وذلك أنه كان برومية راهب له تلميذان، فجاء إلى قسطا الوالي، فوبخه على قبح مذهبه وشناعة كفره، فأمر به قسطا؛ فقطعت يداه ورجلاه، ونزع لسانه، وفعل بأحد التلميذين كذلك، وضرب الآخر بالسياط، ونفاه.
فبلغ ذلك ملك قسطنطينية، فأرسل إليه أن يوجه إليه من أفاضل الأساقفة، ليعلم وجه هذه الشبهة، وما كان ابتداؤها، ويعلم من يستحق اللعن.
فبعث إليه مائة وأربعين أسقفا وثلاثمائة شماسا، فلما وصلوا إليه جمع الملك مائة وثمانية وخمسين أسقفا، فصادروا مائتين وثمانية وتسعين، وأسقطوا الشماسة.
وكان رئيس هذا المجمع بترك قسطنطينية وبترك أنطاكية. فلعنوا من تقدم من القسيسين والبتاركة واحدا واحدا، وجلسوا، فلخصوا الأمانة، وزادوا فيها ونقصوا.
فقالوا: (نؤمن أن الواحد من الناسوت الابن الوحيد الذي هو الكلمة الأزلية، الدائم، المستوي مع الآب، الإله في الجوهر، الذي هو ربنا يسوع المسيح بطبيعتين تامتين، وفعلين، ومشيئتين، في أقنوم واحد، ووجه واحد، تاما بلاهوته، تامة بناسوته، وشهدت بأن الإله الابن في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
آخر الأيام اتخذ من العذراء السيدة مريم القديسة جسدا إنسانا بنفس [ناطقة عقلية وذلك برحمة الله -تعالى- محب البشر] ، ولم يلحقه اختلاط ولا فساد [ولا فرقة ولا فصل] ، ولكن هو واحد يعمل بما يشبه الإنسان أن يعمله في طبيعته، [وما يشبه الإله أن يعمله في طبيعته] الذي هو الابن الوحيد والكلمة الأزلية المتجسدة، التي صارت في الحقيقة لحما كما يقول الإنجيل المقدس من غير أن ينتقل من مجده الأزلي، وليست بمتغيرة، ولكنها بفعلين ومشيئتين وطبيعتين: إلهي وإنسي، الذي بهما يكمل قول الحق، وكل واحدة من الطبيعتين تعمل مع شركة صاحبها مشيئتين غير مضادتين ولا متصارعتين، ولكن مع المشيئة الإنسية المشيئة الإلهية القادرة على كل شيء) .
هذه أمانة هذا المجمع، فوضعوها، ولعنوا من لعنوه. وبين المجمع الخامس الذي اجتمع فيه الستمائة والثلاثون وبين هذا المجمع مائة سنة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
ثم كان لهم بعد ذلك مجمع عاشر.
وذلك لما مات الملك، وولي ابنه بعده، اجتمع أهل المجمع السادس، وزعموا أن اجتماعهم كان على الباطل، فجمع الملك مائة وثلاثين أسقفا، فثبتوا قول أهل المجامع الخمسة، ولعنوا من لعنهم وخالفهم، وانصرفوا بين لاعن وملعون.
فهذه عشرة مجامع كبار من مجامعهم مشهورة، اشتملت على أكثر من أربعة عشر ألفا من البتاركة والأساقفة والرهبان كلهم ما بين لاعن وملعون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
فهذه حال المتقدمين مع قرب زمانهم من أيام المسيح ووجود أخباره فيهم، والدولة دولتهم، والكلمة كلمتهم، وعلماؤهم إذ ذاك أوفر ما كانوا، واهتمامهم بأمر دينهم واحتفالهم به كما ترى.
وهم حيارى تائهون ضالون مضلون، لا يثبت لهم قدم، ولا يستقر لهم قول في إلههم، بل كل منهم قد اتخذ إلهه هواه، وصرح بالكفر والتبري ممن اتبع سواه، قد تفرقت بهم في نبيهم وإلههم الأقاويل، وهم كما قال الله تعالى: {قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} .
فلو سألت أهل البيت عن دينهم ومعتقدهم في ربهم ونبيهم لأجابك الرجل بجواب وامرأته بجواب وابنه بجواب والخادم بجواب، فما ظنك بمن في عصرنا هذا؟ وهم نخالة الماضين، وزبالة الغابرين، وثفالة المتحيرين، وقد طال عليهم الأمد، وبعد عهدهم بالمسيح ودينه.
وهؤلاء هم الذين أوجبوا لأعداء الرسل من الفلاسفة والملاحدة أن يتمسكوا بما هم عليه، فإنهم شرحوا لهم دينهم الذي جاء به المسيح على هذا الوجه. ولا ريب أن هذا دين لا يقبله عاقل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)
فتواصى أولئك بينهم أن يتمسكوا بما هم عليه، وساءت ظنونهم بالكتب والرسل، ورأوا أن ما هم عليه من آراء أقرب إلى العقول من هذا الدين.
وقال لهم هؤلاء الحيارى الضلال: إن هذا هو الحق الذي جاء به المسيح، فتركب من هذين الظنين الفاسدين إساءة الظن بالرسل، وإحسان الظن بما هم عليه.
قلت: وهذا القدر قد اعترف به النصراني في هذا الفصل الذي نتكلم عليه، حيث ذكر ما وقع من الاختلاف بين الأساقفة، وأن ذلك صار سبب وقوع عامة الناس في الحيرة حتى لا يدرون ما يختارون لأنفسهم، وينفرون عن الكتب المقدسة كأنها سم زعاف.
ومعلوم أنه لا يمكن أن يدعي أن النصارى صلحوا بعد أولئك الذين وصفهم من أسلافهم الضلال التائهين، بل دينهم الذي هم عليه الآن هو دين أولئك الحيارى، بل إنهم زادوا عليهم بالضلال الكثير، واتبعوا أهواءهم، وجادلوا في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. فقد سجلوا على أنفسهم بمخالفة كتب الله، واعترفوا بذنبهم، فسحقا لأصحاب السعير.
والمقصود أنهم كما خالفوا في دينهم منهج الرسل، فقد عاندوا -أيضا- صريح العقل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
قال ابن القيم:
ولهذا قال بعض ملوك الهند وقد ذكرت له الملل الثلاث، فقال: أما النصارى فإن كان محاربوهم من أهل الملل يحاربونهم بحكم شرعي، فإني أرى ذلك بحكم عقلي، وإن كنا لا نرى بحكم عقولنا قتالا. ولكن أستثني هؤلاء القوم من بين جميع العوالم، لأنهم قصدوا مضادة العقل، وناصبوه العداوة، وحلوا ببيت الاستحالات، وحادوا عن المسلك الذي انتهجه غيرهم من أهل الشرائع، فشذوا عن جميع مناهج العالم الصالحة العقلية والشرعية، واعتقدوا كل مستحيل ممكنا، وبنوا على ذلك شريعة لا تؤدي ألبتة إلى صلاح نوع من أنواع العالم، إلا أنها تصير العاقل إذا تشرع بها أخرقا، والرشيد سفيها، والمحسن مسيئا، لأن من كان أصل عقيدته التي نشأ عليها الإساءة إلى الخالق والنيل منه، ووصفه بضد صفاته الحسنى، فأخلق به أن يستسهل الإساءة إلى المخلوق، مع ما بلغنا عنهم من الجهل وضعف العقل وقلة الحياء وخساسة المهمة.
هذا وقد ظهر له من باطلهم وضلالهم غيض من فيض، وكانوا إذ ذاك أقرب عهدا بالنبوة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
قال أفلاطون رئيس سدنة الهياكل بمصر، وليس بأفلاطون تلميذ سقراط؛ ذاك أقدم من هذا:
لما ظهر محمد بتهامة، ورأينا أمره يعلو على الأمم المجاورة له، رأينا أن نقصد أسقطر البابلي، لنعلم ما عنده، ونأخذ برأيه فلما اجتمعنا على الخروج من مصر، رأينا أن نصير إلى أقراطيس معلمنا وحكيمنا، لنودعه، فلما دخلنا عليه، ورأى جمعنا أيقن أن الهياكل قد خلت منا فغشي عليه حينا غشية ظننا أنه فارق الحياة فيها، فبكينا، فأومأ إلينا أن كفوا عن البكاء، فتصبرنا جهدنا حتى هدأ وفتح عينيه، فقال: هذا ما كنت أنهاكم عنه، وأحذركم منه، إنكم قوم غيرتم، فغير بكم، أطعتم جهالا من ملوككم، فخلطوا عليكم في الأدعية، فقصدتكم البشر من التعظيم بما هو للخالق [وحده، فكنتم في ذلك كمن أعطى القلم مدح الكاتب، وإنما حركة القلم بالكاتب] .....
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
ومن المعلوم أن هذه الأمة ارتكبت محذورين عظيمين لا يرضى بهما ذو عقل ولا معرفة:
أحدهما:
الغلو في المخلوق حتى جعلوه شريكا للخالق وجزءا منه، إلها آخر معه، ونفوا أن يكون عبدا له.
والثاني:
تنقص الخالق وسبه ورميه بالعظائم، حيث زعموا أن الله سبحانه وتعالى عن قولهم علوا كبيرا- نزل من العرش وكرسي عظمته، ودخل في فرج امرأة، وأقام هناك تسعة أشهر، يتخبط بين البول والدم والنجو قد علته أطباق المشيمة والرحم والبطن، ثم خرج من حيث دخل رضيعا صغيرا يمص الثدي، ولف في القمط، وأودع السرير يبكي، ويجوع، ويعطش، ويبول، ويتغوط، ويحمل على الأيدي والعواتق!.
ثم صار إلى أن لطمت اليهود خديه، وربطوا يديه، وبصقوا في وجهه، وصفعوا قفاه، وصلبوه جهرا بين لصين، وألبسوه إكليلا من الشوك، وسمروا يديه ورجليه، وجرعوه أعظم الآلام!.
هذا هو الإله الحق الذي بيده أتقنت العوالم، وهو المعبود المسجود له!!.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)
ولعمر الله، إن هذه مسبة لله -سبحانه- ما سبه بها أحد من البشر قبلهم ولا بعدهم، كما قال -تعالى- فيما حكاه عنه رسوله الذي نزهه، ونزه أخاه المسيح عن هذا الباطل الذي تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض، وتخر الجبال هدا، فقال: «شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك:
أما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد.
وأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون من إعادته» .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذه الأمة: "أهينوهم ولا تظلموهم، فقد سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر".
ولعمر الله، إن عباد الأصنام -مع أنهم أعداء الله على الحقيقة وأعداء رسله وأشد الكفار كفرا- يأنفون أن يصفوا آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، وهي من الحجارة والحديد والخشب بمثل ما وصفت هذه الأمة رب العالمين، وإله السماوات والأرضين، وكان الله في قلوبهم أجل وأعظم من أن يصفوه بذلك بما يقاربه، وإنما شرك القوم أنهم عبدوا من دونه آلهة مخلوقة مربوبة محدثة، زعموا أنها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
تقربهم إليه زلفى، لم يجعلوا شيئا من آلهتهم كفوا له، ولا نظيرا، ولا ولدا، ولم ينالوا من الرب -تعالى- ما نالت منه هذه الأمة.
وعذرهم في ذلك أقبح من قولهم، فإن أصل معتقدهم أن أرواح الأنبياء كانت في الجحيم في سجن إبليس من عهد آدم إلى زمن المسيح، فكان إبراهيم وموسى ونوح وصالح وهود معذبين مسجونين في النار بسبب خطيئة آدم وأكله من الشجرة، وكان كلما مات واحد من بني آدم أخذه إبليس، وسجنه بذنب أبيه، ثم إن الله -سبحانه- لما أراد رحمتهم وخلاصهم من العذاب تحيل على إبليس بحيلة، فنزل عن كرسي عظمته، والتحم ببطن مريم حتى ولد، وكبر، وصار رجلا، فمكن أعداءه اليهود من نفسه، حتى صلبوه، وسمروه، وتوجوه بالشوك على رأسه، فخلص أنبياءه ورسله، وفداهم بنفسه ودمه، فهرق دمه في مرضاة جميع ولد آدم، إذ كان ذنبه باقيا في أعناق جميعهم، فخلصهم منه بأن مكن أعداءه من صلبه وتسميره وصفعه إلا من أنكر صلبه أو شك فيه.
وقال: إن الإله يجل عن ذلك، فهو في سجن إبليس معذب حتى يقر بذلك، وأن إلهه صلب وصفع وسمر، فنسبوا الإله الحق -سبحانه- إلى ما يأنف أسقط الناس أن ينسبه إليه مملوكه وعبده، وإلى ما يأنف عباد الأصنام أن تنسب إليه أوثانهم.
وكذبوا الله -سبحانه- في كونه تاب على آدم، وغفر له خطيئته، ونسبوه إلى أقبح الظلم، حيث زعموا أنه سجن أنبياءه ورسله وأولياءه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)
في الجحيم بسبب خطيئة أبيهم، ونسبوه إلى غاية النقص، حيث سلط أعداءه على نفسه وابنه، ففعلوا ما فعلوا.
وبالجملة، فلا نعلم أمة من الأمم سبت ربها ومعبودها وإلهها بما سبه به هذه الأمة، كما قال عمر: "إنهم سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر".
وكان بعض أئمة الإسلام إذا رأى نصرانيا أغمض عينه عنه، وقال: "لا أستطيع أملأ عيني ممن سب إلهه ومعبوده أقبح السب".
ولهذا قال عقلاء الملوك: "إن جهاد هؤلاء واجب شرعا وعقلا، فإنهم عار على بني آدم مفسدون للعقول والشرائع". انتهى.
وسيأتي شرح مذهبهم في التثليث فيما بعد -إن شاء الله تعالى-.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)
فصل
قال النصراني:
"والذي آل إليه أنه قد وجد في جميع البلاد عدة من المسيحيين اسما وأقل من القليل حقا وفعلا، ولكن الله لم يكن يتغافل عن هذه الخطايا في قومه بل من أقصى أطراف أفاض كالطوفان جنودا لا تحصى عددا إلى بلاد النصارى.
وإذا لم يتعظ الباقون بما لقوا من هؤلاء من القتل والشدائد، ولم يعودوا للحق أذن بعدله أن يظهر محمد، ويدعو الناس إلى الشريعة الجديدة، التي مع أنها مخالفة لدين المسيح، مضادة له، لكنها في ظاهر الألفاظ كانت تحاكي سيرة كثيرين من النصارى.
وكان أول المدعوين إلى هذه الشريعة العرب الذين على أيديهم فتحت -في مدة يسيرة من الزمان- بلاد العرب والشام ومصر وبلاد الفرس، ثم ملكت المغرب والأندلس أيضا.
وأما دولة العرب فقد انتقلت إلى غيرهم من الأمم، وبالخصوص إلى الأتراك الذين هم أمة ذات بأس وقوة في الحرب، وهم بعد طول محاربة المسلمين دعوا إلى العهد، وقبلوا الشريعة الموافقة لأخلاقهم بغير امتناع، ونقلوا حكم الدولة لأنفسهم.
ثم فتحت على أيديهم بلاد الروم وبإقبال سعادتهم في الحروب وصلوا إلى حدود بلاد النمسا أيضا" انتهى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)
ونقول وبالله التوفيق:
إن ما ذكره من قلة الدين قبل ظهور محمد صلى الله عليه وسلم دليل ظاهر، وحجة واضحة، وبرهان قاطع على نبوته، وصحة رسالته كما أشرنا إليه فيما تقدم، وذلك أن سنة الله في أوقات فترات الرسالة، وإعراض الناس عما جاءت به الرسل إعذارا منه -تعالى- إلى الخلق، ورحمة بمن أراد به خيرا.
فلما كانت الشرائع قد اندرست قبل مبعث - محمد صلى الله عليه وسلم، لتقادم عهدها، وطول زمانها، واختلط بسبب ذلك الحق بالباطل والهدى بالضلال، والصدق بالكذب، وصار ذلك سببا لإعراض الخلق عن العبادات، وأن يقولوا: يا إلهنا قد عرفنا أنه لا بد من عبادتك، ولكنا لا نعرف كيف عبادتك. فلا بد أن يزيح الله عذرهم ببعثة الرسل إليهم.
ولهذا قال -تعالى- في كتابه العزيز: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
فخاطب -سبحانه- أهل الكتاب من اليهود والنصارى في هذه الآية بأنه بعث إليهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم على حين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)
فترة من الرسل، ودروس من السبل، وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان، فكانت النعمة به أتم، والحاجة إليه أعم.
فإن الفساد قد عم البلاد، والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد، إلا قليلا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين من بعض أحبار اليهود، وعباد النصارى والصابئين.
وقد أخرج الإمام أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه، والنسائي في سننه من غير وجه عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم، فقال في خطبته: «»
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)
«إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا، كل مال أنحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وإن الله -سبحانه- نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من بني إسرائيل، وقال: إنما بعثتك لأبتليك، وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظانا. ثم إن الله أمرني أن أحرق قريشا، فقلت: يا رب، إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة، فقال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جندا نبعث خمسة أمثاله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك.
وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف فقير ذو عيال.
وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له الذين هم فيكم تبع لا يبتغون أهلا ولا مالا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، والرجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعكم عن أهلك ومالك، وذكر البخل والكذب، والشنظير الفاحش» .
والمقصود من إيراد هذا الحديث قوله: «إن الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من بني إسرائيل» . وفي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)
لفظ مسلم: «إلا بقايا من أهل الكتاب» فكان الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم حتى بعث الله رسوله محمدا، خاتم النبيين الذي لا نبي بعده، بل هو المعقب لجميعهم، فهدى الخلائق، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وتركهم على المحجة البيضاء والشريعة الغراء.
ولهذا قال تعالى: {أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ} أي: بشير بالخير ونذير عن الشر {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
فثبت بمقتضى هذه المقدمة التي قررناها، واعترف الخصم بصحة معناها، وهو حصول غربة الدين قبل ظهور محمد صلى الله عليه وسلم حتى عند النصارى، الذين هم أقرب الناس عهدا بالكتب والرسل، أن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم كانت رحمة من الله لخلقه، هداهم الله بها بعد الضلالة، وبصرهم بها بعد العمى، وأرشدهم بها بعد الغي، وأخرجهم بها من الظلمات إلى النور.
وهذا هو اللائق بحكمته، ورحمته، وما مضى في خلقه من سابق سنته، لا ما يقول أعداؤه الكاذبون عليه، المكذبون رسوله، الزاعمون أنه كاذب عليه متقول على الله ما لم ينزل إليه، فإنه لا يليق بحكمة الرب الحكيم، ورحمة الملك القادر الرحيم، أن يؤيد من هذا شأنه أعظم التأييد، ويمكن له في الأرض غاية التمكين، بل كان اللائق به أن يأخذه ويجعله نكالا وعبرة للمعتبرين، كما قال سبحانه وتعالى:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)
{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} فأقام -سبحانه- في هذه الآية البرهان القاطع على صدق رسوله، وأنه لم يتقول عليه فيما قاله، وأنه لو تقول عليه لما أقره، ولعاجله بالإهلاك، فإن كمال علمه وقدرته وحكمته تأبى أن يقر من تقول عليه، وافترى، وأضل عباده، واستباح دماء من كذبه وحريمهم وأموالهم، وأظهر في الأرض الفساد والجور والكذب وخلاف الحق.
فكيف يليق بأحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وأقدر القادرين أن يقدره على ذلك؟ !. بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره، ويظفره، بأهل الحق يسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلا: إن الله أمرني بذلك، وأباحه لي؟. بل كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها، فيصدقه بإقراره، وبالآيات المستلزمة لصدقه التي دلالتها على التصديق كدلالة التصديق بالقول أو أظهر، ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها، فكل آية على انفرادها مصدقة له، ثم يحصل باجتماع تلك الآيات تصديق فوق كل آية على انفرادها، ثم يعجز الخلق عن معارضته، ثم يصدقه بكلامه وقوله، ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامه، فيشهد له بإقراره وفعله وقوله؟. فمن أعظم المحال وأبطل الباطل وأبين البهتان أن يجوز على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)
أحكم الحاكمين ورب العالمين أن يفعل ذلك بالكاذب المفتري عليه الذي هو شر الخلق على الإطلاق.
فمن جوز ذلك، على الله أن يفعل هذا بشر خلقه وأكذبهم عليه فما آمن بالله قطعا، ولا عرف الله وأنه رب العالمين، ولا يحسن نسبة ذلك إلى من له مسكة من عقل وحكمة وحجا. ومن فعل ذلك فقد أزرى على نفسه، ونادى على جهله.
وقد ذكر الإمام أبو عبد الله ابن القيم مناظرة جرت له مع بعض علماء أهل الكتاب تتعلق بهذا المقام، قال:
قلت له بعد أن أفضى في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن قلت له: إنكار نبوته يتضمن القدح في رب العالمين وتنقصه بأقبح التنقص، فكان الكلام معكم في الرسول والكلام الآن في تنزيه الرب -تعالى-.
فقال: كيف تقول مثال هذا الكلام؟
فقلت له: بيانه علي فاسمع الآن: أنتم تزعمون أنه لم يكن رسولا، وإنما كان ملكا قاهرا قهر الناس بسيفه حتى دانوا له، ومكث ثلاثا وعشرين سنة يكذب على الله، ويقول: أوحي إلي، ولم يوح إليه، وأمرني، ولم يأمره، ونهاني، ولم ينهه، وقال الله كذا، ولم يقل ذلك، وأحل كذا، وحرم كذا، وأوجب كذا، وكره كذا، ولم يحل ذلك ولا حرمه ولا أوجبه ولا كرهه، بل هو فعل ذلك من تلقاء نفسه كاذبا مفتريا على الله وعلى أنبيائه وعلى رسله وملائكته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
ثم مكث على ذلك عشر سنين يستعرض عباده، يسفك دماءهم، ويأخذ أموالهم، ويسترق نساءهم وأبناءهم، ولا ذنب لهم إلا الرد عليه ومخالفته، وهو في ذلك كله يقول: الله أمرني بذلك ولم يأمره، ومع ذلك فهو ساع في تبديل أديان الرسل، ونسخ شرائعهم، وحل نواميسهم، فهذه حاله عندكم.
فلا يخلو: إما أن يكون الرب -تعالى- عالما بذلك مطلعا عليه من حالة يراه ويشاهده أو لا.
فإن قلتم: إن ذلك جميعه غائب عن الله لم يعلمه قدحتم في الرب -تعالى-، ونسبتموه إلى الجهل المفرط، إذ لم يطلع على هذا الحادث العظيم، ولا علمه، ولا رآه.
وإن قلتم: بل كان بعلمه واطلاعه ومشاهدته، قيل لكم: فهل كان قادرا على أن يغير ذلك، ويأخذ على يده ويحول بينه وبينه أم لا؟
فإن قلتم: ليس قادرا على ذلك، نسبتموه إلى العجز المنافي للربوبية، وكان هذا الإنسان هو وأتباعه أقدر منه على تنفيذ إرادتهم.
وإن قلتم: بل كان قادرا، ولكن مكنه ونصره وسلطه على الخلق، ولم ينصر أولياءه وأتباع رسله نسبتموه إلى أعظم السفه والظلم والإخلال بالحكمة.
هذا لو كان مخليا بينه وبين ما فعله، فكيف وهو في ذلك كله ناصره ومؤيده، ومجيب دعواته ومهلك من خالفه وكذبه، ومصدقه بأنواع التصديق كلها، ومظهر الآيات على يديه التي لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يأتوا بواحدة منها لما أمكنهم، ولعجزوا عن ذلك، وكل وقت من الأوقات يحدث له من أسباب النصر والتمكين والظهور والعلو وكثرة الأتباع أمرا خارجا عن العادة؟ !.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
فظهر أن من أنكر كونه رسولا نبيا فقد سب الله -تعالى-، وقدح فيه، ونسبه إلى الجهل والعجز والسفه.
قلت له: ولا ينتقض هذا بالملوك الظلمة الذين مكنهم في الأرض وقتا ما ثم قطع دابرهم، وأبطل سنتهم، ومحا آثارهم ووجودهم، فإن أولئك لم يدعوا شيئا من هذا، ولا أيدوا، ونصروا، وظهرت على أيديهم الآيات، ولا صدقهم الرب -تعالى- بإقراره ولا بفعله، ولا بقوله. بل كان أمرهم بالضد من دين الرسول كفرعون ونمرود وأضرابهما.
ولا ينتقض هذا بمن ادعى النبوة من الكذابين، فإن حاله كانت بضد حال الرسول، ومن حكمة الله -سبحانه- أن أخرج مثل هؤلاء في الوجود ليعلم حال الكذابين، وحال الصادقين، فكان ظهورهم من أبين الأدلة على صدق الرسل والفرق بين هؤلاء وبينهم (
فبضدها تتبين الأشياء
) ، (
والضد يظهر حسنه الضد
) .
فمعرفة أدلة الباطل وشبهه من أنواع أدلة الحق وبراهينه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)