Arabic source text

📘 আল ওয়াহইউ ওয়াল ইনসান - কিরায়াতুন মা'রিফিয়্যাহ (মুহাম্মদ আল-সাইয়্যিদ আল-জালিন্দ)

📘 الوحي والإنسان - قراءة معرفية (محمد السيد الجليند)

📘 আল ওয়াহইউ ওয়াল ইনসান - কিরায়াতুন মা'রিফিয়্যাহ (মুহাম্মদ আল-সাইয়্যিদ আল-জালিন্দ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
قال تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [البقرة: 251] .
وقال تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} [الزخرف: 32] .
وهذا التدافع هو أحد مظاهر التجمع البشري في كل عصر، وفي كل بيئة.
وفي وسط هذا الاجتماع البشري المزدحم بالمتناقضات، فالمصالح متضاربة والأهواء والرغبات متعارضة، والتفاوت كبير بين مستويات الفقر والغنى والصحة والمرض والضعف والقوة، ولا بد لهذه المتضادات من ضابط يحكم حركتها؛ لتكون في خير المجتمع كله، فلا تكون لحساب طبقة أو فئة على حساب أخرى. لا بد من ضوابط تنتظم بها العلاقات المتبادلة بين هذه المتضادات ولا بد أن تكون هذه الضوابط متعالية على الأغراض الشخصية أو الطبقية ليتحقق بها الخير لكل الطبقات، ولتسعد بها كل فئات المجتمع، وليس في مكنة البشر أن يضعوا هذه الضوابط المتعالية عن كل هذه الشبهات؛ لأن ذلك ليس من طبائع البشر. ولقد أثبت التاريخ والواقع المعاصر أن كل قانون تضعه طبقة اجتماعية حاكمة، فإنه يهدف دائما إلى تحقيق مصالحها على حساب الطبقات الأخرى، وكم شقيت طبقات

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)

في المجتمعات البشرية لتسعد طبقات أخرى باسم القانون، وكم قضى أناس سواد ليلهم يفترشون الثرى ويلتحفون العرى ليهنأ غيرهم باسم القانون وكم … وكم عانت المجتمعات البشرية من ويلات القوانين التي يضعها البشر. ولذلك كان لا بد لهذه الضوابط التي تحكم حركة المجتمع أن تكون من مصدر فوق مستوى الشبهات، فوق مستوى الأهواء والمصالح الطبقية أو الفئوية، وهذا لا يتحقق أبدا إلا إذا كان مصدر هذه الضوابط متعاليا عن أهواء البشر وأغراضهم، وذلك لا يتأتى إلا من الوحي الإلهي، وما سنه البشرية من تشريعات لتنظيم جلب المصالح ودرء المفاسد للناس جميعا، فإن مقاصد الشريعة وأهدافها الكبرى تدور كلها حول هذين الغرضين: جلب المصالح ودرء المفاسد لكل الناس، والفرد والمجتمع على سواء. وفي ضوء هذه المقاصد الشرعية تتحدد علاقة الأفراد والجماعات، وتنتظم علاقة الفرد بالمجتمع، والحاكم بالمحكوم: الرجل والمرأة، العالم والمتعلم، الغني والفقير، القوي والضعيف، وبعبارة جامعة تنتظم في ضوئها شبكة العلاقات الاجتماعية لتتوجه حركة المجتمع كله لتحقيق الأهداف الكبرى التي تهدف إليها مقاصد الشريعة، وتسعى إلى تحقيقها في المجتمع.
لقد فشلت القوانين الوضعية في تحقيق هذه المقاصد في المجتمعات، وينبغي أن ننبه هنا إلى أن المقاصد الكلية للشريعة إذا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)

كانت تأخذ الصفة الدينية إلا أنها في حقيقتها وضعت لتحقيق مصالح المجتمع الإنساني كما سبق أن أشرنا، فهي مقاصد اجتماعية أضفى عليها الشرع صفة القداسة الدينية بنسبتها إلى الشرع لتستقر قداستها في قلوب المؤمنين لتصير هدفا وغاية يحرص الجميع على تحقيقها من منطلق إيمانه بالعقيدة الدينية، فتكون ممارستها عنوانا على إيمان صاحبها والالتزام بها.
إنه لا منقذ للبشرية من الاضطراب الذي تعيشه إلا في الاعتقاد في أوامر الوحي ونواهيه، والأخذ بها والعمل بمقتضاها، على مستوى الفرد والجماعة وأنظمة الحكم. لقد كثرت التشريعات وتعددت القوانين، ومع ذلك فإن الجرائم في زيادة مطردة كما وكيفا، ومظاهر الفساد تموج بها حركة المجتمع في كل جوانبه، والسبب في ذلك كله يرجع إلى عدم المصداقية التي تستمد منها القوانين هيبتها.
إن الوحي السماوي يستمد هيبته من نزاهة مصدره، ويكتسب ثقة المؤمن من يقين المؤمن واعتقاده بعدالة المصدر وقداسته عن الغرض والهوى. إن إيمان المسلم واعتقاده في ربه ينعكس في سلوكه التزاما بأوامر الله ونواهيه، إن العقيدة الصحيحة هي التي تخلق في المؤمنين نوعا من الرقابة الذاتية على المرء في سلوكه والتزامه، فيكون هو رقيبا بنفسه على نفسه حين يغيب عنه الرقباء تحقيقا لمعنى الإحسان الذي أشار إليه الرسول في الحديث الصحيح حين قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)

"رواه الخمسة إلا البخاري". وفي مثل هذا المستوى، تتجسد مسئولية المؤمن عن ضبط سلوكه وحياته كلها بضوابط الشرع أمرا ونهيا، فلا يحتاج إلى رقابة خارجية، وفي هذا المستوى أيضا تتجسد مسئولية المؤمن عن نفسه، وعن مجتمعه. إن ضوابط المجتمع وأهدافه تتحقق كلها في حراسة هذه العقيدة الراسخة في القلب المؤمن بها، وتتجاوز هذه الضوابط دائرة الجائز والممكن اجتماعيا لتأخذ حكم الحلال والحرام دينيا؛ لارتباطها بهذه العقيدة، ولذلك نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يربط هذه العلاقات الإنسانية بضوابطها الشرعية ويجعلها دليلا على الإيمان وجودا وعدما، وكم من الأحاديث النبوية التي تجسد لنا هذا المعنى وتربطه بالإيمان ربطا محكما على مستوى علاقات الأفراد والجماعات: قال صلى الله عليه وسلم: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" "رواه الترمذي والنسائي"، وقال: "لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث … وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" "أخرجه البخاري".
"والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن" قيل: من هو يا رسول الله؟ قال: "من بات شبعان وجاره جائع، وهو يعلم".
"من كان يؤمن بالله، واليوم الآخر فلا يؤذ جاره" أخرجه البخاري ومسلم".
"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" "رواه الخمسة إلا أبا داود".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)

"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن … " الحديث "رواه البخاري، ومسلم".
"ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا" "رواه الترمذي وأحمد".
"من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم".
"أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا" "رواه أبو داود".
"إماطة الأذى عن الطريق صدقة" "رواه مسلم".
"من غشنا فليس منا" "رواه مسلم والترمذي وأبو داود".
"عدلت شهادة الزور الشرك بالله" "رواه أحمد والترمذي وأبو داود".
"لن يدخل الجنة عاق لوالديه".
"لن يدخل الجنة قاطع رحم" "أخرجه البخاري".
"الكلمة الطيبة صدقة".
"لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" "رواه أحمد".
أرأيت كيف ربط الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المستوى الراقي من المعاملات بأصل العقيدة وهو الإيمان.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)

إن إيمان المرء بهذا المستوى من العلاقات الإنسانية الراقية يستمد قداسته من سمو الاعتقاد وقوة اليقين بالله، من امتلاء القلب خشية لله ورسوله، من نور الإيمان الذي أضاء حياة المؤمن بهدي الوحي فانعكس على المجتمع كله بهذه العلاقات الإنسانية، دون أن يفرضها قانون أو يشرعها سلطان أو يحرسها سيف السلطان، بل إن حارسها الوحيد هو عقيدة المؤمن في الله ورسوله.
وعلى مستوى الحكم ورعاية المجتمع، نجد نصوص الوحي تضيء للإنسان طريق العدل الذي به تستقر الممالك وتزدهر الحضارات وتنضبط حركة المجتمع، قال تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [النحل: 90] .
{وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58] .
{فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 48] .
{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ} [المائدة: 8] .
{يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى} [ص: 26] .
{وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} [الطلاق: 2] .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)

{وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283] .
{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 104] .
وقال صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " قالها ثلاثا، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين" وكان متكئا فجلس ثم قال: "ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور" وما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. وقال صلى الله عليه وسلم:
"أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" "رواه الترمذي".
وقال في خطبة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم" "رواه ابن ماجه".
وعلى مستوى بناء الأسرة المسلمة.
نجد قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض، وفساد كبير".
"خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" "رواه ابن ماجه".
"خياركم خياركم لنسائهم" "رواه الترمذي".
"تخيروا لنطفكم؛ فإن العرق دساس".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)

"تنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسَبها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" "رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي".
"لا يخطب الرجل على خِطْبة أخيه" "رواه البخاري ومسلم".
ونجد قوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19] .
{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35] .
هذه نماذج قليلة امتلأت بها كتب السنة النبوية شرحا وتوضيحا لما جاء في القرآن الكريم من ضوابط لحركة المجتمع المسلم الذي يعيش في نور من هدي النبوة، وكلها تتعلق بتنظيم العلاقات الاجتماعية على مستوى الفرد والجماعة لتتحقق بها مصالح الأمة وتدفع عنها مضارها، يلتزم بها المسلم من منطلق إيمانه بالله فيكون المؤمن الفرد هو المسئول عن تطبيقها وهو الحارس عليها أمام نفسه وأمام الله، ولا يحتاج في ذلك إلى رقيب من خارج نفسه؛ لأنه الأمين عليها.
وهذا الاعتقاد هو الذي يعطي لهذه الضوابط قيمتها ومكانتها، وإذا لم يكن للقانون الذي يحكم المجتمع رصيد عقائدي في القلب فلا تكون له هيبة ولا ثقة فيه. وهذا هو الفارق الأساسي بين القوانين

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)

الوضعية والأوامر الإلهية؛ لأن كل قانون يستمد هيبته من مكانة واضعه وصاحبه، ولعل ما يعيشه المجتمع المعاصر من فساد واضطراب يرجع في الكثير من جوانبه إلى خلل القوانين التي تحكم المجتمع.
إن مسئولية المسلم عن أوامر الوحي ذات شقين، يتمثل الشق الأول منهما في كون الإنسان مطالبا أولا بتطبيقها على نفسه وتنفيذ ما جاء فيها، ومطالبا ثانيا بحماية هذه الأوامر وحراستها من العبث بها، "فكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته"، و "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" وفي رواية: "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" "رواه مسلم في كتاب الإيمان".
وتستمد مسئولية الإنسان عن هذين المستويين قوتها عن مسئوليته من قوة الاعتقاد ويقين الإيمان، فتصونها قداسة العقيدة عن العبث بها أو الإهمال فيها أو التفريط في تنفيذها، وإذا تطرق الخلل أو الإهمال إلى هذه المبادئ فإن ذلك ينال من صحيح الاعتقاد، وكمال الإيمان.
وهذا ما تفتقده دساتير البشر، وقوانين الاجتماع.
إن شبكة العلاقات الاجتماعية لو تأسست على هذه المبادئ العقائدية، فإنها تجعل من المجتمع كله أفرادا وجماعات حراسا على

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)

هذه المبادئ، فليس هناك طرف مسئول وآخر غير مسئول، فالكل راع والكل مسئول، وكل حسب طاقته، فتشيع المسئولية في المجتمع كله؛ لأن الكل في سفينة واحدة كما شبه الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا".
وقال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25] .
ومن الملاحظ في الآية الكريمة والحديث النبوي أن المسئولية الاجتماعية ليست خاصة بطرف دون آخر، ولا بفرد دون فرد، وإنما هي مسئولية جماعية لأن السفينة واحدة، فإن عرفت غرقت بكل من فيها وإن نجت فإنها تنجو بكل من فيها. وتربية الإحساس بروح الجماعة والمسئولية عنها لا تنهض بها الدساتير ولا القوانين الوضعية، وإنما تتولد وتنمو في النفوس من قوة الاعتقاد ونور اليقين.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)

‌‌الوحي حاجة نفسية:
لا شك أن التوازن النفسي من أهم السمات التي تميز الشخصية السوية في السلوك وفي التفكير، والتوازن النفسي مظهر إنساني يعمل على إبرازه والتحلي به عاملان مهمان جدا:
الأول: الاستقرار والأمان والسكنية. وهي علامات ومظاهر خارجية يلاحظها الناس على الشخص الذي يتميز بهذا التوازن النفسي، وتنعكس هذه المظاهر النفسية على سلوك الشخص وفي حديثه وتفاعله مع الآخرين، وطريقة كلامه، حتى إنك بمجرد أن ترى شخصا موصوفا بهذه الصفات وتبدو عليه هذه المظاهر تضفي عليه هذه الصفة "الهدوء النفسي" أو "التوازن النفسي".
أما العامل الثاني: فهو الاطمئنان القلبي الذي يظهر أثره في منهج التفكير وطرائق التعبير عما يدور في القلب من أفكار. وإذا كان العامل الأول يظهر أثره في السلوك الشخصي فإن العامل الثاني ينعكس أثره على العقل والإدراك، بحيث يتصل العامل الأول بالنفس الإنسانية وآثارها على الجسم الإنساني، بينما يتصل العامل الثاني بالعقل وطرائق تفكيره في تحصيل اليقين الذي ينبني عليه اطمئنان

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)

القلب ويقينه، وهذان العاملان من أهم عوامل تحقيق السعادة للإنسان.
ذلك أن النفس الإنسانية تتعدد رغائبها وتتنوع، وتختلف مراداتها وقد تتعارض، فهي لا تشبع أبدا من تحصيل الرغبات وتحقيق المرادات، وكلما حصلت على رغبة تخطّتها إلى غيرها وهكذا؛ لأن هذا من تمام كونها نفسا، حتى إن بعض العلماء عرف النفس بأنها الحركة سواء نطقت نَفْسا أو نَفَسا بالسكون أو بالفتح، وذلك باعتبار أن الحركة من لوازم النفس ومن خصائصها. فإذا ما تسلطت حركة النفس على صاحبها واستخدمته في تحقيق رغباتها التي لا تنتهي فإن حياته تنقلب إلى شقاء أبدي، فيسعى لاهثا في تحصيل مطالبها. وهي التي لا تشبع أبدا، ولكي تستقر حياة الإنسان ويتحقق لنفسه التوازن المطلوب ليشعر بالسعادة، لا بد له من كبح جماح هذه الرغبات، ليس بإماتتها أو محاربتها وقتلها، وإنما بترشيدها وترويض النفس على الاعتدال في مطالبها. وهذا لا يتحقق للمرء إلا بالسيطرة على نفسه وأن يملك زمامها، والمدخل الطبيعي إلى حسن قيادة النفس هو الاعتقاد بما جاء به الوحي، والإيمان به والعمل بمقتضاه، فتكون أوامر الشرع ونواهيه هي الغذاء الروحي والرياضة النفسية التي تضبط حركة النفس وتقوّم المعوج منها، هي الماء العذب الذي يطفئ حرارة الشهوة ويكبح جماحها، هي البرد الذي ينزل بالقلب فيبعث فيه الأمان والاطمئنان والهدوء والسكينة،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)

وكم لأرباب الرياضات في مثل هذه المواقف من تجارب وأهوال مع النفس وأسرارها، وكم سهروا الليالي في تهذيب رغائبها وترويض جموحها، ولم تصح لهم النفس من عللها ولم تستقم من اعوجاجها إلا بتعاليم الوحي. قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} ، {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} ، {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} .
وما زالت الدراسات قاصرة عن اكتشاف خصائص النفس وسبر غورها والوقوف على كل صفاتها الذاتية، وكلام علماء النفس حولها يدور كله حول ما ظهر لهم منها؛ حول مظاهرها السلوكية، حول أحوالها وعاداتها، أمراضها الظاهرة فقط، ولكن هناك مناطق مظلمة في النفس الإنسانية لا تستطيع اكتشافها ولا سبر أغوارها ولا يحسها إلا صاحبها فقط، وقد لا يحسن المرء التعبير عنها ولا إقامة الدليل على وجودها، رغم وجدانه لها وخضوعه لآثارها. ولعل من هنا كان اهتمام القرآن الكريم بالإشارة إلى هذه المناطق المغلقة أمام العقل البشري في النفس الإنسانية، والتي سماها القرآن آيات وأشار إليها أكثر من مرة. قال تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 20، 21] وفي النفس آيات أيضا. وقال أيضا: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ} [فصلت: 53] . ونلاحظ في الآيتين أن النفس جاءت معطوفة على آيات

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)

الأرض وآيات الآفاق؛ لتفيد معنى التسوية والمعادلة بين الآيات في الجانبين، فكأن آيات النفس تعادل في دقتها وعظمتها آيات الآفاق في كثرتها، وتنوعها كما تعادل آيات الأرض في نفعها وضررها.
إن اكتشاف هذه المناطق المظلمة في النفس الإنسانية واستثارة كوامنها لا يتأتى إلا بعطاء الوحي، الذي يعلم خفاياها ويعرف أمراضها ودواءها. إنها العالم الأصغر الذي أقسم به القرآن في مواجهة العالم الأكبر، قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 7-10] .
إن النفس الإنسانية بحاجة إلى الوحي لكي يأخذ بيدها إلى شاطئ النجاة مستعينة في ذلك بيقين الاعتقاد وسلامة الإرادة ونبل المقصد، وتستمد عونها من الله حتى لا تلعب بها عواصف الأهواء. وقال صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك" وقال بعض الحكماء: "نفسك إذا لم تجبرها على فعل الخير والطاعة جبرتك هي على فعل الشر والمعصية"؛ ولذلك كانت الاستعانة بالله على قهر النفس دعاء نتقرب به إلى الله في فاتحة الكتاب وفي الصلوات: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين} [الفاتحة: 5] .
وينبغي أن نعلم أن النفس الإنسانية لا تنتمي في أصلها إلى عالم الشهادة حتى تستطيع أن تتعامل معها بمنطق العلم الحسي،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)

ولكنها تنتمي إلى عالم الغيب كما قال تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 71، 72] .
وقال سبحانه: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 7-10] . ولما كانت النفس تنتمي إلى هذا العالم الغيبي كانت عللها وأمراضها غائبة عن كثير من ذوي العقول، خاصة أصحاب هذه العقول التي تعودت على المحسوسات ولم تتجاوزها إلى غيرها، وبالتالي فإن علاج هذه الأمراض النفسية قد غاب عنهم في معظم الأحيان؛ وذلك لغيابهم عن فهم حقيقة النفس الإنسانية، ودعك من الذين يعالجون الأعراض المرضية وظواهرها ثم يتوهمون أنهم بذلك قد عالجوا أمراض النفس. لا، إن هناك فارقا كبيرا بين علاج الأعراض وعلاج الأمراض ذاتها، إن النفس الإنسانية أحد مواطن التحدي والإعجاز في الكون كله. ولقد أقسم القرآن بها لأهميتها، ولما فيها من مواطن الإعجاز ودقة الصنعة.
والسكينة والاطمئنان من علامات النفس الصحيحة السليمة من الأمراض. وذلك كله لا يتأتى لها إلا بالتعرف على عوامل الاطمئنان والسكينة من هدي الوحي ومن نور النبوة، وتستمد النفس علاجها

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)

لأمراضها من هذا النور الذي هو في حقيقة الأمر شفاء لما في الصدور، كما قال سبحانه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82] .
وقال سبحانه: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل: 69] ، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57] .
ودائما ما ينبه القرآن الكريم إلى الأخذ بمبدأ الوقاية من المرض قبل نزول العلة بالنفس، فيستحكم الداء ويستعصي الدواء. ومن أهم هذه الوسائل الواقية اللجوء إلى الله تعالى والاستعانة به والإنابة إليه وحسن التوكل عليه، فقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا أقل من ذلك" كما كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من شرور النفس في قوله: "نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا" لأن قوة الشهوة وغلبة الهوى لا يعين على التغلب عليها إلا الله، فهو المعين وحده على هوى النفس وقهرها وبذكره وحده تطمئن القلوب وتسكن النفوس، فتعرف النفوس أنه لا ملجأ لها إلا إليه، ولا عون لها إلا به.
كما ينبغي أن تعلم أن المجتمع كله في حاجة ضرورية إلى الوحي ليقوده إلى التعرف على غاياته الكبرى ومقاصده السامية التي تتمثل في علاقة الإنسان بخالقه، علاقة المخلوق بالخالق، وهذا أمر

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)

مقصود من الشارع، أن يتعرف الإنسان على أوامر الله ونواهيه ليستطيع أن يحقق بذلك عبوديته لله وحده؛ ليعرف كيف يتخلص من العبودية لغير الله، ليعرف أن كل بني آدم أمام الله سواء، تحقيقا لمعنى العبودية المطلقة للخالق، {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93] ليعرف كيف يتحقق في سلوكه وعلاقاته مع الله، ومع الناس بمعاني التوحيد الخالص لله ربوبية وألوهية، فيستمد عزته من عزة خالقه، وسلطانه من قوة إيمانه بخالقه، فيتضاءل أمامه كل سلطان، وعلى قدر اعتصامه بهذه المعاني فإن الله يخلق هيبته في قلوب الناس، وعلى قدر خوفه من الله يخافه الناس وعلى قدر خشيته لله يخشاه الناس، وهذا هو حبل الله المتين الذي قصد الشارع الاعتصام به والالتفاف حوله، فتتّحد الأهواء وتتوحد المقاصد والغايات، ويكون هوى الناس تبعا لما جاء به الرسول، وهذا التوحد يعود نفعه على المجتمع بالدرجة الأولى حتى وإن بدا في ظاهره أنه من العبادات الدينية، فإنه ينعكس على سلوك الأفراد سكينة في النفس وأمانا في القلب ومودة وتراحما بين الناس.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)

‌‌الوحي حاجة عقلية:
لا ريب أن العقل قد وقف على كثير من المعارف المتعلقة بعالم الشهادة وكشف العلم عن كثير من أسرار هذا الكون وقوانينه، وأصبح عالم الشهادة أمام العقل أشبه بالصفحة المقروءة التي يتعامل معها العقل فيفهم منها على قدر استطاعته، ولكي يتكامل الموقف المعرفي أمام العقل فإن ذلك لا يتم له إلا إذا عرف العقل الإجابة اليقينية عن الأسئلة المطروحة عليه منذ الأزل، وهي كلها متعلقة بهذا الكون بدءا ونهاية: من أين، وإلى أين، ولماذا. وهذه المعرفة اليقينية لا سبيل للعلم إليها لأنها ليست داخلة في اختصاص العلم التجريبي كما أنه لا يملك الإجابة عليها وقد جرب العقل الإجابات المطروحة حول هذه الأسئلة خلال موقف المدارس الفلسفية المختلفة فلم يجد فيها أمنا ولا يقينا بل زادته حيرة وشكوكا، فمن قائل بالعبثية المطلقة في تفسيره للوجود بعامة.
ومن قائل بالصدفة.
ومن قائل بالطبيعة والدهر. وكلها إجابات لم تشف للعقل علة ولم ترو للسائل غلة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)

فكلها تنفي الغاية والحكمة من وجود هذا العالم، ولا ترى فيه إلا العبثية المطلقة كما قال الشاعر الجاهلي قديما:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته … ومن تخطئ يعمر فيهرم
وقالوا: ما هي إلا أرحام تدفع، وقبور تبلع وما يهلكنا إلا الدهر. وكما عبر القرآن الكريم عن موقفهم بقوله تعالى: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية: 24] .
ولقد ترتب على هذا الموقف الرافض للغاية والحكمة الإلهية من الوجود والقائل بالعبثية أن فتش هؤلاء فيما تحت أيديهم من أقوال فلم يجدوا للوجود معنى ولا للحياة قيمة، وانعكس هذا التفسير على سلوكهم رفضا للحياة بأكملها، وهربا من الوجود الذي لا معنى له، فكان الانتحار هو المخلص لهم من هذا الوجود العبثي.
والعقل السليم يرفض هذا التفسير ويأباه، وليس ذلك من باب المصادرة على آراء الآخرين، وليس من باب وضع العربة أمام الحصان كما يسميها البعض، ولكن القضية أمامنا أشبه بالكتاب المفتوح، فمن أراد أن يقرأ بعقل واعٍ خالٍ من الشبهات فعليه أن يطالع صفحة الكون، وأن يتأمل في كل جزئية منه بدءا من نفسه هو ومن جسمه هو، ومن حبة القمح التي يزرعها ويأكلها، فإنه يجد لا محالة أن كل شيء في الكون موظف لأداء غاية مطلوبة ولحكمة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)

مقصودة للخالق سبحانه، وكل فرد من أفراد العالم يتناغم مع غيره في تناسق عجيب لأداء وظيفة كلية للكون بأسره، فالجماد بعناصره الأساسية موظف لخدمة النبات.
والنبات بما يحتويه من مواد غذائية موظف لخدمة الحيوان.
والحيوان موظف لخدمة الإنسان.
وكل فرد من أفراد هذه العوالم المتنوعة، تجد كل جزئية فيه تتكامل مع غيرها لأداء وظيفته الخاصة به بحيث تجد أفراد العالم كلها تتعاون فيما بينها، وتتكامل لأداء وظيفة مقصودة وتحقيق غاية مطلوبة.
وهذا التكامل ليس قاصرا على ما نشاهده في عالمنا الأرضي فقط، وإنما هو أشد ما يكون ظهورا في عالم الأفلاك، {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} ومن أراد شيئا من المعرفة بعلم الفلك وما يطالعنا به من آيات باهرة في دقة النظام الكوني، فليراجع ما اكتشفه العلماء من ذلك مما يبهر العقول1. علم ذلك من علمه وجهله من جهله والأمثلة الدالة على--------------------------------------------
1 راجع في ذلك الله يتجلى في عصر العلم، الإسلام يتحدى لوحيد الدين خان، وكتابات الدكتور زغلول النجار ومحاضراته الرائعة في التلفاز حول هذه القضية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)