وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فكان في مظهر الكمال الجامع بين القوة والعدل والشدة في الله وبين اللين والرأفة والرحمة، فشريعته أكمل الشرائع، وأمته أكمل الأمم، وأحوالهم ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات، ولذلك تأتي شريعته بالعدل إيجابا له وفرضا، وبالفضل ندبا إليه واستحبابا، وبالشدة في موضع الشدة وباللين في موضع اللين، ووضع السيف موضعه، ووضع الندى موضعه.
فيذكر الظلم فيحرمه، والعدل فيأمر به، والفضل فيندب إليه في بعض آيه. كقوله - تعالى -: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} .... فهذا عدل، … {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} .... فهذا فضل، … {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} فهذا تحريم الظلم.
وقوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} فهذا إيجاب للعدل، وتحريم للظلم،.... {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} فهذا ندب إلى الفضل.
وكذلك تحريم ما حرم على هذه الأمة كان صيانة وحماية لهم، حرم عليهم كل خبيث وضار، وأباح لهم كل طيب ونافع، فتحريمه عليهم رحمة، وعلى غيرهم لم يخل من عقوبة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 635)
وهداهم لما ضلت عنه الأمم قبلهم كيوم الجمعة، ووهب لهم من علمه وحلمه، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس.
وكمل لهم من المحاسن ما فرقه في الأمم، كما كمل لنبيهم من المحاسن ما فرقه في الأنبياء قبله، وكمل في كتابه من المحاسن ما فرقه في الكتب قبله.
وكذلك في شريعته، فهذه الأمة هم المجتبون، كما قال إلههم: … {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} … .
وجعلهم شهداء على الناس وقال - تعالى -: … {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} … فأقامهم في ذلك مقام الرسل الشاهدين على أممهم " انتهى.
ولا ريب أن حنس أهل الكتاب أكمل في العلوم النافعة والأعمال الصالحة ممن لا كتاب لهم. وأن هذه الأمة أكمل من أهل الكتابين وأعدل، فليس عند أهل الكتاب فضيلة علمية وعملية إلا وأمة محمد صلى الله عليه وسلم أكمل منهم فيها.
كما قال شيخ الإسلام أبو العباس:
من نظر بعقله حتى في هذا الوقت إلى ما عند المسلمين من العلم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 636)
النافع والعمل الصالح، وما عند اليهود والنصارى، علم أن بينهما من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق.
فإن الذي عند المسلمين من توحيد الله ومعرفة أسمائه وصفاته وملائكته وأنبيائه ورسله، ومعرفة اليوم الآخر، وصفة الجنة والنار، والثواب والعقاب، والوعد والوعيد، أعظم وأجل مما عند اليهود والنصارى.
وما عند المسلمين من العبادات الظاهرة والباطنة مثل الصلوات الخمس وغيرها من الصلاة والأذكار والدعوات أعظم وأجل مما عند أهل الكتاب.
وما عندهم من الشريعة في المعاملات والمناكحات والأحكام والحدود والعقوبات أعظم وأجل مما عند أهل الكتاب.
فالمسلمون فوقهم في كل علم نافع وعمل صالح. وهذا يظهر لكل أحد بأدنى نظر، لا يحتاج إلى كثير سعي.
والمسلمون متفقون على أن كل هدى وخير حصل لهم فإنما حصل بنبيهم صلى الله عليه وسلم " انتهى.
فأما العلوم فالمسلمون أحذق من جميع الأمم، حتى العلوم التي ليست بدينية كعلم الحساب والطب ونحو ذلك هم فيها أحذق، ومصنفاتهم فيها أكمل، وهم أحسن علما وبيانا لها من الأولين الذين كانت هي غاية علمهم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 637)
وقد يكون الحاذق فيها من هو عند المسلمين مرمي بنفاق، ولا قدر له عندهم، لكن حصل له بما تعلمه من المسلمين من العقل والبيان ما أعانه على الحذق في تلك العلوم، فصار حثالة المسلمين أحسن معرفة وبيانا لها.
وأما العلوم الإلهية فكل من نظر في كلام المسلمين وأهل الكتاب وجد كلام المسلمين فيها أكمل وأتم، ومعلوم أن أهل الكتاب فيها أتم من غيرهم.
وأما العبادات فالناس مختلفون في صفاتها:
فمنهم من يظن أن الأشق هو الأفضل. وهذا مذهب كثير من مشركي الهند وغيرهم وكثير من مبتدعة المسلمين.
ومنهم من يقول: الأفضل ما كان أدعى إلى تحصيل الواجبات العقلية.
ومنهم من يقول: الأفضل لا علة له، بل يرجع إلى محض المشيئة.
والرابع - وهو الصواب -: أن أفضلها ما كان لله أطوع، وللعبد أنفع.
وعلى كل قول فعبادات المسلمين أكمل.
أما الأولون فيقال لهم: الجهاد أعظم مشقة من الجوع والسهر وغير ذلك.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 638)
وأما على القول الثاني فلا ريب أن عبادات المسلمين أدعى إلى العدل الذي هو جماع الواجبات العقلية من عبادات غيرهم، فإنها متضمنة للظلم المنافي للعدل.
وأما على قول النفاة فمن تكون عباداته تابعة لأمر الله - تعالى - خير ممن عباداته قد ابتدعها أكابرهم.
وأما على القول الرابع فما علم أن الله أمر به يتضمن طاعته دون ما ابتدع، وأما انتفاع العباد بها فهذا يعرف بثمراتها، ومن ذلك آثارها في صلاح القلوب، فليتدبر العاقل عقول المسلمين وأخلاقهم وعدلهم، يظهر له الفرق.
فالصلاة فيها من الكمال والاعتدال كالطهارة والاصطفاف، والركوع والسجود، واستقبال بيت إبراهيم والإمساك عن الكلام، وما فيها من الخشوع وتلاوة القرآن واستماعه الذي يظهر الفرق بينه وبين غيره لكل متدبر منصف.
إلى أمثال ذلك مما يظهر به فضل عبادات المسلمين.
وأما حكمهم في الحدود والحقوق فلا تخفى على عاقل، حتى إن النصارى في طائفة من بلادهم ينصبون من يقضي بينهم بشرع المسلمين، وهذه جمل يطول تفصيلها.
وبما ذكرناه يعلم الجواب عن كلام النصراني في هذا الفصل على وجه الإجمال، ويتبين به أفضلية شريعة محمد صلى الله عليه وسلم على غيرها من شرائع الأنبياء عليهم السلام، كما أنه خيرهم وسيدهم في الدنيا والآخرة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 639)
فصل
وأما شريعة الضلال التي بدل بها النصارى دين المسيح عليه السلام فتلك ضلالة استخفهم بها الشيطان فأطاعوه، ودعاهم إليها فأجابوه، وتلاعب بهم فيها كل التلاعب حتى خرجوا عن مقتضى العقول والشرائع في أصول دينهم وفروعه.
كما أشرنا إلى بعض ذلك فيما سبق، فتلاعب بهم الشيطان في شأن الملك المعبود سبحانه وتعالى وتلاعب بهم في أمر المسيح، وتلاعب بهم في شأن الصليب وعبادته، وتلاعب بهم في تصوير الصور في الكنائس.
فلا تجد كنيسة من كنائسهم تخلو من صورة مريم والمسيح وجرجيس وبطرس وغيرهم من القديسين والشهداء، وأكثرهم يسجد للصور، ويدعونها من دون الله.
حتى لقد كتب بطريق الإسكندرية إلى ملك الروم كتابا يحتج فيه بالسجود للصور، وأن الله أمر موسى أن يصور صورة الساروس،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 641)
وبأن سليمان بن داود لما عمل الهيكل عمل صورة الساروس من ذهب ونصبها داخل الهيكل.
قال في كتابه: " وإنما مثال هذا مثال الملك يكتب إلى بعض عماله كتابا، فيأخذه العامل ويقبله، ويضعه بين عينيه، ويقوم لا تعظيما للقرطاس والمداد، بل تعظيما للملك. كذلك السجود للصور تعظيما لاسم هذا المصور لا للأصباغ والألوان ".
قال ابن القيم: " وبهذا المثال بعينه عبدت الأصنام. وما ذكر هذا المشرك عن موسى وسليمان لو صح لم يكن فيه دليل على السجود للصور، وغايته أن يكون بمثابة ما يذكر عن داود: أنه نقش خطيئته في كفه، لئلا ينساها.
فأين هذا مما يفعله هؤلاء المشركون من التذلل والخضوع والسجود بين تلك الصور؟ !.
وإنما المثال المطابق لما يفعله هؤلاء المشركون مثال خادم من خدام الملك دخل على رجل، فوثب من مجلسه، وسجد له وعبده، وفعل به ما لا يصلح أن يفعل إلا مع الملك.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 642)
فكل عاقل يستجهله ويستحمقه في فعله، إذ قد فعل مع عبد الملك ما كان ينبغي أن يختص به الملك دون عبيده من الإكرام والخضوع والتذلل. ومعلوم أن هذا إلى مقت الملك وسقوطه من عينه أقرب منه إلى إكرامه له، ورفع منزلته.
كذلك حال من سجد لمخلوق ولصورة مخلوق، لأنه عمد إلى السجود الذي هو غاية ما يتوسل به العبد إلى رضا ربه، ولا يصلح إلا له، ففعله لصورة عبد من عبيده، وسوى بين الله وبين عبده في ذلك، وليس وراء هذا في القبح والظلم شيء، ولهذا قال تعالى: … {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} .
وقد فطر الله -سبحانه- عباده على استقباح معاملة عبيد الملك وخدمه بالتعظيم والإجلال والخضوع والذل الذي يعامل به الملك، فكيف بحال من فعل ذلك بأعداء الملك؟ فإن الشيطان عدو الله، والمشرك إنما يشرك به لا يوالي الله ورسوله، بل الله ورسوله وأولياؤه بريئون ممن أشرك بهم، معادون لهم، وهم أشد الناس مقتا لهم في نفس الأمر، إنما أشركوا بأعداء الله، وسووا بينهم وبين الله في العبادة والتعظيم والسجود والذل.
ولهذا كان بطلان الشرك وقبحه معلوما في الفطرة السليمة والعقل الصحيح، والعلم بقبحه أظهر من العلم بسائر القبائح ".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 643)
والمقصود ذكر تلاعب الشيطان بالأمة الضالة في أصول دينهم وفروعه، وأنهم ليسوا على شيء من دين المسيح ألبتة.
فمن ذلك تلاعبه بهم في صلاتهم، وذلك من وجوه:
أحدها: أن طوائف منهم كثيرين يصلون بالنجاسة والجنابة، ويقوم أحدهم فيتغوط، ويقوم بأثر البول والغائط إلى صلاته بتلك الرائحة، ويحدث من يليه بأنواع الحديث، كذبا كان أو فجورا، أو غيبة، أو سبا أو شتما، ويخبره بسعر الخمر ولحم الخنزير وما شاكل ذلك، ولا يضر ذلك الصلاة، ولا يبطلها، وإن دعته الحاجة إلى البول في الصلاة بال وهو يصلي، ولا يضر ذلك صلاته.
والمسيح عليه السلام بريء من هذه الصلاة، وسبحان الله، أن يتقرب إليه بمثل هذه الصلاة! فقدره أعلى وشأنه أجل من ذلك.
ومنها: صلاتهم إلى مشرق الشمس، وهم يعلمون أن المسيح لم يصل إلى المشرق أصلا، بل قد نقل مؤرخوهم أن ذلك حدث بعد المسيح بثلاثمائة سنة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 644)
وإلا فالمسيح إنما كان يصلي إلى قبلة بيت المقدس، وهي قبلة الأنبياء قبله، وإليها كان يصلي نبينا صلى الله عليه وسلم مدة مقامه بمكة، وبعد هجرته ثمانية عشر شهرا، ثم نقله الله إلى قبلة أبيه إبراهيم.
ومنها تصليبهم على وجوههم عند الدخول في الصلاة، والمسيح بريء من ذلك.
فصلاة مفتاحها النجاسة، وتحريمها التصليب على الوجه، وقبلتها الشرق، وشعارها الشرك، كيف يخفى على العاقل أنها لا تأتي بها شريعة من الشرائع ألبتة؟.
ولما علمت الرهبان والمطارنة والأساققة أن مثل هذا الدين تنفر عنه العقول أعظم نفرة، زينوه بالحيل والصور في الحيطان بالذهب واللازورد، والزنجفر، وبالأعياد المحدثة، ونحو ذلك مما يروج على السفهاء وضعفاء العقول والبصائر.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 645)
ومن ذلك: تلاعبه بهم في صيامهم، فإن أكثر صومهم لا أصل له في شرع المسيح، بل هو مختلق مبتدع، فمن ذلك أنهم زادوا جمعة في بدء صومهم يصومونها لهرقل ملك بيت المقدس.
وذلك أن الفرس لما ملكوا بيت المقدس، وقتلوا النصارى، وهدموا الكنائس أعانهم اليهود على ذلك، وكانوا أكثر قتلا وفتكا في النصارى من الفرس.
فلما سار هرقل إليها استقبله اليهود بالهدايا، وسألوه أن يكتب لهم عهدا. ففعل، فلما دخل بيت المقدس شكا إليه من فيه من النصارى ما كان اليهود صنعوه بهم. فقال لهم هرقل: وما تريدون مني؟ قالوا: تقتلهم.
قال: كيف أقتلهم وقد كتبت لهم عهدا بالأمان، وأنتم تعلمون ما يجب على ناقض العهد؟
قال: إنك حين أعطيتهم الأمان لم تدر ما فعلوا من قتل النصارى
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 646)
وهدم الكنائس، ونحن نحتمل عنك هذا الذنب، ونكفره، ونسأل المسيح ألا يؤاخذك به، ونجعل لك جمعة كاملة في بدء الصوم نصومها لك، ونترك فيها أكل اللحم ما دامت النصرانية، ونكتب به إلى جميع الآفاق غفرانا لما سألناك.
فأجابهم، وقتل اليهود لما لا يحصى كثرة، فصيروا أول جمعة من الصوم الذي تترك فيه الملكية أكل اللحم يصومونها لهرقل الملك غفرانا لنقضه العهد، وقتل اليهود، وكتبوا بذلك إلى الآفاق.
وكذلك لما أرادوا نقل ذلك الصوم إلى فصل الربيع المعتدل، وتغيير شريعة المسيح، زادوا فيه عشرة أيام عوضا وكفارة لنقلهم له.
ومن ذلك ما أحدثوه من الأعياد الباطلة المخترعة، فإن أعيادهم كلها مختلقة محدثة بآرائهم واستحسانهم، فمن ذلك عيد ميكائيل، وسببه أنه كان بالإسكندرية صنم، وكان جميع من بمصر والإسكندرية يعيدون له عيدا عظيما، ويذبحون له الذبائح، فولي بتركة الإسكندرية واحد منهم، فأراد أن يكسره، ويبطل الذبائح، فامتنعوا عليه، فاحتال عليهم، فقال: إن هذا الصنم لا ينفع ولا يضر، فلو جعلتم هذا العيد لميكائيل ملك الله، وجعلتم هذه الذبائح له كان يشفع لكم عند الله، وكان خيرا لكم من هذا الصنم، فأجابوه إلى ذلك، فكسر الصنم وصيره صلبانا، وسمى الكنيسة كنيسة ميكائيل.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 647)
ثم احترقت الكنيسة وخربت، وصيروا العيد والذبائح لميكائيل، فنقلهم من كفر إلى كفر، ومن شرك إلى شرك، فكانوا في ذلك كمجوسي أسلم فصار رافضيا، فدخل عليه الناس يهنئونه، ودخل عليه رجل، وقال: إنك إنما انتقلت من زاوية من النار إلى زاوية أخرى.
ومن ذلك عيد الصليب. وهو مما اختلقوه وابتدعوه، فإن ظهور الصليب إنما كان بعد المسيح بزمن كثير، وكان الذين أظهروه زورا وكذبا أخبرهم به بعض اليهود أن هذا هو الصليب الذي صلب عليه إلههم وربهم.
فنظروا إلى هذا السند، وهذا الخبر.
فاتخذوا ذلك الوقت الذي ظهر فيه عيدا، وسموه عيد الصليب.
ولو أنهم فعلوا ما فعل أشباههم من الرافضة، حيث اتخذوا وقت مقتل الحسين مأتما وحزنا لكان أقرب إلى العقول. قال ابن القيم:
" وكان من حديث الصليب أنه لما صلب المسيح - على زعمهم الكاذب - وقتل ودفن، ورفع من القبر إلى السماء، كان التلاميذ كل يوم يصيرون إلى القبر وإلى موضع الصليب، ويصلون.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 648)
فقالت اليهود: إن هذا الموضع لا يخفى، وسيكون له نبأ، وإذا رأى الناس القبر خاليا آمنوا به، فطرحوا عليه التراب والزبل، حتى صار مزبلة عظيمة.
فلما كان في أيام قسطنطين الملك جاءت زوجته إلى بيت المقدس تطلب الصليب، فجمعت من اليهود الساكنين ببيت المقدس والخليل مائة رجل، واختارت منهم عشرة، واختارت من العشرة ثلاثة: اسم أحدهم يهودا، فسألتهم أن يدلوها على الموضع، فامتنعوا، وقالوا: لا علم لنا بالموضع، فطرحتهم في الحبس في جب لا ماء فيه، فأقاموا سبعة أيام لا يطعمون ولا يسقون.
فقال يهودا لصاحبيه: إن أباه عرفه بالموضع الذي تطلب. فصاح الاثنان، فأخرجوهما، فأخبراها بما قال يهودا، فأمرت بضربه بالسياط، فأقر، وخرج إلى الموضع الذي فيه المقبرة، وكان مزبلة عظيمة، فصلى، وقال: اللهم، أسألك إن كان في هذا الموضع أن يتزلزل، ويخرج منه دخان، فتزلزل الموضع، وخرج منه دخان.
فأمرت الملكة بكنس الموضع من التراب، فخرجت المقبرة وأصابوا ثلاثة صلبان، فقالت الملكة: كيف لنا أن نعلم صليب سيدنا المسيح؟
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 649)
وكان بالقرب منهم عليل شديد العلة قد أيس منه، فوضع الصليب الأول عليه، ثم الثاني، ثم الثالث، فأفاق عند الثالث واستراح من علته، فعلمت أنه صليب المسيح، فجعلته في غلاف من ذهب، وحملته إلى قسطنطين. وكان من ميلاد المسيح إلى ظهور هذا الصليب ثلاثمائة وثلاثا وعشرين سنة.
هذا كله نقله سعيد بن بطريق النصراني في تاريخه.
والمقصود أنهم ابتدعوا هذا العيد بنقل علمائهم بعد المسيح بهذه المدة.
وبعد، فسند هذه الحكاية من بين يهودي ونصراني مع انقطاعها وظهور الكذب فيها لمن له عقل من وجوه كثيرة.
ويكفي في كذبها وبيان اختلاقها أن ذلك الصليب الذي شفى العليل كان أولى ألا يميت الإله الرب المحيي المميت.
ومنها: أنه إذا بقي تحت التراب خشب ثلاثمائة وثمان وعشرين سنة فإنه ينخر ويبلى لدون هذه المدة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 650)
فإن قال عباد الصليب: إنه لما مس جسم المسيح حصل له الثبات والقوة والبقاء، قيل لهم: فما بال الصليبين الباقيين لم يتفتتا واشتبها به؟ فلعلهم يقولون: لما مست صليبه مسهما البقاء والثبات.
وجهل القوم وحمقهم أعظم من ذلك.
والرب - سبحانه - لما تجلى للجبل تدكدك الجبل وساخ في الأرض، ولم يثبت لتجليه، فكيف تثبت الخشبة لركوبه عليها في تلك الحال؟ !
ولقد صدق القائل: إن هذه الأمة عار على بني آدم أن يكونوا منهم.
فإن كانت هذه الحكاية صحيحة فما أقربها من حيل اليهود التي تخلصوا بها من الحبس والهلاك.
وحيل بني آدم تصل إلى أكثر من ذلك بكثير، ولا سيما لما علم اليهود أن ملكة دين النصرانية قاصدة إلى بيت المقدس، وأنها تعاقبهم حتى يدلوها على موضع القتل والصلب، وعلموا أنهم إن لم يفعلوا لم يتخلصوا من عقوبتها.
ومنها: أن عباد الصليب يقولون: إن المسيح لما قتل غار دمه، ولو وقع قطرة على الأرض ليبست ولم تنبت.
فيا عجبا، كيف يحيي الميت، ويبرئ العليل بالخشبة التي
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 651)
صلب عليها، وسمر. هذا كله من بركتها وفرحها به، وهو مشدود عليها يبكي ويستغيث؟ !
ولقد كان الأليق أن يتفتت الصليب ويضمحل لهيبة من صلب عليه، وتخسف الأرض بالحاضرين عند صلبه والمتمالئين عليه، بل تفطر السموات والأرض، وتخر الجبال هدا.
ثم يقال لعباد الصليب: لا يخلو أن يكون المصلوب الناسوت وحده أو مع اللاهوت. فإن كان المصلوب هو الناسوت وحده فقد فارقته الكلمة، وبطل اتحادها به، وكان المصلوب جسدا من الأجساد ليس بإله ولا فيه شيء من الإلهية والربوبية ألبتة.
وإن قلتم: إن الصلب وقع على اللاهوت والناسوت معا، فقد أقررتم بصلب إلإله وقتله وموته، وقدرة الخلق على أذاه. وهذا أبطل الباطل، وأمحل المحال، فبطل تعلقكم بالصليب من كل وجه عقلا وشرعا ".
ومن العجب أنهم يقرؤون في التوراة: " ملعون من تعلق بالصليب ". وهم قد جعلوا شعار دينهم ما يلعنون عليه.
ولو كان لهم أدنى مسكة من عقل لكان الأولى أن يحرقوا الصليب
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 652)
حيث وجدوه، ويكسروه، ويلطخوه بالنجاسة، فإنه قد صلب عليه إلههم ومعبودهم بزعمهم، وأهين عليه وفضح.
فيا للعجب! بأي وجه بعد هذا يستحق الصليب التعظيم لولا أن القوم أضل من الأنعام، فلو عقلوا لكان ينبغي ألا يحملوا صليبا، ولا يمسوه بأيديهم، ولا يذكروه بألسنتهم، وإذا ذكر لهم سدوا مسامعهم من ذكره.
ولقد صدق القائل: " عدو عاقل خير من صديق أحمق "، لأنهم بحمقهم قصدوا تعظيم المسيح، فاجتهدوا في ذمه، وتنقصه، والازدراء به والطعن عليه.
وكان مقصودهم بذلك التشنيع على اليهود، وتنفير الناس عنهم وإغراقهم بهم، فنفروا الأمم عن النصرانية وعن المسيح ودينه أعظم تنفير.
وقد قال بعض عقلائهم: " إن تعظمينا للصليب جار مجرى تعظيم قبور الأنبياء، فإنه كان قبر المسيح إذ هو عليه، ثم لما دفن صار قبره في الأرض ".
وليس وراء هذا الحمق والجهل حمق، فإن السجود إلى قبور الأنبياء وعبادتها شرك، بل من أعظم الشرك. وقد لعن إمام الحنفاء وخاتم الأنبياء اليهود والنصارى، حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 653)
وأصل الشرك وعبادة الأصنام من العكوف على القبور واتخاذها، ثم يقال: فأنتم تعظمون كل صليب لا تخصون التعظيم بذلك الصليب بعينه.
فإن قلت الصليب من حيث هو يذكر بالصليب الذي صلب عليه إلهنا.
قيل: وكذلك الحفر تذكر بحفرته، فعظموا كل حفرة، واسجدوا لها، لأنها كحفرته - أيضا - بل أولى، لأن خشبة الصليب لم يستقر عليها استقراره في الحفرة.
ثم يقال: اليد التي مسته أولى أن تعظم من الصليب، فعظموا أيدي اليهود لمسهم إياه، وإمساكهم له، ثم انقلوا ذلك التعظيم إلى سائر الأيدي.
فإن قلتم: منع من ذلك مانع العداوة. قلنا: فعندكم أنه هو الذي رضي بذلك واختاره، ولو لم يرض به لم يصلوا إليه.
فعلى هذا فينبغي لكم أن تشكروهم وتحمدوهم، إذ فعلوا موجب رضاه واختياره الذي كان سبب خلاص جميع الأنبياء والمؤمنين والقديسين من الجحيم ومن سجن إبليس.
فما أعظم منة اليهود عليكم وعلى آبائكم وعلى سائر النبيين من لدن آدم إلى زمن المسيح! !.
والمقصود أن هذه الأمة جمعت بين الشرك وعيب الإله وتنقصه، وتنقص نبيهم وعيبه، ومفارقة دينه بالكلية، فلم يتمسكوا بشيء كان عليه المسيح، لا في صلاتهم، ولا صيامهم، ولا أعيادهم. بل هم في
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 654)
ذلك أتباع كل ناعق، مستجيبون لكل ممخرق ومبطل، إذ أدخلوا في الشريعة ما ليس فيها، وتركوا ما أتت به.
وإذ شئت أن ترى العبر في دينهم فانظر ما أشرنا إليه من صيامهم الذي وضعوه لملوكهم وعظمائهم، فلهم صيام للحواريين، وصيام لمارمريم، وصيام لمارجرجس، وصيام الميلاد.
وتركهم أكل اللحم في صيامهم مما أدخلوه في دين المسيح، وإلا فهم يعلمون أن المسيح كان يأكل اللحم، ولم يمنعهم منه في صوم ولا فطر.
واصل ذلك أن المانوية كانوا لا يأكلون ذا روح، فلما دخلوا في النصرانية خافوا أن يتركوا أكل اللحم، فيقتلوا، فشرعوا لأنفسهم صياما للميلاد والحواريين ومارمريم، وتركوا في هذا الصوم أكل
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 655)