الأرض انتقض وضوءه، لأنه غير ممكن مقعده منها، نعم لنا شخص نام قاعداً ممكناً مقعده من الأرض وانتقض وضوءه، ولنا آخر نام على جنبيه أو قفاه ولم ينتقض وضوءه، أما الأول فهو الهزيل النحيف فإنه وإن اجتهد في مقعده من مقره لابد وأن يبقى بينهما بعض تجاف يخرج منه شيء من دبره هكذا قاله المارودي وأقره الرافعي، وقال الأذرعي: إنه الحق، لكن قال النووي في الروضة وغيرها: أنه لا ينتقض. وقال ابن الرفعة: إنه المذهب.
وأما الثاني فهو النبي صلى الله عليه وسلم.
السبب الثالث من أسباب الحدث: التقاء بشرتي الرجل والمراة، فإذا وقعت ملامسة بين الرجل والمراة انتقض وضوء الملامس والملموس، ولو كان الرجل خصيا أو عينياً أو ممسوحا لقوله تعالى: ?أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ? [النساء: 43] هذا مذهب إمامنا الشافعي.
وعند أبي حنيفة لا ينتقض بلمس الرجل والمرأة لا وضوء للملامس ولا الملموس، وأجاب عن قوله تعالى: ?أَوْ لامَسْتُمُ? بأن المراد: جامعتم.
وقال إمامنا الشافعي حمل ?أَوْ لامَسْتُمُ? على جامعتم خلاف الظاهر، بدليل قراءة الآخر «أو لمستم» واللمس الجس باليد وبغيرها، أو الجس باليد وألحق غيرها بها.
ومما يدل على أن اللمس لا يختص بالجماع قوله تعالى: ?فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ? [الأنعام: 7] .
والمعنى في انتقاض الوضوء بالتقاء بشرتي الرجل والمرأة: أن الالتقاء مظنة التلذذ المثير للشهوة، وينتقض عندنا الوضوء بالملامسة سواء أوقعت عمداً وسهواً بشهوة أو بغيرها بإكراه أو بغيره، بعضو أصلي أو زائد بعضو سليم، أو أشل بأعضاء الوضوء أو غيرها، هذا إذا وقعت الملامسة بين بشرتي الرجل والمرأة أي: من غير حائل.
والبشرة: ظاهر الجلد، ومنها: اللسان واللثة فإذا لمس لسانها أو لحم أسنانها أو لمست هي ذلك انتقض الوضوء، أما إذا وقعت الملامسة مع الحائل فإنها لا تنقض، ولو كان رقيقاً.
نعم لنا شيء حائل بين اللامس والملموس وينقض، وصورته: فيما إذا كثر الوسخ على البشرة من العرق فإنه حائل مع أن لمسه ينقض لأنه صار كالجزء من البدن، بخلاف ما إذا كان من غبار.
قال العلماء: ولا نقض بين التقاء بشرتي رجلين، ولا امرأتين، ولا خنثتين، ولا
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٥٩)
خنثى ورجل، ولا خنثى وامرأة لاحتمال التوافق في الخنثتين، والخنثى مع الرجل أو المرأة، وتنقض ميتة، وذكر ميت، وعجوز، وهرم، وتستثنى من النساء المحارم بنسب أو رضاع أو مصاهرة، فإذا لمس الإنسان محارمه كأمه وعمته وخالته لا ينتقض وضؤه، ولو لمسها بشهوة لأنها ليست في مظنة الشهوة وهو بالنسبة إليه كالرجل.
وضابط المحارم التي لا ينقض الوضوء بلمسها ويجوز النظر إليها والخلوة والمسافرة بها: كل امرأة حرم نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها، فخرج بالتأبيد أخت الزوجة وعمتها وخالتها فإنه لا يحرم نكاحهن على التأبيد، بل إلى أن يفارق الزوجة فلسن بمحارم له فينقضن الوضوء، وخرج أيضاً: المرتدة والمجوسية والوثنية فإنهن لا يحرم نكاحهن على التأبيد، لأنهن إذا أسلمن حل نكاحهن.
والمراد بالسبب المباح: العقد والدخول وخرج به ما إذا وطئ امرأة بشبهة كوطئ من ظنها زوجته فإن أمهاتها وبناتها وإن حرمن عليه على التأبيد لا تثبت الحرمة لهن فلمسهن ينقض الوضوء، لأن سبب التحريم ليس مباحاً، لأن وطئ الشبهة في الفاعل لا يوصف بالإباحة ولا بالتحريم، نعم إذا تزوج تلك الموطوءة بشبهة ودخل بها تثبت المحرمية في أصولها وفي فروعها ولا ينقض لمسهن الوضوء.
قال الأسنوي: وترد هذه على الضابط، إذ السبب المباح وهو العقد والدخول لم يحرمهن لسبق تحريمهن بوطئ الشبهة، ويستحيل تحصيل الحاصل.
وخرج بقوله في الضابط لحرمتها: الملاعنة فإن تحريمها على التأبيد لحرمتها لا لمحرميتها، ولا تنقض أم الزوجة ولا بنتها لصدق الحد عليهما.
ولو شك هل لمس محرمة أم أجنبية؟ لم ينقض إذ الأصل بقاء الطهارة.
ولا تنقض صغيرة لا تشتهى، لأنها ليست محلاً للشهوة، ومثلها الصغير الذي لا يشتهى.
ولا ينقض شعر ولا سن ولا ظفر لأنها ليست مظنة للشهوة.
ولا ينقض وضوء الرجل بلمس الأمرد الحسن ولو كان بشهوة، لأنه لم يدخل في قوله: ?أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ? [النساء: 43] .
نعم قال في الإفصاح: قال الإمام مالك: ينقض، وبه قال الأصطخري من الشافعية، فالأفضل المستحب في حق من لمسه أن يتوضأ خروجاً من الخلاف.
ولا ينقض العضو المبان أي المقطوع فإذا قطعت يد المرأة مثلاً فلمسها الرجل، أو يد الرجل مثلاً فلمستها المرأة فلا ينتقض الوضوء، لأن العضو المقطوع لا يسمى امرأة
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٦٠)
ولا رجل.
السبب الرابع من أسباب الحدث: مس جزء من فرج الآدمي بجزء من بطن الكف بلا حائل سواء كان الفرج الممسوس قبلاً أو دبراً من نفسه أو غيره عمداً أو سهواً لقوله صلى الله عليه وسلم: «من مس ذكره فليتوضأ» رواه الأربعة وصححه الترمذي (1) .
والمراد: المس ببطن الكف لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حجاب فليتوضأ» رواه ابن حبان وغيره (2) .
والإفضاء لغة: المس ببطن الكف.
فإن قيل: الحديث الأول والثاني يدلان على أن من مس فرجه ينقض دون فرج غيره؟
فالجواب: أن من مس فرج غيره ينقض قياساً على مس فرجه لأن مسه أفحش من فرجه لهتكه حرمة غيره، ولهذا لا يتعدى النقض إليه.
والمراد ببطن الكف الراحة مع بطون الأصابع، فلو مس بظهر الكف لم ينقض وكل ما يستر عند وضع اليدين على الأخرى بتحامل يسير فهو بطن الكف.
وينقض المس ببطن أصبع زائدة إن كانت على استواء الأصابع وإلا فلا، وقبل المرأة الناقض ملتقى شفريها، فإن مست ما وراء الشفر لم ينتقض بلا خلاف.
ومس الذكر المنفصل كالمتصل لبقاء اسم الذكر عليه بعد الإبانة، بخلاف فرج المرأة إذا قطع فإنه لا ينقض لأنها جلدة لا تتميز غالباً، فلا يصدق عليها اسم الفرج، وإذا قطع بعض الذكر فلمسه انتقض وضؤه، وقلفة الصبي وهي الجلدة التي تقطع في الختان ينقض مسها قبل القطع لا بعده، ولو خلق للإنسان كفان فإن اتفقا في العمل وعدمه نقضا، وإن كانت إحداهما عاملة والأخرى غير عاملة فإن كانتا على معصم--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود (1/46، رقم 181) ، والترمذي (1/126، رقم 82) ، والنسائي (1/216، رقم 447) ، وابن ماجه (1/161، رقم 479) . وأخرجه أيضاً: مالك (1/42، رقم 89) ، وأحمد (6/406 رقم 27334) ، وابن أبي شيبة (1/150، رقم 1725) ، والطيالسي (ص: 230، رقم 1657) ، وابن الجارود (1/18، رقم 18) ، وابن حبان (3/400، رقم 1116) ، والحاكم (1/231، رقم 474) ، والبيهقي (1/129، رقم 613) عن بسرة بنت صفوان.
(2) أخرجه ابن حبان (3/401، رقم 1118) . وأخرجه أيضاً: أحمد (2/333، رقم 8385) ، والشافعي (1/12) ، والدارقطني (1/147) ، والطبراني في الأوسط (2/237، رقم 1850) ، والبيهقي (1/133، رقم 630) ، والطبراني في الصغير (1/84، رقم 110) عن أبي هريرة.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٦١)
واحد نقضت الزائدة كالأصلية، بشرط أن تكون الزائدة كالأصلية كالأصبع الزائدة، وإن كانتا على معصمين نقضت الأصيلة فقط، ولا تنقض الزائدة، ولو خلق له ذكران فإن اتفقا في العمل وعدمه نقضا، وإن كان أحدهما عاملاً دون الآخر نقض مس العامل، وغير العامل إن كان على سنن العامل نقض مسه وإلا فلا.
والمراد بالدبر الناقض ملتقى المنفذ دون ما ورأه.
قال العلماء: فلا ينقض الوضوء بمس العانة ولا بمس الانثيين ولا بمس الإليين ولا بمس ما بين القبل والدبر، لأنه لا يسمى فرجاً.
ولا ينتقض الوضوء بمس الذكر، برأس الأصابع وبما بينهما.
ولا ينقض بمس فرج البهيمة، كما لا يجب ستره ولا يحرم النظر إليه.
ولا ينتقض بقهقهة مصل ويدل عليه ما أخرجه ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: «ليس من ضحك في الصلاة إعاده وضوء» (1) وإنما كان ذلك لهم حين ضحكوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وما روي من أنها تنتقض ضعيف، ولهذا قال علماؤنا: ولو افتصد الإنسان في صلاته فخرج منه الدم ولم يلوث بشرته لم تبطل صلاته لعدم بطلان طهارته، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه ينتقض الوضوء بالقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود، لا في صلاة جنازة، ولا ينتقض الوضوء بالنجاسة الخارجة من غير الفرج كدم الرعاف من جميع المأكول.
وأما ما ورد في مسلم من إيجاب الوضوء مما مست النار (2) فمنسوخ أيضاً بالخبر--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن عساكر (61/389) . وأخرجه أيضا: الدارقطني (1/175) عن جابر.
(2) أخرجه مسلم (1/273، رقم 353) ، وابن ماجه (1/164، رقم 486) ، وأحمد (6/89، رقم 24624) عن عائشة.
وأخرجه مسلم (1/272، رقم 352) ، والنسائي في الكبرى (1/104، رقم 179) ، وابن ماجه (1/163، رقم 485) ، وعبد الرزاق (1/173، رقم 668) ، وابن أبي شيبة (1/53، رقم 549) ، وأحمد (2/265، رقم 7594) ، وابن حبان (3/426، رقم 1147) عن أبي هريرة.
وأخرجه ابن ماجه (1/164، رقم 487) ، قال البوصيري (1/70) : هذا إسناد مختلف فيه من أجل خالد بن يزيد ولم ينفرد به. والطبراني في الأوسط (7/16، رقم 6720) . قال الهيثمي (1/249) : فيه خالد بن يزيد بن أبي مالك وهو كذاب. كلاهما عن أنس.
وأخرجه أبو داود (1/50، رقم 195) ، والنسائي في الكبرى (1/105، رقم 186) ، وعبد الرزاق (1/172، رقم 665) ، وأحمد (6/426، رقم 27439) ، وابن أبي شيبة (1/53، رقم 550) ، والطبراني (23/244، رقم 488) عن أم حبيبة.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٦٢)
الصحيح في أبي داود عن جابر رضي الله عنه كان آخر الأمرين من رسول الله رضي الله عنه ترك الوضوء مما غيرت النار (1) .
فائدة: في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ» دليل على بطلان الصلاة مع الحدث، وفيه دليل على أنه يحرم على المحدث حدثاً أصغر الصلاة ولو كانت نفلا أًو صلاة جنازة، هذا في غير فاقد الطهورين، ودائم الحدث، ويحرم عليه خطبة الجمعة والطواف ولو نفلاً لقوله صلى الله عليه وسلم: «الطواف بمنزلة الصلاة إلا أن الله تعالى قد أحل فيه النطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير» رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم (2) .
ويحرم عليه سجود التلاوة أو الشكر لأنه في معنى الصلاة.
قال ابن الصلاح: وأما ما يفعله عوام الفقراء من السجود بين يدي المشايخ محدثين فهو من العظائم، ولو كان بطهارة إلى القبلة قال: وأخشى أن يكون كفراً.
وأما قوله تعالى: ?وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً? [يوسف: 100] فهو منسوخ أو مؤول، ويحرم عليه مس المصحف ولو كان بغير أعضاء الوضوء، ولا فرق بين مس كتابته وورقه وحواشيه وما بين سطوره، لأن اسم المصحف يقع على الجميع وقوعاً واحداً، وكذلك يحرم مسه من وراء ثوبه أو ثوب غيره، وكذا يحرم مسه على فاقد الطهورين، ودليل تحريم مسه قوله تعالى ?لَا يَمَسُّهُ إِلَاّ المُطَهَّرُونَ? [الواقعة: 79] أي: إلا المتطهرون وهو خبر بمعنى النهي، ولو كان باقياً على أصله من الخبرية لزم الخلف في كلامه تعالى، لأن غير المتطهر يمسه.
فإن قيل: ما المانع من جعله نهياً لا خبراً بمعناه؟
فالجواب: أنه لو كان نهياً لزم منه وقوع الطلب صفة وهو ممتنع.
وأما مس جلد المصحف فإن كان متصلاً به حرم مسه لأنه كالجزء منه، ولهذا يتبعه في البيع، وإن كان منفصلاً عنه حرم مسه.--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود (1/49، رقم 192) . وأخرجه أيضا: النسائي (1/108، رقم 185) .
(2) أخرجه الحاكم (1/630، رقم 1686) . وأخرجه أيضاً: ابن أبي شيبة (3/37، رقم 12808) ، والطبراني (11/34، رقم 10955) ، وأبو نعيم في الحلية (8/128) ، والدارمي (2/66، رقم 1847) ، وابن أبي شيبة (3/37، رقم 12808) ، وابن الجارود (1/120، رقم 461) ، وابن حبان (9/143، رقم 3836) ، والبيهقي (5/85، رقم 9074) عن ابن عباس.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٦٣)
فقال الأسنوي: يحل مسه، ونقل الزركشي عن الغزالي: أنه يحرم مسه أيضاً ولم ينقل ما يخالفه، وقال ابن العماد: إنه الأصح إبقاءً لحرمته قبل انفصاله.
قال العلامة القاضي زكريا: محل تحريم مسه إذا لم تنقطع نسبته عن المصحف، فإن انقطعت كأن جعلت جلد كتاب لم يحرم مسه قطعاً، وكما يحرم مسه يحرم حمله لأنه أبلغ من مسه سواء حمله وحده أو في غلافه أو بعلاقته، هذا مذهب إمامنا الشافعي والإمام مالك.
وقال أبو حنيفة: يجوز للمحدث حلمه بعلاقته أو في علاقته، نعم يجوز لنا حمله في أمتعة أو متاع واحد إذا لم يكن مقصوداً بالحمل، لعدم الإخلال بتعظيمه حينئذ أما إذا كان مقصوداً بالحمل ولو مع الأمتعة فإنه يحرم حمله.
ولا تحرم كتابة القرآن على المحدث من غير مس ولا حمل، بأن يضع الورقة مثلا بين يديه ويكتب فيها، ولا يحرم عليه قلب ورق المصحف بعود، لأنه ليس بحمل ولا مس، ويجوز مس التوراة والإنجيل وحملها، ويجوز مس وحمل ما نسخت تلاوته وإن لم ينسخ حكمه لزوال حرمته بالنسخ، كزوال حرمة التوراة والإنجيل بالتبديل، أما ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته فيحرم مسه وحمله، ويحرم على بالغ مس وحمل ما كتب بلوح ونحوه، ولو بعض آية لدراسة، بخلاف الصبي فإنه إذا كان مميزاً لا يجب على وليه ومعلمه مع الحدث الأصغر أن يمنعه من مس وحمل المصحف أو اللوح الذي يتعلم منه، لأنه يحتاج إلى الدراسة والتعلم، وتكليفه استصحاب الطهارة مما تعظم فيه المشقة، هذا إذا حمله لأجل الدراسة والتعلم، أما إذا لم يكن له غرض في حمله أو حمله بغرض آخر فإنه يجب على معلمه ووليه منعه من ذلك، وإذا كان البالغ محدثاً فقال للصبي: انقل هذا المصحف من هذا المكان إلى مكان آخر أو احمله معك فإنه حرام يأثم ببذلك البالغ، لأن الصبي يمنع من حمله ومسه إلا لحاجة التعلم، كما يمنع المجنون وهذا يقع فيه كثير من الناس الجهال خوفاً من مسه مع الحدث.
وإذا كان الصبي جنباً وأراد حمل المصحف ومسه للدراسة هل يمنع من ذلك أم لا؟
قال النووي: لا يمنع، وجزم به ابن السبكي، لكن قال الأسنوي: القياس المنع لأنها نادرة، وحكمها أغلظ، واستحسن كلامه كثير من المتأخرين.
قال العلماء: وإن أبيح للصبي المميز مع الحدث مس المصحف وحمله أو اللوح الذي فيه شيء من القرآن لأجل، الدراسة فيندب لوليه ومعلمه منعه منه، وأمره بالوضوء، ويجوز مع الكراهة مس وحمل كتب التفسير مع الحدث، إلا إذا كان القرآن
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٦٤)
أكثر منه، فإنه حينئذ في معنى المصحف، ويجوز حمل الدراهم والدنانير والثياب التي كتب عليها شيء من القرآن، لأن هذه الأشياء لا يقصد بإثباب القرآن فيها قراءته، فلا يجري عليها أحكام القرآن، وسنذكر حكم الحروز في الكلام على آداب داخل الخلاف.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ» أيضاً دلالة على رفع الشك والعمل باليقين، فإذا تيقن الإنسان أنه متوضئ وشك في الحدث بعده، عمل بيقينه وطرح الشك وصلى بوضوئه وصلاته صحيحة، وإذا تيقن أنه محدث وشك في أنه توضأ بعده عمل بيقينه أيضاً على الراجح وطرح الشك وتوضأ وصلى، وإن تيقن أنه وقع منه طهر وحدث وجهل السابق منهما نظر فيهما، فيما قبلهما فإن كان محدثاً فهو الآن متطهر، وإن كان متطهراً فهو الآن محدث إن اعتاد تجديد الوضوء وإن لم يعتد تجديده فهو الآن متطهر.
ويتضح ذلك بالمثال فإذا وقع من الإنسان بعد طلوع الشمس مثلاً طهر وحدث ولم يعرف أسبقهما فلينظر فيما قبل طلوعها فإن تذكر أنه كان حينئذ محدثاً فهو الآن متطهر، وإن تذكر أنه كان متطهراً فإن كان له عادة بتجديد الوضوء فهو الآن متطهر وإن لم يتذكر ما قبلهما وجب الوضوء، وتعليل هذه المسائل مقررة في كتب الفقه فلا نطول بذكرها.
* * *
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٦٥)
المجلس التاسع والثلاثون
في ذكر شيء من فضائل أمة محمد صلى الله عليه وسلم وشيء من خصائصها، وخصائص نبينا صلى الله عليه وسلم وذكر اختلاف العلماء في الوضوء هل هو من خصائص هذه الأمة أم لا؟
الحمد لله الذي أتقن كل شيء بحكمته فاحتبك، وبعث حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم فأنار به كل حلك، وآتاه من المعجزات والخصائص ما لم يؤته نبي ولا ملك، وجعل جنده الملائكة تسير معه حيث سلك، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه ما سار ملك ودار فلك.
باب فضل الوضوء والغر المحجلين من آثار الوضوء
جاء في أكثر الروايات والغر المحجلين بالرفع ووجِّه بأوجه:
الأول: مبتدأ وخبره محذوف، وهو مفضلون فكأنه قال: والغر المحجلون مفضلون على غيرهم، أو لهم فضل ونحوه.
الثاني: أن يكون «الغر» مبتدأ أيضاً وخبره من آثار الوضوء، ومعناه: من الغر المحجلون منشأهم آثار الوضوء.
الثالث: أن «الغر» مرفوع على سبيل الحكاية فقد ورد في بعض طرق الحديث: «أنتم الغر المحجلون» (1) .
قَالَ البُخَارِي: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى هِلَالٍ عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ قَالَ رَقِيتُ مَعَ أَبِى هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ، فَتَوَضَّأَ فَقَالَ إِنِّى سَمِعْتُ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ «إِنَّ أُمَّتِى يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» (2) .--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (1/216، رقم 246) عن أبي هريرة.
وأخرجه أبو يعلى (4/118، رقم 2162) عن جابر. قال الهيثمي (10/344) : رجاله رجال الصحيح.
(2) للحافظ ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث فوائد منها:
قوله: «رقيت» : صعدت.
قوله: «فتوضأ» : كذا لجمهور الرواة، وللكشميهني يوما بدل قوله فتوضأ وهو تصحيف.
وقد رواه الإسماعيلي وغيره من الوجه الذي أخرجه منه البخاري بلفظ «توضأ» وزاد الإسماعيلي فيه «فغسل وجهه ويديه فرفع في عضديه، وغسل رجليه فرفع في ساقيه» وكذا لمسلم من طريق عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال نحوه، ومن طريق عمارة بن غزية عن نعيم وزاد في هذه: أن أبا هريرة قال: «هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ» فأفاد رفعه، وفيه رد على من زعم أن ذلك من رأى أبي هريرة بل من روايته ورأيه معا.
قوله: «أمتي» : أي أمة الإجابة وهم المسلمون، وقد تطلق أمة محمد ويراد بها أمة الدعوة وليست مرادة هنا.
قوله: «يدعون» : ينادون أو يسمون.
قوله: «غرا» : جمع أغر أي ذو غرة، وأصل الغرة لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، ثم استعملت في الجمال والشهرة وطيب الذكر، والمراد بها هنا النور الكائن في وجوه أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وغرا منصوب على المفعولية ليدعون أو على الحال، أي أنهم إذا دعوا على رءوس الأشهاد نودوا بهذا الوصف وكانوا على هذه الصفة.
قوله: «محجلين» : من التحجيل وهو بياض يكون في ثلاث قوائم من قوائم الفرس، وأصله من الحجل وهو الخلخال، والمراد به هنا أيضا النور.
واستدل الحليمي بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة، وفيه نظر لأنه ثبت عند المصنف في قصة سارة رضي الله عنها مع الملك الذي أعطاها هاجر أن سارة لما هم الملك بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي، وفي قصة جريج الراهب أيضاً أنه قام فتوضأ وصلى ثم كلم الغلام، فالظاهر أن الذي اختصت به هذه الأمة هو الغرة والتحجيل لا أصل الوضوء، وقد صرح بذلك في رواية لمسلم عن أبي هريرة أيضاً مرفوعا قال: «سيما ليست لأحد غيركم» وله من حديث حذيفة نحوه. و «سيما» : أي علامة.
وقد اعترض بعضهم على الحليمي بحديث «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي» وهو حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به لضعفه، ولاحتمال أن يكون الوضوء من خصائص الأنبياء دون أممهم إلا هذه الأمة.
قوله: «من آثار الوضوء» : بضم الواو، ويجوز فتحها على أنه الماء قاله ابن دقيق العيد.
قوله: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل» : أي فليطل الغرة والتحجيل. واقتصر على إحداهما لدلالتها على الأخرى نحو ?سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ? [النحل: 81] واقتصر على ذكر الغرة وهي مؤنثة دون التحجيل وهو مذكر لأن محل الغرة أشرف أعضاء الوضوء، وأول ما يقع عليه النظر من الإنسان. على أن في رواية مسلم من طريق عمارة بن غزية ذكر الأمرين، ولفظه «فليطل غرته وتحجيله» .
وقال ابن بطال: كنى أبو هريرة بالغرة عن التحجيل لأن الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله، وفيما قال نظر لأنه يستلزم قلب اللغة، وما نفاه ممنوع لأن الإطالة ممكنة في الوجه بأن يغسل إلى صفحة العنق مثلا.
ونقل الرافعي عن بعضهم أن الغرة تطلق على كل من الغرة والتحجيل. ثم إن ظاهره أنه بقية الحديث، لكن رواه أحمد من طريق فليح عن نعيم وفي آخره: قال نعيم لا أدري قوله من استطاع … الخ من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول أبي هريرة، ولم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة وهم عشرة ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه والله أعلم.
واختلف العلماء في القدر المستحب من التطويل في التحجيل فقيل: إلى المنكب والركبة، وقد ثبت عن أبي هريرة رواية ورأيا.
وعن ابن عمر من فعله أخرجه ابن أبي شيبة، وأبو عبيد بإسناد حسن، وقيل المستحب الزيادة إلى نصف العضد والساق، وقيل إلى فوق ذلك.
وقال ابن بطال وطائفة من المالكية: لا تستحب الزيادة على الكعب والمرفق لقوله صلى الله عليه وسلم «من زاد على هذا فقد أساء وظلم» وكلامهم معترض من وجوه، ورواية مسلم صريحة في الاستحباب فلا تعارض بالاحتمال. وأما دعواهم اتفاق العلماء على خلاف مذهب أبي هريرة في ذلك فهى مردودة بما نقلناه عن ابن عمر، وقد صرح باستحبابه جماعة من السلف وأكثر الشافعية والحنفية. وأما تأويلهم الإطالة المطلوبة بالمداومة على الوضوء فمعترض بأن الراوي أدرى بمعنى ما روى، كيف وقد صرح برفعه إلى الشارع صلى الله عليه وسلم وفي الحديث معنى ما ترجم له من فضل الوضوء، لأن الفضل الحاصل بالغرة والتحجيل من آثار الزيادة على الواجب، فكيف الظن بالواجب؟ وقد وردت فيه أحاديث صحيحة صريحة أخرجها مسلم وغيره، وفيه جواز الوضوء على ظهر المسجد لكن إذا لم يحصل منه أذى للمسجد أو لمن فيه. والله أعلم. انظر فتح الباري (1/235 - 237) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٦٦)
في إسناد هذا الحديث لطيفتان:
إحداهما: أن جميع رجاله رجال من فرسان الصحيحين وباقي الكتب الستة إلا يحيى بن بكير فإنه من رجال البخاري ومسلم وابن ماجه.
الثانية: أن النصف الأول من إسناده مصريون، والنصف الثاني مدنيون.
قال ابن الملقن: هذا الحديث رواه مع أبي هريرة سبعة من الصحابة: ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأبو أمامة الباهلي، وأبو ذر الغفاري، وعبد الله بن بسر المازني، وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهم.
قوله: «رقيت» بكسر القاف بمعنى صعدت، وحكي فتحها مع الهمز ودونه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن أمتي» قال الكرماني: «الأمة» : الجماعة، وهو في اللفظ واحد، وفي المعنى جمع.
قال العلماء: أمة محمد تطلق على أمة الدعوة، وهم جميع من أرسل إليهم من مسلم وكافر على اختلاف أنواعه، فإنه صلى الله عليه وسلم دعى الجميع إلى كلمة التوحيد، فلا إنكار على من قال في حق يهودي معين أو نصراني وغيره أنه من أمة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه من أمة
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٦٨)
الدعوة، وتطلق أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمة الإجابة إلى قسمين إلى أمة الطاعة وهم: من أسلم وأطاع، وإلى أمة المعصية وهم: من أسلم وعصى، والمراد بالأمة في هذا الحديث: أمة الإجابة بقسميها كما قاله ابن حجر لا أمة الدعوة.
وقوله: «يدعون» إما من الدعاء بمعنى النداء، وإما من الدعاء بمعنى التسمية، والمعنى على الأول: إن أمتي ينادون يوم القيامة، وعلى الثاني: يسمون يوم القيامة.
وأصل القيامة: «القوامة» قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها.
وقوله: «غراً محجلين» إذا قلنا منصوبان إما على الحال من ضمير «يدعون» إن كان بمعنى النداء، ويعدى «يدعون» بإلى، وإما على المفعولية إن كان بمعنى التسمية.
سؤال: فإن قيل: إلى أين ينادون يوم القيامة إذا قلنا أن «يدعون» بمعنى ينادون؟
جوابه: أنهم ينادون إلى موقف الحساب أو إلى الميزان أو إلى غير ذلك، حال كونهم على هذا الوصف فيقال لهم: يا أمة محمد أقبلوا إلى الحساب أو الميزان أو إلى الصراط أو إلى الحوض أو إلى الجنة أو غير ذلك.
فيأتون وهم غر محجلون أي: على جباههم وأيديهم وأرجلهم نور ساطع كالغرة البيضاء في جبهة الفرس، والتحجيل الذي في يديها ورجليها، فإن «الغرة» في اللغة: بياض في جبهة الفرس، «والتحجيل» بياض في يديها ورجليها، فسمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غراً وتحجيلاً تشبيها بذلك.
وأما إذا كان «يدعون» بمعنى يسمون فمعنى الحديث: أن الملائكة تسمي أمة محمد صلى الله عليه وسلم بهذا الاسم تشريفاً لهم وتكريماً من بين سائر الأمم، فيقولون لهم: يا غر المحجلين أو يا أصحاب الغرة والتحجيل، حين يرون عليهم هذا النور الحاصل لهم من الوضوء.
وقوله: «من آثار الوضوء» يجوز قراءته بضم الواو، فإن النور حصل من هذا الفعل، ويجوز قراءته بفتح الواو بناء على أن هذا النور حصل من آثار الماء المستعمل في الوضوء.
والحاصل: أن الغرة والتحجيل نشأ عن الفعل بالماء، فيجوز أن ينسب إلى كل منهما.
وفي هذا الحديث فوائد كثيرة:
منها: أن فيه دلالة على استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، والمراد بإطالة الغرة عند العلماء غسل ما فوق الواجب من جميع جوانب الوجه، وغايته أن يغسل صفحة العنق من مقدمات الرأس، والمراد بإطالة التحجيل غسل ما فوق الواجب من
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٦٩)
جميع جوانب الرجلين واليدين، وغايته استيعاب العضدين والساقين أي: غسل اليدين إلى المنكبين والرجلين إلى الركبتين.
وكان أبو هريرة رضي الله عنه يستوعب في وضوءه العضدين والساقين حتى يوصل الماء إلى إبطيه.
وهكذا نقل عن عبد الله بن عمر عملاً بظاهر قوله: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل» .
واقتصر على ذكر الغرة في قوله «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته» ولم يقل وتحجيله لدلالتها عليه كما في قوله تعالى: ?سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ? [النحل: 81] ولم يذكر البرد لدلالة الحر عليه.
سؤال: فإن قيل: لأي شيء لم يقتصر صلى الله عليه وسلم بذكر التحجيل عن ذكر الغرة لأنه مذكر وهي مؤنثة والمذكر أشرف من المؤنث؟
جوابه: أنه صلى الله عليه وسلم إنما اقتصر بذكر الغرة عن ذكر التحجيل دون العكس لأن محلها أشرف أعضاء الوضوء، ولأنه أول ما يقع عليه البصر يوم القيامة.
ومنها: أن فيه دلالة على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة وهذه المسألة فيها ثلاثة أقوال للعلماء:
الأول: أنه من خصائص هذه الأمة، وبهذا القول جزم الحليمي في منهاجه، واستدل على ذلك بهذا الحديث.
الثاني: أنه ليس من خصائص هذه الأمة بل كان مشروعاً في سائر الأمم، والذي اختصت به هذه الأمة الغرة والتحجيل، ورجح هذا القول شيخ الإسلام ابن حجر وقال أنه الظاهر قال: ويؤيده ما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «لكم سيما -أي علامة- ليست لأحد غيركم، تردون علي غراً محجلين من أثر الوضوء» (1) .
الثالث: أنه من خصائص هذه الأمة ولم يشاركها فيه إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذا القول لهذه الأمة شرف عظيم حيث استوو مع الأنبياء في هذه الخصوصية وامتازوا عنهم بالغرة والتحجيل ولقد أحسن من قال في المعنى:--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (1/217، رقم 247) . وأخرجه أيضا: ابن ماجه (2/1431، رقم 4282) ، وأبو يعلى (11/72، رقم 6209) ، وابن أبي شيبة (1/15، رقم 42) ، وابن حبان (3/324، رقم 1048) عن أبي هريرة.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٠)
ستأتي الناس في العرصات سكرى … بلا أثر يكون لهم مزيننا
وتتأتي أمة المختار غدا … بآثار الوضوء محجلينا
لأيديهم وأرجلهم وميض … فوجههم تروق الناظرينا
فكونوا يا عباد الله قوماً … مدى أعماركم متطهرينا
تفوزوا بالطهارة ما حييتم … وفي غدكم تفوقوا العالمينا
وهل هذا النور الذي في أعضاء الوضوء المعبر عنه بالغرة والتحجيل ثابت لكل واحد من هذه الأمة يوم القيامة، سواء توضأ في الدنيا أم لم يتوضأ، أو يكون لمن يتوضأ في الدنيا؟
قال ابن الملقن في شرحه على هذا الصحيح: ظاهر الأحاديث يقتضي أن ذلك خاص بمن توضأ منهم، فقد ورد في صحيح ابن حبان: يا رسول الله كيف تعرف من يرد من أمتك؟ قال: «غر محجلون بلق من آثار الوضوء» (1) .
وأما ما نقل عن بعض المالكية أنه نقل عن العلماء: أن الغرة والتحجيل حكم ثابت لهذه الأمة من توضأ منهم ومن لم يتوضأ، كما قالوا: لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب، وأن أهل القبلة كل من آمن من أمته سواء صلى أم لم يصلي، فهو كما قاله ابن الملقن نقل غريب.
ومنها: أن فيه دلالة على استحباب المحافظة على الوضوء وسننه المشروعة.
ومنها: أن فيه دلالة على ما أعد الله من الفضل والكرامة لأهل الوضوء يوم القيامة.
ومنها: أن فيه دلالة على جواز الوضوء على ظهر المسجد، وإذا جاز على ظهره جاز فيه، فإن حرمة أعلاه وظاهره كحرمة داخلة، وعلى هذا أكثر العلماء.
وكره جماعة الوضوء فيه تنزيها له كما ينزه عن البصاق والنخامة، وممن كره الوضوء ابن سيرين، ونقل عن الإمام مالك وعن سحنون.
قال ابن الملقن: وقد صرح جماعة من أصحابنا بجوازه فيه، وإن الأولى أن يكون في إناء.--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن حبان (3/323، رقم 1047) . وأخرجه أيضا: ابن ماجه (1/104، رقم 284) قال البوصيري (1/42، رقم 4) : هذا إسناد حسن. وأحمد (1/453، رقم 4329) ، وابن أبي شيبة (1/15، رقم 40) ، والشاشي (2/107، رقم 629) ، وأبو يعلى (8/462، رقم 5048) ، والطبراني في الأوسط (3/366، رقم 3419) عن ابن مسعود.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧١)
وأما رش المسجد بالماء المستعمل فقد اختاره النووي في شرح المهذب أنه جائر كما يجوز الوضوء فيه، وتبعه على اختياره الأسنوي، والشيخ إسماعيل بن المقرئ في «روضه» فإنه قال فيه: ويجوز نضحه بمستعمل.
لكن قال البغوي: إنه لا يجوز لأن النفس إنما تعافه، وتبعه على ذلك الخوارزمي وصاحب الأنوار في كتاب الاعتكاف، وضعف النووي قوله، ورد تعليله بأن النفس إنما تعاف شربه ونحوه لا نضحه في المسجد.
قال الزركشي والبغوي وغيره: إن يفرقوا بين جواز الوضوء فيه وبين نضحه بالماء بأن المتوضئ إنما يفعل ذلك لحاجته إليه، بخلاف النضح فإنه يقع قصداً، والشيء يغتفر ضمناً ما لا يغتفر قصداً، وبأن ماء الوضوء بعضه غير مستعمل بخلاف ماء النضح، وظاهر قول القاضي زكريا في شرح الروض يقتضي ترجيح قول البغوي فلينظر في كلامه أي: في شروط الصلاة في بحث المسجد.
ومنها: أن فيه دلالة على كمال فضل نبينا صلى الله عليه وسلم أطلعه الله تعالى على أمور من المغيبات مستقبلة من أمور الآخرة، وما يقع فيها لم يطلع عليه نبياً غيره، فأخبر بها في الدنيا أمته، وستقع كما أخبر فإنه صادق مصدوق، لاينطق عن الهوى، فمن ما أخبر به من أمور الآخرة ما ذكره في هذا الحديث أن أمته تأتي يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، وكأنك بهذا وقد وقع، وكأنك بالدنيا ولم تكن، وبالآخرة ولم تزل.
وأما ما أخبر به صلى الله عليه وسلم عن أمور مغيبة مستقبلة من أمور الدنيا فكثير وهو معجزة من معجزاته الباهرة وآية من آياته الظاهرة.
ونقل عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً فما ترك شيئاً يقوم في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وما أخبر به صلى الله عليه وسلم من ذلك فهو مما أعلمه الله به (1) .
قال العلماء: النبي لا يعلم من المغيبات إلا ما أعلمه الله تعالى به، ويدل عليه قوله تعالى: ?عَالِمُ الغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَاّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ?
[الجن: 27] .
قال شيخنا العلامة الشيخ كمال الدين بن أبي شريف في شرح المسايرة: ذكر--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (4/2217، رقم 2891) ، وأبو داود (4/94، رقم 4240) ، وابن حبان (15/5، رقم 6636) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٢)
الحنفية في فروعهم تصريحاً بتكفير من اعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب، لمعارضته قوله تعالى: ?قُل لَاّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلَاّ اللَّهُ? [النمل: 65] وقد وقع كثير مما أخبر به صلى الله عليه وسلم من المغيبات المستقبلة، فإن أردت تحقيق ذلك لديك فاستمع وتوجه إلى ما نتلو عليك فنقول:
مما أخبر به صلى الله عليه وسلم ووقع أنه أخبر قبل فتح مكة أن أصحابه تظهر على أهل مكة وتفتح لهم مكة وقد وقع ذلك.
ومنه: أنه أخبر عن أمته أنها تفترق على ثلاثة وسبعين فرقة الناجية منها واحدة وقد وقع ذلك.
ومنه: ما رواه عبد الله بن عباس قال كنت قاعداً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل عثمان فلما دنى منه قال: «يا عثمان تقتل وأنت تقرأ سورة البقرة، تقع قطرة من دمك على فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم» (1) وقد وقع ذلك.
ومنه: أنه قال لفاطمة رضي الله عنها: «إنك أول بيتي لاحقة بي» فقالت: ونعم السلف أنا لك فكانت أول من مات بعده من أهل بيته (2) .
ومنه: أنه قال صلى الله عليه وسلم: «إن عماراً تقتله الفئة الباغية» (3) فقتله أصحاب معاوية.
ومنه: أنه خرج يوماً إلى أصحابه وفيهم أبو بكر وعمر وعلي وعمار وأبو ذر رضي الله عنهم وهو يبكي فقيل: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: «أخبرني جبريل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف، فجاءني بهذه التربة، وأخبرني أن فيها مضجعه» (4) .
ومنه: أن أبي ابن خلف كان يلقي صلى الله عليه وسلم بمكة فيقول: يا محمد إن عندي العود فرساً أعلفه كل يوم فرقاً من ذرة أقتلك عليها، فيقول عليه الصلاة والسلام: «بل أنا أقتلك إن شاء الله» فحصل لهذا الملعون في عنقه خدش غير كبير، فاحتقن الدم فلما رجع إلى--------------------------------------------
(1) أخرجه الحاكم وصححه (3/110، رقم 4555) .
(2) متفق عليه أخرجه البخاري (3/1326، رقم 3426) ، ومسلم (4/1905، رقم 2450) عن عائشة.
(3) أخرجه مسلم (4/2236، رقم 2916) ، وابن أبي شيبة (7/548، رقم 37851) ، والنسائي في الكبرى (5/155، رقم 8543) ، وإسحاق بن راهويه (1/110، رقم 63) عن أم سلمة.
(4) أخرجه الطبراني في الكبير (3/107، رقم 2814) عن عائشة، قال الهيثمي (9/188) : فيه ابن لهيعة.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٣)
قريش قال: والله قتلني محمد، قالوا: ذهب والله فؤادك، والله ما بك من بأس قال: إنه قد كان قال لي: والله أنا أقتلك فوالله لو بصق علي لقتلني فمات «بسرف» وهم قافلون به إلى مكة (1) .
ومنه: أن عمه العباس لما خرج من مكة مع الكفار في غزوة بدر لأجل قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لزوجته أم الفضل: إن أصبت -أي: قتلت- فهذا المال إعط منه للفضل كذا ولقثم كذا ولعبد الله كذا، وقسمه على أولاده ولم يطلع على هذا المال أحد غيرها وغيره، ولم يعلم به أحداً إلا الله، فلما أسر العباس مع الأسارى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عم أفد نفسك» فقال: ليس لي مال فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين المال الذي دفعته بمكة لأم الفضل وقلت لها: إعط لولدي الفلاني كذا، ولولدي فلان كذا» فقال العباس: من أعلمك بهذا وما علم به أحد غيري وغيرها؟ أشهد أنك رسول الله حقاً (2) .
وأما ما أخبر به عن أمور مغيبة مستقبلة في الدنيا ولم تقع إلى الآن فكثيرة:
منها: خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم عليه السلام وغير ذلك، وستقع كما أخبر.
وفي الحديث دليل على فضل أمة محمد زادها الله شرفاً وتعظيماً.
قال العلماء: خص الله تعالى هذه الأمة ونبيها بخصائص كثيرة منها:
الوضوء على أحد الأقوال كما تقدم.
ومنها: التيمم.
ومنها: المسح على الخف.
ومنها: جعل الماء مزيلا للنجاسة.
ومنها: تحية السلام وهي تحية الملائكة وأهل الجنة في الجنة.
ومنها: صلاة الجمعة.
ومنها: صلاة الجماعة.
ومنها: أن إجتماعهم حجة واختلافهم رحمة، وكان اختلاف من قبلهم عذاباً.
ومنها: أن الطاعون لهم شهادة ورحمة، وكان على الأمم قبلهم عذاباً.
ومنها: أن ما دعوا به استجيب لهم.--------------------------------------------
(1) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/33) .
(2) أخرجه أحمد (1/ 353، رقم 3310) والحاكم (3/366، رقم 5409) وقال: صحيح على شرط مسلم.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٤)
ومنها: أنه يغفر لهم الذنب بالوضوء.
ومنها: أنهم يأكلون صدقاتهم في بطونهم ويثابون عليها.
ومنها: أنه يعجل لهم الثواب في الدنيا مع ادخاره في الآخرة.
ومنها: أن الجبال والأشجار تتباشر بمرورهم عليها لتسبيحهم وتقديسهم.
ومنها: أن أبواب السماء تفتح لأعمالهم وأرواحهم وتتباشر بهم الملائكة.
ومنها: أن الله وملائكته يصلون عليهم.
قال سفيان بن عيينه: أكرم الله أمة محمد فصلى عليهم كما صلى على الأنبياء فقال: ?هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ? [الأحزاب: 43] .
ومنها: أن المائدة توضع بين أيديهم فما يرفعونها حتى يغفر لهم.
ومنها: أنه لا تزال طائفة منهم على الحق حتى يأتي أمر الله.
ومنها: أن فيهم أقطاباً وأوتاداً ونجباءً وأبدالاً.
قال الحسن: لولا الأبدال لخسفت الأرض بما فيها، ولولا الصالحون لفسدت الأرض، ولولا العلماء لصارت الناس مثل البهائم، ولولا الصالحون لفسدت الأرض، ولولا العلماء لصارت الناس مثل البهائم، ولولا السلطان لأكل الناس بعضهم بعضا، ولولا الحمقى لخربت الأرض، ولولا الريح لأنتن ما بين السماء والأرض.
ومنها: أن علماءهم كأنبياء بني إسرائيل فقد قال صلى الله عليه وسلم: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» (1) .
وقال صلى الله عليه وسلم: «العالم في قومه كالنبي في أمته» (2) .
ومنها: أن الملائكة تسمع في السماء آذانهم وتلبيتهم.--------------------------------------------
(1) قال المناوي في فيض القدير (4/384) : سئل الحافظ العراقي عما اشتهر على الألسنة من حديث: علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل. فقال: لا أصل له، ولا إسناد بهذا اللفظ، ويغني عنه: العلماء ورثة الأنبياء. وهو حديث صحيح. وقال العجلوني في كشف الخفاء (2/83) : قال السيوطي وابن حجر والدميري والزركشي: لا أصل له.
(2) أخرجه الرافعي في التدوين (3/95) عن أبي رافع.
وأخرجه الديلمي (2/373، رقم 3666) عن ابن عباس.
وأخرجه ابن حبان في الضعفاء (2/39، ترجمة 571 عبد الله بن عمر بن غانم) .
قال القاري في المصنوع (1/115) : ضعيف جدا، وفي المقاصد: جزم شيخنا وغيره بأنه موضوع، وإنما هو كلام بعض السلف.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٥)
ومنها: أنه ليس منهم أحد إلا مرحوماً.
ومنها: أنهم يلبسون ثياب أهل الجنة.
ومنها: أن الملائكة تحضرهم إذا قاتلوا.
ومنها: أنهم نودوا في القرآن بيا أيها الذين آمنوا، ونوديت الأمم في كتبها بيا أيها المساكين، وشتان ما بين الخطابين.
ومنها: أنهم يكونون على كوم عال في الموقف يوم القيامة، ولهم نور كالأنبياء، وليس لغيرهم إلا نور واحد، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فله من كل شعرة من رأسه نور، ووجهه نور، وليس للأنبياء إلا نوران.
ومنها: أن لهم سيما في وجوههم من أثر السجود.
ومنها: أن ذريتهم تسعى بين أيديهم.
ومنها: أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم.
ومنها: أنهم يمرون على الصراط كالبرق الخاطف والريح العاصف.
ومنها: أنهم يشفع محسنهم في مسيئهم.
ومنها: أن الله عجل لهم عذابها في الدنيا وفي البرزخ لتأتي يوم القيامة بلا ذنوب.
ومنها: أنها تدخل قبورها بذنوبها وتخرج منها بلا ذنوب، يمحص الله عنها باستغفار المؤمنين.
ومنها: أن أطفالهم كلهم في الجنة، وليس ذلك لسائر الأمم في أحد الاحتمالين للسبكي في تفسيره.
ومنها: أن الله يتجلى على هذه الأمة فيرونه ويسجدون له بإجماع أهل السنة، وفي الأمم السابقة احتمالان لابن حمزة.
ومنها: أنه يدخل الجنة منهم سبعون ألفاً بلا حساب.
ومنها: أنهم جمعت لهم الصلوات الخمس ولم تجمع لأحد من الأنبياء، وبأنهن كفارات ما بينهن.
ومنها: أنه اشتق لهم اسمان من أسماء الله تعالى المسلمون والمؤمنون، وسمى دينهم الإسلام ولم يوصف بهذا الوصف إلا الأنبياء.
وخفف الله عن هذه الأمة ما لم يخففه عن غيرها من الأمم.
ومنها: أنه وضع عنها قتل النفس في التوبة، وكانت توبة الأمم السابقة بقتل أنفسهم كما نطق الله به في القرآن.
ومنها: فقأ العين من النظر إلى ما لا يحل.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٦)
ومنها: قرض موضع النجاسة ولا يطهرها الماء.
ومنها: ربع المال في الزكاة.
ومنها: أنه كان من عمل من اليهود شغلاً يوم السبت يصلب، ولم يجعل علينا يوم الجمعة مثل ذلك.
ومنها: أنه كان من سرق استرق عبداً.
ومنها: أنه كان من قتل نفسه حرمت عليه الجنة، وليس هذا في هذه الأمة.
ومنها: أن جميع الأمم افتضحت عند هذه الأمة ولم يفضحوا عند أمة من الأمم، وهكذا يستر الله على هذه الأمة يوم القيامة ولا يفضحها ورد في مسند الفردوس للديلمي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سئلت ربي أن يجعل حساب أمتي إلي لئلا تفتضح عند الأمم، فأوحى الله إلي يا محمد بل أنا أحسابهم فإن كان منهم زلة سترناها عليك، حتى لا يفتضح عبدي عندك، ولا يحزن لأجلهم قلبك» (1) .
ومنها: أنه ستر على من لم يتقبل عمله منهم، وكان من قبلهم يفتضح إذا لم تأكل النار قربانهم، وغفر لهم الذنوب بالاستغفار، والندم توبة لهم.
قال رزين: روي أن آدم قال: إن الله أعطى أمة محمد صلى الله عليه وسلم أربع كرامات لم يعطينها كانت توبتي بمكة وأحدهم يتوب في كل مكان، وسلبت ثوبي حين عصيت وهم لا يسلبون، وفرق بيني وبين زوجتي، وأخرجت من الجنة.
قال: وكان بني إسرائيل إذا أخطأ أحدهم حرم عليه طيب الطعام، وتصبح أخطائه مكتوبة على باب داره (2) .
ومنها: أنهم لا يعذبون بعذاب عذب به من قبلهم.
ومنها: إذا شهد الاثنان منهم لعبد بخير وجبت له الجنة، وكانت الأمم السابقة إذا شهد منهم مائة لعبد بخير وجبت له الجنة.
ومنها: أنهم أقل الأمم عملاً وأكثرهم أجراً وأقصرهم أعماراً، وكان الرجل من الأمم السابقة أعبد منهم بثلاثين ضعفاً وهم خير منه بثلاثين ضعفاً.
ومن فضائلهم وخصائصهم: أنهم نزلوا منزلة العدول من الحكام فيشهدون على الأمم يوم القيامة أن رسلهم بلغوهم الرسالة، كما أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ--------------------------------------------
(1) أخرجه الديلمي (2/312، رقم 3409) .
(2) انظر: فيض القدير (5/6) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٧)
شَهِيداً? [البقرة: 143] .
معنى قوله ?أُمَّةً وَسَطاً? عدول خيار.
وقال ابن الملقن: أنا أرى أن وسطاً في هذا الموضع بمعنى الجزء الذي هو بين الطرفين، مثل: وسط الدار، وأرى أن الله تعالى إنما وضعهم بذلك لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه كالنصارى، ولا أهل تقصير فيه كاليهود، ومعنى قوله: ?لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ? أي: على الأمم أن رسلهم بلغوهم الرسالة، ومعنى: ?وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً? أي: ويكون النبي صلى الله عليه وسلم معدلاً ومزكياً لكم، وذلك أن الله يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد ثم يقول لكفار الأمم: ألم يأتكم نذير فينكرون ويقولون: ما جاءنا من نذير، فيسأل الأنبياء عن ذلك فيقولون: كذبوا فقد بلغناهم، فيسألهم البينة وهو أعلم بهم إقامة للحجة، فيؤتى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون لهم أنهم قد بلغوا فتقول الأمم الماضية: من أين علموا وأنهم أتوا بعدنا؟ فيسأل هذه الأمة فيقولون: أرسلت إلينا رسولاً وأنزلت إلينا كتاباً أخبرتنا فيه بتبليغ الرسل، وأنت صادق فيما أخبرت، ثم يؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمتهم فيزكيهم ويشهد بصدقهم.
ومن فضائل هذه الأمة: أن الله تعالى سماها صالحين فقال: ?وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ? [الأنبياء: 105] أي: كتبنا في الكتب المنزلة من بعد اللوح المحفوظ أن الأرض أي: أرض الجنة، وقيل: الأرض التي فتحها المسلمون كالحجاز والعراق وغيرها، يرثها عبادي الصالحون أي: أمة محمد، فسماهم صالحين كما في الآية الأخرى: ?وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ القَوْمِ الصَّالِحِينَ? [المائدة: 84] .
ومن فضائلها: أنه وصفها بالفلاح فقال تعالى: ?قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ? [المؤمنون: 1] .
ووصفها بالخير فقال: ?كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ? [آل عمران: 110] وقيل: معناه كنتم خير أمة في اللوح المحفوظ.
قال بعض المفسرين: معنى الآية: أنتم خير أمة أخرجت للناس لأنكم تأمرونهم بالمعروف وتنهوهم عن المنكر، وتردونهم إلى الإسلام، وتدخلوا إلى الجنة وتمنعوهم دخول النار.
ومن فضائلها: أنه يعطى كل منهم يهودياً أو نصرانياً فيقال له: يا مسلم هذا
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٨)
فداؤك من النار، ويدل عليه ما رواه ابن ماجه في سننه (1) عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أمتي أمة مرحومة فإذا كان يوم القيامة يدفع إلى كل رجل رجل من أهل الشرك، فقيل: هذا فداؤك من النار» (2) .
قال القرطبي: قال علماؤنا: ظاهر هذا الحديث وغيره من الأحاديث الواردة في هذا المعنى الإطلاق والعموم، وليست كذلك وإنها هى في ناس مذنبين تفضل الله عليهم بمغفرته ورحمته، فأعطى كلا منهم فكاكاً من النار من الكفار.
واستدلوا على هذا بحديث مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى» (3) .
قالوا: ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «فيغفرها لهم» أنه يسقط المؤاخذة عنهم بها حتى كأنهم لم يذنبوا، ومعنى وضعها على اليهود والنصارى أنه يضاعف عليهم عذابهم بقدر جرمهم وجرم مذنبي المسلمين، أو أخذوا بذلك وإلا فالله تعالى لا يؤاخذ أحداً بذنب غيره كما قال تعالى: ?وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى? [الأعراف: 164] وله سبحانه أن يضاعف لمن يشاء العذاب ويخفف عن من يشاء بحكم إرادته ومشيئته، إذ لا يسأل عما يفعل.
فائدة: جميع الأمم سبعون أمة وهذه الأمة هي خاتمتها وأفضلها، كما ورد في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة» (4) .
وروى الطبراني في المعجم الأوسط وحسنه الهيثمي (5) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن--------------------------------------------
(1) وقع في الأصل: ما رواه مسلم في صحيحه. ولعل الصواب ما أثبتناه فالحديث أخرجه ابن ماجه عن أنس، وعلق عليه البوصيري في مصباح الزجاجة، وهذا يدل على تفرد ابن ماجه برواية الحديث عن باقي أصحاب الكتب الستة، ومنهم الإمام مسلم.
(2) أخرجه ابن ماجه (2/1434، رقم 4292) عن أنس، قال البوصيري (4/257) : هذا إسناد ضعيف لضعف كثير وجبارة.
(3) أخرجه مسلم (4/2120، رقم 2767) عن أبي موسى.
(4) أخرجه مسلم (2/585، رقم 855) عن أبي هريرة.
(5) وقع في الأصل: ابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن. ولعل الصواب ما أثبتناه فالحديث أخرجه الطبراني في الأوسط، وعلق عليه الهيثمي في مجمع الزوائد، وهو لا يعلق إلا على الأحاديث التي لم ترد في الكتب الستة ومنها سنن الترمذي وابن ماجه.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٩)