هذه الاجرام السماوية عند دراستها، بل لا نستطيع ان نعدل ما يطرأ على الموجات الضوئية والصوتية المنبعثة من هذه الاجرام من تغيرات بسبب المسافات الشاسعة التي تفصل بيننا وبينها.
ومع كل ذلك فان هذه الظروف لم تحل بيننا وبين دراسة هذه الكوكب والنجوم في سمواتها، والاستفادة من النظريات والقوانين التي وصلنا اليها في دراسات اخرى مشابهة في ميادين العلوم. وقد وصلنا بفض كل ذلك إلى كثير من المعلومات والحقائق عن هذه العوالم التي لا نستطيع ان نراها الا من بعد، ولا نستطيع ان نمحصها الا تحت ظروف صعبة معقدة. وما بالنا نذهب بعيدا وقد درسنا الذرة واستخدمنا ما نعرفه من قوانين الكتلة والطاقة في استنباط صفاتها وتركيبها وخواصها، ونحن مع ذ…لك لم نر الذرة حتى اليوم بطريقة مباشرة. ولقد ايدت القنبلة الذرية الأولى ما وصلنا اليه من قوانين ونظريات حول تركيب الذرة غير المنظورة ووظائفها. اننا نستدل على هذه الظواهر جميعا بآثارها، معتمدين في ذلك على الاستدلال المنطقي الصرف وعلى ما لدينا من حقائق اولية بسيطة تتعلق بهذه الظواهر والأشياء. واننا لنستطيع ان نستخدم نفس المنطق الاستدلالي في ادراك وجود الله تعالى ومعرفة صفاته. اننا نستطيع ان نستخدم المنطق لكي ندرك ان لخالق هذا الكون صفات تناظر الصفات التي نجدها في أنفسنا، فلابد ان يكون سبحانه متصفا بالحكمة والإرادة والقدرة.
ومما لا شك فيه اننا نحتاج في محاولتنا لوصف الخالق ومعرفة صفاته إلى مصطلحات ومعان تختلف اختلافا بينا عن تلك التي نستخدمها عندما نصف عالم الماديات، فالصفات المادية والتفسيرات الميكانيكية التي تقوم على نظريات السلوكيين تعجز عن ان تعيننا على تحقيق هذه الغاية. وبخاصة بعد ان تبين لنا ان هذا الكون الذي نعيش فيه لا يمكن ان يكون مادة صرفا وانما هو مادة وروح، أو مادة وغير مادة. ولا نستطيع ان نصف الاشياء غير المادية بالأوصاف المادية وحدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
وكثيرا ما طلبت إلى تلاميذي ان يصفوا لي شيئا غير مادي مثل (الفكرة) ، وطلبت اليهم ان يبينوا لي التركيب الكيماوي للفكرة وطولها بالسنتيمترات، ووزنها بالغرامات ولونها وضغطها وان يصفوا لي شكلها وصورتها. وقد عجزوا جميعا عن تحقيق ذلك. وصار من الواضح انه لكي نصف أمرا غير مادي لا بد من استخدام مصطلحات وأوصاف اخرى تختلف اختلافا كبيرا عن المصطلحات التي نستخدمها في دائرة العلوم.
اننا لا نستطيع ان نسخر من هذه المشكلة أو نفر منها. فلو لم يكن هذا الكون ثنائيا لاستطعنا ان نعرف الفكرة تعريفا ماديا صرفا، وهو ما لم يحدث أبدا. والنظريات المادية التي قدمها ديموقريطس وهوبز والسلوكيون، وكذلك النظريات المثالية الصرف التي تفر هذا الكون تفسيرا معنويا خالصاً مما قدمه ليبنتز وبيركلي وهيجل، نقول ان هذه النظريات الأحادية جميعا لا تعدو ان تكون مجرد افتراضات تقوم على التخمين ولا تستند إلى اي أساس من الوجهة التجريبية. ولابد لأي فلسفة تحاول ان تفسر الطبيعة والكون من ان تختبر أولا لمعرفة مدى قدرتها على تفسير سائر أنواع الحقائق والعوامل والعناصر التي يتألف منها هذا الكون أو تظهر فيه.
ان العلوم حقائق مختبرة، ولكنها مع ذلك تتأثر بخيال الإنسان وأوهامه ومدى بعده عن الدقة في ملاحظاته وأوصافه واستنتاجاته. ونتائج العلوم مقبولة داخل هذه الحدود. فهي بذلك مقصورة على الميادين الكمية في الوصف والتنبؤ، وهي تبدأ بالاحتمالات وتنتهي بالاحتمالات كذلك، وليس باليقين. ونتائج العلوم بذلك تقريبية وعرضة للأخطاء المحتملة في القياس والمقارنات، ونتائجها اجتهادية وقابلة للتعديل بالإضافة والحذف، وليست نهائية. واننا لنرى ان العالم عندما يصل إلى قانون أو نظرية يقول ان هذا هو ما وصلنا اليه حتى الان، ويترك الباب مفتوحا لما قد يستجد من التعديلات.
ان العلوم تبدأ بقضايا أو بديهيات مسلم بصحتها برغم انها لا تستند أساسا على حقيقة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
فيزيائية ملموسة. وعلى ذلك فان العلوم تقوم على أساس فلسفي. والخبرة الشخصية في العلوم كما في الفلسفة والدين هي المحك النهائي والملاذ الأخير الذي تختبر به جميع الحقائق في العلوم كما في الفلسفة والدين. وبرغم انه لابد ان تكون الحقائق والنظريات التي يصل اليها رجال العلوم قابلة للاختبار والتحقيق على أيدي غيرهم من العلماء فان ادراكنا الشخصي للظواهر الطبيعية يعتبر أمراً نسبيا ويتوقف على ظروف خاصة بنا.
ومع ذلك فان هذه الحدود والقيود لا تهون من شأن الطريقة العلمية ولا من قيمة النتائج التي نصل اليها باستخدامها، ولكنها توجه الجهود وتقيد النتائج. ومن ذلك ندرك عجز العلوم عجزا كليا من ان تعالج المشكلات التي تبعد عن التحليل أو التركيب الكمي.
فلننتقل الان إلى السؤال الذي يدور حول وجود الله، وهو بطبيعة الحال من الاسئلة التي لا نستطيع العلوم بقيودها السابقة ودائرتها المادية الضيقة أن تعالجها. ولكنه اذا كان هنالك تأثير من العالم الروحي على العالم المادي، فان هذا التأثير يدخل في دائرة العلوم الطبيعية. ولا بد من قبول اية طريقة سليمة نستطيع ان تعالج هذه المشكلة، ومن ذلك طريقة الاستدلال المنطقي التي تقوم على تفسير النتائج بنظائرها أو مثيلاتها، وهي الطريقة التي أشرنا اليها من قبل.
وتعالج العلوم كثيرا من الظواهر الطبيعية التي تحدث في هذا الكون، وبرغم ان العلوم لا تؤيد وجود عالم غير مادي تاييدا كاملا، فانها لا تستطيع ان تنفي بصورة قاطعة وجود عوالم اخرى غير مادية وراء العالم المادي. ونستطيع بطريقة الاستدلال والقياس بقدرة الإنسان وذكائه، في عالم يفيض بالأمور العقلية، ان نصل إلى وجوب وجود قوة مسيطرة مدبرة تدبر هذا الكون وتدبر أموره وتعيننا على فهم ما يغمض علينا من أمر منحنيات التوزيع، ودورة الماء في الطبيعة، ودورة ثاني أوكسيد الكربون فيها، وعمليات التكاثر العجيبة، وعمليات التمثيل الضوئي ذات الاهمية البالغة في اختزان الطاقة الشمسية وما لها من أهمية بالغة في حياة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
الكائنات الحية، وما لا يحصى من عجائب من هذا الكون. اذ كيف يتسنى لنا ان نفسر هذه العمليات المعقدة المنظمة تفسيرا يقوم على أساس المصادفة والتخبط العشوائي؟ وكيف نستطيع ان نفسر هذا الانتظام في ظواهر الكون والعلاقات السببية، والتكامل، والغرضية، والتوافق، والتوازن، التي تنتظم سائر الظواهر وتمتد آثارها من عصر إلى عصر؟ كيف يعمل هذا الكون دون ان يكون له خالق مدبر هو الذي خلقه وأبدعه ودبر سائر أموره؟
ان جميع ما في الكون يشهد على وجود الله سبحانه ويدل على قدرته وعظمته. وعندما نقوم نحن العلماء بتحليل ظواهر هذا الكون ودراساتها، حتى باستخدام الطريقة الاستدلالية، فاننا لا نفعل أكثر من ملاحظة آثار أيادي الله وعظمته (1) . ذلك هو الله الذي لا نستطيع ان نصل اليه بالوسائل العلمية المادية وحدها، ولكننا نرى آياته في أنفسنا وفي كل ذرة من ذرات هذا الوجود. وليست العلوم الا دراسة خلق الله وآثار قدرته.--------------------------------------------
(1) - انظر إلى ابداع القرآن اذ يقول: {أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم ان تنبتوا. إله مع الله بل هم قوم يعدلون}
سورة النمل، آية: 60 (المترجم)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
النتيجة الحتمية
كتبها: جون كليفلاند كوثران
من علماء الكيمياء والرياضة
دكتوراه من جامعة كورنل – رئيس قسم العلوم الطبيعية بجامعة دولث – أخصائي في تحضير النترازول وفي تنقية التنجستين
قال لورد كيلفي – وهو من علماء الطبيعة البارزين في العالم – هذه العبارة القيمة: (اذا فكرت تفكيرا عميقا فان العلوم سوف تضطرك إلى الاعتقاد في وجود الله، ولا بد ان اعلن عن موافقتي كل الموافقة على هذه العبارة.
ان ملاحظة هذا الكون ملاحظة تقوم على الخبرة والذكاء وتدبر ما تعرفه عنه من جميع النواحي سوف تعقودنا إلى التسليم بوجود ثلاثة عوالم من الحقائق، هي العالم المادي (المادة) ، والعالم الفكري (العقل) ، والعالم الروحي (الروح) . وان ما تقدمه الكيمياء في هذا الميدان لابد ان يكون محدوداً لانه قليل من كثير في هذا المجال.
والكيمياء، بحكم اختصاصها بدراسة التركيب والتغيرات التي تطرأ على المادة، بما في ذلك تحول المادة إلى طاقة وتحول الطاقة إلى مادة، تعد من العلوم المادية التي ليس لها صلة بعالم الروحيات. فكيف اذن يتسنى للكيمياء ان تقدم دليلا ماديا على وجود الروح الاعظم أو الله الذي خلق هذا الكون؟ وكيف ينتظر منها ان تختبر الفرض الذي يدعي ان هذا الكون قد نشأن بمحض المصادفة، وان المصادفة هي التي تدبره وتديره، وان جميع ما يحدث فيه يتم بالطريقة العشوائية؟
اننا لنرى ان التطورات الهامة التي تمت في جميع العلوم الطبيعية خلال المائة السنة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
الاخيرة، بما في ذلك الكيمياء، قد حدثت بسبب استخدام الطريقة العلمية في المادة والطاقة. وعند استخدام هذه الطريقة نبذل كل الجهود للتخلص من كل احتمال من الاحتمالات الممكنة التي تجعل النتيجة التي ن صل اليها راجعة إلى محض المصادفة. وقد أثبتت جميع الدراسات العلمية بصورة ثبتت في الماضي ولا تزال ثابتة في الحاضر ان سلوك اي جزيء من أجزاء المادة مهما صغر أو تضاءل حجمه، لا يمكن ان يكون سلوكا عشوائيا، بل انه على نقيض ذلك يخضع لقوانين طبيعية محددة.
وفي كثير من الأحيان يتم اكتشاف القانون قبل اكتشاف أسبابه أو فهم طريقة عمله بفترة طويلة من الزمن، ولكن بمجرد معرفة القانون وتحديد الظروف التي يعمل في ظلها، يثق الكيماويون في كل الثقة. ويظل القانون عاملا ومؤدياً إلى نفس النتائج. وليس من المعقول ان يكون لدى الكيماويين كل هذه الثقة في القوانين الطبيعية لو ان سلوك المادة والطاقة كان من النوع العشوائي الذي تتحكم فيه المصادفة. وعندما يتم أخيرا ادراك الأسباب التي تجعل هذا القانون الطبيعي عاملا وتفسر لنا حقيقته، فان أي أثر لفكرة العشوائية أو المصادفة في سلوك المادة أو الطاقة سوف يندثر اندثارا تاماً.
ومنذ مائة سنة تقريبا رتب العالم الروسي مانداليف العناصر الكيماوية تبعا لتزايد اوزانها الذرية ترتيبا دوريا. وقد وجد ان العناصر التي تقع في قسم واحد تؤلف فصيلة واحدة ويكون لها خواص متشابهة، فهل يمكن ارجاع ذلك إلى مجرد المصادفة؟
وكذلك تمكن العلماء بفضل هذا الترتيب ان يتنبأوا بوجود عناصر لم يكن البشر قد توصلوا اليها بعد، بل أمكن التنبؤ بخواص هذه العناصر المجهولة وتحديدها تحديدا دقيقا، ثم صدقن نبواءتهم في جميع الحالات، فاكتشف العناصر المجهولة وجاءت صفاتها مطابقة كل المطابقة للصفات التي توقعوها. فهل يبقى بعد ذلك مكان للاعتقاد في ان أمور هذا الكون تجري على أساس المصادفة؟ ان اكتشاف مانداليف لا يطلق عليه اسم المصادفة الدورية ولكنه يسمى (القانون الدوري) !
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
وهل يمكن ان نفسر على أساس المصادفة ما وصفه وتوصل اليه العلماء السابقون من تفاعل ذرات عناصر (أ) مع ذرات عنصر (ب) وعدم تفاعلها مع عنصر (جـ) كلا. انهم قد فسروا ذلك على اساس ان هنالك نوعا من الميل او الجاذبية بين جميع ذرات عنصر (أ) وجميع عنصر (ب) . ولكن هذا الميل او الجاذبية منعدم بين ذرات عنصر (أ) وذرات عنصر (ج) .
وقد عرف العلماء كذلك ان سرعة التفاعل بين ذرات المعادن القلوية والماء مثلا تزداد بازدياد اوزانها الذرية. بينما تسلك عناصر الفصيلة الهالوجينية سلوكا مناقضا لهذا السلوك كل المناقصة. ولا يعرف احد سبب التناقض، ومع ذلك فان احدا لم يرجع ذلك إلى محض المصادفة او يظن انه ربما يتعدل سلوك هذه العناصر بعد شهر او شهرين، او تبعا لاختلاف الزمان او المكان، او يحظر بباله ان هذه الذرات ربما لا تتفاعل بنفس الطريقة، او بطريقة عكسية، او طريقة عشوائية.
وقد أثبت اكتشاف تركيب الذرة ان التفاعلات الكيماوية التي نشاهدها والخواص التي نلاحظها ترجع إلى وجود قوانين خاصة وليست محض مصادفة عمياء.
انظر إلى العناصر الكيماوية المعروفة التي يبلغ عددها اثنين بعد المائة، ولاحظ ما بينها من أوجه التشابه والاختلاف العجيبة. فمنها الملون وغيره الملون، وبعضها غاز يصعب تحويله إلى سائل او صلب، وبعضها سائل والآخر صلب يصعب تحويله إلى سائل او غاز، وبعضها هش والآخر شديد الصلابة، وبعضها خفيف والآخر ثقيل، وبعضها موصل جيد والآخر رديء التوصيل، وبعضها مغناطيسي، والآخر غير مغناطيسي، وبعضها نشيط والآخر خامل، وبعضها يكون أحماضا والآخر يكون قواعد، وبعضها معمر والآخر لا يبقى الا لفترة محدودة من الزمان ومع ذلك فانها جميعا تخضع لقانون واحد هو القانون الدوري الذي أشرنا اليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
ومع ما يبدو من التعقيد في تركيب كل ذرة من ذرات العناصر العديدة، فانها تتكون جميعها من نفس الأنواع الثلاثة من الجزئيات الكهربائية، وهي البروتونات الموجبة والالكترونات السالبة والنيوترونات والتي يعتبر كل منها ناشئا عن اتحاد بروتون واحد مع الكترون واحد. وجميع البروتونات والنيوترونات التي بالذرة الواحدة تقع في نواة مركزية. اما الإلكترونات فانها تدور حول محاورها في مدارات مختلفة حول النواة وعلى أبعاد شاسعة منها مكونة ما يشبه مجموعة شمسية مصغرة. وعلى ذلك فان معظم حجم الذرة يعتبر فراغا كما هي الحال في المجموعة الشمسية.
ونستطيع ان نبسط الامر فنقول: ان الفرق بين ذرة عنصر معين وعنصر آخر يرجع إلى الفرق في عدد البروتونات والنيوترونات التي بالنواة، والى عدد وطريقة تنظيم الالكترونات التي في خارج النواة. وعلى ذلك فان ملايين الأنواع من المواد المختلفة سواء أكانت عناصر أم مركبات، تتألف من جزئيات كهربية ليست في الواقع الا مجرد صور او مظاهر من الطاقة. والمادة يوصفها تتكون من مجموعات من الجزئيات والذرات، والجزئيات والذرات ذاتها، والإلكترونات والنيوترونات التي تتألف منها الذرات، والكهرباء والطاقة ذاتها، انما تخضع جميعا للقوانين معينة وليست وليدة المصادفة بحيث يكفي عدد قليل جدا من ذرات اي عنصر للكشف عنه ومعرفة خواصه. وعلى ذلك فان الكون المادي يسوده النظام وليس الفوضى، وتحكمه القوانين وليس المصادفة او التخبط.
فهل يتصور عاقل او يفكر ان يعتقد ان المادة المجردة من العقل والحكمة قد اوجدت نفسها بنفسها بمحض المصادفة؟ او انها هي التي اوجدت هذا النظام وتلك القوانين ثم فرضته على نفسها؟ لا شك ان الجواب سوف يكون سلبيا. بل ان المادة عندما تتحول إلى طاقة او تتحول الطاقة إلى مادة فان كل ذلك يتم طبقا لقوانين معينة، والمادة الناتجة تخضع لنفس القوانين التي تخضع لها المادة المعروفة التي اوجدت قبلها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
وتدلنا الكيمياء، على ان بعض المواد في سبيل الزوال او الفناء، ولكن بعضها يسير نحو الفناء بسرعة كبيرة والآخر بسرعة ضئيلة. وعلى ذلك فان المادة ليست أبدية، ومعنى ذلك ايضا انها ليست أزلية، إذ ان لها بداية. وتدل الشواهد من الكيمياء وغيرها من العلوم على ان بداية المادة لم تكن بطيئة او تدريجية، بل اوجدت بصورة فجائية، وتستطيع العلوم ان تحدد لنا الوقت الذي نشأت فيه هذه المواد. وعلى ذلك فان هذا العالم المادي لا بد ان يكون مخلوقا، وهو منذ ان خلق يخضع لقوانين وسنن كونية محددة ليس لعنصر المصادفة بينها مكان.
فاذا كان هذا العالم المادي عاجزا عن ان يخلق نفسه او يحدد القوانين التي يخضع لها، فلابد ان يكون الخلق قد تم بقدرة كائن غير مادي. وتدل الشواهد جميعا على ان هذا الخالق لابد ان يكون متصفا بالعقل والحكمة. إلا ان العقل لا يستطيع ان يعمل في العالم المادي كما في ممارسة الطب والعلاج السيكولوجي دون ان يكون هنالك ارادة، ولابد لمن يتصف بالإرادة ان يكون موجودا وجودا ذاتيا. وعلى ذلك فان النتيجة المنطقية الحتمية التي يفرضها علينا العقل ليست مقصورة على ان لهذا الكون خالقا فحسب، بل لابد ان يكون هذا الخالق حكيما عليما قادرا على كل شيء حتى يستطيع ان يخلق هذا الكون وينظمه ويدبره، ولا بد ان يكون هذا الخالق دائم الوجود تتجلى آياته في كل مكان. وعلى ذلك فانه لا مفر من التسليم بوجود الله خالق هذا الكون وموجهه، كما أشرنا إلى ذلك في بداية هذا المقال.
ان التقدم الذي احرزته العلوم منذ أيام لورد كيلفن يجمعنا نؤكد بصورة لم يسبق لها مثيل ما قاله من قبل من أننا اذا فكرنا عميقا فان العلوم سوف تضطرنا إلى الايمان بالله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
فلننظر
إلى الحقائق دون ملل او تحيز
كتبها: ادوارد لوثركيسيل
أخصائي في علم الحيوان والحشرات – حاصل على دكتوراه من جامعة كاليفورنيا – أستاذ علم الأحياء ورئيس القسم بجامعة سان فرانسيسكو – متخصص في دراسة أجنة الحشرات والسلامندر والحشرات ذوات الجناحين.
أضاف البحث العلمي خلال السنوات الأخيرة أدلة جديدة على وجود الله زيادة على الأدلة الفلسفية التقليدية. ونحن لا نقصد من ذلك ان الأدلة الجديدة لازمة او لا غنى عنها، فقد كان في الإثباتات القديمة ما يكفي لاقناع اي انسان يستطيع ان ينظر إلى الموضوع نظرة مجردة عن الميل أو التحيز. وأنا بوصفي ممن يؤمنون بالله أرحب بهذه الأدلة الجديدة لسببين: فهي أولا تزيد معرفتنا بآيات الله وضوحا. وهي ثانيا تساعد على كشف الغطاء عن أعين كثير من صرحاء الشكيين حتى يسلموا بوجود الله.
لقد عمت أمريكا في السنوات الأخيرة موجة من العودة إلى الدين، ولم تتخط هذه الموجة معاهد العلم لدينا. ولا شك ان الكشوف العلمية الحديثة التي تشير إلى ضرورة وجود إله لهذا الكون قد لعبت دورا كبيرا في هذه العودة إلى رحاب الله والاتجاه اليه. وطبيعي ان البحوث العلمية التي أدت إلى هذه الادلة لم يكن يقصد من اجرائها إثبات وجود الخالق، فغاية العلوم هي البحث عن خبايا الطبيعة واستغلال قواها، وهي لا تدخل في البحث عن مشكلة النشأة الأولى، فهذه من المشكلات الفلسفية، والعلوم لا تهتم إلا بمعرفة كيف تؤدي الأشياء وظائفها، وهي لا تهتم بمعرفة من الذي جعلها تعمل او تؤدي هذه الوظائف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
ولكن كل انسان – حتى أولئك الذين يشتغلون بالعلوم الطبيعية – لديه ميل او نزعة نحو الفلسفة. ومما يؤسف له ان المرموقين من العلماء ليسوا دائما من الفلاسفة الممتازين، فقليل منهم هم الذين يفكرون في أمور النشأة الأولى. وقد يعتقد بعضهم ان هذا الكون هو خالق نفسه، على حين يرى البعض الآخر ان الاعتقاد في أزلية هذا الكون ليس اصعب من الاعتقاد في وجود اله أزلي.
ولكن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يثبت خطأ هذا الرأي الأخير. فالعلوم تثبت بكل وضوح ان هذا الكون لا يمكن ان يكون أزليا، فهنالك انتقال حراري مستمر من الأجسام الحارة إلى الأجسام الباردة، ولا يمكن ان يحدث العكس بقوة ذاتية بحيث تعود الحرارة فترتد من الأجسام الباردة إلى الأجسام الحارة. ومعنى ذلك ان الكون يتجه إلى درجة تتساوى فيها حرارة جميع الأجسام وينضب فيها معين الطاقة. ويومئذ لن تكون هنالك عمليات كيماوية أو طبيعية، ولن يكون هنالك أثر للحياة نفسها في هذا الكون. ولما كانت الحياة لا تزال قائمة، ولا تزال العمليات الكيماوية والطبيعية تسير في طريقها، فاننا نستطيع ان نستنتج ان هذا الكون لا يمكن ان يكون أزليا، وإلا لاستهلكت طاقته منذ زمن بعيد وتوقف كل نشاط في الوجود. وهكذا توصلت العلوم – دون قصد – إلى ان لهذا الكون بداية. وهي بذلك تثبت وجود الله، لان ما له بداية لا يمكن أن يكون قد بدأ نفسه ولا بد من مبديء، او من محرك أول، او من خالق، هو الإله.
ولا يقتصر ما قدمته العلوم على اثبات ان لهذا الكون بداية، فقد اثبتت فوق ذلك انه بدأ دفعة واحدة منذ نحو خمسة بلايين سنة. والواقع ان الكون لا يزال في عملية انتشار مستمر تبدأ من مركز نشأته. واليوم لا بد لمن يؤمنون بنتائج العلوم ان يؤمنوا بفكرة الخالق أيضا، وهي فكرة تستشرف على سنن الطبيعة، لان هذه السنن انما هي ثمرة الخلق،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
ولابد لهم أن يسلموا بفكرة الخالق الذي وضع قوانين هذا الكون، لان هذه القوانين ذاتها مخلوقة، وليس من المعقول ان يكون هنالك خلق دون خالق: هو الله. وما ان أوجد الله مادة هذا الكون والقوانين التي تخضع لها حتى سخرها جميعا لاستمرار عملية الخلق عن طريق التطور.
إنني واثق ان كلمة التطور قد أسيء فهمها في كثير من الدوائر حتى صار مجرد النطق بها يثير التعجب. وإنني أفهم ما يعنيه هؤلاء الأصدقاء، بل أتفق معهم في ان التطور المقصود هنا هو التطور المادي أو الميكانيكي الذي ينبغي ان نفرق بينه وبين التطور الخلقي او الإبداعي كل التفرقة. ولو ان جميع المشتغلين بالعلوم نظروا إلى ما تعطيهم العلوم من أدلة على وجود الخالق بنفس روح الأمانة والبعد عن التحيز الذي ينظرون به إلى نتائج بحوثهم، ولو أنهم حرروا عقولهم من سلطان التأثر بعواطفهم وانفعالاتهم، فانهم سوف يسلمون دون شك بوجود الله، وهذا هو الحل الوحيد الذي يفسر الحقائق. فدراسة العلوم بعقل متفتح سوف تقودنا بدون شك إلى إدراك وجود السبب الأول الذي هو الله (1) .
ولقد من الخالق على جيلنا وبارك جهودنا العلمية بكشف كثير من الأمور حول الطبيعة، وصار من الواجب على كل انسان، سواء أكان من المشتغلين بالعلوم او من غير المشتغلين بها، ان يستفيد من هذه الكشوف العلمية في تدعيم إيمانه بالله.
وكما ينبغي ان يتدبر العالم المتفتح العقل وجود الله ويسلم به، فان غير المشتغل بالعلوم ينبغي له ان يفحص هو ايضا هذه الأدلة ويدرك ان التطور الإبداعي هو وسيلة الخالق في خلقه، وأن الله هو الذي أبدع هذا الكون بقدرته وسن قوانينه الطبيعية، فالخلق الإبداعي هو التفسير الوحيد الذي يوضح لنا سر هذا الوجود ويوفق بين ظواهره المختلفة التي يبسطها لنا كتاب الطبيعة التي نقرأ صفحاتها في جميع العلوم المختلفة من علم التصوير--------------------------------------------
(1) - {انما يخشى الله من عباده العلماء} قرآن كريم سورة فاطر، آية: 28.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
العضوي (المورفولوجية) ووظائف الأعضاء، والأجنة، والكيمياء العضوية، والتوريث والأحافيز، وتصنيف الأحياء، والجغرافية الحيوانية، الخ.
والانتخاب الطبيعي هو احد العوامل الميكانيكية للتطور، كما ان التطور هو أحد عوامل عملية الخلق، فالتطور اذن ليس الا أحد السنن الكونية او القوانين الطبيعية، وهو كسائر القوانين العلمية الأخرى يقوم بدور ثانوي، لأنه هو ذاته يحتاج إلى من يبدعه. ولا شك في انه من خلق الله وصنعه. والكائنات التي تنشأ بطريق عملية الانتخاب الطبيعي قد خلقها الله أيضا كما خلق القوانين التي تخضع لها، فالانتخاب الطبيعي ذاته لا يستطيع ان يخلق شيئا، وكل ما يفعله هو انه احدى الطرق التي تسلكها بعض الكائنات في سبيل البقاء او الزوال عن طريق الحياة والتكاثر بين الأنواع المختلفة. أما الانواع ذاتها التي يتم فيها هذا الانتقاء فانها تنشأ عن طفرات تخضع لقوانين الوراثة وظواهرها، وهذه القوانين لا تسير على غير هدى ولا تخضع للمصادفة العمياء كما يتوهم الماديون او يريدوننا ان نعتقد.
ان الطفرات او التغيرات الفجائية ليست مجرد خبط عشواء – كما يدعي بعض الباحثين – لفترة طويلة من الزمان، فالطفرات التي تحدد احجام الأعضاء مثلا قد تؤدي – كما ثبت من بعض البحوث الحديثة – إلى صغر حجم الأعضاء المختصة، والانتخاب الطبيعي الذي يعتمد على الطفرات التي تتم بمحض المصادفة لا يقضي الا على الأعضاء الضارة. ومع ذلك فاننا نشاهد ان الأعضاء المتعادلة التي ليس لها ضرر ولا نفع تتضاءل هي الاخرى، مما يثبت ان الطفرات ليست دائما عشوائية وان التطور لا يعتمد على المصادفة العمياء. وعلى ذلك فانه لا مفر من التسليم بان هنالك حكمة وتدبيرا وراء الخلق ووراء القوانين التي توجهه. ولا مفر لنا كذلك من التسليم بان التطور ذاته قد صمم بحكمة وانه يحتاج هو أيضا إلى خالق يبدعه.
ولا يتسع المقام لسرد أدلة أخرى لبيان الحكمة والتصميم والإبداع في هذا الكون،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
لكنني وصلت إلى كثير من هذه الأدلة فيما قمت به من البحوث المحدودة حول أجنة الحشرات وتطورها. وكلما استرسلت في دراستي للطبيعة والكون، ازداد اقتناعي وقوي ايماني بهذه الأدلة. فالعمليات والظواهر التي تهتم العلوم بدراستها، ليست الا مظاهر وآيات بينات على وجود الخالق المبدع لهذا الكون. وليس التطور الا مرحلة من مراحل عملية الخلق.
وبرغم ان صيحات الماديين والطبيعيين قد حجبت كثيرا من الباحثين الأمناء عن الحقيقة، فان فكرة التطور الخلقي لا يمكن ان تكون منافية للعقيدة الدينية. بل على النقيض من ذلك نجد من الحماقة والتناقض في الرأي ان يسلم الانسان بفكرة التطور ويرفض ان يسلم بحقيقة وجود الخالق الذي اوجد هذا التطور.
لقد عاش منذ عهد اوغستين العظيم في القرن الرابع حتى اليوم كثير ممن آمنوا بالله ورفضوا فكرة الخلق بمعنى الصناعة، وقبلوا فكرة الخلق على اساس التطور. والواقع انه بالنسبة لهؤلاء – وأنا من بينهم – نجد ان للتطور أهمية من الناحية الدينية، فهو يقود العقل الأمين المتجرد من التحيز إلى فكرة وجود الله تعالى.
وأعود فأقول ان دراسة العلوم بعقل متفتح تجعل الإنسان يسلم بضرورة وجود الله والايمان به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
استخدام الاسلوب العلمي
كتبه: وولز اوسكار لندبرغ
عالم الفسيولوجيا والكيمياء الحيوية – حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة جونز هونكنز – استاذ فسيولوجية الكيمياء بجامعة منيسونا – عميد معهد هورمل منذ سنة 1949 – عضو ورئيس جمعيات عديدة لدراسة الطعام وتركيبه الغذائي – مؤلف سلسلة كتب تركيب الدهون والليبيدات الاخرى – نشر كثيرا من البحوث العلمية.
للعالم المشتغل بالبحوث العلمية ميزة على غيره، واذا استطاع ان يستخدم هذه الميزة في ادراك الحقيقة حول وجود الله. فالمبادئ الأساسية التي تستند اليها الطريقة العلمية التي يجري بحوثه على مقتضاها هي ذاتها دليل على وجود الله. وقد ينجح كثير من رجال العلوم الذين لا يدركون هذه النقطة في أعمالهم كعلماء. ولا ينبغي ان نعتبر هذا النجاح مناقضا للحقيقة التي أشرنا اليها، فالنجاح في دراسة العلوم يعتمد اساسا على استخدام أسلوب معين، ولا يتوقف بعد ذلك على مدى تقدير العالم للمبادئ الأساسية التي يقوم عليها هذا الأسلوب.
ويرجع فشل بعض العلماء في فهمهم وقبولهم لما تدل عليه المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الطريقة العلمية من وجود الله والايمان به إلى أسباب عديدة نخص اثنين منها بالذكر:
أولا: يرجع انكار وجود الله في بعض الاحيان إلى ما تتبعه بعض الجماعات او المنظمات الإلحادية او الدولة من سياسة معينة ترمي إلى شيوع الالحاد ومحاربة الايمان بالله بسب تعارض هذه العقيدة مع صالح هذه الجماعات او مبادئها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
ثانيا: وحتى عندما تتحرر عقول الناس من الخوف فليس من السهل ان تتحرر من التعصب والأهواء. ففي جميع المنظمات الدينية المسيحية تبذل محاولات لجعل الناس يعتقدون منذ طفولتهم في اله هو على صورة الانسان، بدلا من الاعتقاد بان الانسان قد خلق خليفة لله في الارض. وعندما تنمو العقول بعد ذلك وتتدرب على استخدام الطريقة العلمية فان تلك الصورة التي تعلموها منذ الصغر لا يمكن ان تنسجم مع اسلوبهم في التفكير او مع اي منطق مقبول. واخيرا عندما تفشل جميع المحاولات في التوفيق بين تلك الافكار الدينية القديمة وبين مقتضيات المنطق والتفكير العلمي، نجد هؤلاء المفكرين يتخلصون من الصراع بنبذ فكرة الله كلية. وعندما يصلون إلى هذه المرحلة ويظنون انهم قد تخلصوا من أوهام الدين وما ترتب عليها من تنائج نفسية، لا يحبون العودة إلى التفكير في هذه الموضوعات، بل يقاومون قبول أية فكرة جديدة تتصل بهذا الموضوع وتدور حول وجود الله.
فما هي الطريقة العلمية وما هي أسسها التي تكشف عن وجود الله؟ اننا نستطيع ان نوضح خطوات الطريقة العلمية بايجاز وتبسط فيما يلي: يلاحظ العالم اولا بعض الظواهر التي يقع عليها اختياره ويسجلها، وقد تتم هذه الملاحظة دون تأثير في الظاهرة نفسها كما في دراسة الفلك، او مع شيء من التحكم في العوامل المؤثرة في الظاهرة كما في تجارب المعمل ثم يربط العالم بين ملاحظاته والملاحظات والنتائج التي حصل عليها غيره من العلماء السابقين لكي يحصل على نتائج او فروض جديدة. وتتوقف هذه العملية على الاستنباط اكثر من توقفها على القياس، لان النتائج او الفروض التي يصل اليها العقل بهذه الطريقة تتناول اكثر مما تستطيع ان تصل اليه الملاحظة، فهي بذلك نوع من التنبؤ.
واخيرا اذا أراد العالم ان يختبر صحة فروضه او نتائجه، فان عليه ان يحصل على ملاحظات اضافية جديدة لكي يستوثق بها من صحة النبوءات التي صاغها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
ومجمل القول ان الطريقة العلمية تقوم على أساس انتظام الظواهر الطبيعية والقدرة على التنبؤ بها في ظل هذا الانتظام، ونستطيع ان نقول بكل دقة: ان هذا الانتظام في ظواهر الكون والقدرة على التنبؤ بها – وهما الأساسان اللذان تقوم عليهما الطريقة العلمية – هما في الوقت ذاته أساس الإيمان بفكرة وجود الله، إذ كيف يتسنى ان يكون هنالك كل هذا الانتظام، وأنى يتسنى لنا أن نتنبأ بهذه الظواهر ما لم يكن هنالك مبدع ومدبر وحافظ لهذا النظام العجيب؟
ولا تنبع فكرة الايمان بوجود الله اصلا من قدرة الإنسان على تقدير هذا النظام او التنبؤ بما يترتب عليه، ولكنها ترجع إلى أن الانسان نفسه قد خلق خليفة لله (1) . فاذا نبذ الانسان فكرة الايمان باله على صورته، وآمن بما تكشف عنه وتدل عليه الظواهر الطبيعية من أن الإنسان هو الذي خلق على صورة الله او خليفة له، فانه يسير في الطريق السليم نحو الايمان بجلال الله وقدسيته (2) .
ولا يزال الانسان في معهد العلم والمعرفة، وهو يدرك ان الكون بارضه وسماواته وما بينهما فسيح إلى أقصى الحدود، كما ان الوحدات الأساسية التي تتألف منها المادة والطاقة صغيرة متناهية في الصغر، وان مدى حياته ليس الا جزءا ضئيلا من الثانية بالنسبة لعمر هذا الكون المديد. وهو يكاد يلمس احيانا ان هناك صورا اخرى من المادة والطاقة والأبعاد وغير ذلك من العوالم التي يجهلها في الوقت الحاضر كل الجهل، وهو يدرك ايضا الحياة نفسها ادراكا غامضا لعدم قدرته على فهمها فهما علميا واضحا. ورغم جهل الانسان وقلة علمه، وفهمه المحدود لكل هذه الظواهر، فانه يشعر ان هنالك كثيرا من الامور التي ينتظر--------------------------------------------
(1) - يعبر القرآن عن ذلك بكل صراحة حين يقول: (واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة) سورة البقرة، آية: 30.
(2) - يفرق القرآن تماما بين المخلوقات والخالق (ليس كمثله شيء) ، ومن أوصاف الله تعالى انه (نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء) سورة النور، آية: 35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
ان يصل اليها ويميط عنها اللثام، وجميعها تقوم على اساس انتظام الطبيعة وقدرة الانسان على التنبؤ بظواهرها في ظل ما يكشف عنه الحجاب من سنن هذا الكون وأسراره التي ما هي في الواقع الا من تجليات الخالق في خلقه.
ولما كان إيمان الانسان بالله كما تدل عليه الظواهر الطبيعية والسنن الكونية اليوم لا يزال محدودا للغاية (1) ، لذلك ينبغي ان يقوم ايمان الانسان بالله فوق ذلك وبالاضافة اليه على أساس روحاني وأساس روحاني وأساس من العقيدة والتسليم. فالايمان بالله مصدر لسعادة لا ينضب في حياة كثير من البشر (2) . اما المشتغلون بالعلوم الذين يرجون الله فلديهم متعة كبرى يحصلون عليها كلما وصلوا إلى كشف جديد في ميدان من الميادين، اذ…ان كل كشف جديد يدعم ايمانهم بالله، ويزيد من ادراكهم وابصارهم لأيادي الله في هذا الكون (3) .--------------------------------------------
(1) - سوف تزيل الكشوف العملية جميع الحجب وتنير الطريق، ويقول القرآن: (سنريهم آياتنا في الافاق وفي انفسهم حتى يتبين لهم انه الحق) سورة السجدة، آية: 53.
(2) - (وما أرسلناك الا رحمة للعالمين) سورة الأنبياء، آية: 107.
(3) - (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا الا الظالمون) سورة العنكبوت، آية: 49.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
الأدلة الطبيعية على وجود الله
كتبها: بول كلارنس ابرسولد
أستاذ الطبيعة الحيوية – حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا، مدير قسم النظائر والطاقة الذرية في معامل أوك ريدج - عضو جمعية الأبحاث النووية والطبيعية النووية............
قال الفيلسوف الانجليزي فرانسس بيكون منذ أكثر من ثلاثة قرون إن قليل من الفلسفة يقرب الإنسان من الإلحاد أما التعمق في الفلسفة فيرده إلى الدين ولقد كان بيكون على صواب فيما ذهب إليه فلقد احتار الملايين من الباحثين والمفكرين منذ وجود الإنسان على سطح الأرض في كنه العبقرية والتدبر الذي يتجلى في الإنسان وفي هذا الوجود وتساءلوا عما عساه أن يكون وراء هذه الحياة وسوف تتكرر هذه الأسئلة ما بقي الإنسان على سطح الأرض وبسبب عمق هذه الأسئلة وروحانيتها البالغة فإننا سوف نحاول أن نمسها في تواضع دون أن ننتظر إجابة شافية عنها.
هناك أمر واحد لا شك فيه، فبقدر ما بلغ الإنسان من معرفة وما لدية من ذكاء وقدرة على التفكير لم يشعر في وقت من الأوقات بأنه كامل في ذاته والناس على اختلاف أديانهم وأجناسهم وأوطانهم قد عرفوا منذ القدم وبصورة تكاد تكون عامة مبلغ قصور الإنسان على إدراك كنه هذا الكون المتسع، كما عجزوا عن إدراك سر الحياة وطبيعتها في هذا الوجود.
وقد لمس الناس عامة - سواء بطريقة فلسفية عقلية أو روحانية - أن هناك قوة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
فكرية هائلة ونظاماً في هذا الكون يفوق ما يمكن تفسيره على أساس المصادفة أو الحوادث العشوائية التي تظهر أحياناً بين الأشياء غير الحية التي تتحرك أو تسير على غير هدى.
ولا شك أن اتجاه الإنسان وتطلعه إلى البحث عن عقل أكبر من عقله وتدبير أحكام من تدبيره وأوسع لكي يستعين به على تفسير هذا الكون يعد في ذاته دليلاً على وجود قوة أكبر وتدبير أعظم هي قوة الله وتدبيره.
وقد لا يستطيع الإنسان أن يسلم بوجود الخالق تسليماً تاماً على أساس الأدلة العلمية والأدلة الروحية أي عندما ندمج معلوماتنا عن هذا الكون المتسع إلى أقصى حدود الاتساع المعقد إلى أقصى حدود التعقيد مع إحساسنا الداخلي والاستجابة إلى نداء العاطفة والروح الذي ينبعث من أعماق نفوسنا ولو ذهبنا نحصى الأسباب والدوافع الداخلية التي تدعو ملايين الأذكياء من البشر إلى الإيمان بالله لوجدناها متنوعة لا يحصيها حصر ولا عد ولكنها قوية في دلالتها على وجوده تعالى مؤدية إلى الإيمان به.
ولقد كنت عند بدء دراستي للعلوم شديد للعلوم شديد الإعجاب بالتفكير الإنساني وبقوة الأساليب العلمية إلى درجة جعلتني أثق كل الثقة
كل الثقة كل الثقة بقدرة العلوم على حل أية مشكلة في هذا الكون بل على معرفة منشأ الحياة والعقل وإدراك معنى كل شيء وعندما تزايد علمي ومعرفتي بالأشياء من الذرة إلى الأجرام السماوية ومن الميكروب الدقيق إلى الإنسان تبين لى أن هناك كثيراً من الأشياء التي لم تستطع العلوم حتى اليوم أن تجدلها تفسيراً أو تكشف عن أسرارها النقاب وتستطيع العلوم أن تمضى مظفرة في طريقها ملايين السنين ومع ذلك فسوف تبقى كثير من المشكلات حول تفاصيل الذرة والكون والعقل كما هي لا يصل الإنسان إلى حل لها أو الإحاطة بأسرارها وقد أدرك رجال العلوم أن وسائلهم وإن كانت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)