Arabic source text

📘 মাদরাসাতুল হাদীস ফী মিসর (মুহাম্মদ রাশাদ খলিফা - মৃত্যু 1421 হিজরী)

📘 مدرسة الحديث في مصر (محمد رشاد خليفة - ت 1421 هـ)

📘 মাদরাসাতুল হাদীস ফী মিসর (মুহাম্মদ রাশাদ খলিফা - মৃত্যু 1421 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
9- كتاب الرجعة:
وفيه باب الإيلاء والظهار، والكفارة، وباب اللعان، وباب العدة والإحداد، وباب الرضاع وباب النفقات، وباب الحضانة.
10- كتاب الجنايات:
وفيه باب الديات، وباب دعوى الدم والقسامة، وباب قتال أهل البغي، وباب قتال الجاني وقتل المرتد.
11- كتاب الحدود:
وفيه باب حد الزانى، وباب حد القذف، وباب حد السرقة، وباب حد الشارب وبيان المسكر، وباب التعزير وحكم الصائل.
12- كتاب الجهاد:
وفيه باب الجزية والهدنة، وباب السبق والرمي.
13- كتاب الأطعمة:
وفيه باب الصيد والذبائح، وباب الأضاحي، وباب العقيقة.
14- كتاب الإيمان والنذور:
وليس تحته أبواب.
15- كتاب القضاء:
وفيه باب الشهادات، وباب الدعاوي والبينات.
16- كتاب العتق:
وفيه باب المدبر والمكاتب وأم الولد.
17- كتاب الجامع:
وفيه باب الأدب، وباب البر والصلة، وباب الزهد والورع، وباب الترهيب من مساوئ الأخلاق، وباب الترغيب في مكارم الأخلاق، وباب الذكر والدعاء.
وختم الكتاب بما سبق أن ختم به الإمام البخاري صحيحه، ختمه بحديث: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" ويا حبذا لو بدأه بما بدأ به البخاري صحيحه: "إنما الأعمال بالنيات". فإنه من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام فضلًا على أن النية في العمل شرط في صحته.
وقد أوردنا محتويات الكتاب على هذه الصورة التي رأيناه عليها ليلمس القارئ فيها ظاهرة تبدو بارزة في تبويب الكتاب، وأنه لم يكن دقيقًا ولا مضبوطًا في بعض ما اندرج من الأبواب تحت

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)

عنوان الكتاب منه، أو في وجود أحاديث كانت تستحق إيرادها تحت أبواب غير تلك التي أدرجت فيها، أو في إيراد كتب ليس تحتها أبواب، وقد كانت حرية بذلك، أو في إيراد أحاديث سائبة دون عنونة، وقد كانت جديرة بذلك، أو في إيراد أبواب كان الأولى بها أن تكون كتبًا لفقد الربط بينها وبين ما اندرجت تحته من الكتب.
فمن الأول:
باب اللباس، فقد أدرجه المصنف تحت كتابه الصلاة، وكان حقه أن يكون كتابًا مستقلًّا برأسه، وهو بذلك أولى من كتاب الجنائز الذي تبدو الصلة واضحة بينه وبين كتاب الصلاة باعتبار صلاة الجنازة وأهميتها، ومع ذلك أفرد للجنائز كتابًا مستقلًّا برأسه، ولم يفعل ذلك في اللباس الذي لا تربطه صلة بكتاب الصلاة، ولا ينبغي أن يقال: إن ستر العورة باللباس شرط من الشروط في الصلاة، فإن المصنف لم يورد في هذا الباب من الأحاديث ما يربط بينه وبين كتاب الصلاة، فضلًا عن أن ستر العورة واجب على المسلم في كل أحواله: في الصلاة وفي غير الصلاة.
ومن الثاني:
حديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد … " ولا تبدو له مناسبة بينه وبين كتاب الإيمان والنذور الذي أورده فيه، اللهم إلا إذا قيل: إنه أورده هنا للتنبيه على عدم جواز النذر لشد الرحال لغير هذه المساجد؛ لأنه لا نذر في معصية، غير أن نص الحديث لا يساعد على هذا الربط بينه وبين الكتاب الذي ورد فيه، وقد ورد هذا الحديث بعينه في باب الاعتكاف وقيام رمضان، وقد يقال في إيراده في هذا الباب ما قيل في إيراده في كتاب الإيمان والنذور.
ومن الثالث:
ما أورده من أحاديث تحت عنوان كتاب الجنائز، وقد كان الأولى بكثير منها أن تندرج تحت أبواب تحمل عناوين متعددة، فإن طول كتاب الجنائز وتشتت موضوعاته جدير بذلك، فإن منها ما يتعلق بتجهيز الميت ومنها ما يتعلق بتكفينه، ومنها ما يتعلق بدفنه، وذكر الموت، وما إلى ذلك.
ومنها أيضًا ما أورده من أحاديث في كتاب الإيمان والنذور كان مقتضى الدقة والضبط أن تفرز في أبواب مختلفة، فإن منها ما يتعلق بالنهي عن الحلف بغير الله، ومنها ما يتعلق بكيفية اليمين، ومنها ما يتصل بالكفارة عنه، ومنها ما هو بيان ليمين النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ما يبين اليمين الغموس واللغو، ومنها ما يرتبط بالنهي عن النذر، وبيان حكم النذر في الطاعة وفي المعصية وكفارة النذر، وغير ذلك.
ومن الرابع:
تلك الأحاديث التي قدمها سائبة في أوائل بعض الكتب بين يدي إيراده لأبوابها وهذه الكتب هي:
1- كتاب الزكاة:
وقد أورد في أوله خمسة وعشرين حديثًا ليست داخلة تحت باب، وكان حقها أن يعنون لكل منها بما يناسبه، فإن منها ما يتصل بفرضية الزكاة، ومنها ما يتعلق بنصابها في الزروع والثمار، وفي مال التجارة ومواقيت الأداء، وغير ذلك.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)

2- كتاب الصيام:
وقد أورد في أوله ستة وعشرين حديثًا لم يذكر لها عناوين تناسب كل نوع منها، وإن منها ما يتعلق بالنهي عن سبق رمضان بصيام غير معتاد، ومنها ما يرتبط بالنهي عن صوم يوم الشك، وما هو مرتبط برؤية هلال رمضان، وما هو متصل بتبييت النية، والسحور، وما يفطر عليه، الصائم، والنهي عن الوصال، وغير ذلك.
3- كتاب النكاح:
وقد أورد في أوله واحدًا وثلاثين حديثًا سائبة بغير تنويع، وكان أولى بها مثل هذه العناوين: الترغيب في النكاح، تخير الزوج، خُطبة النكاح، الخِطبة، الصداق، إعلان الزواج، شروط النكاح، الاختيار وعدم الإكراه، النكاح المحرم، نكاح المتعة، المحلل.
4- كتاب الجنايات:
وأورد في أوله ستة عشر حديثًا دون تبويب، لو أنه بوبها لكان الأقرب إلى ذلك ما يأتي: القصاص، حرمة دم المسلم، أحكام الجنايات، بين القصاص والعفو، وأن يلحق بالديات ما يخصها من هذه الأحاديث.
5- كتاب الجهاد:
وأورد في أوله ثلاثة وأربعين حديثًا لم يبوبها، ولو أنه فعل لكانت عناوينها أقرب إلى ما يأتي:
الحث على الجهاد، جهاد المرأة ومن له أبوان، الهجرة "ومن عجب أن تقحم في موضوعات الجهاد وبين أحاديثه" وصية الأمير للجيش، التورية في الجهاد، اختيار الوقت، طرق القتال، الغلول في الغنائم، جزاء الغدر، الفدية، الشفاعة للأسير، حل الأخذ من الغنائم بقدر الحاجة قبل القسمة، تطهير الجزيرة العربية من أهل الكتاب، حسن معاملة العدو، أحكام متفرقة.
6- كتاب الأطعمة:
في أوله اثنا عشر حديثًا دون تبويب، كان يمكن إدراجها تحت باب أو بابين عن المباح والمحظور من الأطعمة.
7- كتاب القضاء:
وأورد في أوله ثلاثة عشر حديثًا سائبة، لو أنه بوبها لكانت قريبًا مما يأتي: حث القاضي على المعرفة والعدل، الترهيب من قبول القضاء، حكم خطأ المجتهد، إرشاد القاضي، التحذير من الاحتيال لأخذ المال، قضاء المرأة، نهي القاضي عن الاحتجاب، حرمة الرشوة، المساواة بين المتخاصمين.
8- كتاب العتق:
وفي أوله تسعة أحاديث لم تدخل تحت باب، ولو أنه بوبها لكانت كما يأتي: فضل العتق، عتق بعض العبد، أحكام عامة، الولاء.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)

ومن الخامس:
هذه الأبواب التي أوردها تحت كتب، وليس بينها وبين تلك الكتب أية صلة، ومن ذلك ما أورده تحت كتاب البيوع من أبواب: إحياء الموات، والوقف، والهبة، والعمري والرقبى واللقطة، والوصايا، والوديعة، وأبرز من هذا كله باب الفرائض، وقد عده من بين أبواب حكاب البيوع، وأية علاقة بينه وبينها حتى يعد بابًا منها؟
ومن الظواهر التي رأيناها عند دراستنا لهذا الكتاب أمانة ابن حجر العلمية في عرض أدلة المخالفين لمذهبه، فإنه يورد هذه الأدلة في مواجهة أدلة الشافعية لتكون أمام الدارس والمجتهد والفاحص يتعرف من خلالها طريقه، ويتبين من ثناياها مسلكه، وبذلك يبرئ ابن حجر عهدته، ويلقي على الدارس عبثه ومسئوليته، بعد أن يضع أمامه أدلة كل فريق، ومن غير تحيز ولا تعصب لمذهبه الذي ارتضاه، ومن ذلك ما فعله فيما يأتي:
1- في المسح على العمامة أورد المصنف حديث المغيرة بن شعبة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين" وقد قال الصنعاني في شرحه لهذا الحديث: إن الاقتصار بالمسح على العمامة لم يقل به الجمهور.
ونقل عن ابن القيم قوله: ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة، لكن إذا مسح بناصيته كمل على العمامة، كما في حديث المغيرة هذا1.
وقد أورد في نفس المعنى حديث ثوبان قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأمرهم أن يمسحوا على العصائب؛ يعني العمائم، والنساخين؛ يعني الخفاف" قال الصنعاني في شرحه لهذه الحديث2: ظاهر الحديث أنه يجوز المسح على العمائم كالمسح على الخفين.
إلى أن قال: وظاهره أيضا أنه لا يشترط للمسح عليها عذر، وأنه يجزئ مسحها وإن لم يمس الرأس ماء أصلًا.
2- وفي حديث عائشة رضي الله عنها3: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ" قال الصنعاني4: فالحديث دليل على أن لمس المرأة وتقبيلها لا ينقض الوضوء، وهذا هو الأصل.
وذهب الشافعية إلى أن لمس من لا يحرم نكاحها ناقض للوضوء مستدلين بقوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء} فلزم الوضوء من اللمس.
وفي هذا الباب أورد حديث طلق بن علي5 قال: قال رجل: مسست ذكري، أو قال: الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه وضوء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا، إنما هو بضعة--------------------------------------------
1 سبل السلام: ج1 ص51 وبلوغ المرام ص21.
2 سبل السلام: ج1 ص60 وبلوغ المرام ص34.
3 بلوغ المرام: ص26.
4 سبل السلام: ج1 ص66.
5 بلوغ المرام: ص26.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)

منك" وقال الصنعاني1 في شرحه: والحديث دليل على ما هو الأصل من عدم نقض مس الذكر للوضوء.
كما أورد في هذا الباب حديثًا آخر يناقضه في الدلالة، وهو حديث بسرة بنت صفوان2 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من مس ذكره فليتوضأ" وقال الصنعاني عند شرحه له: وبه استدل من سمعت عن الصحابة والتابعين وأحمد والشافعي على نقض مس الذكر للوضوء والمراد مسه من غير حائل3.
3- وفي باب صلاة المسافر والمريض أورد حديثًا يستدل به الحنفية على أن القصر عزيمة لا رخصة، وهو حديث عائشة4 رضي الله عنها قالت: "أول ما فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر".
ثم أورد بعده حديثًا لعائشة5 رواه الدارقطني: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم ويصوم ويفطر" وهو دليل للشافعية، ولكن أمانة ابن حجر العلمية وعدم تحيزه للمذهب الذي ارتضاه دفعاه إلى بيان ما في الحديث من إعلال، فقال عنه: إنه معلول، والمحفوظ عن عائشة من فعلها لا من روايتها.
4- وفي كتاب النكاح أورد الحافظ ابن حجر حديثًا عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال6: "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر وإذنها سكوتها" وفي رواية: "ليس للولي من الثيب أمر" وهو يختلف مع مذهب الشافعية من أن الولي ركن في النكاح مطلقًا دون تفرقة بين الثيب والبكر.
وبعد: فإن هذا الكتاب من تأليف الحافظ ابن حجر، وهو من عرف علماء الحديث علمه وفضله واستيعابه لأكثر السنة، وإمامته في علوم الحديث والرجال، وقد أعانه ذلك على أن يقدم الضروري من أدلة الأحكام في إيجاز يعين على حفظه واستظهاره عند الحاجة، ومن أجل ذلك لم يسلك مسلك غيره ممن توسع في تقديم كثير من الأحاديث في موضوعات الفقه المتعددة، مما يفتر بعض الهمم، ويقعد بها عن دراسة الفقه والحديث.
ويبدو لنا أن أبرز ميزة في هذا الكتاب أن مؤلفه قد توخى فيه إلى ما تدعو إليه حاجة المتفقهين والمستدلين، فإنه تناول فيه أحاديث الأحكام مراعيًا فيها ميزة القبول، بحيث تكون من بين الصحيح أو الحسن وتصلح للاحتجاج، فإن أورد حديثًا أدنى درجة من هذه فإنه يورده تابعًا أو شاهدًا، أو مشتملًا على زيادة لا تخل بدلالة غيره مما استوفى شروط القبول.--------------------------------------------
1 سبل السلام: ج1 ص67.
2 بلوغ المرام: ص26.
3 سبل السلام: ج1 ص67.
4 سبل السلام: ج1 ص67.
5 بلوغ المرام ص94.
6 نفس المرجع والصفحة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)

من أجل ذلك أقبل العلماء على هذا الكتاب، وتناولوه في مختلف الأعصار والأمصار بالشرح والتعليق، فقد شرحه1 الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني اليمني المتوفى سنة سبع ومائة وألف في كتابه "سبل السلام".
وشرحه القاضي شرف الدين الحسين المعروف بالمغربي قاضي صنعاء المتوفى عام تسع عشر ومائة وألف في كتابه الذي سماه "البدر التمام" وهو مخطوط.
وشرحه أيضًا مختصرًا من سبل السلام الشيخ أبو الخير نور الحسن خان وسماه "فتح العلام" وقد طبع في بولاق، كما شرحه العلامة أبو الطيب صديق حسن خان بشرح مطبوع بالهند باللغة الفارسية شرحه السيد محمد بن يوسف الأهدلي بشرح لم يطبع بعد.
وشرحه أيضًا العلامة المواولي أحمد حسن الدهلوي بشرح منتخب من فتح الباري وشروح الكتب الستة ونيل الأوطار ومختصر سنن أبي داود وتلخيص الخبير لابن حجر، وطبع في جزأين بالهند.
وشرحه كذلك الشيخ محمد عابدين أحمد الأنصاري الحنفي المتوفى سنة سبع وخمسين ومائتين ألف.
"أخيرًا شرحه فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ محمد علي أحمد أستاذ الحديث بكلية أصول الدين بالأزهر الشريف.
وبهذا القدر نكتفي في دراسة هذا الكتاب العظيم من كتب الأحكام، ونسأل الله لمؤلفه المثوبة والأجر على ما قدم لأمة الإسلام من فضل ومنة، بتأليفه لكتاب بلوغ المرام من أدلة الأحكام الله الموفق وهو المستعان.--------------------------------------------
1 نقلًا بتصرف عن مقدمة طبعة مصطفى البابي الحلبي لكتاب سبل السلام سنة 1378هـ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)

‌‌كشف الغمة عن جميع الأمة:
للشعراني المتوفى سنة 973هـ:
مؤلف هذا الكتاب هو الشيخ العابد الزاهد عبد الوهاب بن أحمد الشعراوي الشافعي، أورده الشيخ عبد الرءوف المناوي في طبقاته فقال: هو شيخنا الإمام العابد الزاهد الفقيه المحدث الأصولي الصوفي المربي من ذرية محمد بن الحنفية ولد ببلده1 ونشأ بها، ومات أبوه وهو طفل فحفظ القرآن، وأبا شجاع والأجرومية وهو ابن سبع أو ثمان ثم انتقل إلى القاهرة سنة إحدى عشرة وتسعمائة فقطن بجامع الغمري، وجد واجتهد فحفظ عدة متون في مختلف الفنون، ثم شرع في القراءة فأخذ عن الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري، وقرأ عليه ما لا يحصى كثرة منها الكتب الستة، وقرأ على الشمس الدواخلي والنور المحلى والنور الجارحي وتلا على العجمي وعلى القسطلاني2، والأشموني والقاضي زكريا والشهاب الرملي، وحبب إليه الحديث فلزم الاشتغال به والأخذ عن أهله، وكان مع ذلك فقيهًا صوفيًّا له دراية بأقوال السلف ومذاهب الخلف، وكان يديم الصوم ويفطر على أوقية من الخبز، واستمر كذلك حتى قويت روحانيته، ثم أخذ الطريق عن المشايخ المشهورين في عصره، ثم تصدى للتصنيف فألف كتبًا منها مختصر سنن البيهقي الكبرى، ومختصر تذكرة القرطبي، وكشف الغمة "وهو ما نحن بصدد دراسته" والمنهج المبين في أدلة المجتهدين، والبدر المنير في غريب أحاديث البشير النذير، ولوائح الخذلان على من لم يعمل بالقرآن، وحد الحسام على من أوجب العمل بالإلهام، والبرق الخاطف لبصر من عمل بالهواتف، والاقتباس في القياس، وغير ذلك من الكتب، وحسده طوائف فدسوا عليه كلمات يخالف ظاهرها الشرع، وعقائد زائفة ومسائل تخالف الإجماع، رموه بكل عظيمة فخذلهم الله وأظهره عليهم، وكان مواظبًا على السنة مبالغًا في الورع، مؤثرًا ذوي الفاقة على نفسه، حتى في ملبوسه، وكان عظيم الهيبة وافر الجاه تأتي إلى أبوابه الأمراء، ومن كلامه: دوروا مع الشرع كيف كان لامع الكشف فإنه قد يخطئ، وكان يحث على مطالعة كتب الفقه، على عكس ما عليه بعض المتصوفة الذين كانوا يزعمون أنها حجاب تحول بينهم وبين الله3 وفي الكواكب السائرة4 أنه قرأ على الشيخ نور الدين الجارحي شرح ألفية العراقي، وعلى القسطلاني كل المواهب وغالب شرحه للبخاري، قال صاحب الشذرات: توفي عام ثلاث وسبعين وتسعمائة للهجرة.--------------------------------------------
1 بلده قرية أبي شعرة من قرى مصر كما أورده نجم الدين الغزي في الكواكب السائرة ص176 ج3.
2 هو الحافظ شهاب الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر القسطلاني المصري صاحب المؤلفات العظيمة، منها شرحه لصحيح البخاري في عشرة أسفار، ومنها المواهب اللدنية بالمنح المحمدية توفي سنة 923هـ.
3 نقل بتصرف من شذرات الذهب ص372 ج8.
4 ص 176، ج3.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)

وقد ذكر في سبب تأليفه لكتاب كشف الغمة1 وما كان من شكوى جماعات من المتصوفة ما يجدونه من العلماء الذين يقرأءون مذاهبهم وينصرون أقوالها، وأنهم وقعوا في حيرة شديدة من اختلاف هؤلاء العلماء، وتوجيه كل واحد منهم إلى مذهبه، وتهديد الكثير منهم ببطلان عباداتهم إذا خرجوا عن مذاهب أئمتهم، وأطال في تصوير ذلك، وفي بيان ترددهم عليه، وما كان يجيبهم به ليصرفهم عن هذا التكليف الشاق، ولكنهم ألحوا عليه في أن يجمع لهم كتابًا حاويًا لأدلة المذاهب الأربعة المشهورة وغيرها من صريح السنة النبوية، وسنة الخلفاء الراشدين، وأن يجرده عن أقوال جميع المجتهدين التي لم تصرح بأحكامها الشريعة؛ ليعرفوا ما شرعه نبينا صلى الله عليه وسلم فيقدموا العمل به؛ لأنه هو الذي يسألون عنه بين يدي الله سبحانه وتعالى، وطال الجدل بينهم وبينه، حتى تحقق من صدق قصدهم في اتباع سنة نبيهم، وشدة ظهور رغبتهم في ذلك، فشمر عن ساعد الجدر والاجتهاد، وشرع بعون الملك الوهاب في جمع أحاديث الشريعة وآثارها من كتب الأحاديث التي تيسرت له حال جمعه في البلاد المصرية، كموطأ الإمام مالك، ومسند الإمام سنيد بن داود2 -وهو من أقران مالك يروي عن وكيع، وقد وقعت له منه نسخة بخط الإمام محمد بن عذرة، ولم يظفر بها أحد من حفاظ الحديث وكالصحيحين، ومسانيد الأئمة الثلاثة أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وصحيح أبي داود، وصحيح الحاكم، وصحيح ابن خزيمة وابن حبان والترمذي والنسائي وابن ماجه، والأحاديث المختارة للضياء المقدسي -قال الشيخ جلال الدين السيوطي: وكلها صحيحة- وغير ذلك من كتب حفاظ المحدثين رضي الله عنهم أجمعين، بل لم أذكر في هذا الكتاب شيئًا من أحاديث غير هذه الكتب إلا نادرًا؛ لأنها هي التي اعتمدها العلماء وتلقوها بالقبول، ولا يخرج عنها من أحكام الشريعة -فيما أعلم- إلا النادر.
والفلك المحيط لجميع هذه الكتب وغيرها من المسانيد الغريبة هو كتاب جامع الأصول لابن الأثير، وكتاب السنن الكبرى للبيهقي، وكتاب الجامع الكبير والجامع الصغير، وكتاب زيادة الصغير، كل هذه الثلاثة الأخيرة للشيخ جلال الدين السيوطي خاتمة حفاظ الحديث بمصر المحروسة.
ثم قال: وقد طالعت جميع هذه الكتب، وأخذت منها جميع ما يتعلق منها بأمر أو نهي أو مكارم أخلاق من الحديث والآثار، وتركت كل ما زاد على ذلك من السير والتفسير وغير ذلك مما هو ليس من شرط كتابنا، فصار كتابنا هذا بحمد الله حاويًا لمعظم أدلة المجتهدين.--------------------------------------------
1 ص3 وما بعدها من كشف الغمة.
2 واسمه حسين بن داود المصيصي لقبه العماد في الشذرات بالمحتسب الحافظ وقال: إنه اشتهر بلقب سنيد وإنه أحد أوعية العلم والآثر، وثقه ابن حبان، والخطيب البغدادي وإن تكلم فيه أحمد. توفي 226هـ شذرات الذهب، ص59 ج2 وذكره صاحب الرسالة المستطرفة في أصحاب المسانيد وضبط المصيص بكسر الميم وتشديد الصاد، ويقال بفتح الميم وتخفيف الصاد نسبة إلى المصيصة مدينة وقال: إن سنيد كزبير، وإنه الحافظ المحتسب صاحب التفسير المسند المشهور: الرسالة المستطرفة ص51.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)

ثم ذكر أنه لا يعلم الآن في كتب المحدثين كتابًا أجمع لأحاديث الشريعة وآثارها منه، فإنه جمع -مع صغر حجمه- أدلة المجتهدين المشهورة، وإن أردت امتحان ذلك فانظر في أي باب منه، وانظر ذلك الباب في جميع أبواب كتب المحدثين تجد جميع ما قالوه في أبواب كتبهم كلها مستوفى في باب واحد، فإن كتب المحدثين إنما طالت بذكر السند وتكرار الأحاديث فلله الحمد، ولم أعز أحاديثه إلى من خرجها من الأئمة؛ لأني ما ذكرت فيه إلا ما استدل به الأئمة المجتهدون في مذاهبهم، وكفانا صحة لذلك الحديث استدلال مجتهد به، وملت فيه إلى الاختصار، فلا أذكر من كل حديث إلا محل الاستدلال المطابق للترجمة، فأقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل كذا أو يقول أو يأمر بكذا أو ينهى عن كذا أو يشدد في كذا ومرادي مكان وقوع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ولو مرة، ثم "قد" يكون ذلك الأمر قد تكرر وقوعه منه صلى الله عليه وسلم وقد لا يكون تكرر، ولا أذكر القصة التي سبق فيها الحديث إلا إن اشتملت على موعظة أو اعتبار أو أدب من الآداب، ولا أكرر حديثًا في باب واحد إلا لزيادة حكم ظاهر لم يكن في الحديث الذي قبله، والذي دعاني إلى شدة هذا الاختصار مناسبة الزمان والسامعين، من غالب الفقراء والمحترفين من عامة المسلمين، وتعجيل ذكر ما هو المقصود من الحديث، ولم أمل فيه إلى تأويل حديث ولا إلى النسخ بالتاريخ -كما يفعله بعضهم- أدبًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتقيد كلامه فيما فهمه عالم دون آخر، وأن ينسخ غيره كلامه؛ إذ لا ناسخ لكلامه صلى الله عليه وسلم إلا هو كقوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها" وقوله: "كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فادخروا، وكنت نهيتكم عن الانتباذ في الحنتم والنقير فانتبذوا غير ألا تشربوا مسكرًا".
وقال أطال في هذا المنهج بما يؤكد أنه نقل السنة النبوية الكريمة في موضوعات الأحكام وما يتعلق بها بكل دقة وأدب وورع، وإنما هي الأمانة العلمية التي تقتضي أداءها كما هي، ونقلها بتصرف وحكمة مع تركها للقارئ يفهمها بما يفتح الله به عليه.
غير أننا نلاحظ أن له استطرادات عديدة نضحها عليه اتجاهه الصوفي، وحرصه على ربط النفوس بحب الرسول صلى الله عليه وسلم، وحفزها على التأسي به، ودراسة الكثير من أخلاقه وشمائله، مع حرصه على الترغيب والترهيب بتصوير أنواع من الثواب والعقاب، وكل ما عمله من تصرف هو بالقدر الذي يكفل تعجيل المنفعة للقارئ والسامع، مع عدم كده في المراجعات إلا أن يكون على سبيل الامتحان للاطمئنان إلى أنه استوعب ما في بطون كتب السنة، ولم يدخر منه شيئًا نصحًا للأمة، وفي هذا منه مسايرة للزمان الذي تطور فيه أمر التأليف بما يساير ظروف المجتمعات، ولهذا نرى أن النقل يختلف في كل زمان عنه في الزمان الآخر.
فهذا الذي صنعه الإمام الشعراني لا يخرج أن يكون ثمرة لهذه التطورات، وأثرًا لانصباب دراسات الأئمة وتجاربهم في العصور المختلفة التي عهدت بها عناية الله ورعايته إلى من يصطفيه من هذه الأمة ليبلغهم رحيق الدين، وخالص ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وتلامذته الذين ورثوه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)

من بعده، وفي هذا تطبيق دقيق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "رحم الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه".
وبهذا يكون الشعراني قد تأدب بأدب النبوة حيث آثر أن ينقل ما وصل إليه من علم النبوة إلى من يتلقاه عنه، ليتصرف فيه بفهمه وإدراكه، أو يسأل عنه أهل الذكر إن شاء ذلك، فهو وإن لم يكن سمع الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم فإن أمرنا جميعًا وأمره وأمر غيره من المحدثين أن يكون ممن يطبق هذا الحديث معنى وفقهًا لا لفظًا وحرفًا، فإن الغاية من ورائه أن يسارع العلماء إلى نقل السنة، وأن يبادروا بحملها إلى المسلمين.
وأبرز ما في هذا الإمام من الأدب أنه ترك أمرين بارزين تقحم فيهما كثير من العلماء والفقهاء هما: التأويل والحكم بالنسخ؛ لأن واحدًا منهما لا يخلو من إظهار شخصية حيال الأحاديث النبوية، فقد أدى به ورعه وأدبه مع الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يحمل عهدة ذلك؛ لأن المتعرض له قل أن يخلو من أن يكون عرضة للخطأ والمسئولية، وإن كان الخطأ في مثل ذلك مغفورًا، إلا أنه أخذ بالعزيمة فيه، وترك تلك الرخصة لمن عمل بها أو أراد أن يعمل بها، ولكل وجهته، وجزى الله الجميع خير الجزاء.
وأهم ما في الموضوع أن الشعراني قد استطاع أن ينقل إلينا سفرًا جليلًا في جميع ما تناوله من أبواب لا تحويها الأسفار العظيمة لولا تصرفه الذي أغنانا به عن عناء الطلب الطويل الكثير.
ونحن لا نستطيع أن نجزم -محاباة منا للمؤلف- بأن جميع أحاديث كتابه صحيحة، ولكنا نقول: إنه اجتهد في هذه الناحية وحمل مسئوليتها وحملنا معه تلك المسئولية بعرض ما نقل فيه من كتب السنة التي تروي الصحاح، وأن جميع أحاديث الكتاب أدلة فقهية للمجتهدين الذين تجل ساحتهم -وهم مسئولون عن أدلة الأحكام- أن يكون من بينها حديث ضعيف.
ومهما يكن من أمر فإننا -بعرض هذا الكتاب ودراسته وتصويره- نكون قد عرضنا لونًا من ألوان التأليف في أحاديث الأحكام، في ختام هذا العصر الذي نحن بصدد دراسته، وهو لون لا نعلم أن غيره شاركه فيه، سواء أكان مبرأ من العيوب أو لم يكن كذلك.
ثم إن مؤلفه رحمه الله لم يقصره على ذكر الأبواب المعهودة في كتب الفقه خاصة، بل إنه -باتجاهه الصوفي- أخلص النصيحة للأمة، واجتهد أن يكون بهذا الكتاب الشخصية المسلمة الكاملة التي تسير على جادة الإسلام، وهديه القويم الأكرم، وبذلك يمثل المسلمون -إذا انتهجوا نهجه- سيرة السلف الصالح على بينة واتجاه سليم، وقد نص على ذلك في مقدمة كتابه فقال: أولًا1 إنه أخذ جميع ما يتعلق بأمر أو نهي أو مكارم أخلاق من الأحاديث والآثار، وعرض ثانيًا2 لتفصيل ما أورده خارجًا عن أبواب الفقه المتعارفة وحدد مواضعه المتفرقة، فقال: إنه ختم ربع--------------------------------------------
1 ص5 ج1 كشف الغمة.
2 ص7 ج1 وما بعدها من نفس المصدر.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)

العبادات1 بباب جامع لفضائل الذكر بجميع أنواعه مطلقًا ومقيدًا، وما جاء في فضل الصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وختم باب الجهاد بخاتمة لخص فيها سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من ولادته إلى رسالته إلى وفاته، وختم أبواب فقه الكتاب بباب جامع لجملة من أخلاقه صلى الله عليه وسلم، ولجملة من هديه في أنواع مخصوصة -وإن كان ذلك مفرقًا في أبواب الكتاب- وأتبع هذه الأخلاق بذكر ما جاء في حقوق الوالدين وصلة الرحم وستر عورات المسلمين، وما إلى ذلك من أبواب الدين التي ذكر منها الشيء الكثير، ثم أورد أنه ذكر الموت وأحوال الموتى وعذاب البرزخ ونعيمه، وما جاء في الحشر والنشر والحساب والميزان والصراط، وغير ذلك من مواقف القيامة وعدتها خمسون موقفا كل موقف للعاصي ألف سنة.
وما جاء في صفة الجنة والنار وذبح الموت بينهما، ثم قال: وأكرم به من كتاب احتوى على مقاصد الشريعة كلها مع عذوبة لفظه وحلاوته، وكيف لا يكون ذلك وهو كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، ومن نظر فيه علم يقينًا أن الشريعة لا تضييق فيها، ولا حرج على أحد من المسلمين، ولزم الأدب مع الله ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشفق على الأمة المحمدية، ولم يأمر أحدًا بشيء لم تصرح به الشريعة المطهرة إلا إن أجمع عليه، فإن في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه: "اللهم من شق على أمتي فأشقق اللهم عليه"، ولا أحد أشق على الأمة من فقيه يحجر عليهم، ويحكم ببطلان عباداتهم ومعاملاتهم، وتطليق نسائهم، وسفك دمائهم، ويحكم بكفرهم بأمور ولَّدها بعقله ورأيه، ولم يأت بما صريحًا من كتاب ولا سنة، حتى تضيق الدنيا على العاصي منهم، فمن فعل ذلك معهم فقد دخل في دعائه صلى الله عليه وسلم بأن الله يشق عليه، نسأل الله العافية.
ومؤلف هذا الكتاب -في أدب وتواضع- يقول: إنني أشكر الله عز وجل أن وفقني لعرض هذا الكتاب المختبئ، وهو كتاب جامع لكل هذه الأغراض التي قلما اجتمعت لمثله في استيعابها وإيجازها، ونبهت إليه كثرة من القراء الذين تتشوف نفوسهم إلى التضلع من الشريعة الإسلامية في أوجز وقت وأقربه، ينتفعون به في فقه الدين، ويستفيدون منه في معرفة السنة، وفي جميع أبواب السير والسلوك، مع الاطمئنان إلى ما فيه من المعلومات، والتأثر بروحه الطيب في الاستنارة بالهدي النبوي الكريم، فهو مادة جليلة لكل مسلم من الخواص والعوام، وهو بهذا جدير أن يعلم في المساجد والمدارس إن لم يكن كله فليكن بالقدر الذي يلزم المسلم في أعمال اليوم والليلة منه، والذي تدعو إليه ضرورة فوق ضرورة الطعام والشراب، والذي له أثر في إصلاح تلك المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله.
على أنه في تناوله للأحكام الفقهية الأخرى من المعاملات -كالبيع والشراء والإجارة وغيرها- يعرضها عرضًا نديًا يحفز النفوس إلى العودة إلى ذلك الهدي النبوي الكريم، كأنها تعيش فيه، مما يكفل للأمة الإسلامية أن تحيا في تكافل يؤلف النفوس ويجمعها على الحب والخير.--------------------------------------------
1 ص7 ج1 كشف الغمة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)

ويا حبذا لو عرف أئمة المساجد والخطباء والوعاظ هذا الكتاب الذي يملأ نفوسهم وعقولهم بالمعارف الإسلامية الصحيحة، بدل تلك التي يلجأ إليها بعضهم من كتب خاصة بمجالس الوعظ: كتذكرة القرطبي وغالية المواعظ، وغيرها من الكتب التي تجمع الصحيح والمنكر، والتي تغري بعضهم بما فيه من ترغيب أو ترهيب أن ينقلها إلى الناس نقلًا لا يليق بخواص الأمة، ومن يحملون عبء دعوة الناس إلى الدين الصحيح.
وإن من واجب أساتذة الكليات التي تدرس فيها علوم الشريعة أن يلفتوا أنظار طلابهم إلى ذلك الكتاب، لينهلوا من معينة الصافي، ولينتفعوا به في مواقفهم الإسلامية المختلفة، فإن ظروف الحياة، ووضعهم الديني والاجتماعي فيها يلجئهم إلى أن يخوضوا في أمور دينية ذات شأن عظيم، تستدعي أن يكون لديهم حصيلة نقية صافية من علوم الدين التي يسر تناولها هذا الكتاب في استيعاب وسهولة عرض، وتخير للأحاديث، واطمئنان إلى سلامتها، خروجًا من عهدة التدليس أو الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونسأل الله التوفيق.
وإذا كنا قد تعودنا أن نصف كل مؤلف من الكتب التي مرت بنا، فإنه كان يسعنا أن نكتفي بما وصف به هذا الإمام كتابه -وهو أدرى به- غير أننا نرى أن نضع يد القارئ على بعض صفات سنحت لنا في هذا الكتاب، وقد يكون بعضها مما أشار إليه المؤلف إشارة عابرة في أثناء تصوير منهجه، ومن بين هذه الصفات.
1- الاستطراد:
ولسنا نعني بالاستطراد ما يدعو إليه الحديث فيدخل بعضه في بعض لمناسبة تدعو إليه، ولكننا نعني أنه يقحم بعض مسائل بعنوان معين ربما يرى أن بينه وبين ما قبله ارتباطًا يدعو لأن يتناوله بشيء من الشرح والإيضاح، وذلك كموضوع التوبة1 الذي ألحقه بكتاب الإيمان ومباحثه التي أوردها، ثم تطرق في هذا الباب إلى إيراد عدة آثار لبعض الصحابة والتابعين كعبد الله بن عمر من الصحابة وعكرمة من التابعين وقد أورد له أثرين.
ومن ذلك أنه أورد عنوانًا لبيان سنن الوضوء2 وكان مقتضى عرضه على منهجه أن يورد الأحاديث النبوية ويترك للقارئ الاستدلال، ولكنه في هذا المقام يبدأ بذكر الحكم ثم يورد الدليل عليه فيقول: أمهات السنن المؤكدة عشر ويورد الدليل، ثم يقول: الثانية غسل اليدين ويورد الدليل، والثالثة الاستنثار والمضمضة والاستنشاق3 ثم يورد الدليل.
ومن ذلك أنه في صفحة 268 ج1 ذكر مع العنوان "كتاب الأطعمة" أن الأصل في الأعيان والأشياء الإباحة … فأبدى رأيه في الحكم قبل أن يعرض الدليل عليه، وهي الأحاديث التي من بينها: "اتركوني ما تركتكم" وما يشبهه.--------------------------------------------
1 ص30 ج1 كشف الغمة.
2 ص52 ج1 كشف الغمة.
3 يلاحظ أنه اعتبر هذه الثلاثة سنة واحدة ولم يراع فيها الترتيب.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)

ومن ذلك أنه أكثر من ذكر الآثار والأخبار عند حديثه عن تكبير العيد، وقد كان يمكن الاجتزاء بقليل مما أورده لبيان الحكم الشرعي.
ومن ذلك أيضًا أنه عند بيانه لما يحل ويحرم من اللباس1 أطال في ذكر ذلك حتى إنه ذكر أحوال آدم وحواء في اللبس، وفي نسخة وغزله للباس، وفي حلة تميم الداري التي اشتراها بألف درهم لليلة التي يرجو أنها ليلة القدر فقط.
ومن ذلك أنه ألحق بموضوع الأشربة وآداب الأكل والشرب وما يتصل به كتابًا2 أورد فيه كثيرًا من صور الطب النبوي، والإرشادات فيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس في ذلك أحكام شرعية، وكتب فيه نحوا من ثماني صفحات.
ومن ذلك أنه تعجل -قبل أن يدرس موضوع النكاح والهدي النبوي فيه- بذكر ما اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم3 سواء أكان اختص به في ذاته في الدنيا، أو في شرعه وأمته في الدنيا، أو في ذاته في الآخرة، أو في أمته أيضًا في الآخرة، أو كان من الواجبات التي هي تخفيف على غيره كصلاة الضحى والوتر والتهجد ولم يكن هذا الموضوع ليحتاج إلى أكثر من خصائصه صلى الله عليه وسلم في النكاح على ألا يكون سابقًا عليه، وقد قال في نهاية ما كتب: كما ثبت هذا من خط شيخنا خاتمة الحفاظ الشيخ جلال الدين السيوطي التي تتبعها مدة عشرين سنة.
2- الإكثار من ذكر الآثار، وهو شيء يطول بيانه، إلا أننا نكتفي بإيراد أمثلة منه، فقد أورد عن واثلة بن الأسقع4 أنه كان يقول: لا بأس بالحديث قدمت فيه أو أخرت إذا أصبت معناه.
ومنها ما نقله في مجاز الإيمان5 لعمار بن ياسر أنه كان يقول: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان … إلخ، وعن علي بن أبي طالب كان يقول: الإسلام ثلاث خصال، وأحيانًا كان يروي هذه الآثار باسم السلف أو الصحابة فيعطيها صورة قوية تؤكد الاستدلال بها مثل قوله6: كان السلف لا يرون بأسًا بطهارة البصاق، ومثل قوله7: قال عكرمة: كانت الصحابة رضي الله عنهم يغشون أزواجهم وهن مستحاضات، وقوله8: كانت الصحابة لا يصلون لمثل الزلازل، وكقوله9: كانت الصحابة رضي الله عنهم يستسقون لنواحي الأرض، وكقوله في معاملة العبيد10: كانت الصحابة رضي الله عنهم يرسلون عبيدهم في تجارتهم … إلخ، ومن الطريف أنه لم يذكر تحت هذا العنوان "معاملة العبيد" إلا هذا الأثر، ولكنه أكده بحديث سبق--------------------------------------------
1 ص171 كشف الغمة.
2 ص 285 ج1 كشف الغمة.
3 ص2 ج2 إلى ص13 كشف الغمة.
4 ص19 ج1 كشف الغمة.
5 ص25 ج1 كشف الغمة.
6 ص37 ج1 كشف الغمة.
7 ص76 ج1 كشف الغمة.
8 ص177ج1 كشف الغمة.
9 ص178 ج1 كشف الغمة.
10 ص323 ج1 كشف الغمة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)

له في البيع، وقد يكون ذلك اختلاف عبارة لا اختلاف فقه، كما جاء فيمن سأل كلا من ابن عباس وابن عمر في حكم من نذر أن ينحر نفسه إن نجاه الله1.
3- كثيرًا ما ينقل عن شيخه بعض الأقوال ولكنه لا يعين هذا الشيخ.
ومن ذلك قوله2: قال شيخنا: لم يبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء في كراهية استقبال القبلة حال الجماع، ونقل عن شيخه3 في شأن التسليم الذي كان يفعله المؤذنون بأنه لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، وإنما كان في أيام الروافض بمصر تسليمًا على الخليفة ووزرائه، وأن صلاح الدين أبطل هذه البدعة، وأمر المؤذنين بالصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بدل تلك البدعة.
ومن ذلك قوله4: قال شيخنا: وشذ من قال بوجوب النية "في الصوم" بعد صلاة العشاء.
4- أحيانًا يورد استنتاجًا يضيفه إلى غيره مثل قوله5: قال العلماء: وفي الحديث دليل على طهارة بول ما أكل لحمه، تعليقًا على قول إبراهيم النخعي: كانوا يستشفون بأبوال الإبل ولا يرون به بأسًا، ولعله اعتبره حديثًا بناء على وقوعه بعد حديث عرينة الذي أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم فيه أن يشربوا من أبوال الإبل.
5- أحيانًا يذكر عنوانًا دقيقًا يحتاج إلى تأمل في الربط بينه وبين الحديث، فقد عقد -في الإيمان-6 فصلا فيمن حلف لا يهدي هدية فتصدق، وأورد حديثًا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يسأل عما يأتيه من الطعام أحيانًا فيقول: "أهدية أم صدقة؟ " فإن قيل: صدقة لم يأكل منه. وليس في هذا الحديث تعرض للحلف، وإنما يدل على أن الهدية مغايرة للصدقة.
6- يورد أحكامًا تشتمل على بعض الغرابة ويضع لها عنوانًا مثل قوله: فصل في صلاة التوبة7، وذكر حديثًا يدل على ذلك، كما أنه ينقل عن بعض الصحابة أحكامًا8 فيها شيء من الغرابة كقوله: كان عمر يقول: من مس إبطه أو نقى أنفه أو مس أنثييه فليتوضأ، وكان علي إذا مس صليبًا على نصراني يذهب فيتوضأ من مسه ويقول: إنه رجس، وكثيرًا ما كان يتوضأ من مس الأبرص واليهودي، وكما يروى عن أبي هريرة قوله: من فسر القرآن برأيه وهو على وضوء فليتوضأ، وكان أيضًا يقول: من تجشأ فملأ فمه فليعد الوضوء.
7- يذكر من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ما يدل على قاعدة أصولية9 وهي قوله صلى الله عليه وسلم: "كلامي لا ينسخ كلام الله … " إلخ، وأحيانًا يذكر في النسخ الذي تورع--------------------------------------------
1 ص176 ج1 كشف الغمة.
2 ص63 ج1 كشف الغمة.
3 ص87 ج1 كشف الغمة.
4 ص220 ج1 كشف الغمة.
5 ص37 ج1 كشف الغمة.
6 ص172 ج2 كشف الغمة.
7 ص133 ج1 كشف الغمة.
8 ص57 ج1 كشف الغمة.
9 ص28 ج1 كشف الغمة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)

من الإقدام عليه ما روي فيه عن بعض الصحابة كما يقول1: قال جابر: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار. وأحيانًا يضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم بما يدل على النسخ صراحة كقوله2: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أحيانًا يكسوهم من الخز ثم نهى بعد ذلك عن لبسه.
8- يكثر من العناوين الفرعية التي لا يندرج تحتها كثير من الأحاديث3؛ لأن في ذكر العنوان تنبيهًا إلى الحكم، فيتعرف عليه السامع من السنة ويستقر في نفسه، فقد عقد فصلًا للاستمناء ولم يذكر فيه إلا أثرين عن ابن عباس4، كما ذكر عدة عناوين أخرى ليلفت إلى موضوعاتها الأنظار مثل: إجابة الداعي، وما يصنع إذا اجتمع الداعيان، وإجابة من قال لصاحبه: ادع من لقيت، ومن دعي فاستعفى لعذر، ومن دعي فرأى منكرًا، وطعام المتباهين، والنثار في العرس، وحجة من كره النثار، وإجابة دعوة الختان، وقد رأينا مثل ذلك لأبي داود في سننه.
9- لا يراعي الدقة في الترتيب وربط بعض الموضوعات ببعض، فقد ذكر آداب النوم والانتباه عقب التوبة التي جعلها ذيلًا للإيمان وما يتصل به5، ولو أنه ذكر التوبة في أخريات أبواب الكتاب لكان أشبه، ولو أنه ألحق آداب النوم وأذكاره بموضوعات الذكر التي يوردها فيما بعد لكان أقرب، كما ذكر حديث الأعمال بالنيات الذي يعنى به المحدثون ويجعلونه رأسًا سابقًا على كل ما يتكلمون فيه من السنة، فجعله المصنف ذيلًا لبعض أبواب الطهارة6، ثم ذكره في صدر باب التيمم7، ولهذا نظائر كثيرة في الكتاب، وقد يكون ذلك أثرًا لغلبة الاستطراد التي أشرنا إليها، والاستطراد أثر لذكر الشيء بالشيء وإن لم يكن على مقتضى الترتيب الطبيعي.
10- يفسر بعض الألفاظ النبوية -أحيانًا- وكأنه يفعل ذلك ليبحث تفسيره، ويوفق بينه وبين التفسيرات الأخرى، ونذكر من ذلك على سبيل المثال أنه فسر البردة الواقعة في حديث، "أصل كل داء البردة" بأنها بمعنى الهواء الذي يلفح الجسد8 ووفق بين ذلك وبين قول الأطباء: إنها إدخال الطعام على الطعام.
11- انفرد من بين كتب الأحكام بإيراد سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من مولده إلى وفاته موجزة مركزة في نحو عشرين صفحة عقب كتاب الجهاد9.
12- وهناك ظاهرة غريبة لم تعهد في كتب الأحكام، بل نستطيع أن نقول: إنها لم ترد فيما نعرف من كتب السنة، تلك هي التزكيات التي أوردها المؤلف من الفقهاء والمحدثين المعاصرين--------------------------------------------
1 ص60 ج1 كشف الغمة.
2 ص172 ج1 كشف الغمة.
3 ص38 ج2 كشف الغمة وانظر ص172 ج2 وص186 ج2 يتجلى لك هذا الأمر.
4 ص44 ج2 كشف الغمة.
5 ص30، 31 ج1 كشف الغمة.
6 ص48 ج1 كشف الغمة.
7 ص69 ج1 كشف الغمة.
8 ص287 ج1 كشف الغمة.
9 ص149 ج2 كشف الغمة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)

في ذيل الكتاب1 وسماها إجازات، ليزيد القارئ بها طمأنينة تدفعه إلى الانتفاع بما في هذا الكتاب من فوائد حديثية، وهذه الإجازات من كل من الأئمة شهاب الدين أحمد بن حمزة الرملي الشافعي المتوفى سنة 957هـ، ونور الدين علي بن يس الطرابلسي الحنفي المتوفى سنة 942هـ وأحمد بن يونس الحنفي الشهير بابن شلبي المتوفى سنة 947هـ، ومحمد بن سالم الطبلاوي الشافعي المتوفى سنة 966هـ، وشهاب الدين أحمد البرلسي الشافعي المتوفى سنة 957هـ.
ونكتفي بهذا القدر في بيان المكانة العلمية والحديثة لهذا الكتاب، عسى أن تتجه إليه أنظار المسلمين من الخاصة والعامة، فإنه من أنفس ما ألف في كتاب الدين، وأغزرها فائدة، وأعجلها بتحصيل المقصود لكل عالم وطالب.
غير أنه يحتاج إلى كثير من الدقة في تحقيق ما ورد به من آثار، وتخريجها، وتمييز المقبول منها من غيره، فإن أحاديث الأحكام ينبغي أن تكون في مرتبة تجعلها صالحة للاحتجاج، ولا ينبغي أن يكون من بينها ما ليس بصالح، ونسأل الله التوفيق.--------------------------------------------
1 ص255 ج2 كشف الغمة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)

‌‌خاتمة الفصل الأول:
والآن، وبعد أن استعرضنا نماذج من كتب أحاديث الأحكام، بدأناها بموطأ الإمام مالك، وختمناها بكشف الغمة عن جميع الأمة للإمام الشعراني، ورأينا كيف كانت محاولة الإمام مالك لجمع أحاديث الأحكام، والآثار التي وردت بشأنها، وكان لهذه المحاولة قيمتها وأثرها، باعتبار قربها من المنابع الأصيلة لتعاليم الإسلام زمانًا ومكانًا، فقد عاش صاحبها في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاصر كثيرًا من التابعين وأتباعهم، وكانت تعاليم الإسلام لا تزال غضة، وأهل العصر ما يزالون متمسكين بعهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومترسمين لنهجه وخطاه، ولم تكن الفرق قد نشأت بعد، ولا الأعاجم قد اختلطوا بالعرب والمسلمين ذلك الاختلاط الذي أثر فيهم، فكان الموطأ جامعًا لما تفرق من الآثار الواردة في الأحكام، يحدو مؤلفه الإخلاص للسنة، والنصح للأمة.
ثم جاء أبو داود، وأدرك عصر الرواية، وتيسر له من الرسائل ما لم يتيسر لسلفه الإمام مالك، فجمع كثيرًا من الآثار، وحشد كل نوع منها في كتاب أو باب، وأعانة على ذلك وجوده في عصر الرواية، واعتماد الناس آنذاك في أمور دينهم على الإسناد، ولم يكن أبو داود يتدخل بشرح كلمة في الحديث إلا على ندرة، وبذلك يمكن أن نعتبر أبا داود جامعًا لنصوص الأحكام، مستوعبًا لما ورد بشأنها من الحديث والأثر أو يكاد.
ولم يكد يمضي القرن الثالث الهجري حتى جاء الإمام الطحاوي، وكانت السنة قد جمعت على أيدي الأئمة الأعلام: فقد سبقه لذلك أبو داود، وسبقه إماما الحديث البخاري ومسلم، وسبقه أئمة الفقه الأعلام: الشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل، ومن قبل هؤلاء الإمام مالك، والحركة الفكرية في الجمع والتصنيف والتدوين ما تزال على أشدها، فأعانه ذلك -بعد جمعه لأحاديث الأحكام- على إبراز شخصيته محدثًا وفقيهًا، وشارحًا للآثار، وموفقًا بين ما يبدو فيها من تضارب، ومنتصرًا لمذهبه الذي اختاره، ومرجحًا لأدلته على أدلة غيره، فجاء كتابه "شرح معاني الآثار" كتاب حديث وفقه، أو على الأصح نستطيع أن نقول: إنه قد برز للوجود أول كتاب في فقه السنة متمثلًا في كتاب الطحاوي شرح معاني الآثار.
ثم جاء من بعد الطحاوي من رأى حذف السند اختصارًا، معتمدًا على ما استقاه من الصحيحين من أحاديث الأحكام، وكان ذلك أظهر ما يكون في كتاب المقدسي عمدة الأحكام، فكان اختصارًا للأدلة، واختيارًا لأقواها درجة وأصحها إسنادًا، ومن أجل ذلك كان قاصرًا لم يستوعب كثيرًا من الأدلة، تبعًا لاقتصاره على ما أورده الشيخان من أحاديث الأحكام، ومن ثم دعت الحاجة إلى شرحه وبيان ما فيه، وتدعيمه بما تيسر من الأدلة التي عزبت عنه، فكان شرح ابن دقيق العيد المسمى بإحكام الأحكام، وكتابه الآخر الذي سماه بالإلمام.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)

وجاء بعد المقدسي من تدارك مسلكه، وتوسع في المراجع التي يأخذ عنها الأحاديث؛ فكان الإمام مجد الدين بن تيمية في كتابه منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار، ولم يكن كسلفه المقدسي في اقتصاره على الأخذ من الصحيحين، وإنما أخذ منها كما أخذ من غيرها من كتب الأصول المعتمدة في الحديث، ومن بين هذه الكتب التي أخذ منها مسند الإمام أحمد بن حنبل، وجامع أبي عيسى الترمذي، وكتاب السنن لأبي عبد الرحمن النسائي، وكتاب السنن لأبي داود السجستاني، وكتاب السنن لابن ماجه القزويني، فجاء كتابه المنتقى أوسع دائرة فيما ألف مختصرًا من أحاديث الأحكام بعد عصر الرواية -كما سبق أن ذكرناه- وكان لذلك من أهم المراجع، لولا انصراف مؤلفه إلى إيراد هذه الكثرة الكاثرة من الأحاديث عن تقويمها وبيان درجتها، مما جعل كثيرا ممن جاء بعده يعنى أكبر العناية ببيان درجة الحديث والكلام على رجاله، وعلى رأس هؤلاء الحافظ العراقي، فكان كتابه تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد كما وصفه مؤلفه: بأنه مختصر في أسانيد الأحكام، متصل الأسانيد بالأئمة الأعلام، حتى لا يقع في نقيصة نقل العلم بدون إسناده.
ومن بعد هؤلاء جميعًا جاء الحافظ ابن حجر في كتابه بلوغ المرام الذي عبر عنه: بأنه مختصر يشتمل على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية، وذكر عقب كل حديث من أخرجه من الأئمة؛ لإرادته نصح الأمة، وقد اختار ابن حجر نخبة من الأحاديث، واتجه في أكثر ما اختاره إلى ما بنى عليه الإمام الشافعي مذهبه، وراعى في اختيارها أن تكون من بين ما هو صحيح أو حسن، وأن تكون صالحة للاحتجاج، فإن أورد ما هو أدنى من ذلك درجة فإنما يورده كشاهد أو تابع، أو مشتمل على زيادة ليست في غيره مما استوفى شروط القبول.
وأخيرًا كان الإمام الشعراني في كتابه كشف الغمة عن جميع الأمة، وهو كما قلنا كتاب يتناول أحاديث الأحكام، ويعرضها عرضًا نديًا يحفز النفوس إلى العودة إلى هدي النبي الكريم، وهو في هذا جامع لما تفرق، مستوعب في إيجاز، يفيد من تشوفت نفسه إلى التضلع من علوم الشريعة الإسلامية في أوجز وقت وأقربه، فهو مادة جليلة لكل مسلم، ينتفع به الخاص والعام.
ونرجو أن نكون -فيما عرضناه من نماذج لكتب أحاديث الأحكام- قد وفقنا إلى إعطاء القارئ الكريم صورة صادقة لما كان عليه التأليف في السنة في تلك العصور، وما كان عليه سلفنا الصالح من بذل الجهد في سبيل تقريب السنة إلى الدارسين، وتقديمها خالصة من الوشائب، ينتفع بها من أراد الخير لنفسه ولأمته في دينه ودنياه، والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)

‌‌الفصل الثاني: كتب الترغيب والترهيب
‌‌مدخل

الفصل الثاني: كتب الترغيب والترهيب
تمهيد:
من الأنواع التي تناولها المحدثون بالتأليف، وأفردوا لها كتبًا بعينها، أوردوا فيها من الأحاديث ما يوجد الرغبة في عمل الخير ببيان ما يترتب عليه من ثواب أو أجر، وما ينفر من عمل الشر ببيان ما يترتب عليه من عقاب أو وزر -كتب الترغيب والترهيب.
وليس معنى احتواء هذه الكتب على ما يرغب في الخير أو ينفر من الشر أنه لا يستدل بشيء من أحاديثها على الأحكام الشرعية، وإنما الهدف المقصود من جمع هذه الأحاديث في كتب بعينها أن تتربى على موائدها النفوس الكريمة، فتندفع بها إلى الخير طمعًا في ثواب الله، وتنأى عن الشر خوفًا من عقابه تعالى، على أنه قد يستفاد من بعض هذه الأحاديث الحكم على بعض أفعال المكلفين بالوجوب أو الندب أو الحرمة أو الكراهة.
فمثل حديث: "لا سهم في الإسلام لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له" 1 المقصود به أولًا الترغيب في كل من الصلاة والوضوء والتنفير من تركهما، ولكنه مع هذا لا يمكن إخلاؤه من الدلالة على أن الصلاة فرض، وأن تركها محظور، وأن الوضوء شرط في صحتها، وكذلك مثل حديث: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا صلاة لمن لا طهور له، ولا دين لمن لا صلاة له، وإنما موضع الصلاة من الدين كموضع الرأس من الجسد" 2 فإنه ترغيب في الأمانة والصلاة، وتشديد في الحث على فعل كل منهما، والتخويف من تركهما، ولكنه -مع هذا- واضح الدلالة على وجوب الأمانة وحرمة تركها، وعلى وجوب الصلاة وحرمة تركها كذلك.
فالمقصود -كما بينا- من إيراد أمثال هذه الأحاديث في تلك الكتب إنما هو الحث على الفعل، والتحذير من الترك، وليس فيه مجرد بيان الحكم أو إقامة الدليل كما هو الشأن في الكتب الموضوعة لبيان أدلة الأحكام من السنة المطهرة.
وبعد: فإنه يتضح من هذه المقدمة الموجزة أن الترغيب والترهيب يحتلان مكانة ممتازة في التربية الإسلامية على وجهها الصحيح، بحيث يسهل بها قيادة النفوس لتحقيق الأحكام الشرعية على أكمل الوجوه، ويتم عمران الحياة بدفع كل مكلف إلى الخير وكفه عن الشر، فإذا تم ذلك أخذت الأحكام الشرعية التي تتمثل في كتب الأحكام مكانها، وطبقت على أحسن الوجوه وأكملها ومن هنا كان التصوف المستمد من هذه الأحاديث خير مصلح للنفوس، وكان الآخذون به على وجهه أقرب الناس لتطبيق أحكام الشرع وعدم تجاوزها، فمهمة كتب الترغيب والترهيب خطيرة، ومهمة الداعين بها في معالجة النفوس وتقويمها من أدق المهام وأشقها بغير جدال.--------------------------------------------
1 الترغيب والترهيب ج1 ص380 أخرجه البزار بسنده إلى أبي هريرة.
2 الترغيب والترهيب ج1 ص381 أخرجه الطبراني في الأوسط والصغير.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)

من أجل هذا عني علماء السنة قديمًا وحديثًا بجمع أحاديث الترغيب والترهيب وإفرادها في مؤلفات، فمنهم من جمع بين أحاديث الترغيب والترهيب في كتاب، ومنهم من أفرد كلا منهما على حدة، ومن النوع الأول كتاب الترغيب والترهيب للمنذري -وسنتناوله بالدراسة بعون الله- ومن النوع الثاني ترغيبًا كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه لأبي الشيخ، وترهيبًا كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيثمي، وسوف نفسح لدراسته مكانًا في هذا الكتاب بإذن الله.
ومن بين من ألفوا في الترغيب والترهيب من علماء الحديث من سنذكرهم مع بيان كتبهم على ترتيب سني وفاتهم على النحو التالي:
1- كتاب الزهد، وكتاب البر والصلة لأبي عبد الرحمن عبد الله بن المبارك الحنظلي المتوفى عام واحد وثمانين ومائة1.
2- كتاب الزهد للإمام أحمد بن حنبل الشيباني المتوفى سنة إحدى وأربعين ومائتين2.
3- كتاب الزهد لأبي السري "هناد بن السري" بن مصعب التميمي الدارمي المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومائتين3.
4- كتاب الترغيب والترهيب، كتاب الأهوال، كتاب فضائل الأعمال، وكتاب الآداب النبوية لحميد بن زنجويه أبو أحمد النسائي الحافظ المتوفى سنة إحدى وخمسين ومائتين للهجرة4.
5- كتاب الشمائل للترمذي محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الترمذي المتوفى سنة تسع وسبعين ومائتين للهجرة5.
6- كتب ابن أبي الدنيا أبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس المعروف بابن أبي الدنيا، والمتوفى سنة إحدى وثمانين ومائتين، وله في هذا النوع كتب كثيرة ذكرها صاحبا الرسالة المستطرفة وهدية العارفين6.
7- ذم الغيبة لأبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشير بن عبد الله الحربي المتوفى سنة خمس وثمانين ومائتين7.
8- نخبة المؤانسة من كتاب المجالسة لأبي بكر أحمد بن مروان بن محمد الدينوري المتوفى سنة ثلاث وتسعين ومائتين، كما ذكره صاحب هدية العارفين أو سنة ثمان وتسعين ومائتين، كما ذكره صاحب الرسالة8.--------------------------------------------
1 الرسالة المستطرفة ص37، 39 وشذرات الذهب ج1 ص295 وهدية العارفين ج5 ص438.
2 الرسالة المستطفرة ص14، 39، شذرات الذهب ج2 ص96.
3 الرسالة المستطرفة ص39، وشذرات الذهب ج2 ص104.
4 شذرات الذهب ج2 ص124، والرسالة المستطرفة ص43، وكشف الظنون ج1 ص401.
5 شذرات الذهب ج2 ص174 وذيل كشف الظنون ج4 ص54.
6 الرسالة المستطرفة ص34 و38 وهدية العارفين ص 441 ج5.
7 الرسالة المستطرفة ص39، وهدية العارفين ج5 ص4 وشذرات الذهب ج2 ص190.
8 الرسالة المستطرفة ص41، وهدية العارفين ج5 ص55.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)