانت لحيته الشريفة كثيفة، وبعضهم عبر: بعظيمة، وبعضهم: بغزيرة.
والكثة: هي التي لا ترى بشرتها في مجلس التخاطب، بخلاف الخفيفة، ولو كان بعض اللحية خفيفاً وبعضها كثيفاً أو تميزا فلكل حكمه، وإن لم يتميزا وجب غسل الكل ظاهراً وباطنا، نعم لنا لحية كثة يجب غسل ظاهرها وباطنها وهي: ما إذا أنبت للمرأة والخنثى المشكل لحية كثة لندرتهما أو ندرة كثافتها، ولأنه يندب للمرأة إزالتها
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٣٨)