ثالثًا- ما اختص المتأخرون بالتأليف فيه نورده مرتبًا على النحو التالي:
1- جمع السنة من كافة مظانها الصحيحة في مؤلف واحد رغبة في تقريبها وجعلها في المتناول، وإذا كان الأقدمون قد بذلوا أقصى الجهد في تجميع السنة في موضوعات حديثية مختلفة تناولت سائر أمور الدين فإن المتأخرين قد استفادوا من عمل أولئك الذين سبقوهم، وجمعوا كثيرًا من نتاج هذه المجهودات في كتب أعدوها وقربوا بها السنة للناس، حتى لا يكلفوهم عناء الرجوع إلى مصادرها المتعددة، وقد بدأت هذه المحاولات في نهاية العهد الأول عندما ألف أبو الحسن رزين العبدري السرقسطي في الصحاح والسنن كتابًا جمع فيه بين الأصول الستة: البخاري ومسلم والموطأ والسنن الثلاثة لأبي داود والترمذي والنسائي، ثم جاء بعده أبو السعادات المبارك ابن الأثير الجزري فألف كتابه جامع الأصول من أحاديث الرسول، زاد فيه كثيرًا على كتاب رزين في عشرة أجزاء، واختصره ابن الديبع الشيباني الزبيدي اليمني في كتابه تيسير الوصول إلى جامع الأصول في مجلدين، وألف عبد الله بن عتيق التجيبي المتوفى سنة ست وأربعين وستمائة كتابه أنوار المصباح في الجمع بين الكتب الستة الصحاح، كما جمع بين الأصول الستة ومسانيد أحمد والبزار وأبي يعلى والمعجم الكبير -وربما زيد عليها من غيرها- المسند الكبير الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة في كتابه المسمى جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن، رتبه على حروف المعجم يذكر كل صحابي له رواية ثم يورد في ترجمته جميع ما وقع له في هذه الكتب وما تيسر من غيرها.
ولم تزل محاولات العلماء لجمع السنة في إطار واحد مستمرة رغبة في استيعابها، فجمع الحافظ نور الدين الهيثمي أحاديث الغيلانيات والخلعيات وفوائد تمام وأفراد الدارقطني مع ترتيبها على الأبواب في مجلدين، وألف الحافظ السيوطي كتابه جامع المسانيد وجمع الجوامع والجامع الصغير وألف الشيخ الحافظ محمد بن سليمان المغربي الروداني صاحب كتاب صلة الخلف بموصول السلف المتوفى سنة أربع وتسعين وألف كتابه جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد اشتمل على الصحيحين والموطأ والسنن الأربعة ومسند الدارمي ومسند أحمد ومسند أبي يعلى ومسند البزار ومعاجم الطبراني الثلاثة.
2- كتب التخريج، وهي مؤلفات ظهرت بعد تجريد السنة من الأسانيد، وبعد ظهور كتب عديدة في الفقه والتصوف والعقائد والتفسير كان أصحابها يقحمون الأحاديث في كثير من أبوابها، فكان لا بد من تخريج هذه الأحاديث بعزوها إلى أصولها، وبيان قيمتها ورتبتها، ليكون القارئ على بينة من أمره فيها، فكانت تلك المؤلفات في التخريج، وكان منها تخريج المختصر الكبير لابن الحاجب لمحمد بن عبد الهادي المقدسي المتوفى سنة أربع وأربعين وسبعمائة، ومنها المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار للحافظ العراقي، ومنها التلخيص
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير للحافظ ابن حجر، وكثير غيرها مما ألفه المتأخرون في التخريج وما سنذكره في موضعه مفصلًا بإذن الله.
3- كتب الأحاديث المشتهرة على الألسنة، جمعها العلماء المتأخرون في مؤلفات، رغبة في فرز السنة لتمييز المقبول من المردود مما اشتهر على ألسنة الناس من الحديث، ومنها المقاصد الحسنة في بيان كثير مما اشتهر من الحديث على الألسنة لشمس الدين السخاوي، والدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة للسيوطي، والبدر المنير في غريب أحاديث البشير النذير للإمام عبد الوهاب الشعراوي، وغير ذلك.
4- كتب الزوائد، وهي مما اختص العصر الأخير بالتأليف فيه، رغبة في جمع السنة وتقريبها أيضًا، وموضوعها الأحاديث الزائدة في بعض كتب الحديث عن البعض الآخر، وقد كان من فرسان هذا الميدان الحافظ نور الدين الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد ومنبع الفوائد وغيره من الكتب، والحافظ ابن حجر في كتابه المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، والشهاب البوصيري في كتابه مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، وفوائد المنتقى بزوائد البيهقي، وسيأتي للزوائد مزيد بيان تفصيل في موضعه بإذن الله.
5- كتب الفتاوى الحديثية، وموضوعها إجابات علماء الحديث على أسئلة من يستفتونهم فيما يتعلق بالأحاديث، ومن أشهر هؤلاء العلماء العلامة تقي الدين أحمد بن عبد السلام بن تيمية الحراني في فتاويه، وشيخ الإسلام ابن حجر في فتاويه، والحافظ شمس الدين السخاوي في كتابه الأجوبة المرضية عما سئلت عنه من الأحاديث النبوية، والحافظ جلال الدين السيوطي في فتاويه وفي الحاوي للفتاوى في بعض موضوعاته.
6- كتب مفردة في جمع بعض أنواع الحديث، وذلك ككتب الأحاديث المتواترة وقد ألف الحافظ السيوطي فيها الفوائد المتكاثرة واللآلئ المتناثرة، كل منهما في الأحاديث المتواترة كما ألف فيها الحافظ شمس الدين محمد بن طولون مسند الشام المتوفى سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة كتابًا أيضًا سماه اللآلئ المتناثرة، ومنها لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة لأبي الفيض محمد مرتضى الحسيني الزبيدي المصري لخص فيه اللآلئ لابن طولون، ونظم المتناثر من الحديث المتواتر للسيد محمد جعفر الكتاني مؤلف الرسالة المستطرفة.
7- ومن مفاخر هذا العصر منهجه في شروح كتب السنة، وقد سبق لنا بيان أن كتب الشروح قدر مشترك بين العهدين، إلا أننا نريد أن نبرز هنا امتياز العصر الأخير في كثرة الشروح الحديثية ووفرتها مع كبرها وضخامتها، ومن أراد دليلًا على هذا فليراجع الأثبات التي وردت بأسماء الشروح في كل من العهدين، وسوف لا يجد للبخاري مثلًا إلا شروحًا قليلة في العصر الأول،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
ويبدو أن أكثرها هزيل لم يستطع أن يقوم بالعبء الكافي لخدمة هذا الكتاب الخدمة اللائقة به، حتى إن ابن خلدون وهو من أكثر المؤلفين خبرة بشئون الكتب والمؤلفات من علماء القرن الثامن يقول وهو يتحدث عن شروح البخاري: ومن شرحه من المتقدمين لم يستوف الشرح كابن بطال وابن المهلب وابن التين ونحوهم، ولقد سمعت كثيرًا من شيوخنا رحمهم الله يقولون: شرح البخاري دين على الأمة، يعنون أن أحدًا من علماء الأمة لم يوف ما يجب له من الشرح بهذا الاعتبار1. ا. هـ.
فإذا جاء المتأخرون من علماء الحديث وفيهم مثل الحافظ ابن حجر والإمام العيني بسفريهما العظيمين فتح الباري وعمدة القاري اللذين هما مفخرتان خالدتان لعلماء الحديث في خدمة هذا الكتاب وحده، فكيف إذا انضم إليهما ما سبق لنا إيراد بعضه من شروح البخاري وغيره من كتب السنة من الأسفار الضخمة المتكثرة، إذن لتجلت مفاخر هذا العصر في خدمة السنة بهذه الشروح العظيمة التي لا يزاحم فيها بأي حال.
8- ومن سمات هذا العصر ظهور التجريد في كتب السنة خصوصًا أو عمومًا، وإن كان بعض هذه المجردات قد ظهر في نهاية العصر السابق، كمصابيح السنة لأبي محمد البغوي، الذي جرد فيه الأحاديث من أسانيدها، وقسمها إلى صحاح وحسان، وأراد بالصحاح ما أخرج الشيخان أو أحدهما، وبالحسان ما أخرجه أرباب السنن الأربعة مع الدارمي، وهو منهجه واصطلاحه وكتاب الجمع بين الصحيحين لعبد الحق محمد بن عبد الرحمن الإشبيلي المتوفى سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، والأحكام الشرعية له أيضًا.
ومن الكتب التي ألفت مجردة في العصر الأخير: التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح لشهاب الدين أبي العباس الشهير بالزبيدي الحنفي المتوفى سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة، ومنها الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، وبلوغ المرام للحافظ ابن حجر، كما أن منها جمع الجوامع، والجامع الصغير، وغيرها من كتب السنة المجردة.
9- كتب الذيول تذييلها، وهي كتب يؤلفها؛ العلماء استيفاء لما فات المؤلف السابق، أو إضافة إليه ببعض ما عرف بعده مما لم يدركه في عصره، وهي أبرز ما تكون في كتب التراجم، ويتصل بذلك ما يسمى في كتبهم بالتكميل أو الإكمال، ومن أمثلة ذلك ما فعله العلماء في كتاب الوفيات لابن زَبر، وقد سبق إلى التذييل على هذا الكتاب الحافظ الكتاني المتوفى سنة ست وستين وأربعمائة، ثم تتابع المحدثون بالتذييلات عليه في هذا العصر، بذكر من لم يدركه من قبله إلى عصره،--------------------------------------------
1 مقدمة ابن خلدون ص351.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
ومن هؤلاء الحافظ المنذري، ثم الشريف عز الدين أحمد بن محمد الحسيني، ثم المحدث أحمد بن أبيك الدمياطي، ثم الحافظ أبو الفضل العراقي، وكلها ذيول على كتاب واحد هو الوفيات لابن زَبر، ومن ذلك أيضًا كتاب زوائد الرجال على تهذيب الكمال، وللحافظ ابن حجر كتاب سماه فوائد الاحتفال في أحوال الرجال المذكورين في البخاري زيادة على تهذيب الكمال، ولسراج الدين عمر بن الملقن كتاب سماه إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ومن المؤلفات أيضًا كتاب التكميل في أسماء الرجال، ومن المؤلفات أيضًا كتاب التكميل في أسماء الثقات والضعفاء والمجاهيل، للحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير جمع فيه بين تهذيب المزي وميزان الذهبي مع زيادات، ومنها أيضًا ذيل الحافظ السيوطي على كتاب الذهبي المسمى بالمغني في الضعفاء وبعض الثقات، كما ذيل الحافظ العراقي على كتاب ميزان الاعتدال للحافظ الذهبي، وعمل شيخ الإسلام ابن حجر لسان الميزان، ضمنه الميزان وزوائد عليه في مجلدين أو ثلاثة، وأشباه ذلك كثير.
10- التهذيب والاختصار، وقد تجلى هذا واضحًا في كتب الرجال، ومن ذلك كتاب الكمال في أسماء الرجال للحافظ المقدسي المتوفى سنة ستمائة، فقد هذبه الحافظ أبو الحجاج المزي وسماه تهذيب الكمال في أسماء الرجال في اثني عشر مجلدًا، وله مختصرات منها للذهبي كتاب تذهيب التهذيب، ثم اختصر التذهيب وسماه الكاشف1. وقد اختصر الخزرجي صفي الدين أحمد بن عبد الله كتاب التذهيب وسماه خلاصة تذهيب الكمال في أسماء الرجال، كما اختصر التهذيب الحافظ ابن حجر في كتابه تهذيب التهذيب، ثم لخصه في تصنيف لطيف سماه تقريب التهذيب، وقد اختصر السيوطي معجم ياقوت الحموي إلا أنه لم يكمله، وعمل الحافظ برهان الدين الحلبي مختصرًا لميزان الاعتدال للحافظ الذهبي سماه نثل الهميان في معيار الميزان، وغير ذلك.
هذا ما سنح لنا من عرض جهات الشبه وجهات الاختلاف بين مناهج المحدثين في مؤلفاتهم قبل سقوط بغداد وبعد سقوطها، وإذا كان قد نوهنا بجهود السابقين في جمع السنة المبكر، وعرضها بصورتها المشرقة فإن جديرًا بنا أن ننوه بجهود المتأخرين في استقبال ما وفد عليهم من نتاج الأئمة السابقين، فأخذوا -في الجملة- يتولونه بالتهذيب تارة، وبالشرح تارة، وإضافة ما دعت إليه ظروفهم العلمية، وثقافات العصر ومتطلباته، فأما جهود مصر ومحدثيها فإنها وإن كانت مندمجة في جهود هؤلاء الأئمة بما قضى به حكم التداخل الذي أشرنا إليه في كل من الزمان والمكان فإنها بدت فيما أوردناه في الفصل الأخير من الباب الأول خاصًّا بما عرف من إنتاج أعلام المحدثين في مصر، وسوف تبدو واضحة كذلك، متميزة كل التمييز بما تفرده في الحديث عن المؤلفات الخاصة بهم بإذن الله، والله ولي التوفيق.--------------------------------------------
1 من المحققين من يخالف هذا، وسنعرض لذلك عند الكلام على كتب الرجال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
الباب الثالث: المدونات الحديثية
مدخل
…
الباب الثالث: المدونات الحديثية
تمهيد:
رأيت أن تكون الكتابة في هذا الموضوع عن الكتب المتعلقة بالأنواع الثمانية الآتية، وأن يكون لكل نوع منها فصل خاص به، وأن تكون على هذا الترتيب.
كتب الأحكام، كتب الترغيب والترهيب، كتب الجوامع، كتب الزوائد، كتب توضيح المبهمات، كتب أصول الحديث، كتب التخريج، كتب الرجال.
وآثرت هذه الأنواع دون غيرها -كالعقائد وأحوال الآخرة وغيرها- لأن هذه الأنواع الثمانية ألصق بالحديث من غيرها.
وبدأت من بينها بكتب الأحكام لأنها أهم ما في كتب السنة من هذه الأنواع؛ إذ كان الجانب الأهم منها راجعًا إلى تصحيح معظم الأركان التي بني عليها الإسلام، كالصلاة والصيام والزكاة والحج، ثم إلى تصحيح المعاملات التي يتعايش الناس بها في حياتهم، ويعرف كل منهم ما له وما عليه دون غبن ولا جور، دفعًا للفساد في الأرض، ومقاومة للتعدي والبغي، وعلى وفقها يكون الفصل في القضايا والخصومات بين الناس.
وقفيت على كتب الأحكام بكتب الترغيب والترهيب؛ لأنها دون كتب الأحكام في الأهمية فهي تتجه في الجملة إلى جانب ما تتحقق به كماليات الأعمال، وما يطلب به الثواب ويتحاشى به العقاب في دار الجزاء، وهي لهذا غير متجهة إلى تصحيح العبادات والمعاملات الذي هو أهم شيء في الدين وتعاليمه.
ثم كانت كتب الجوامع في هذا العصر هي الثالثة في الترتيب؛ لأن مهمتها فيه جمع السنة، ومحاولة استقصائها أو استقصاء الأهم منها، وليس المقصود منها بيان موضوعات دينية معينة كالنوعين السابقين ولهذا كان ترتيبها على الحروف لا على الأبواب تسهيلًا للمراجعة، على أنها جاءت متأخرة في الزمن عن النوعين السابقين.
ثم تجيء بعد ذلك في الترتيب كتب الزوائد، لما أنها -كاسمها- زوائد على كتب الأصول الحديثية التي اعتبرها الناس مراجع أصلية لهم على مدى الأزمان، ولأن فيها استيعابًا أيضًا ككتب الجوامع في لون آخر من ألوان الاستيعاب، ولهذا كانت ككتب الجوامع أقل تداولًا من غيرها من كتب الحديث، ولم تتجه العناية إليها إلا في عصور متأخرة.
وأما كتب توضيح المبهمات التي جاءت في الفصل الخامس، فلأن المقصود الأهم بها هو خدمة الأحاديث النبوية التي هي موضوعات الأنواع الأربعة السابقة؛ وما شابهها، بشرح ألفاظها، أو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
تبيين معانيها، أو دفع توهم التضارب عنها، وهذا شيء متأخر طبعًا ووضعًا عن وجود الأحاديث ذاتها، وقد أشرت إلى أن الشروح جاءت متأخرة في التدوين عن جمع السنة في الجملة.
وبعد الانتهاء من دراسة ما يتعلق بالحديث النبوي في الأنواع السابقة رواية أنتقل إلى ما يتعلق به دراية في الأنواع التي اخترتها لبحث بعض مؤلفاتها، وهي التي سميت بكتب أصول الحديث الذي هو فن المصطلح، فبدأت به من بين هذه الأنواع؛ لأنه هو الفن الجامع لشتاتها، والمستوعب لأبوابها فهو أصل والباقي فروع عنه، فأخذت منه أهم الكتب المؤلفة فيه وتناولتها بالدراسة.
ثم قفيت على ذلك بفرع مهم من فروع المصطلح وهو تخريج الأحاديث؛ لأن له أهميته في بيان درجة الأحاديث التي تحتاج إلى التخريج، ومنزلتها من حيث القبول والرد، وهذا أهم ما يقصد من إيراد الحديث والاحتجاج به، فلذلك بدأت به من بين هذه الفروع.
ثم أتبعت ذلك بدراسة بعض كتب الرجال، ووجهت إليها عناية تناسبها تبعًا لرجال الحديث الذين أكثروا من التأليف فيها، للتعريف بالرواة وتواريخ وفياتهم وصفاتهم إلى غير ذلك، مما يلقي أضواء على أسانيد الأحاديث التي هي الأسس والدعاثم في قبول الأحاديث والاستدلال بها.
واكتفيت من بين فروع المصطلح بهذين النوعين؛ لأن الذي سمح به مقام البحث، ولأن في دراسة كتب الرجال ما يغني عن كثير من دراسة بعض الأنواع الأخرى ككتب التجريح والتعديل وكتب الوفيات ونحو ذلك.
تلك هي وجهة نظري في الترتيب الذي رتبته بين هذه الأنواع، وفي الاكتفاء بما اكتفيت به منها.
وعسى الله عز وجل أن يكون قد وفقني في وجهة النظر فيما ذهبت إليه، وأن يوفقني في الدقة العلمية في التصوير والبحث في تحليل هذه الكتب، وفي دراستها دراسة تنفعني وتنفع القراء إن شاء الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
الفصل الأول: كتب الأحكام
مدخل
…
الفصل الأول: كتب أحاديث الأحكام
تمهيد:
نقصد بهذه الكتب تلك التي جمع علماء الحديث مادتها من نوع تستنبط منه أحكام الفقه وبحوثه من الأحكام الشرعية التي تدل السنة عليها، وهي تختلف عن كتب علم الفقه بعامة، فإنه كما عرفه أهل الأصول: العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، وواضح أن الأدلة التفصيلية تعتبر السنة قسمًا منها، فإنها المصدر الثاني من مصادر الأحكام -بعد كتاب الله- كما هو مقرر، ويلي السنة النبوية الإجماع ثم القياس ثم بقية الأدلة على الاختلاف فيها، وهي الاستحسان والمصالح المرسلة، والأصل في الأشياء الإباحة، وما إلى ذلك.
وكتب الفقه العام كثيرة ومتداولة، بدأت منذ عهد الأئمة، ومن بينها كتب الفروع الفقهية للمذاهب المختلفة، والتي تدرس في معاهد العلم المتعددة.
وأما فقه السنة، فيبدو أن أول ما ألف فيه بوجه عام كتب عرفت بين المحدثين بأنها كتب السنن.
قال العلامة السيد محمد بن جعفر الكتاني في الرسالة المستطرفة1: ومنها كتب تعرف بالسنن، وهي في اصطلاحهم الكتب المرتبة على الأبواب الفقهية من الإيمان والطهارة والصلاة والزكاة.
ثم أورد منها عددًا أضافه إلى السنن الأربعة المشهورة فبلغت خمسة وعشرين كتابًا نذكرها مرتبة بحسب سنة الوفاة لمؤلفيها على النحو التالي:
1- سنن ابن جريج، وهو أبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي ثم المكي، المتوفى سنة 150هـ2.
2- سنن موسى بن طارق، وهو الذي يروي عن ابن جريج وموسى بن عقبة وغيرهم، وهو أبو قرة موسى بن طارق اليماني الزبيدي، ذكره صاحب الرسالة المستطرفة3. ونقل عن التقريب أنه ثقة يقرب من التاسعة ولم يذكر له وفاة:
3- سنن الإمام الشافعي، برواية أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، وهو أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، المتوفى سنة 204هـ4.--------------------------------------------
1 الرسالة: ص25.
2 شذرات الذهب: ج1 ص226.
3 الرسالة المستطرفة: ص27.
4 شذرات الذهب: ج2 ص9.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
4- سنن سعيد بن منصور، وهو أبو عثمان سعيد بن منصور الخراساني الحافظ، المتوفى سنة 227هـ1.
5- سنن الدولابي، وهو محمد بن الصباح البغدادي البزار المزني مولاهم الدوبلابي، المتوفى سنة 227هـ2.
6- سنن أبي عمرو، "سهل بن سهل" زنجلة الرازي الخياط الأشتر الحافظ، المتوفى في حدود سنة 240هـ3.
7- سنن الخلال، وهو أبو محمد الحسن بن علي بن محمد الهزلي الخلال الحلواني -نزيل مكة- المتوفى سنة 242هـ4.
8- سنن الدرامي، وهو أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن التميمي الدارمي السمرقندي الحافظ الثقة المتوفى سنة 255 هـ5.
9- سنن أبي بكر الأثرم، وهو أحمد بن محمد بن هانئ الطائي الحافظ الثبت، المتوفى سنة 261هـ6.
10- سنن ابن ماجه، وهو الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه الكبير، المتوفى سنة 273هـ7.
11- سنن أبي داود، وهو الإمام أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزهري المتوفى سنة 275هـ8. وسنتناول هذا الكتاب بالدراسة في هذا الفصل إن شاء الله.
12- سنن الترمذي، وهو الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي أبو عيسى الترمذي الضرير، وهو تلميذ البخاري ومشاركه فيما يرويه، توفي سنة 279هـ9.
13- سنن أبي إسحاق، وهو إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد القاضي الأزدي، المتوفى سنة 282هـ10.
14- سنن أبي مسلم الكشي، وهو إبراهيم بن عبد الله بن مسلم بن ماعز البصري الحافظ، المتوفى سنة 292هـ11.--------------------------------------------
1 شذرات الذهب: ج2 ص62
2 شذرات الذهب: ج2 ص62
3 الرسالة المستطرفة: ص27.
4 شذرات الذهب: ج2 ص100.
5 شذرات الذهب: ج2 ص130.
6 شذرات الذهب: ج2 ص141.
7 شذرات الذهب: ج2 ص164.
8 شذرات الذهب: ج2 ص167.
9 شذرات الذهب: ج2 ص174
10 شذرات الذهب: ج2 ص78.
11 الرسالة المستطرفة: ص27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
15- سنن أبي يوسف بن يعقوب بن حماد بن زيد بن درهم القاضي الأزدي، المتوفى سنة 297هـ1 وهو ابن عم إسماعيل القاضي الأزدي.
16- سنن النسائي الكبرى، وهو الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي أحد الأعلام، توفي سنة 303هـ2.
17- سنن الصفار، وهو الإمام أحمد بن عبيد بن إسماعيل البصري الصفار أبو الحسن. حدث عنه الدارقطني وغيره، وتوفي سنة 341هـ3.
18- سنن أبي بكر محمد بن يحيى الهمذاني الشافعي، المتوفى سنة 347هـ4.
19- سنن النجاد، وهو أبو بكر أحمد بن سليمان بن الحسن بن إسرائيل بن يونس البغدادي الفقيه الحافظ، المتوفى سنة 348هـ5.
20- سنن الدارقطني، وهو أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود البغدادي الإمام الحافظ الكبير، المتوفى سنة 385هـ6.
21- سنن ابن لال، وهو الإمام أبو بكر أحمد بن علي بن أحمد الهمذاني، المتوفى سنة 398هـ7.
22- سنن اللالكائي، وهو أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الحافظ الفقيه، المتوفى بالدينور سنة 418هـ8.
23- سنن البيهقي، وهو الإمام العلم أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي الخسروجردي الشافعي الحافظ صاحب التصانيف، المتوفى سنة 458هـ9.
وإذا أضفنا إلى هذه الكتب ما عده صاحب الرسالة المستطرفة10 من بينها من رواية الإمام أبي جعفر الطحاوي أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي المتوفى سنة 321هـ لسنن الإمام الشافعي، وسنن النسائي الصغرى "المجتبى" التي لخصها مؤلفها من السنن الكبرى تاركًا لما تكلم في إسناده من التعليل لتبين لنا أن عدد كتب السنن التي اعتمدها العلماء خمسة وعشرون.
وإذا تتبعنا ما ألفه المحدثون من كتب جمعت أحاديث الأحكام، ويسرت للفقهاء سبيل الأدلة وجدنا من بينها هذه المؤلفات التي ذكرها صاحب الرسالة المستطرفة وغيره من المؤلفين.--------------------------------------------
1 شذرات الذهب: ج2 ص227.
2 شذرات الذهب: ج2 ص239.
3 شذرات الذهب: ج2 ص358.
4 الرسالة المستطرفة: ص28.
5 شذرات الذهب: ج2 ص376 والرسالة المستطفرة ص28 ونقل صاحبها عن كشف الظنون أنه توفي سنة 343هـ.
6 شذرات الذهب: ج2 ص116.
7 شذرات الذهب: ج2 ص151.
8 شذرات الذهب: ج2 ص211.
9 شذرات الذهب: ج2 ص304.
10 ص25.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
قال السيد محمد جعفر الكتاني في الرسالة المستطرفة1:
ومنها كتب مرتبة على الأبواب الفقهية، مشتملة على السنن وما هو في حيزها أوله تعلق بها، بعضها يسمى مصنفًا وبعضها جامعًا، وغير ذلك.
ثم أورد مصنفات عديدة، وجوامع كثيرة لمؤلفين من الأعلام اعتبرها العلماء مراجع في الاستدلال في العصور المتعاقبة، كما أورد غيره كثيرًا منها.
وها نحن أولاء نشير إلى هذه المؤلفات وأسماء بعض المؤلفين، ممن اشتهرت مصنفاتهم وعول عليها العلماء في كثير من الأمصار، مرتين لها بحسب سني وفاتهم على النحو التالي:
1- جامع أبي عروة، وهو معمر بن راشد الأزدي مولاهم البصري نزيل اليمن، المتوفى سنة 153هـ2.
2- موطأ ابن أبي ذئب، وهو الإمام أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام بن شعبة القرشي العامري المدني الفقيه، المتوفى سنة159هـ3. وهذا الموطأ لم يطبع ولم يتداول، ولم يشتهر كموطأ مالك، ولم يعرف إلا بالحديث عن اسمه في بعض الكتب، فقد ذكره الكتاني في الرسالة المستطرفة فقال4: وقد صنف ابن أبي ذئب بالمدينة موطأ أكبر من موطأ مالك، حتى قيل لمالك: ما الفائدة في تصنيفك؟ فقال: مما كان لله بقي.
3- مصنف أبي سلمة "حماد بن سلمة" بن دينار البصري الحافظ، المتوفى سنة 167هـ5.
4- موطأ الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المتوفى سنة 179هـ6 وسنتناوله بالدراسة إن شاء الله في هذا الفصل.
5- كتاب الآثار لمحمد بن الحسن الشيباني مولاهم الكوفي صاحب أبي حنيفة، والمتوفى سنة 189هـ7.
6- مصنف أبي سفيان، وكيع بن الجراح بن مليح الرواسي، المتوفى سنة 197هـ8.
7- جامع أبي محمد سفيان بن عيينة بن ميمون الهلال مولاهم الكوفي الحافظ، نزيل مكة، المتوفى سنة 198هـ9.--------------------------------------------
1 الرسالة المستطفرة: ص30.
2 شذرات الذهب: ج1 ص235 والرسالة المستطرفة: ص32.
3 شذرات الذهب: ج1 ص245.
4 الرسالة المستطرفة: ص8.
5 شذرات الذهب: ج1 ص262.
6 شذرات الذهب: ج1 ص289.
7 الرسالة ص32 وشذرات الذهب ج1 ص321.
8 الرسالة ص31 والشذرات ج1 ص349.
9 الرسالة ص31 والشذرات ج1 ص354.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
8- كتاب الأم للشافعي، الإمام محمد بن إدريس من رواية الربيع بن سليمان المرادي عنه، وهو في سبع مجلدات، والإمام الشافعي توفي سنة 204هـ1.
9- مصنف عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم الصنعاني أبو بكر، المتوفى سنة 211هـ2.
10- مصنف أبي الربيع سليمان بن داود العتكي الزهراني البصري نزيل بغداد، المتوفى سنة 234هـ3.
11- مصنف ابن أبي شيبة أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي الأصل الكوفي العبسي، المتوفى سنة 235هـ4.
12- الجامعان: الكبير والصغير، كلاهما للإمام البخاري محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري مولى الجعفين، المتوفى سنة 256هـ5.
13- جامع الإمام مسلم بن الحجاج بن مسليم بن ورد القشيري النيسابوري، المتوفى سنة 261هـ6.
14- مصنف بقي بن مخلد بن يزيد القرطبي الحافظ أبي عبد الرحمن الأندلسي القرطبي، المتوفى سنة276 هـ7.
15- تهذيب الآثار لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري بن يزيد بن خالد، المتوفى سنة 310هـ8.
16- جامع أبي بكر الخلال، أحمد بن محمد الخلال الحنبلي، المتوفى سنة 311هـ9.
17- معاني الآثار وشرحه، للإمام الطحاوي أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك الأزدي الطحاوي، المتوفى سنة 321هـ10 وسنتحدث عنه في هذا الفصل بإذن الله.
18- الشريعة في السنة، لأبي بكر محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي الآجري، المتوفى سنة 360 هـ11.
19- معاني الأخبار، المسمى ببحر الفوائد، لأبي بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي، المتوفى سنة 380هـ12.--------------------------------------------
1 الرسالة ص32 والشذرات ج2 ص9.
2 الرسالة ص31 والشذرات ج2 ص27.
3 الرسالة ص31.
4 الرسالة ص31 والشذرات ج2 ص85
5 الرسالة ص32 والشذرات ج2 ص134.
6 الرسالة ص32 والشذرات ج2 ص144.
7 الرسالة ص31 و56 والشذرات ج2 ص169.
8 الرسالة ص33 والشذرات ج2 ص260.
9 الرسالة ص32 والشذرات ج2 ص261.
10 الرسالة ص33 والشذرات ج2 ص288.
11 الرسالة ص32 وشذرات الذهب ج3 ص35.
12 الرسالة ص33.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
20- معرفة السنن والآثار1، لأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي المتوفى سنة 388هـ2.
21- شرح السنة، لركن الدين ومحيي السنة أبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد المعروف بالقراء البغوي، المتوفى سنة 516هـ3.
22- عمدة الأحكام، للإمام الحافظ تقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الجماعيلي الحنبلي، المتوفى سنة 600هـ4، وسنتناوله بالدراسة في هذا الفصل إن شاء الله.
23- جامع الأحكام في معرفة الحلال والحرام، للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي المتوفى سنة 638هـ5.
24- المنتقى، المعروف بمنتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار، لمجد الدين ابن تيمية، أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن علي بن تيمية الحراني الفقيه الحنبلي، المتوفى سنة 652هـ6.
25- المحرر في الحديث في شرح الإلمام من أحاديث الأحكام، للحافظ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي، المتوفى سنة 744هـ7.
26- تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد، للحافظ العراقي، المتوفى سنة 806هـ8، وسنتناوله بالدراسة في هذا الفصل بين كتب الأحكام إن شاء الله.
27- بلوغ المرام من أدلة الأحكام، للحافظ ابن حجر العسقلاني، المتوفى سنة 852هـ9 وسنتحدث عنه في هذا الفصل بإذن الله.
28- كشف الغمة عن جميع الأمة، للإمام الشعراني، المتوفى سنة 973هـ وسنفرد له دراسة خاصة في هذا الفصل إن شاء الله.
هذه بعض الكتب التي وقفنا عليها بعد البحث، ورأينا إضافتها إلى ما سبقها من كتب السنن. باعتبار أن هذه وتلك كانت كلها مراجع للعلماء والباحثين في الفروع، وكان الكثير منها محل اهتمام المحدثين والفقهاء، فتناولوها بالشرح والتنقيح، والاختصار والتهذيب، ولا تزال حتى الآن موضع العناية من المسلمين في كافة الأقطار والأمصار، فإن موضوعها تلك الأحاديث التي--------------------------------------------
1 هكذا ورد في الرسالة المستطرفة وإن كان صاحب الشذرات قد ذكر أنه معالم السنن، كما ذكره صاحب كشف الظنون ص638.
2 الرسالة ص33 وشذرات الذهب ج3 ص127.
3 الرسالة ص32 والشذرات ج4 ص48.
4 شذرات الذهب: ج4 ص345.
5 الرسالة: ص32، وشذرات الذهب ج5 ص190.
6 شذرات الذهب: ج5 ص257.
7 شذرات الذهب: ج6 ص141 وهدية العارفين في أسماء المؤلفين: ج6 ص151.
8 شذرات الذهب: ج5 ص257.
9 شذرات الذهب: ج7 ص270.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
استدل بها فقهاء الأمة الإسلامية على ما اتجه إليه كل منهم في الأحكام الفرعية العملية المتعلقة بأفعال المكلفين، مما وصل إليه من أدلة السنة، سواء أكانت أفعال المكلفين هذه عبادات أم معاملات أو غيرها، وسواء أكانت الأحاديث تفصيلًا لمجمل الكتاب، أم تفسيرًا لما أبهم فيه، أو كانت أحاديث تستقل بالتشريع، قولية كانت أو فعلية.
وقد اتجهت عناية الأئمة إلى أحاديث الأحكام، وأفردت لها كتب خاصة بها -اعتناء بشأنها- لتوقف تصحيح كثير من الأعمال أو كمالها على معرفتها، ولتعرف إذن الشارع في بعض الأفعال أو عدم إذنه فيه، وإن كان بعض هذه الكتب قد مزج ما فيها من أحاديث الأحكام بآثار الصحابة وفتاوى بعض التابعين.
ولئن كنا قد تناولنا بعض هذه المؤلفات بالدراسة من غير تقيد بالزمان ولا بالمكان، فمرجع ذلك إلى رغبتنا في إيضاح تسلسل الربط بين الماضي والحاضر، واعتبارنا هذه الكتب هي الدعامة التي بنيت عليها مدرسة الحديث في مصر، وهي المراجع الأصلية التي تتلمذ عليها علماؤها الأعلام في هذا النوع من أحاديث الأحكام.
فلنبدأ -باسم الله وعلى بركته- في دراسة أشهر ما وقفنا عليه من هذه المؤلفات، موجزين فيما يستحق الإيجاز مما اعتبرناه منها أساس لموضوع البحث، متوسعين -بعض الشيء- فيما عدا ذلك مما هو من موضوعه الأصيل، والله المستعان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
موطأ الإمام مالك:
موطأ الإمام مالك، هو ذلك الكتاب المبارك الذي ألفه الإمام مالك بن أنس الأصبحي الحميري أبو عبد الله المدني، إمام دار الهجرة رضوان الله تعالى عليه، وكان من أتابع التابعين، أورده الحافظ في التذكرة في الطبقة الخامسة من الحفاظ، ووصفه بأنه الإمام الحافظ فقيه الأمة وشيخ الإسلام وإمام دار الهجرة، وهو أحد الأئمة الأربعة المعروفين، كان رحمه الله عظيم المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مبالغًا في تعظيمه، حتى كان لا يركب في المدينة مع ضعفه وكبر سنه ويقول: لا أركب في بلد فيها جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم مدفون، توفي رضي الله عنه عام تسع وسبعين ومائة للهجرة1.
وكتابه الموطأ، وصفه الحافظ السيوطي في مقدمته للشرح المسمى بتنوير الحوالك -نقلًا عن القاضي أبي بكر بن العربي- بأنه الأصل الأول واللباب، وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب "يريد الحديث"، وعليهما بنى الجميع كمسلم والترمذي، وقد جمع فيه قبل تهذيبه -كما نقل السيوطي- عشرة آلاف حديث، ولم يزل يعرضها على الكتاب والسنة ويخبرها بالآثار حتى رجعت إلى خمسمائة، وأورد عدة نقول تختلف بعض الاختلاف مع هذا النقل بالزيادة أو النقصان.
وينقل السيوطي في هذا المقام عن أبي بكر الأبهري في جملة ما في الموطأ من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين أنها ألف وسبعمائة وعشرون حديثًا: المسند فيها ستمائة حديث، والمرسل مائتان واثنان وعشرون حديثًا، والموقوف ستمائة وثلاثة عشر، ومن قول التابعين مائتان وخمسة وثمانون.
وأورد نقولًا أخرى تختلف عن ذلك أيضًا، وقال: إن هذا الموطأ رواه عن مالك جماعات كثيرة، وبين رواياتهم اختلاف من تقديم وتأخير وزيادة ونقص، وأكبرها رواية القعنبي2.
وقد أورد عن الإمام مالك في سبب تسميته بالموطأ ما قال: إنه عرض كتابه هذا على سبعين من فقهاء المدينة، فكلهم واطأه عليه، فسماه الموطأ3.
وقد اشتهر عن الإمام الشافعي أنه قال: ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك، وواضح أن ذلك كان قبل ظهور كتب السنة المعتبرة التي على رأسها الصحيحان الجليلان اللذان تلقتهما الأمة بالقبول -صحيحا البخاري ومسلم.
وفي هذا المقام يقول الحافظ ابن حجر: كتاب مالك صحيح عنده وعند من يقلده على ما اقتضاه نظره من الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما.--------------------------------------------
1 شذرات الذهب: ج1 ص289.
2 تنوير الحوالك: ج1 ص7.
3 تنوير الحوالك: ج1 ص5.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
وفي كتب المصطلح تناوُل لهذا الكتاب، وما وجه إليه من نقد، وما دفع به عنه، ولا يتسع مجالنا الآن لإيراد ذلك، فإن المقصود بيان أن الموطأ من أهم أسس الكتب الحديثية الخاصة بالأحكام إن لم يكن هو الأساس الأول لتلك الكتب.
ولا بد أن نشير إلى أن الموطأ من الكتب العظيمة التي اتجهت إليها عناية العلماء والمحدثين بالشرح، حتى قال القاضي عياض: إنه لم يعتن بكتاب من كتب الحديث والعلم اعتناء الناس بالموطأ، فقد شرحه ابن عبد البر بكتاب سماه التمهيد والاستذكار، وشرحه أبو الوليد بن الصفار بكتاب سماه "الموغب"، وشرحه أبو محمد بن السيد البطليموسي النحوي بكتاب سماه "المقتبس"، وشرحه القاضي أبو بكر بن العربي بكتاب سماه "القبس"، وشرحه أبو الوليد الباجي بثلاثة شروح: "المنتقى والأسماء والاستيفاء"، كما شرحه السيوطي بكتابه الذي سماه كشف المغطى في شرح الموطأ، وكتابه الآخر تنوير الحوالك، وقدم له بمقدمة شحنها بكثير من الفوائد، وهي التي رجعنا إليها في تصويرنا لهذا الكتاب والحديث عنه.
ومن العلماء من وجه عنايته إلى شرح غريبة فقط، منهم الأخفش، والبرقي، وأبو القاسم العثماني المصري.
ومنهم من ألف في رجاله فقط، كأبي عبد الله بن الحذاء، وأبي عبد الله بن المفزع، والبرقي، وللسيوطي كتاب في رجاله سماه: "إسعاف المبطأ برجال الموطأ".
ولا يفوتنا -قبل مغادرة الحديث عن هذا الكتاب الجليل- أن نشير إلى الناحية البارزة فيه، وهي أنه أورد بجانب الأحاديث النبوية من أقوال الصحابة والتابعين ما قدر بثمانية وتسعين وثمانمائة من الآثار: الموقوف منها ثلاثة عشر وستمائة، والمقطوع خمسة وثمانون ومائتان، وهو ما يربو على نصف الكتاب، وللإمام وجهته في ذلك، فإنه انتفع بتلك الآثار وأفاد بها فائدة جليلة فوق ما أورده من الأحاديث: مسانيدها ومرسلها.
إن من هذه الآثار ما كان يوجه إلى أحكام مستقلة لم تسعفه رواية الحديث بها، ومن ذلك الأثر الذي رواه عن سالم بن عبد الله دليلًا على منع تغطية الفم في الصلاة، من أنه كان إذا رأى من يغطي فاه بثوبه وهو يصلي جبذ الثوب جبذًا شديدًا1.
ومن ذلك ما نقله عن ابن عمر من أن في قُبلة الرجل امرأته وجسها الوضوء، ونقل مثله عن ابن مسعود بلاغًا، ومثلهما عن ابن شهاب من التابعين، ولم يذكر حديثًا في هذا الموضوع2.
ومنها ما يشير إلى خلاف في الرأي بين بعض الصحابة وبعض، أو بين بعض الصحابة وبعض التابعين، وذلك كما أورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قدم من العراق، فدخل عليه بعض الصحابة فقرب له طعامًا قد مسته النار فتوضأ أنس، ولم يتوضأ الآخر.--------------------------------------------
1 تنوير الحوالك: ج1 ص30.
2 تنوير الحوالك ج1 ص50.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
ونظير هذا ما نقله عن عثمان بن عفان، أنه أكل خبزًا ولحمًا ثم مضمض وغسل يديه ومسح بهما وجهه، ثم صلى ولم يتوضأ.
وكذلك ما بلغ مالكًا عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما كانا لا يتوضأان مما مسته النار1.. ونظير ذلك الحديث.
وكما نقل عن عروة بن الزبير أن أباه مسح على الخفين ولم يزد على مسح الظهور، ثم نقل عن ابن شهاب أن مالكًا سأله عن المسح على الخفين فمسحهما أمامه من تحت الخف ومن فوقه، وإن كان مالك أيد ما نقله عن ابن شهاب2.
ومما نقل فيه الخلاف أيضًا بين الصحابي والتابعي حكم الرعاف في الصلاة، فإن ابن عباس غسل الدم ثم بنى من غير وضوء، وأما سعيد بن المسيب فإنه توضأ ثم بنى على ما صلى3، ولم يؤيد مالك أحد الرأيين في موطئه.
ومنها كذلك ما يقع تفسيرًا لبعض غريب القرآن4، كما جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه فسر دلوك الشمس بميلها، وعن ابن عباس أنه قال: دلوك الشمس إذا فاء الفيء، وغسق الليل اجتماع الليل وظلمته.
ويبدو أن بعض الرواة عن مالك كان يضيف زيادات مما يستقر عليه رأي مالك في بعض الأحكام كالذي نقله يحيى عن مالك أنه سئل: هل في القيء وضوء؟ قال: لا، ولكن ليتمضمض وليسغل فاه، وليس عليه وضوء5.
وكما في رأي مالك فيمن نسي أن يمسح رأسه حتى جف وضوءه، قال راوي الكتاب: سئل مالك عن رجل توضأ فنسي أن يمسح رأسه حتى جف وضوءه، فقال: أرى أن يمسح برأسه، وإن كان قد صلى أن يعيد الصلاة.
على أن بعض ما عد من الآثار في هذا الكتاب ما يستحق أن يعد من الأحاديث المرفوعة؛ بناء على ما تقرر في أصول الحديث من أن قول الصحابي له حكم الرفع إذا كان مما لا مجال للرأي فيه، ولدينا في الموطأ آثار عديدة من هذا النوع.
منها ما نقله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى عماله: أن صلوا الظهر إذا كان الفيء ذراعًا إلى أن يكون ظل أحدكم مثله، والعصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، والمغرب إذا غربت الشمس6 … إلخ، ونظيره ما كتبه إلى أبي موسى: أن صل الظهر إذا زاغت الشمس إلخ، ومثله ما نقله عن أبي هريرة، أن رجلًا سأله عن الأوقات فقال: صل الظهر إذا كان ظلك مثلك، والعصر إذا كان ظلك مثليك.--------------------------------------------
1 تنوير الحواليك: ج1 ص37 وما بعدها.
2 تنوير الحوالك: ج1 ص47.
3 تنوير الحواليك: ج1 ص47.
4 تنوير الحوالك: ج1 ص23.
5 تنوير الحوالك: ج1 ص37.
6 تنوير الحوالك: ج1 ص19.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
والنسخة التي بين أيدنا للموطأ بشرح تنوير الحوالك من طبع الحلبي بمصر عام تسع وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة، وهي جزءان في مجلد.
بدئ الأول منها بحديث في وقوت الصلاة1 قال: حدثني يحيى بن يحيى الليثي عن مالك بن أنس عن ابن شهاب بن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يومًا فدخل عليه عروة بن الزبير، فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يومًا وهو بالكوفة، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري، فقال: ما هذا يا مغيرة؟ أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: بهذا أمرت؟ فقال عمر بن عبد العزيز: أعلم ما تحدث به يا عروة، وإن جبريل هو الذي أقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الصلاة … إلخ.
وانتهى الجزء الأول بأثر عنون له بميراث ولد الملاعنة وولد الزنا، وهو: حدثني يحيى عن مالك، أنه بلغه أن عروة بن الزبير كان يقول في ولد الملاعنة وولد الزنا: إنه إذا مات ورثته أمه حقها في كتاب الله عز وجل وإخوته لأمه حقوقهم، ويرث البقية موالي أمه إن كانت مولاة، وإن كانت عربية ورثت حقها، وورث إخوته لأمه حقوقهم، وكان ما بقي للمسلمين، قال مالك: وبلغني عن سليمان بن يسار مثل ذلك، قال مالك، وعلى ذلك أدركت أهل العلم ببلدنا.
ثم بدأ الجزء الثاني بكتاب النكاح: ما جاء في الخطبة وأورد حديثًا في أوله قال فيه: حدثني يحيى عن مالك بن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه".
وانتهى الجزء الثاني بحديث عنون له بأسماء النبي صلى الله عليه وسلم هو: حدثني مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لي خمسة أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب".
والكتاب مشحون بالأحاديث والآثار والبلاغات، موزعة على الكتب والأبواب وما يندرج تحتها من عناوين، ويحوي مادة خصبة للدارسين والباحثين، يرفع من شأنها قرب عهد مؤلفها من صدر الإسلام، ومعاصرته لكثير من أجلاء التابعين وأتباع التابعين، ممن نقلوا إلينا السنة وأخذنا عنهم الدين، ومما يصدق شهادة الإمام الشافعي لهذا الكتاب من أنه أصح كتاب بعد القرآن الكريم أن الأمة تلقته بالقبول، ولم يزل تعويلها عليه منذ ظهر إلى يومنا هذا، فكان العلماء والأئمة ما بين شارح له، أو مقتبس منه، أو راجع إلى ما فيه من الأحاديث والآثار الكريمة.
رحم الله الإمام مالك بن أنس، وجزاه عما قدم للأمة الإسلامية خير الجزاء.--------------------------------------------
1 تنوير الحوالك ج1 ص11 وورد العنوان هكذ: وقوت الصلاة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
سنن أبي داود:
وأما سنن أبي داود السجستاني، فهو ذلك الكتاب العظيم، الذي ألفه سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي، المولود سنة اثنتين ومائتين للهجرة، والذي تحدث عند الذهبي في تذكرته1 فقال: إنه الإمام صاحب السنن، الذي حدث عنه الترمذي، والنسائي، وابنه أبو بكر بن أبي داود، وأبو عوانة، وأبو بشر الدولابي وغيرهم ممن رووا عنه سننه، سمع أبا عمرو بن الضرير ومسلم بن إبراهيم والقعنبي و … وخلقًا كثيرًا بالحجاز والشام ومصر والعراق وغيرها، وقال الذهبي: كتب عنه شيخه أحمد بن حنبل حديث العتيرة، وأراه كتابه فاستحسنه.
ويقول الحافظ المنذري: إن الإمام ابن حنبل استجاده واستحسنه، ثم نقل عن أبي بكر بن عبد العزيز أنه سمع كتابًا كتبه أو داود لأهل مكة يقول فيه عن سننه: إن هذه الأربعة آلاف والثمانمائة حديث كلها في الأحكام، فأما أحاديث كثيرة من الزهد والفضائل وغيرها من غير هذا فلم أخرجها2، وأن محمد بن إسحاق الصاغاني قال: لين لأبي داود الحديث كما لين لداود الحديد.
ونقل الذهبي عن ابن داسة أن أبا داود قال: ذكرت في كتابي الصحيح وما يشبهه وما يقاربه، وما كان فيه من وهن شديد بينته، وأورد أن بعض الأئمة قال: كان أبو داود يشبه بأحمد بن حنبل في هديه ودله وسمته، كما نقل عن الحاكم أنه قال: أبو داود إمام أهل الحديث في زمانه بلا مدافعة، وفي بعض نقوله الأخرى ما يؤكد أنه دخل مصر3.
ونقل المنذري عن أحمد بن محمد بن ياسين الهروي قال: كان سليمان بن الأشعث السجزي أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمه وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف والصلاح والورع من فرسان الحديث، وكانت وفاته رحمه الله ورضي عنه سنة خمس وسبعين ومائتين للهجرة4.
وكتابه السنن أحد الكتب الستة المشهورة، التي عول عليها العلماء والفقهاء في جميع بقاء الأمة الإسلامية وأزمانها، ولا تجد في وصفه أصدق مما وصفه به مصنفه فيما رواه المنذري عن ابن داسة قال: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب، جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه5.
ومما وصفه به أيضًا قوله: ما ذكرت في كتابي حديثًا اجتمع الناس على تركه.--------------------------------------------
1 تذكرة الحفاظ ج2 ص152 وما بعدها.
2 مختصر سنن أي داود ج1 ص5، 6.
3 تذكرة الحفاظ ج2 ص154.
4 الشذرات ج2 ص167.
5 مختصر سنن أبي داود ج1 ص6 و7.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
ونقل الحافظ المنذري عن محمد بن إسحاق بن منده الحافظ: أن شرط أبي داود والنسائي إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال.
ولعله يريد بقوله: إذا صح الحديث كونه مستوفيًا لشروط القبول، وإلا فإن الصحة بالمعنى المصطلح عليه عند المحدثين ليست ملتزمة في سنن أبي داود، لاعتراف مؤلفها بقوله: جمعت فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وقوله: وما كان فيه من وهن شديد يينته، من أنه أحيانًا يذكر الضعيف وينبه إلى علته.
وحكي عن أبي داود أنه قال: ما ذكرت في كتابي هذا حديثًا أجمع الناس على تركه1، وأورد مثله الخطابي نقلًا عن أبي داود عند الحديث عن سننه2.
ويقول الخطابي3 في شرحه للسنن4: اعلموا رحمكم الله أن كتاب السنن لأبي داود كتاب شريف، لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من الناس كافة، فصار حكمًا بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فلكل فيه ورد منه شرب، وعليه معول أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب وكثير من مدن أقطار الأرض، ثم فضله على صحيحي البخاري ومسلم في حسن وصفه، وكثرة فقهه.
وذكر الخطابي في مقدمته لشرح السنن عند تقسيم الحديث: أن كتابه هذا مجمع النوعين من الصحيح والحسن، فأما السقيم من الحديث فعلى طبقات: شرها الموضوع ثم المقلوب ثم المجهول، وكتاب أبي داود خَلِي منها، فإن وقع فيه شيء من بعض أقسامه لضرب من الحاجة تدعوه إلى ذكره فإنه لا يألو أن يبين أمره، ويذكر علته، ويخرج من عهدته.
ومن راجع ما كتبه علماء المصطلح وجد أن لهم وجوها في الحكم على المسكوت عنه من سنن أبي داود، وقد تناولها الحافظ السخاوي وانتهى منها إلى أن التحقيق التمييز لمن له أهلية النظر، ورد المسكوت عنه إلى ما يليق بحاله من صحة وحسن وغيرها، ثم قال: ومن لم يكن ذا تمييز فالأحوط أن يقول في المسكوت عليه صالح -كما هي عبارته- خصوصًا وقد سلك جماعة هذا المسلك5.
وقد وصفه الحافظ العراقي في ألفيته بأنه من مظان الحديث الحسن، وبين السخاوي أن الظن هنا بمعنى العلم، وقد بنى ذلك الوصف على ما وصفه به أبو داود نفسه من أنه ذكر فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه.--------------------------------------------
1 مختصر سنن أبي داود ج1 ص8.
2 شرح الخطابي على السنن ج1 ص11.
3 هو أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي من أعلام المحدثين والفقهاء وأحد شيوخ الحاكم مؤلف غريب الحديث، ومعالم السنن وأعلام السنن وشرح البخاري توفي سنة 388هـ.
4 مختصر السنن ج1 ص10.
5 فتح المغيث ج1 ص73، 76، 77.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
ونقل السخاوي في هذا المقام عن الغزالي: أن ما فيه من الأحاديث يكفي المجتهد في الفقه كما نقل عن النووي: أنه ينبغي للمشتغل بالفقه ولغيره الاعتناء بهذا الكتاب وبمعرفته التامة، فإن معظم أحاديث الأحكام التي يحتج بها فيه، مع سهولة تناوله وتلخيص أحاديثه، وبراعة مصنفه، واعتنائه بتهذيبه.
والكتاب الذي بين أيدينا طبعة المطبعة التازية بمصر ويقع في اثنتين وتسعين وسبعمائة صفحة، ومكون من جزأين: الأول منهما في تسع وثلاثين وأربعمائة صفحة مفتتح بعبارة: حدثنا أبو علي محمد بن عمرو اللؤلئى، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني في المحرم سنة خمس وسبعين ومائتين: كتاب الطهارة -وذكر فيه أبوابًا- ثم كتاب الصلاة … وهكذا حتى فرغ منه مرتبًا إياه على أبواب الفقه المعروفة.
ولا بد هنا من أن نشير إلى أن أبا داود بعد أن ألف كتابه السنن بعث برسالة إلى أهل مكة وغيرها جوابًا لهم، أملى فيها كلامًا كثيرًا من السنن منه قوله1:
أما بعد عافانا الله وإياكم عافية لا مكروه معها ولا عقاب بعدها، فإنكم سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب السنن أهي أصح ما عرفت في الباب؟ ووقفت على جميع ما ذكرتم، فاعلموا أنه كذلك كله إلا أن يكون قد روي من وجهين صحيحين فأحدهما أقدم إسنادًا، والآخر صاحبه أقدم في الحفظ فربما كتبت ذلك، ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث.
وإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين وثلاثة فإنما هو من زيادة كلام فيه، وربما فيه كلمة زيادة على الأحاديث، وربما اختصرت الحديث الطويل؛ لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعد من سمعه، إلى أن قال: وليس في كتاب السنن عن رجل متروك الحديث شيء، وإذا كان فيه حديث منكر بينت أنه منكر.
ثم قال: وما كان من كتابي هذا من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض2 وهو كتاب لا يرد عليك سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهي فيه إلا أن يكون كلامًا استخرج من الحديث، ولا يكاد يكون هذا، ولا أعلم شيئًا بعد القرآن، ألزم للناس أن يتعملوا من هذا الكتاب.
إلى أن قال: والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئًا من الحديث إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس. ثم قال: ولعل قدر الذي في كتابي أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ونحو ستمائة حديث من المراسيل.
وختم رسالته بقوله: ولم أصنف في كتب السنن إلا الأحكام، ولم أصنف في كتب الزهد وفوائد الأعمال وغيرها.
هذا هو أهم ما ورد في رسالة أبي داود السجستاني إلى أهل مكة، وما ورد في غيرها مما--------------------------------------------
1 نقلًا عن كتاب رسالة أبي داود السجستاني وصفًا لتأليفه كتاب السنن رواية أبي الحسين بن جميع عن محمد بن عبد العزيز الهاشمي عنه قدمها وعلق عليها محمد زاهد الكوثري طبع مطبعة الأنوار بالقاهرة سنة 1369هـ.
2 أوردنا مثل هذا القول في تقديمنا لهذا الكتاب نقلًا عن الذهبي عن ابن داسة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)