Arabic source text

📘 মাদরাসাতুল হাদীস ফী মিসর (মুহাম্মদ রাশাদ খলিফা - মৃত্যু 1421 হিজরী)

📘 مدرسة الحديث في مصر (محمد رشاد خليفة - ت 1421 هـ)

📘 মাদরাসাতুল হাদীস ফী মিসর (মুহাম্মদ রাশাদ খলিফা - মৃত্যু 1421 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وكتابه عمدة الأحكام قدم له المؤلف بوصف قال فيه: إن بعض الإخوان سألني اختصار جملة في أحاديث الأحكام مما اتفق عليه الإمامان البخاري ومسلم، فأجبته إلى سؤاله رجاء المنفعة.
وهو بهذا قد انفرد من بين المؤلفين السابقين بخصيصة لم يشترك معه غيره فيها في أحاديث الأحكام، ولعله رحمه الله لو تجاوز هذا القدر من الأحاديث المتفق عليها بين الشيخين إلى ما ثبت عنده صحته من بقية أحاديث الأحكام لكان أعود بالفائدة، وأعون على الانتفاع بجملة صالحة منها، ولعل اختياره لهذا العنوان -عمدة الأحكام- في تسمية كتابه كان أثرًا ونتيجة لهذا الاختصار، وأدق تطابقًا معه، وكأن من كتبوا بعده في أحاديث الأحكام محاولين الاستيعاب أو ما يقرب منه -كصاحبي المنتقى وبلوغ المرام- أرادوا أن يستدركوا عليه باستكمال الفائدة، وإغناء المطلعين عن الرجوع إلى الأصول الأولى في أمهات كتب أحاديث الأحكام، على أنه يبدو لنا أن الرجل بمهارته الحديثية، وحذقه في التعرف على الأحاديث وآثارها التشريعية، مع حرصه على أن يكون الاستدلال في أحاديث الأحكام من أقوى ما ورد وأثبته رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم أنه لم يفته كثير من أدلة الأحكام الفقهية، فإن الإمامين الجليلين -البخاري ومسلمًا- كانا أشد الرواة حرصًا على استيعاب الأحاديث في جميع الأبواب في دائرة ما اتخذا من شروط ومنهج يكفل الاعتماد على ما قدما للأمة من الأحاديث التي يحتاج إليها في أمور الدين، ولعل المتتبع لهذا الكتاب تستبين له تلك الحقيقة واضحة جلية.
وقد يكون من مقاصده في الاختصار ما يقوم به بعض العلماء من وضع المختصرات تذليلًا لسبل العلم، بأن يبدءوا بالكتب المختصرة الجامعة لأهم المسائل التي تلزم طالب العلم، حتى إذا أتقنها استطاع أن يجوزها إلى ما هو أوسع منها، وهذه من طرق التربية الناجحة التي درسنا عليها أكثر العلوم في الأزهر الشريف، يضاف إلى ذلك -تدعيمًا لحسن هذا التصرف، وسلامة هذا الرأي- أنه بذلك يثبت أن المؤلف رحمه الله كان ممن تجردوا من العصبية المذهبية، واتجهوا بصادق النية إلى خدمة الدين في ضوء السنة النبوية الصحيحة، التي ثبتت عن المشرع صلوات الله وسلامه عليه، فهو لا يتعصب لمذهب معين يدفعه إلى أن يتصيد من الأحاديث ما هو أقوى حجة وأشد تأييدا لمذهبه الذي ارتضاه، وإنما كان رحمه الله يعول في اختياره لأحاديث الأحكام على درجة ما يرويه وقوته، فركز ذلك فيما اتفق عليه الشيخان إبراء لعهدته في تحقيق مهمته وأداء رسالته.
والكتاب جار على الطريقة التي تداولها من نقلوا السنة بعد عهد الرواية، فاكتفوا بتجريد الأحاديث من أسانيدها، واستعاضوا عن ذكر الأسانيد بتخريج الأحاديث وعزوها تقريبًا للعلم، وتحقيقًا للدقة والأمانة في نقله، فإن مهمة هذه الكتب وأمثالها -بعد استقرار السنة والاطمئنان إلى أصولها- هي عرض الأحاديث لمن يريد الانتفاع استدلالا بها، واهتداء بهديها، وأما معرفة الأسانيد والرجال لمن أرادها فحسب المؤلفين ما استعاضوا به عنه من التخريج والإحالة على مواطنها

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)

الأصلية، وبهذا يختلف هذا الكتاب عن كتب السنة المؤلفة في الأحكام في عصر الرواية، كموطأ الإمام مالك، وسنن أبي داود، ومعاني الآثار للطحاوي.
ويبدو أن هذا الكتاب على نفاسته، وعظم قدر مؤلفه كان من الكتب المغمورة قليلة التداول، بدليل أنه لم يطبع مستقلًّا عن الشرح الذي كتبه عليه ابن دقيق العيد، وذلك لما أشرنا إليه من عدم استيعابه لأحاديث الأحكام التي تروي ظمأ طالب الأدلة للانتفاع بها في معرفة الأحكام.
وقد أعان على الاستغناء عن تداول هذا الكتاب ظهور الكتب التي حاولت الاستيعاب أو قاربته في أحاديث الأحكام، كمنتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار للعلامة مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني المتوفى سنة إحدى وعشرين وستمائة، وكبلوغ المرام من أحاديث الأحكام للحافظ ابن حجر العسقلاني المصري المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة.
والكتاب فيما لمسناه منه في نحو خمسمائة حديث، منها نحو تسعة وأربعمائة حديث أصول، وباقيها متابعات وشواهد، موزعة على الأبواب الفقهية، وأولها كتاب الطهارة وفيه اثنان وأربعون حديثًا، بدأها بحديث: "إنما الأعمال بالنيات" امتثالًا لقول من قال من المتقدمين: إنه ينبغي أن يبتدأ به في كل تصنيف، ولأنه كذلك متعلق بالطهارة، فطهارة الباطن قبل طهارة الظاهر، ثم كتاب الصلاة وأورد فيه سبعة ومائة حديث موزعة على أبوابه، بدأها بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها" ثم كتاب الجنائز وذكر فيه أربعة عشر حديثًا، بدأها بحديث أبي هريرة: "نعى النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم، وكبر أربعًا" ثم كتاب الزكاة وذكر فيه ثمانية أحاديث، بدأها بحديث ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قومًا أهل كتاب … " الحديث، ثم كتاب الصيام وذكر فيه ثلاثة وثلاثين حديثًا، بدأها بحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجلًا كان يصوم صومًا فليصمه"، ثم كتاب الحج وذكر فيه واحدًا وأربعين حديثًا، بدأها بحديث ابن عباس رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة … " الحديث، ثم كتاب البيوع وأورد فيه ستة وأربعين حديثًا، بدأها بحديث عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعًا، أو يخيرأحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع" ثم كتاب النكاح وذكر فيه ثلاثين حديثًا، بدأها بحديث عبد الله بن مسعود قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج … " الحديث، ثم كتاب الرضاع، وذكر فيه أربعة أحاديث بدأها بحديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في بنت حمزة: "لا تحل لي يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وهي ابنة أخي من الرضاعة" كتاب القصاص، وذكر فيه تسعة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)

أحاديث، بدأها بحديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم … " الحديث، ثم كتاب الحدود، وذكر فيه أحد عشر حديثًا بدأها بحديث أنس بن مالك قال: "قدم ناس من عكل -أو عرينة- فاجتووا المدينة" الحديث، ثم كتاب الإيمان والنذور، وذكر فيه ثمانية عشر حديثًا، بدأها بحديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة … " الحديث، ثم كتاب الأطعمة وذكر فيه خمسة عشر حديثًا، بدأها بحديث النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول -وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه: "إن الحلال بَيِّن والحرام بَيِّن.." الحديث، ثم كتاب الأشربة وذكر فيه ثلاثة أحاديث بدأها بحديث عبد الله بن عمر أن عمر قال على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة … " إلخ، ثم كتاب اللباس وأورد فيه ستة أحاديث، بدأها بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة"، ثم كتاب الجهاد وذكر فيه تسعة عشر حديثًا، بدأها بحديث عبد الله بن أبي أوفى "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم … " إلخ، ثم كتاب العتق وهو آخر كتاب في عمدة الأحكام، وأورد فيه ثلاثة أحاديث، بدأها بحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أعتق شركًا له في عبد … " الحديث.
وبعد، فإن الحافظ المقدسي حين جمع هذا المختصر في أحاديث الأحكام أراد أن يقرب به معرفة السنن للطالبين، فاختار لهم أصحها متنًا وأقواها إسنادًا من بين كتابين جليلين تلقتهما الأمة بالقبول، وأجمع العلماء على أنهما أصح كتب الدين بعد كتاب الله تعالى، وكان من شرطه أن يكون ما يختاره فيه مما اتفق عليه الإمامان العظيمان البخاري ومسلم، فجاء كتابه "عمدة الأحكام في معالم الحلال والحرام عن خير الأنام محمد عليه الصلاة والسلام"1 كتابًا قريبًا لطالب العلم المبتدي والمتوسط، ولا يستغني عنه المنتهي والمتبحر.
وهو بهذا الكتاب يمثل مرحلة من مراحل التأليف في السنة من حيث الاختصار بحذف السند اعتمادًا على ورد الحديث في الصحيحين، حذا حذوه فيها الحافظ العراقي في تقريب الأسانيد، فقد كان لا يعزو لأحد حديثًا ورد في الصحيحين.
شكر الله للإمام المقدسي جهده في تقريب السنة إلى الدارسين، وجزاه عما قدم من ذلك خير الجزاء.--------------------------------------------
1 بهذا الاسم الطويل أورد صاحب هدية العارفين كتاب العمدة ج5 ص589.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)

‌‌منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار:
مؤلف هذا الكتاب -كما يقول شارحه العلامة الشوكاني-1 هو الشيخ الإمام علامة عصره المجتهد المطلق، أبو البركات شيخ الحنابلة مجد الدين عبد السلام بن عبد الله، ينتهي إلى علي بن عبد الله الحراني المعروف بابن تيمية.
قال الذهبي في النبلاء: إنه ولد سنة تسعين وخمسمائة تقريبًا، وتفقه على عمه الخطيب، وقدم بغداد وهو مراهق مع ابن عمه، وسمع من أحمد بن سكينة وابن طبرزد ويوسف بن كامل وغيرهم وسمع بحران من حنبل وعبد القادر الحافظ، وتلا بالعشر على الشيخ عبد الواحد بن سلطان، وحدث عنه ولده شهاب الدين والدمياطي وعبد الغني بن منصور وغيرهم، وتفقه وبرع، وصنف التصانيف، وانتهت إليه الإمامة في الفقه، ودرس القراءات وصنف فيها أرجوزة. وحج في سنة إحدى وخمسين على درب العراق، وابتهر علماء بغداد لذكائه وفضله، وأقام ببغداد ستة أعوام مكبًّا على الاشتغال في العلم، ثم ارتحل إليها مرة أخرى قبل العشرين وستمائة فتزيد منه، وصنف التصانيف وتوفي بحران سنة اثنتين وخمسين وستمائة.
وقد وصف المؤلئف "ابن تيمية" كتابه المنتقى فقال: هذا كتاب يشتمل على جملة من الأحاديث النبوية التي ترجع أصول الأحكام إليها، ويعتمد علماء الإسلام عليها، انتقيتها من صحيحي البخاري ومسلم ومسند الإمام أحمد بن حنبل، وجامع أبي عيسى الترمذي، وكتاب السنن لأبي عبد الرحمن النسائي وكتاب السنن لأبي داود السجستاني، وكتاب السنن لابن ماجه القزويني، واستغنيت بالعزو إلى هذه المسانيد عن الإطالة بذكر الأسانيد.
وذكر أن العلامة لما رواه البخاري، ومسلم "أخرجاه" ولبقيتهم "رواه الخمسة" ولهم سبعتهم "رواه الجماعة" ولأحمد مع الشيخين "متفق عليه" وفيما سوى ذلك أسمى من رواه منهم، ولم أخرج فيما غزوته عن كتبهم إلا في مواضع يسيرة، وذكرت في ضمن ذلك شيئًا يسيرًا من آثار الصحابة رضوان الله عليهم، ورتبت أحاديث هذا الكتاب على ترتيب فقهاء أهل زماننا لتسهل على مبتغيها وترجمت لها أبوابًا ببعض ما دلت عليه من الفوائد … إلخ.
وقد علق الشوكاني على اصطلاح المؤلف فيما رواه الثلاثة بمتفق عليه بأن هذا خلاف المشهور عند الجمهور من أن المتفق عليه ما رواه الشيخان، ولكن لا مشاحة في الاصطلاح، وبين أن قوله: لم أخرج فيما عزوته عن كتبهم يقصد به أنه اقتصر في كتابه هذا على العزو إلى الأئمة المذكورين، وقد--------------------------------------------
1 نيل الأوطار ج1 ص13.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)

يخرج عن ذلك في مواضع يسيرة فيروي عن غيرهم كالدارقطني والبيهقي وسعيد بن منصور والأثرم وهذا شيء واضح لمن تتبع هذا الكتاب ودرسه بتأن ودقة1.
وقد نقل الشوكاني عن جماعة عن أئمة الحديث أن هذا الكتاب من أحسن الكتب المصنفة في الفن، لولا عدم تعرض مصنفه رحمه الله للكلام على التصحيح والتحسين والتضعيف في الغالب ونقل عن البدر المنير أنه قال: وأحكام الحافظ مجد الدين عبد السلام بن تيمية المسمى المنتقى هو كاسمه وما أحسنه لولا إطلاقه في كثير من الأحاديث العزو إلى الأئمة دون التحسين والتضعيف، فيقول مثلًا: رواه أحمد، رواه أبو داود، ورواه الدارقطني، ويكون الحديث ضعيفًا، وأشد من ذلك كون الحديث في جامع الترمذي مبينًا ضعفه، فيعزوه إليه دون بيان ضعفه. قال: وينبغي للحافظ جمع هذه المواضع وكتبها على حواشي هذا الكتاب، أو جمعها على مصنف، يستكمل به فائدة الكتاب المذكور.
ونقول: إن هذا كان واجبًا قبل ظهور نيل الأوطار، فأما بعد ظهوره، فلم تعد تلك التنبيهات واجبة على الحافظ أو غيره، وقد بين الإمام الشوكاني منة الله عليه في ذلك فقال: وقد أعان الله وله الحمد على القيام بما أرشد إليه هذا الحافظ مع زيادات إليها تشد رحال الطلاب، وتنقيحات تنقطع بتحقيقها علائق الشك والارتياب.
وقد صدق الشوكاني في ذلك، فقد بذل جهدًا فيه، حتى إن الناظر في كتابه ليلمس أنه يبدأ في شرح الحديث ببيان درجته ومرتبته، وإن كان المصنف قد بينها فإن له فيه تفصيلًا وبحثًا، قد يطول أحيانًا، وقد يختلف به مع المؤلف في تقويمه للحديث مع البيان المقنع الشافي، فشكر الله له هذا المجهود.
ومن نظر في أول حديث أخرجه المؤلف -وهو حديث طهورية ماء البحر- تبين له ذلك بجلاء ووضوح، فإن المصنف اقتصر في تخريج الحديث وتقويمه على قوله: رواه الخمسة، وقال الترمذي: هذا الحديث حسن صحيح، ولكن الشوكاني اتجه ببيان مستقل ينبئ عن شخصية علمية فذة، فإن القارئ للمتن من شأنه أن يعتمد على ما أورده المصنف من أنه رواية الخمسة، ومن حكم الترمذي عليه بالحسن والصحة، ولكن أمانة العلم وشدة الفحص دعت الإمام الشوكاني إلى أن يبين أن الحديث أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، وابن الجارود في المنتقى، والحاكم في المستدرك والدارقطني والبيهقي في سننهما، وابن أبي شيبة، وذكر حكاية عن الترمذي نقلًا عن البخاري أن الحديث صحيح، ثم أورد معركة في الحكم على هذا الحديث يطول شرحها، ولا يستبينها إلا من رجع إلى هذا الشرح، وأراد أن يعزز الحديث في النهاية بأنه مروي عن جابر عند أحمد وابن ماجه وابن حبان والدارقطني والحاكم بنحو حديث أبي هريرة، وأن له طرقًا عند الطبراني في الكبير.--------------------------------------------
1 نيل الأوطار ج1 ص22.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)

وأن الحافظ ابن حجر حكم على إسناده بأنه حسن، وليس فيه إلا ما يخشى من التدليس ثم تعرض لشرح هذا التدليس، وانتقل إلى أن ابن السكن قال: حديث جابر أصح ما روي في هذا الباب … إلى آخر ما قال.
ولا نعني بذلك أن هذا الاستيعاب في البحث عن درجة الحديث هو مسلكه في جميع الأحاديث، وإلا لخرج عما هو مقصوده من الاستدلال به على الأحكام، وبيان الأئمة في الأخذ به أو العدول عنه ووجهة نظر كل منهم، فإنه وفق في كلتا الناحيتين فأجاد وأحسن، وهذه خدمة جليلة يشكرها الله له.
والكتاب بعد هذا أكبر مؤلف في أحاديث الأحكام التي ألفت مجردة من الأسانيد بعد عهد الرواية، وهو منتقى كاسمه، فقد اختار من الأحاديث أصلحها للاستدلال من تلك الكتب التي أوردها، وبينا المراد بما فيما نقلناه عن شارحه الشوكاني.
وهو مرتب على أبواب الفقه، سالك مسلكها من إيراد العنوان العام المندرج تحته أبواب، إلا أنه تارة يذكر العنوان العام باسم كتاب، كما صنع في كتاب الطهارة وتارة يذكره باسم باب، كما صنع في أبواب الأواني، ولعل حكمته في ذلك أن هذه الأبواب تشتمل أنواعًا مختلفة في موضوع يندرج تحت الكتاب العام، ولأن خطته في عرض الأبواب أن يكثر منها بحيث يشبه أبا داود في سننه، ولعله يتأثره في التنبيه إلى الحكم بإيراده تحت عنوان باب، وما أكثر ما عنون بالباب لمجرد حديث أو حديثين، ومن صور ذلك: باب طهورية ماء البحر وغيره فليس تحته إلا حديثان، وباب بيان زوال تطهيره فليس تحته إلا حديثان، وباب الرد على من جعل ما يغترف منه المتوضئ بعد غسل وجهه مستعملًا، وليس تحته إلا حديث واحد، مع طول هذا العنوان طولًا بينًا.
ولا سبيل لنا إلى استقصاء أحاديث الكتاب فليس له فيما نحن بصدده كبير جدوى، ولكننا نكتفي في الحكم عليه بما وصفه به ذلك الإمام محمد بن علي الشوكاني الذي انبرى له من بين المحدثين، وأبرز ما فيه من أدلة، وما يتصل بكل حديث من منزلة ورتبة، فهو يقول في بيان السبب الذي دعاه إلى شرحه على ذلك الوجه العظيم: إنه لما كان الكتاب الموسوم بالمنتقى من الأخبار في الأحكام مما لم ينسج على بديع منواله، ولا حرر على شكله ومثاله أحد من الأئمة الأعلام قد جمع من السنة المطهرة ما لم يجتمع في غيره من الأسفار1، وبلغ إلى غاية من الإحاطة بأحاديث الأحكام تتقاصر عنها الدفاتر الكبار، وشمل من دلائل المسائل جملة نافعة تغني دون الظفر ببعضها طوال الأعمار، وصار مرجعًا لجلة العلماء عند الحاجة إلى طلب الدليل، لا سيما في هذه الديار2 وهذه الأعصار، فإنه تزاحمت على مورده العذب أنظار المجتهدين، وتسابقت على الدخول في أبوابه أقدام الباحثين من المحققين، وغدا ملجأ للنظار يأوون إليه، ومفزعًا للهاربين من رق التقليد يعولون عليه، وكان--------------------------------------------
1 لعله يريد بذلك ما ألف منها في أحاديث الأحكام خاليًا من الأسانيد بعد عصور الرواية.
2 يريد بها اليمن مسقط رأسه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)

كثيرًا ما يتردد الناظرون في صحة بعض دلائله … حمل حسن الظن بي جماعة من حملة العلم -بعضهم من مشايخي- على أن التمسوا مني القيام بشرح هذا الكتاب1.
هذا؛ وإننا لا نعلم لهذا الكتاب القيم أحدًا قام بشرحه شرحًا كاملًا سوى2 الإمام الشوكاني الذي أفدنا من مقدمته هذه الكلم الجوامع في وصفه لهذا الكتاب، والذي يعنينا من هذا الوصف أن هذا الكتاب نسيج وحده، وأن مجموعته من أحاديث الأحكام المستوعبة مما لم يتح لغيره، وبذلك حاز شهرة جعلته بين كتب الأحكام مرجعًا وإمامًا، وأن مؤلفه -وقد زاد عن صاحب العمدة في عدد الروافد التي يستمد منها أحاديث الأحكام- قد أتيح له ما لم يتح لسلفه من إيراد الكثير من الأدلة التي تفيد الباحث وتقفه على مسائل من الدين ما كانت لتتيسر له لولا أنه توسع في الأخذ عن مظانها من كتب السنن المعتمدة غير الصحيحين.
من أجل هذا نرى أن هذا الكتاب -وإن شابه قصور من ناحية تقويم الحديث والكلام على رجاله- كان أوسع دائرة فيما ألف مختصرًا من أحاديث الأحكام بعد عصر الرواية، وكان تمهيدًا لمن جاء بعده من المؤلفين فيها، فاستكملوا ما فات صاحب المنتقى من تقويم الحديث والكلام على رجال الإسناد، وكان منهم الحافظ العراقي في طرح التثريب الذي رأينا فيه عناية بهذا الأمر تطمئن الدارس على ما ورد فيه من أحاديث الأحكام، والله المستعان.--------------------------------------------
1 نيل الأوطار للشوكاني ج1 ص11.
2 جاء في كشف الظنون ج2 ص1851 أن السراج عمر بن الملقن الشافعي المتوفى سنة 804هـ قد شرح هذا الكتاب ولم يكمله بل كتب قطعة منه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)

‌‌تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد:
للحافظ العراقي المتوفى سنة 806هـ:
وشرح المسمى طرح التثريب في شرح التقريب؛ للحافظ العراقي وولده أبي زرعة المتوفى سنة 826هـ:
هذا كتاب وضعه الحافظ العراقي المتوفى عام ست وثمانمائة للهجرة، وقد ذكره الإمام السيوطي في حسن المحاضرة1 وهو بصدد الكلام على من كان بمصر من حفاظ الحديث فقال:
العراقي الحافظ الإمام الكبير زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسن بن عبد الرحمن حافظ العصر، ولد بمنشأة المهرماني بالقاهرة في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وعني بالفن فبرع فيه وتقدم، بحيث كان شيوخ عصره يبالغون في الثناء عليه بالمعرفة، كالسبكي والعلائي وابن كثير وغيرهم، ونقل عنه الإسنوي في المهمات ووصفه بحافظ العصر، وله مؤلفات في الفن بديعة، كالألفية التي اشتهرت في الآفاق، وشرحها، ونظم الاقتراح، وتخريج أحاديث الإحياء، وتكملة شرح الترمذي لابن سيد الناس، وشرع في إملاء الحديث من سنة ست وتسعين، فأحيا الله تعالى به سنة الإملاء بعد أن كانت دائرة، فأملى أكثر من أربعمائة مجلس، وقد رثاه -بعد موته- الحافظ ابن حجر بقصيدة طويلة أوردها السيوطي، ونقل ابن العماد في الشذرات2 عن الحافظ ابن حجر في كتابه إنباه الغمر أنه ذكر في ترجمة الحافظ العراقي أنه حفظ التنبيه، واشتغل بالقراءات، ولازم المشايخ في الرواية، وسمع في غضون ذلك من الحافظ عبد الرحيم بن شاهد الجيش وابن عبد الهادي وعلاء الدين التركماني، وقرأ بنفسه على الشيخ شهاب الدين بن البابا وتشاغل بالتخريج، ثم تنبه للطلب بعد أن فاته السماع من مثل يحيى البصري آخر من روى حديث السلفي عاليًا بالإجازة، ومن الكثير من أصحاب ابن عبد الدايم والنجيب بن علاق، وأدرك أبا الفتح الميدومي فأكثر عنه وهو من أعلى مشايخه إسنادًا، وسمع أيضًا من ابن المملوك وغيره، ثم رحل إلى دمشق فسمع من ابن الخباز، ومن أبي العباس المرداوي ونحوهما، وعني بهذا الشأن، ورحل فيه مرات إلى دمشق وحلب والحجاز، وأراد الدخول إلى العراق ففترت همته من خوف الطريق، ورحل إلى الإسكندرية، ثم عزم على التوجه إلى تونس فلم يقدر له ذلك، وصنف أحاديث الإحياء، واختصره في مجلد وبيضه فكتبت منه النسخ الكثيرة، وقد ذكر أنه شرح ألفيته وعمل عليها نكتًا وصنف أشياء أخر كبارًا وصغارًا، وصار المنظور إليه في هذا الفن في زمن الشيخ جمال الدين الإسنائي ثم قال: ولم نر في هذا الفن أتقن منه، وعليه تخرج غالب أهل عصره، ومن أخصبهم به نور الدين الهيثمي، وولي شيخنا العراقي قضاء بالمدينة سنة ثمانين3 فأقام بها نحو ثلاث سنين، ثم سكن القاهرة أنجب ولده قاضي القضاة ولي الدين، ثم قال: لازمت شيخنا عشر سنين تخلل في أثنائها رحلاتي--------------------------------------------
1 ص360 ج1.
2 ص55 ج7.
3 لعلها سنة ستين وسبعمائة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)

إلى الشام وغيرها، وقرأت عليه كثيرًا من المسانيد والأجزاء، وبحثت عليه شرحه على منظومته وغير ذلك، وشهد لي بالحفظ في كثير من المواطن، وكتب لي خطه بذلك مرارًا، وسئل عند موته: من بقي بعده من الحفاظ؟ فبدأ بي، وثنى بولده، وثلث بالشيخ نور الدين، وتوفي عام ست وثمانمائة للهجرة، وله إحدى وثمانون سنة وربع سنة.
وكتابه تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد1 وقد ألفه -كما يقول في مقدمته- لأبنه أبي زرعة الذي ترجم له في شرحه المسمى "طرح التثريب في شرح التقريب" وقال: إنه أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، المولود بظاهر القاهرة في ثالث ذي الحجة بعد صلاة الصبح من سنة اثنين وستين وسبعمائة، وأنه حضر بالقاهرة على القاضي ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن محمد بن أبي القاسم الربعي التونسي، وفتح الدين أبي الحرم محمد بن محمد بن محمد بن أبي الحرم، وعلى أبي العباس أحمد بن أبي بكر العطار العسقلاني وغيرهم، وحضر بدمشق على يعقوب بن يعقوب الحريري، والقاضي عماد الدين محمد بن موسى بن سليمان بن السيرجي، وأبى عبد الله المؤذن وغيرهم، وحضر بصالحية دمشق على أحمد بن النجم إسماعيل بن أحمد بن عمر بن أبي عمر، وعلى الحسن بن أحمد بن هلال بن الهبل وغيرهم، ثم سمع بعد ذلك من خلائق، ومن مسموعاته الكتب الستة، والموطأ، ومسند الشافعي، ومسند الدارمي، ومسند الطيالسي، ومسند عبد بن حميد، وكتاب الأدب للبخاري، وكتاب الأدب للبيهقي، وصحيح ابن حبان، والمعجم للطبراني، وغير ذلك، ثم دعا له بأن يجعله الله من العلماء العاملين.
وقد وصف الحافظ العراقي كتابه التقريب بأنه مختصر في أحاديث الأحكام، متصل الأسانيد بالأئمة الأعلام، حتى لا يقع في نقيصة نقل العلم بدون إسناده، وبذلك يستغني عن حمل الأسفار، وعن مراجعة الأصول عند المذاكرة والاستحضار، وحتى يخلص به من الحرج بنقل ما ليست له به رواية، وذكر أنه أراد أن يسهل له جمع الأسانيد بأن يورد عدة أحاديث في تراجم محصورة، وتكون تلك التراجم فيما عد من أصح الأسانيد.
وطريقته: أن يذكر لفظ الحديث لمن أسنده إليه من الموطأ أو مسند أحمد، وإن كان الحديث في الصحيحين لم يعزه لأحد، وكان عدم العزو علامة على أنه متفق عليه، وإن كان في أحدهما فإنه يقتصر على عزوه إليه، وإن لم يكن في واحد من الصحيحين فإنه يعزوه إلى من خرجه من أصحاب السنن الأربعة وغيرهم ممن التزم الصحة، كابن حبان والحاكم، فإن كان عند من عزا الحديث إليه زيادة تدل على حكم ذكرها، وكذلك إذا كانت الزيادة من عند غيره.
وأورد أن الزيادة إن كانت من حديث ذلك الصحابي "الذي روى الحديث دون الزيادة" لم يذكرها، بل يقول: ولأبي داود وغيره كذا، وإن كانت من غير حديثه قال: ولفلان--------------------------------------------
1 أورده أيضًا صاحب هدية العارفين ج5 ص562.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)

من حديث فلان كذا، فإذا اجتمع حديثان فأكثر في ترجمة واحدة كقوله: عن نافع عن ابن عمر لم يذكرها في الثاني وما بعده، بل يكتفي بقوله: وعنه -ما لم يحصل اشتباه.
وذكر من منهجه أنه حيث عزا الحديث لمن خرجه فإنما يريد أصل الحديث -لا ذلك اللفظ- على قاعدة المستخرجات، فإن لم يكن الحديث إلا في الكتاب الذي رواه منه عزاه إليه بعد تخريجه -وإن كان قد علم أنه فيه- لئلا يلتبس ذلك بما في الصحيحين.
ثم ذكر ست عشرة ترجمة تنحصر في أسانيدها أحاديث هذا الكتاب، وذكر إسناده إلى تلك التراجم، وشيوخه إلى أربعة منها، وهذه الأربعة هي:
1- نافع عن ابن عمر.
2- الأعرج عن أبي هريرة.
3- أنس.
4- عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة.
ثم ذكر الاثنتي عشرة ترجمة الباقية بسند آخر ينتهي به إلى أحمد بن حنبل الذي يروي الأحاديث بأسانيده إلى كل ترجمة منها، وهذه التراجم هي:
5- الزهري عن سالم عن أبيه عن عمر.
6- الزهري عن سالم عن أبيه.
7- عبيدة عن علي.
8- الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود.
9- معمر عن همام عن أبي هريرة.
10- الزهري عن سعيد عن أبي هريرة.
11- ابن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
12- سفيان عن عمرو عن جابر.
13- عبد الله بن بريدة عن أبيه.
14- أبو الخير عن عقبة بن عامر.
15- الزهري عن عروة عن عائشة.
16- عبيد الله عن القاسم عن عائشة.
فهذه التراجم الست عشرة هي التي تنحصر فيها أسانيد هذا الكتاب، باعتبار بدئها من شيوخ المصنف ونهايتها إلى الصحابي.
وإنما آثر هذه التراجم الست عشرة باعتبار أنها أصح الأسانيد مطلقًا، أو مقيدة بالصحابي أو بأهل البلد، وذلك على الخلاف الذي أورده علماء مصطلح الحديث في مقام بيان أصح الأسانيد.
وإنما آثر المصنف هذا المسلك حرصًا منه على تجديد عهد الرواية بطرق من أقوى طرق التحمل،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)

خلافًا لما يلجأ إليه غيره من حذف الأسانيد اكتفاء بالتخريج، واعتمادًا على أن أحاديثها، وردت في صحاح كتب السنة، وهذا الذي يسلكه غيره إنما هو نوع من الوجادة التي اشترط المحدثون في الرواية بها الإذن أو الوصية من المؤلف، وهي عندهم من أضعف أنواع التحمل، إلا أنهم كانوا مضطرين إليها بعد عصر الرواية، اعتمادًا على تحقق الثقة في الأحاديث عن طريقها، ولكن المصنف قد تحاشها، وندد بمن يعتمد في روايته عليها إذ يقول: إن هذا المختصر متصل الأسانيد بالأئمة، ويعلل هذا الاتصال الذي عول عليه في روايته لابنه بقوله: إنه يقبح بطالب الحديث بل بطالب العلم ألا يحفظ بإسناده عدة من الأخبار، يستغني بها عن حمل الأسفار في الأسفار، وقد ادعى أن ذلك غير سائغ بإجماع أهل الدراية، ونقل ذلك عن الحافظ أبي بكر محمد بن خير الأموي.
ولا يسوغ الاعتراض على هذا المسلك بأن روايته عن أحمد بن حنبل ترجع إلى التحمل بالوجادة على اعتبار أنها نقل عن مسنده، فقد صرح المؤلف في الرواية عن أحمد بأن شيخه الذي نقل عن أحمد وهو عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي أحمد بن محمد بن حنبل، فالتحمل هنا بلفظ حدثني لا بطريق الوجادة في المسند.
وقد أوضح المؤلف بأنه لم يرتب كتابه هذا على طريق التراجم التي ذكرها في المقدمة، بل على أبواب الفقه لقرب تناوله، كما صرح بأنه أتى في آخره بجملة من الأدب والاستئذان وغيره، وهذا لأنه لم يرد أن يخليه من جانب الترغيب في الطاعة والترهيب من المعصية.
وقد تأثر بهذا تلميذه الحافظ ابن حجر فختم كتابه "بلوغ المرام" بكتاب سماه الجامع، ذكر فيه أنواعًا من ذلك، إلا أنه لم يتأثر بشيخه في إيراده لبعض أحاديث تتعلق بالقدر وأشراط الساعة والبعث وذكر الجنة والنار لأن فيها استطرادًا يبعد به عن مقصود الكتاب، وإنما موضعها العقائد.
ومن تتبع الصحابة الذين تنتهي إليهم هذه التراجم وجدهم لا يخرجون عن عشرة من أجلائهم، هم على الترتيب الذي أورده في المقدمة: ابن عمر، أبو هريرة، أنس، عائشة، عمر بن الخطاب، علي بن أبي طالب، عبد الله بن مسعود، جابر، بريدة، عقبة بن عامر.
غير أنه عند إيراده لأول حديث في الكتاب -وهو حديث: "إنما الأعمال بالنيات" الذي التزم إيراده في أوله جريًا على طريقة المصنفين- خرج عن هذه التراجم لكونه لم يشترك مع ترجمة أحاديث عمر التي أوردها ضمن تراجمه، بل اعتمد في هذا الحديث على رواية علقمة بن أبي وقاص عن عمر، وهي غير الترجمة التي أوردها في الرواية عن عمر والتزم بها في هذا الكتاب، فإنها رواية سالم عن أبيه عن عمر، وذلك لأنه لم يجد لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" هذه الترجمة التي التزم بها في أحاديث هذا الكتاب.
ومن الصور البارزة في هذا المؤلف أن الحافظ العراقي قد تجلت عنايته بالرواة وغيرهم ممن وردت أسماؤهم في الكتاب -كما يقول- فترجم لكل منهم قبل البدء في شرح الكتاب ترجمة مصورة له تصويرًا واضحًا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)

وقد أفادنا هذا المسلك إفادة قيمة، ولا سيما فيما يتعلق بشيوخه الذين أخذ عنهم ووصلوا به إلى هذه التراجم، فإنه ربما لم يرد أن يحيل القارئ إلى العناء في البحث عنهم، وربما لا يتيسر للقارئ مراجع يتعرف بها على هؤلاء الشيوخ الذين انتهوا به إلى تلك الأصول، وإن في بيان شيوخه زيادة ثقة واطمئنان إلى هذا الكتاب وما ورد فيه من أحاديث.
ومما ينبغي التنبيه له في هذا المقام أن الحافظ العراقي قد استقل في هذا الكتاب بمتن التقريب، وأنه اشترك مع ابنه أبي زرعة في وضع الشرح عليه، فكتب كل منهما بعضًا من هذا الشرح، ولم تكن كتابة كل منهما على الترتيب من حين بدأ إلى حيث انتهى كما يقع في غيره من الكتب التي يشترك فيها أكثر من مؤلف استكمالًا لما ترك شاغرًا في الكتاب، وإنما اشترك التمليذ مع والده في حياته في شرح هذا الكتاب.
ولأمر ما بدأ الوالد بالتعريف بالرجال الذين وردت أسماؤهم فيه، ثم شرح جزءا من المتن لم يكن هو كل ما تناوله من الشرح في هذا الكتاب، ثم بدأ الابن من حيث انتهى أبوه، فشرح قطعة أخرى من المتن متصلة بما وقف عندها والده، ثم عاد الوالد فبدأ من حيث انتهى ابنه. وهكذا حتى انتهى شرح الكتاب المسمى "طرح التثريب في شرح التقريب".
وقد وقفنا على بيان هذه التجزئة التي لم نتبين بالتحديد الباعث عليها، وربما كان الباعث عليها هو دقة إشراف الوالد على عمل ابنه فيما اشترك معه فيه، وحفز همته إلى الكدح والاجتهاد الذي يقرب له المساواة معه في طريقة البحث، أقول: وهذا الذي وقفنا عليه من بيان هذه التجزئة هو تصريح من أبي زرعة ولد الحافظ العراقي في إجازة نقلت من خط أبي زرعة نفسه يذكر فيها: أن جميع هذا الجزء الأول من طرح التثريب من تأليف والده وتكميل أبي زرعة له؛ فمن أوله إلى أول باب مواقيت الصلاة من كلام والده رحمه الله، ومن أول الباب المذكور إلى أول باب التأمين من كلام أبي زرعة، ومن أول باب التأمين إلى باب الإمامة من كلام والده، ومن الإمامة إلى باب الجلوس في المصلى وانتظار الصلاة من كلام أبي زرعة، ومن ثم إلى آخر هذا المجلد من كلام والده رحمة الله عليه.
هذا ما وصل إلينا نقلًا عن الضبي ناسخ هذا الكتاب من خط مؤلفيه، ذكرته لجنة التحقيق في تصديرها للكتاب1.
وهذا القدر من البيان لم يوضح لنا إذا كان هذا المجلد الذي أشار إليه أخيرًا هو ذات الجزء الأول فقط أم أنه استوعب الكتاب كله؟ وإذا كان المجلد هو الجزء الأول فقط كما يشعر به ظاهر هذه العبارة فمن منهما الذي تولى شرح بقية الكتاب؟
غير أننا نرجح أن أبا زرعة شارك في شرح بقية الكتاب بعد أن عثرنا أثناء النظر فيه على بعض. عبارات تشعر بمشاركة أبي زرعة لوالده في شرح بقية الكتاب، منها ما ورد من إيراده لنظم نسبه--------------------------------------------
1 طرح التثريب: ص8 ج1.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)

إلى والده وقال: وقد نظم ذلك والدي بقوله: "سبعة أمعاء لكل آدمي … إلخ"1 وقد ورد مثل ذلك في باقي الكتاب، ومنها عبارة أخرى في شرح حديث: "الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي واحد" وهذه العبارة هي قوله: وقال والدي رحمه الله في شرح الترمذي: إنه "يريد كون جهجاه هو صاحب الواقعة" لا يصح لأن مدار حديثه على عبدة الربذي وهو ضعيف2.
فهذا الكلام واضح في أن أبا زرعة هو شارح هذا الحديث لأن والده الحافظ العراقي هو شارح الترمذي كما هو معروف.
ثم إنه في حديث: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم بلبن قد شيب بماء" ذكر تعليقًا نسبه كذلك إلى والده في شرح الترمذي بقوله: قال والدي رحمه الله3 في شرح الترمذي.
على أن هناك من العبارات ما يشعر بأن الحافظ العراقي أيضًا له مشاركة في الشرح، فقد ورد في شرح حديث: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب … " الحديث، تعبير للشارح يدل على أن الشرح للحافظ العراقي صاحب المتن، فهو ينقل عن شيخه فيقول4: وزعم شيخنا الإمام جمال الدين عبد الرحيم الإسنوي أن مذهب الشافعي جواز قتلها "أي الكلاب" كما ورد مثل هذا التعبير في شرح حديث عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان يبايع النساء بالكلام … قالت: وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة … " الحديث، قال الشارح: ظاهره أنه صلى الله عليه وسلم لم تمس يده يد أحد من محارمه، ثم أورد خلاف العلماء في ذلك وقال: وقد حكى شيخنا الإمام عبد الرحيم الإسنوي الإجماع على الجواز5.
وقد أورد صاحب هدية العارفين كتاب طرح التثريب في شرح التقريب من بين مصنفات الحافظ زين الدين العراقي6، وأورده صاحب ذيل كشف الظنون7، من بين مصنفات ولده أبي زرعة، تأييدًا لما أورده صاحب كشف الظنون8. أما السخاوي في كتابه الضوء اللامع9 فإنه ذكر في ترجمة أبي زرعة: أنه أكمل شرح والده على ترتيب المسانيد وتقريب الأسانيد وهو كتاب حافل.
وإذن فقد دل التعميق في البحث على أن هذا الشرح من أوله إلى آخره كان مناوبة بين الأب الحافظ العراقي وابنه ولي الدين أبي زرعة.
ومهما يكن من أمر فإن هذا لن يغير من قيمة الكتاب العلمية في شرحه، ولا من الميزة الحديثية فيه، فإن جميع ما فيه متجانس، ولا يكاد بعضه مختلف عن بعض في الاستيعاب واستيفاء المذاهب وأدلتها، وظهور الشخصية العلمية المتميزة.--------------------------------------------
1 طرح التثريب: ص18 ج6.
2 طرح التثريب: ص19 ج6.
3 طرح التثريب: ص25 ج6.
4 طرح التثريب: ص33 ج6.
5 طرح التثريب: ص45 ج7.
6 هدية العارفين ج5 ص562.
7 ذيل كشف الظنون ج4 ص83.
8 كشف الظنون ج1 ص464.
9 الضوء اللامع: ص343 ج1.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)

هذا؛ وفي دراستنا لمتن الكتاب تبين لنا أن الحافظ العراقي لا يخليه من الاستنتاجات الفقهية اللطيفة يبرز فيها شخصيته في فقه السنة.
ومن ذلك قوله بعد رواية حديث أبي هريرة بترجمتين عنه في شأن الإيراد عن الصلاة أو عن الحر يقول في في التعليق عليهما: وليس في حديث أبي هريرة ذكر للظهر فيدخل في عمومه الإيراد بالجمعة1.
وقد يفسر بعض الألفاظ التي يرى أنها تحتاج إلى بيان بالسياق أو غيره كما في حديث أنس عند البخاري: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أشتد الحر أبرد بالصلاة، وإذا اشتد البرد بكر بالصلاة" فبين الصلاة بقوله: يعني الجمعة2.
ومن هذا النمط ما جاء من إضافته قيدًا في حديث الأعرج عن أبي هريرة: "إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت" قال العراقي: يريد والإمام يخطب3.
وللحافظ العراقي تعليقات تشعر بالدقة حتى في اختيار أصح الألفاظ في رواية الأحاديث، وقد ذكر حديث: "أبردوا بالظهر … " إلخ ثم قال: وفي علل الخلال من حديث أبي سعيد "من فوح" بدل "فيح" قال أحمد: لا أعرف أحدًا قال فوح غير الأعمش4.
ومن ذلك قوله في حديث الأعرج وهمام عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الملائكة يتعاقبون فيكم … " فذكره ولم يقل "بهم" التي وردت في الرواية الأخرى وهي قوله: وهو أعلم بهم، وقال: "فقالوا" موضع "فيقولون" الواردة في الرواية الأخرى5.
ومن ذلك ما ورد في حديث الجمع بين حديثي جابر في قصة معاذ وتطويله للصلاة من: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بأن يقرأ: سبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى وبين حديث بريدة: "من أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يصلي بالشمس وضحاها" ونحوها من السور حيث قال الحافظ: والجمع بين حديث بريدة وجابر في قصة معاذ أنهما واقعتان6.
ومن ذلك ما ورد في حديث أبي سلمة عن أبي هريرة في سهو النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه سلم من ركعتين في صلاة الظهر فقام رجل فقال: يا رسول أقصرت الصلاة أم نسيت … " وفي رواية أخرى لأبي هريرة "أن ذلك كان في صلاة العصر" وفي رواية ثالثة لعمران بن الحصين: "أنه صلى العصر فسلم في ثلاث"، وفي رواية لأبي داود والنسائي والحاكم من حديث معاوية بن خديج: "فسلم وقد بقيت من الصلاة ركعة"، وذكر ابن خديج أن الرجل طلحة بن عبد الله، وقد جمع الحافظ العراقي بين هذا الاختلاف نقلًا عن المحققين: بأن لأبي هريرة قصتين، ولعمران قصة أخرى، ولمعاوية بن خديج قصة أخرى7.--------------------------------------------
1 طرح التثريب: ص151 ج2.
2 طرح التثريب: ص156 ج2.
3 طرح التثريب: ص190 ج3.
4 طرح التثريب: ص156 ج2.
5 طرح التثريب: ص304 ج2.
6 طرح التثريب: ص278 ج2.
7 طرح التثريب: ص4 ج3.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)

ومن غرائبه أنه يذكر الحديث أحيانًا ثم يسلط عليه أسلوب الأصوليين في الترجيح وقد سلك هذا المسلك في حديث همام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا نودي للصلاة -صلاة الصبح- وأحدكم جنب فلا يصم يومئذ". فقال: إنه إما منسوخ كما رجحه الخطابي، أو مرجوح كما قاله الشافعي رحمه الله والبخاري بما في الصحيحين من حديث عائشة وأم سلمة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم" فبين العراقي بهذا أن حديث همام هذا مرجوح لا يعمل به، ووجه كونه مرجوحًا أن هناك ما ينسخه على مسلك الخطابي، أو ما هو أقوى منه على مسلك الإمامين الشافعي والبخاري، وأكد ذلك بأن عائشة ذكرت بأنه ليس من خصائصه صلى الله عليه وسلم، وأن أبا هريرة رجع عنه حين بلغه حديث عائشة1.
والكتاب متنًا وشرحًا يقع في ثمانية أجزاء: أولها خاص بالتراجم التي تعرف بكل من له ذكر في الكتاب من الشيوخ منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصر المؤلف، بعد مقدمة الحافظ العراقي لكل من متن الكتاب وشرحه، مع تضمين مقدمة الشرح ترجمة لابنه ولي الدين أبي زرعة.
ثم سار في بقية أجزاء الكتاب مرتبًا له على أبواب الفقه المعروفة، مبتدئًا بكتاب الطهارة ومنتهيًا بكتاب الشهادات ثم باب السلام والاستئذان.
ثم ذكر أبواب الأدب، وذكر الطب والرقى، والرؤيا، والأمثال، وحق الضيف، والرجاء والخوف، والقدر، وأشراط الساعة، والبعث، وذكر الجنة والنار، وبه ينتهي الكتاب بأجزائه الثمانية.
وفي كل كتاب أبواب، وتحت كل باب مسائل وردت بشأنها أحاديث، تكثر في بضع الأحيان وتقل في بعضها الآخر، وفي تخريج هذه الأحاديث، وبيان معانيها واستنباط الفوائد الكثيرة منها ما يبرز شخصية المؤلف، ويدل على غزارته العلمية وعمقه في البحث، وأصالته في التفكير.
وبعد: فإن هذا الكتاب هو أحد الكتب التي وضعت لأحاديث الأحكام، وهو لفحل من فحول هذا الشأن قلما يجود بمثله الزمان، فهو عمدة في هذا الباب، ومرجع يعول عليه العلماء والطلاب.
وطريقته التي ذكرناها في التقيد بالتراجم التي اختارها لأصح الأسانيد لم يشاركه فيها أحد فيما وصل إلينا من الكتب، فإن المتأمل يجد في هذا المسلك مجهودًا أشق من مجهود الاختيار من الصحيحين وحدهما -كما التزم بذلك الإمام المقدسي في كتابه عمدة الأحكام- وأدق من مسلك من اكتفى بأحاديث الكتب الستة وما يشبهها في التزام الصحيح من الأحاديث -كابن تيمية في كتابه منتقى الأخبار، وابن حجر في كتابه بلوغ المرام- فإن مسلكه هذا يستدعي فحص الأحاديث وتتبعها في الصحيحين وفي غيرهما لاختيار ما تتحقق فيه تلك التراجم.--------------------------------------------
1 طرح التثريب: ج4 ص122.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)

وإن يكن قد فاته أن يقدم للدارسين بعض الأدلة التي حال التزامه بذكر أصح الأسانيد دون إيرادها متن الكتاب فإنه رحمه الله قد تدارك ما فاته بهذا الشرح العظيم الذي برهن على فحولته الفقهية، وعلى تمكنه من مختلف أبواب الدين بما أورده من الفوائد العديدة المستمدة من الأحاديث التي ينفسخ بها له -في الشرح- مجال الاستدلال ما دامت تصلح لذلك، دون تقيد بما التزمه في المتن ومن الإنصاف أن نسجل مشاركة ولده أبي زرعة له في شرح بعض أحاديث الكتاب، ولكن المنهج واحد والأسلوب لا يختلف، وما تناوله الابن بالشرح من الكتاب لا يقل مكانة عما تناوله والده استدلالا وتعمقًا وطول نفس، وقوة استنتاج.
ومما يزيد في قيمة الكتاب العلمية كون مؤلف الشرح هو مؤلف المتن، فهو أدرى بما أورده مما يحتاج إلى بسط في البحث، أو أخذ ورد في تصوير المذاهب الفقهية، وكيفية المآخذ من هذه الأدلة ونفي الشبهه العارضة عليها، ودفع ما قد يتوهم من تعارض بينها.
ومن الأمانة العلمية أن نورد هنا ما ذكره الشيخ محمد جمال الدين القاسمي المتوفى عام اثنين وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة في كتابه قواعد التحديث1 تحت عنوان "ذكر من صنف في أصح الأحاديث" قال رحمه الله: جمع الحافظ أبو الفضل عبد الرحيم العراقي فيما عد من أصح الأسانيد كتابًا في الأحكام رتبه على أبواب الفقه سماه: "تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد" وهو كتاب لطيف جمعه من تراجم ستة عشر قيل: إنها أصح الأسانيد إما مطلقًا وإما مقيدة، ومع ذلك فقد فاته جملة من الأحاديث كما قاله ابن حجر.
ونلاحظ أن القاسمي لم يبين لنا في أي كتاب ذكر الحافظ ابن حجر هذا الاستدراك على الحافظ العراقي، ولئن كان قد قال ذلك إن استدراكه لمردود؛ لأن العراقي لم يدع استيعاب أصح الأسانيد في أحاديث الأحكام، وإنما ذكر أنه يريد أن يجمع أحاديث عديده في تراجم محصورة2 وقد وفي بما وعد.
رضي الله عن الحافظ العراقي وولده ولي الدين أبي زرعة، وأجزل أجرهما لقاء ما قدما إلى أمة الإسلام من نصح، وما أسديا إليها من معروف.--------------------------------------------
1 قواعد التحديث: ص84.
2 طرح التثريب: ج1 ص17 وما بعدها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)

‌‌بلوغ المرام من أدلة الأحكام:
للحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ:
وموضوع هذا الكتاب -كما يبدو من عنوانه- هو الأحاديث التي يستدل بها على الأحكام الفقهية.
ومؤلفه هو الإمام أحمد بن علي بن محمد بن علي المصري القاهري الشافعي المعروف بابن حجر وهو لقب بعض آبائه1.
ولد سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بمصر العتيقة، ونشأ بها يتيمًا في كنف أحد أوصيائه، فحفظ القرآن صغيرًا، ثم درس الكتب المعتبرة في الفقه والحديث وأصول الفقه كالعمدة والحاوي ومختصر ابن الحاجب، وتردد على فحول عصره في مختلف الأماكن، ولزم الأبناسي مدة طويلة وتفقه عليه، ولزم العز بن جماعة في غالب العلوم، وأخذ اللغة عن المجد الفيروزآبادي صاحب القاموس، ثم حبب الله إليه الحديث فأقبل عليه بكليته، وتفرغ لدراسته، ولزم الزين العراقي فتخرج به وانتفع بملازمته، وقرأ عليه ألفيته وشرحها، ونكته على ابن الصلاح دراسة وتحقيقًا، ثم تحول إلى القاهرة فسكنها وارتحل إلى البلاد الشامية، والحجازية، وأكثر جدا من السماع من الشيوخ، حتى اجتمع له من الشيوخ المشار إليهم ما لم يجتمع لأحد في عصره، وأذن له جلهم في الإفتاء والتدريس، وقد تصدى لنشر الحديث، وقصر نفسه عليه مطالعة وقراءة وإقراء، وتصنيفًا وإفتاء، حتى زادت تصانيفه -التي معظمها في فنون الحديث- على مائة وخمسين تصنيفًا، ورزق من السعد والقبول -ولا سيما في فتح الباري بشرح البخاري الذي لم يسبق نظيره- أمرًا عجيبًا.
وقد اعتنى بتحصيل تصانيفه كثير من شيوخه وأقرانه فمن دونهم وكتبها الأكابر.
ومن البازر في تاريخه أن السلطان المؤيد ولاه الحكم في بعض القضايا، ولزم من ذلك النيابة، ولكنه لم يتوجه إليها ولا انتدب لها حتى عرض عليه الاستقلال بالحكم، وألزم من أجابه بقبوله فقبل، وقد ندم فيما بعد على قبوله، وصرح بأنه جنى على نفسه بتقلد هذا الأمر، ولم يلبث أن صرف ثم أعيد، وهكذا حتى صمم على الإقلاع عنه.
ومما عرف في تاريخه أنه درس في عدة أماكن لعدة فنون، فدرس التفسير بالحسينية والمنصورية، والحديث بالبيبرسية والمالية وغيرها، والفقه بالحروبية البدرية بمصر والشريفية الفخرية وغيرهما.--------------------------------------------
1 عن الضوء اللامع للسخاوي ج2 ص36 بتصرف.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)

ومن أعماله الخطابة بالجامع الأزهر ثم بجامع عمرو، ويقول السخاوي: إن الناس أخذوا عنه طبقة بعد أخرى، وألحق الآباء بالأبناء والأحفاد. كما يقول: إنه قرأ عليه الكثير جدًّا من تصانيفه ومروياته، وكانت وفاته رضي الله عنه سنة 852هـ.
وصنف المؤلف كتابه في تقديمه له بأنه مختصر على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية وذكر أنه حرره تحريرًا بالغًا، ليصير من يحفظه بين أقرانه نابغًا1 وأنه بين عقب كل حديث من أخرجه من الأئمة، لإرادته نصح الأمة.
وقد علق الشارح الصنعاني على هذه العبارة بقوله: في ذكر من أخرج الحديث عدة نصائح للأمة: منها بيان أن الحديث ثابت في دواوين الإسلام، ومنها أنه قد تداولته الأئمة الأعلام، ومنها أنه قد تتبع طرقه وبين ما فيها من مقال، ومن تصحيح وتحسين وإعلال، ومنها إرشاد المنتهي أن يراجع أصولها التي منها انتقى هذا المختصر2.
واستدرك الصنعاني عليه بأنه كان يحسن أن يذكر هنا مسلكه الذي سلكه أثناء الكتاب من بيان صحة الحديث أو حسنه أو ضعفه، وهو استدراك له قيمته؛ لأن ذلك من أبرز مظاهر النصح للأمة، لما فيه من إبراء نفسه، وإخلائها من عهدة التبعة فيما يشبه التدليس في الرواية.
وذكر المصنف في مقدمته بسيان مصطلحه، عند التخريج والنسبة إلى الأئمة، وأنه يريد بالسبعة -حين يوردها- أحمد البخاري ومسلمًا وأبا داود وابن ماجه والترمذي والنسائي، وبالستة من عدا أحمد، وبالخمسة من عدا البخاري ومسلمًا، وقد يقول الأربعة وأحمد، وأنه يريد بالأربعة أبا داود وابن ماجه والترمذي والنسائي، كما ذكر أنه يريد بالثلاثة من عدا الثلاثة الأول وعدا الأخير؛ أي أنه يريد بها ابن ماجه وأبا داود والترمذي، ويريد بالمتفق عليه البخاري ومسلمًا، وأنه قد لا يذكر معهما غيرهما مع علمه باشتراك غيرهما معهما، اكتفاء بأن إليهما المنتهى في الوثوق بالحديث، وقال: إن ما عدا هذه المصطلحات فهو مبين، ويريد بذلك أن الحديث إذا خرجه غير هؤلاء المذكورين -سواء أكان مشتركًا معهم أو مع بعضهم- فإنه يذكر ذلك المخرج باسمه، وذلك مثل قوله في الحديث الأول: أخرجه الأربعة وابن أبي شيبة واللفظ له، وأخرجه ابن خزيمة والترمذي، ورواه مالك والشافعي وأحمد، وواضح أن ابن أبي شيبة وابن خزيمة ومالكًا والشافعي لم يدخلوا في مصطلحاته السابقة، فنص عليهم بأسمائهم بناء على ما أورده في هذه المقدمة، وقد سماه المصنف بلوغ المرام من أدلة الأحكام جريًا على طريقة معاصريه من المؤلفين في التزام السجع في أسماء الكتب.--------------------------------------------
1 بلوغ المرام ص9.
2 سبل السلام ص10 والصنعاني هو الإمام محمد بن إسماعيل بن صلاح الدين الكحلاني المتوفى سنة 1182هـ من أعلام من درسوا الفقه والحديث رواية ودراية، وبرعوا في مختلف العلوم، وألف في الحديث وعلومه كتبا حافلة منها سبل السلام "شرح بلوغ المرام" ومنها العدة في شرح العمدة للمقدسي، ومنها شرح التنقيح في علوم الحديث.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)

وإذا كان المؤلف قد بين -في تقديمه للكتاب- أنه اشتمل على أصول الأدلة الحديثية فإنه لا يريد بذلك أنه استوعب جميع الأدلة الحديثية كما يبدو واضحًا من تتبع الكتاب واستقراء أحاديثه، وموازنته بغيره من كتب أحاديث الأحكام، كمسند أبي داود، ومعاني الآثار للطحاوي، وكالمنتقى لابن تيمية الذي اشترك مع المصنف في تجريد الأحاديث من أسانيدها وفي تخريجها، كما اشترك معه أيضًا في علة عدم التنبيه على بعض ما ينبغي التنبيه عليه من بيان درجة الحديث، ولكن ابن حجر اختار نخبة من الأحاديث، واتجه في أكثر ما اختاره إلى ما بنى عليه الإمام الشافعي رضي الله عنه مذهبه في الفقه، بمقتضى ميل المصنف، واتجاهه لمناصرة هذا المذهب، ولكن إنصافه -والحق يقال- لم يمنعه من عرض بعض الأحاديث التي تختلف مع فروع المذهب الشافعي كما سنبين ذلك عند الكلام على الظواهر العامة في الكتاب، وبناء على ذلك فمن المجازفة ما قيل: إن ابن حجر جمع في هذا الكتاب كل الأحاديث التي استنبط الفقهاء منها الأحكام الفقيهة1.
ومما ينبغي الإشارة إليه من هذا المقام أن هذا المؤلف -فوق أنه كما وصفه مؤلفه وكما تعارفه الناس عنه من الاشتمال على الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية، فإنه يمتاز بأن مؤلفه الإمام الحافظ ابن حجر بغزارته، وسعة علمه، وكرم نصحه للأمة قد وضع في آخره كتابًا جامعًا لأبواب ستة، هي: الأدب، والبر والصلة، والزهد والورع، والترهيب من مساوئ الأخلاق، والترغيب في مكارم الأخلاق، والذكر والدعاء، وهو تصرف غاية في الحكمة والدقة والإحسان، فإن هذه الأبواب عيون التصرف، وضالة كل شخصية مسلمة، فالفقه في الحقيقة -ولا سيما عند الأولين من علماء المسلمين- كانت له عناية خاصة بالآداب، واتجاه إلى ما يصلح النفوس ويهذيها، ويدعوها إلى مكارم الأخلاق، كما يركز الإمام الغزالي على ذلك في كتابه الإحياء وينعى على الفقهاء أنهم أهملوا ذلك الاتجاه الإسلامي الرفيع، ويقول: إن تعلم ذلك الفقه التهذيبي فريضة على كل مسلم ومسلمة، فجزى الله المؤلف خيرًا بما لفت به نفوس المتفقهين إلى تلك النواحي الكريمة من الدين.
ويشتمل هذا الكتاب على ثلاثة وسبعين وثلاثمائة وألف حديث، ما عدا المتداخل، وهو المتشابه ببعض الاختلاف، وهو الذي يشير إليه بقوله: وفي رواية فلان كذا، ونحو ذلك.
ويبلغ عدد هذه الأحاديث المتداخلة، واحدًا وثلاثين ومائة حديث، وبها تصل أحاديث الكتاب إلى أربعة وخمسمائة وألف حديث.
وقد وجد اختلاف في عد أحاديث الكتاب بين بعض النسخ وبعض، تبعًا لاختلاف الطبعات، واتجاهات المصححين والمراجعين في إدخال بعض الأحاديث في بعض، أو فصل بعضها عن بعض وقد أحصاه بعض المؤلفين المعاصرين2 بأربعمائة وألف حديث.--------------------------------------------
1 انظر صدر كتاب سبل السلام عند التعريف ببلوغ المرام وشرحه ص3 للأستاذ محمد عبد العزيز الخولي.
2 الحديث والمحدثون لفضيلة الدكتور أبي زهو ص447.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)

وهذه الأحاديث موزعة على الأبواب الفقهية التي سلك بها مسلك الفقهاء على النحو التالي:
1- كتاب الطهارة:
وفيه باب المياه، وباب الآنية، وباب إزالة النجاسة وبيانها، وباب الوضوء، وباب المسح على الخفين، وباب نواقض الوضوء، وباب آداب قضاء الحاجة، وباب الغسل وحكم الجنب، وباب التيمم، وباب الحيض.
2- كتاب الصلاة:
وفيه باب المواقيت، وباب الأذان، وباب شروط الصلاة، وباب سترة المصلي، وباب الحث على الخشوع في الصلاة، وباب المساجد، وباب صفة الصلاة، وباب سجود السهو وغيره من سجود التلاوة والشكر، وباب صلاة التطوع، وباب صلاة الجماعة والإمامة، وباب صلاة المسافر والمريض، وباب صلاة الجمعة، وباب صلاة الخوف، وباب صلاة العيدين، وباب صلاة الكسوف، وباب صلاة الاستسقاء، وباب اللباس.
3- كتاب الجنائز:
وليس تحته أبواب.
4- كتاب الزكاة:
وفيه باب صدقة الفطر، وباب صدقة التطوع، وباب قسم الصدقات.
5- كتاب الصيام:
وفيه باب صوم التطوع وما نهي عن صومه، وباب الاعتكاف وقيام رمضان.
6- كتاب الحج:
وفيه باب فضله، وبيان من فرض عليه، وباب المواقيت، وباب وجوه الإحرام وصفته؛ وباب الإحرام وما يتعلق به، وباب صفة الحج ودخول مكة، وباب الفوات والإحصار.
7- كتاب البيوع:
وفيه باب شروطه وما نهي عنه، وباب الخيار، وباب الربا، وباب الرخصة في العرايا وبيع الأصول والثمار، وأبواب السلم والقرض والرهن، وباب التفليس والحجر، وباب الصلح وباب الحوالة والضمان، وباب الشركة والوكاة، وباب الإقرار، وباب العارية، وباب الغضب، وباب الشفعة، وباب القراض، وباب المساقاة والإجارة، وباب إحياء الموتى، وباب الوقف، وباب الهبة والعمري والرقبي، وباب اللقطة، وباب الفرائض، وباب الوصايا وباب الوديعة.
8- كتاب النكاح:
وفيه باب الكفاءة والخيار، وباب عشرة النساء، وباب الصداق، وباب الوليمة، وباب القسم، وباب الخلع، وباب الطلاق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)