Arabic source text

📘 আল ওয়াহইউ ওয়াল ইনসান - কিরায়াতুন মা'রিফিয়্যাহ (মুহাম্মদ আল-সাইয়্যিদ আল-জালিন্দ)

📘 الوحي والإنسان - قراءة معرفية (محمد السيد الجليند)

📘 আল ওয়াহইউ ওয়াল ইনসান - কিরায়াতুন মা'রিফিয়্যাহ (মুহাম্মদ আল-সাইয়্যিদ আল-জালিন্দ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الخلاف بيننا وبين منهج المخالفين في الإيمان بقضايا الغيب فلاسفة كانوا أو متكلمين قدامى أو معاصرين. وهذا يفسر لنا بالتالي سبب الحملة التي شنع بها المخالفون على منهج السلف واتهموهم خلالها برفض العقل وأحكامه.
إن قضية الإيمان بالغيب هي محك الخلاف بين المنهجين: منهج عرف أصحابه للعقل إمكاناته وطاقاته من جانب، وعرفوا أيضا مطلب الشرع والوحي من العقل والوظيفة التي ناطه بها من جانب آخر.
أما المنهج الثاني فأطلق أصحابه العنان لعقولهم، فلم يعترفوا بإمكاناته ولا طاقاته، بل قالوا: إن العقل قادر على أن يخضع كل شيء لسلطانه ما غاب عنه وما حضر، ما أدركته الحواس وما غاب عنها، حتى ما أخبرت به الأنبياء عن عالم الغيب وقضاياه يجب أن يخضع العلم به وبكيفيته لسلطان العقل.
ولا مانع عندهم أن يتخيل العقل، ويخلق لنفسه عالمه الغيبي الخاص به.
ولا مانع أيضا عندهم من رفض هذا العالم الغيبي وإنكاره. ولم يفرقوا في ذلك بين مطلب الشرع من العقل في عالم الشهادة، ومطلبه من العقل في عالم الغيب، والخلاف بين الموقفين يكمن في المنهج أولا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)

إن أصحاب المنهج الأول وظفوا العقل فيما خلق له في التعرف على عالم الشهادة، وعرفوا له قدره وحدوده في مجال التعرف على عالم الغيب، عرفوا أن العقل في عالم الشهادة مسلط لاكتشاف الكون وقوانينه، وهو في عالم الغيب متعلم يأخذ العلم من مصادره التي غاب عنها أو غابت عنه والتي جاء الخبر عنها، معصوما عن معصوم عن الله سبحانه. عرفوا أن العقل يملك البحث والتعرف على عالم الشهادة، لكنه يفقد جميع الأدوات التي يتعرف بها عالم الغيب إلا مصدرا واحدا هو الوحي الذي هو إخبار الله عن ذاته بذاته على لسان رسوله، هذا إذا كان للعقل أن يدعي الإيمان بما جاء به الرسول. أما إذا كان العقل رافضا الأخذ عن الرسول ابتداء فهذا له شأن آخر، وليس لنا معه هنا من حديث.
أما أصحاب المنهج الثاني فلم يفرقوا في ذلك بين عالم الشهادة وعالم الغيب في علاقة العقل بكل منهما، ونسوا في ذلك أن روافد المعرفة العقلية إلى عالم الشهادة يمتلك العقل أدواتها وهي الحواس الخمس. أما بالنسبة لعالم الغيب فلا يملك من أدوات التعرف عليه إلا الجهل المطبق، أو التخيل، أو التوهم، أو الظن، وكل هذه المستويات المعرفية لا تغني في مجال الإيمان شيئا.
والسؤال الآن: أي المنهجين أكثر احتراما للعقل، وأيهما أكثر عقلانية: أن نأخذ الحديث عن الغيب وعن الله مأخذ التصديق به كما

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)

جاء به الوحي، أم نتخيل له كيفيات عقلية لسنا مطالبين بها أولا، ولا سبيل لنا إلى العلم بها بالحواس ثانيا؟
إن القضية هنا تتعلق بتصديق الرسول في كل ما أخبر به عن عالم الغيب، أو عدم تصديقه.
فإذا كان المخاطب بذلك مؤمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبرسالته وأنه صادق في الحديث عن الله وبما أنزل الله، فلا شك أن كل ما أخبر به الرسول عن قضايا الغيب يكون عنده حق لا مرية فيه. ولا يجيز للعقل أن يتدخل في ذلك بالتخيل أو التوهم لكي يتأول النص الإلهي على ما تخيله بعقله أو توهمه بظنه.
أما إذا لم يكن له من الإيمان بنبوة الرسول نصيب، فيكون الحديث معه أولا في تثبيت النبوة وعن دلائل صدق النبي فيما أخبر به عن الله. فإذا ما ثبت عنده صدق النبي في كل ما أخبر به، يكون ذلك وحده مدخلا صحيحا لتسليم العقل بما أخبر به الرسول عن الغيبيات، خاصة إذا عرفنا أن قضايا الغيب لم يطلب الشرع منا أن نبحث فيها لا كما ولا كيفا، ولكن طلب منا الإيمان بها على ما أخبر به الرسول فقط. ولذلك فإن السلف قد دونوا معالم المنهج وأصوله، خاصة فيما يتصل بالغيبيات، وكانوا لا ينقلون من الأحاديث إلا ما صح عندهم عن الرسول، ولا من الآثار إلا ما له نسب إلى الرسول أو إلى أحد صحابته -رضوان الله عليهم- وإذا أرادوا شرح آية أو بيانا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)

لحديث يتعلق بالغيبيات شرحوا ذلك بالآثار المروية عن الرسول، وليس بما يمكن أن يفهمه العقل منها.
يقول الإمام أحمد: نؤمن بها ونصدق بها، ولا نرد منها شيئا إذا كانت بأسانيد صحاح1.
وقال في موضع آخر: أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر، وكل ما روي عن النبي بأسانيد جيدة نؤمن به ونقره2.
وقال ابن عيينة: هي حق نرويها على ما سمعناها ممن نثق به ونرضى به. وقال أبو عبيد: إن هذه الأحاديث يرويها الثقات بعضهم عن بعض3 وحين يروي السلف هذه الآثار النبوية ليؤكدوا بها قضية من القضايا الإيمانية لم يغلقوا الباب أمام العقل أن يعمل وينظر ويتدبر الأثر النبوي أو الآية القرآنية لكن بشرط ألا يقدم نظره على الآية أو الحديث ويجعل ذلك أصلا له يتأول عليه الآية القرآنية لتوافق أصوله من المعقولات؛ لأن في ذلك أمانا من الزلل والضلال خاصة أننا لم نكلف من الشرع في قضايا الغيب سوى الإيمان بما ورد عنه فقط.
يقول اللالكائي: فمن أخذ في هذه المحجة وداوم بهذه الحجج على مناهج الشريعة أمن في دينه التبعة في العاجلة، والمساءلة في--------------------------------------------
1 شرح أصول أهل السنة، اللالكائي 1/ 54.
2 نفسه.
3 نفسه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)

الآجلة. ومن ابتغى في غيرها مما يهواه أو يروم سواها مما تعداه أخطأ في اختيار بغيته وأغواه، وسلكه سبل الضلالة وأرداه، فيما يعترض على كتاب الله وسنة رسول الله بضرب الأمثال ودفعهما بأنواع المحال، والحيدة عنهما بالقيل والقال، مما لم يعرفه أهل التأويل واللسان، ولا خطر على قلب عاقل بما يقتضيه من برهان ولا انشرح له صدر موحد عن فكر أو عيان1.
إن الاعتصام بالنص الصحيح في قضايا الغيب كان منهجا أقوم في منطق العقل نفسه، ذلك أن العقل مطالب بالإيمان به وفي نفس الوقت ليس مؤهلا للبحث فيه كما هو شأنه في عالم الشهادة. ولم يطلب منه الشرع البحث فيه؛ لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ولا يكلفها إلا ما آتاها، وسبيله الوحيد إلى التعرف على الغيب هو خبر المعصوم عن الله، الذي قال لصحابته: "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" 2، وفي القرآن الكريم: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] ، وعن ابن مسعود: اتبعوا، ولا تبتدعوا.
وكان أهل الحديث هم أحرص الناس على ذلك؛ لاختصاصهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وطول ملازمتهم له، وحفظهم العلم النبوي عنه،--------------------------------------------
1 السنة، ص10.
2 حديث العرباض بن سارية مشهور، رواه ابن ماجه في المقدمة ص43، ورواه أحمد 4/ 126، والحاكم وابن أبي عاصم في السنة 48، 49.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)

وشدة تمسكهم بما سمعوه ونقلوه عنه إلى الناس من بعدهم، وذلك بدون واسطة بينهم وبينه، فحفظوا عنه ووعوا، واعتقدوا جميع ما سمعوا.
يقول الإمام اللالكائي في كتابه السنة عن هذا المنهج: فهذا دين أخذ أوله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشافهة لم يشبه لسان ولا شبهة، ثم نقله العدول عن العدول من غير تحامل ولا ميل، ثم الكافة عن الكافة والصافة عن الصافة والجماعة عن الجماعة. أخذ كف بكف، وتمسك خلف بسلف، الحروف يتلو بعضها بعضا، ويتسق أخراها على أولاها وصفا ونظما، فهؤلاء الذين تمهدت بنقلهم الشريعة، وانحفظت بهم أصول السنة، فوجبت لهم بذلك المنة على جميع الأمة. فهم حملة علمه، ونقلة دينه، وسفرته بينه وبين أمته، وأمناؤه في تبليغ الوحي عنه1.
ومن أهم ما عني به أصحاب هذا المنهج حرصهم على صفائه ونقائه، فلم يتأثروا فيه بمسلك الخصوم معهم، ولا بتشنيع المخالفين عليهم. فكانوا يكرهون مناظرة أهل البدع، ويتناهون عن نقل شبهاتهم أو عرضها على المسلمين مخافة الفتنة بها. يقول سفيان الثوري: من سمع بدعة فلا يحكها لجلسائه، ولا يلقها في قلوبهم2.--------------------------------------------
1 شرح السنة، اللالكائي: 23.
2 شرح السنة للبغوي 1/ 227 نقلا عن السنة للالكائي 560.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)

وقال الإمام ابن بطة: لست ترد عليهم بشيء أشد من السكوت عنهم1.
وكان الإمام أحمد بن حنبل يعلم تلامذته ذلك المنهج، فلقد كتب إليه تلامذته يستأذنونه في أن يضع كتابا يرد فيه على أهل البدع، وأن يحضر مع أهل الكلام فيناظرهم ويحتج عليهم. فكتب إليهم الإمام أحمد يقول: الذي كنا نسمع أدركنا عليه من أدركنا من أهل العلم، أنهم كانوا يكرهون الكلام والجلوس مع أهل الزيغ، وإنما الأمر في التسليم والانتهاء إلى ما كان في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في الجلوس مع أهل البدع والزيغ لترد عليهم؛ فإنهم يلبسون عليك وهم لا يرجعون، فالسلامة أن تترك مجالستهم والخوض معهم في بدعتهم2.
ولقد شغب أصحاب المنهج المخالف من المعتزلة وغيرهم على أهل الحديث في منهجهم وشنعوا عليهم، وكانوا ينتصرون عليهم بالسياسة أحيانا كما حدث في زمن محنة الإمام أحمد، ونالوا منهم كثيرا، فنسبوهم أحيانا إلى الحشو وأحيانا إلى الجهل ومحاربة العقل، ولا يخفى الأمر على ذي فطنة إذا انتصرت السياسة لمذهب أو رأي، فالويل للمخالفين ولو كانوا على الحق المبين.--------------------------------------------
1 الإبانة 2/ 365، 366 نقلا عن السنة ص56.
2 نفسه ص57.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)

ولقد صور كثير من علماء المذهب الموقف الفكري للمخالفين لهم، وأنه لا سند له من علم ديني ولا برهان عقلي، وأن المنهج الذي سلكوه في الغيبيات منهج أخرق، فساده أكثر من صلاحه. فقال: فهو راكض ليله ونهاره في الرد على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والطعن عليهما، أو مخاصما بالتأويلات البعيدة فيهما، أو مسلطا رأيه على ما لا يوافق مذهبه بالشبهات المخترعة الركيكة حتى يتفق الكتاب والسنة على مذهبه، وهيهات أن يتفق … فهذه حاله إذا نشط للمحاورة في الكتاب والسنة.
فأما إذا رجع إلى أصله وما بنى بدعته عليه اعترض عليها بالجحود والإنكار، وضرب بعضها ببعض من غير استبصار واستقبل أصلهما ببهت الجدل والنظر من غير افتكار … فما اغبرت أقدامهم في طلب سنة، أو عرفوا من شرائع الإسلام مسألة، فيعد رأي أصحابه حكمة وعلما وحججا وبراهين، ويعد كتاب الله وسنة رسوله حشوا وتقليدا، ويعد حملتها جهالا وبلهاء يرمون أهل الحق بالألقاب القبيحة … ومقالتهم هذه لا تظهر إلا بسلطان قاهر أو بشيطان معاند فاجر يصل الناس خفيا ببدعته، أو يقهر ذاك بسيفه وسطوته، أو يستميل قلبه بماله ليضله عن سبيل الله حمية لبدعته وذبا عن ضلالته … لقد زعموا أنهم أكبر من السابقين في المحصول وفي حقائق المعقول وأهدى إلى التحقيق، وأحسن نظرا منهم في التدقيق، وأن المتقدمين تفادوا من النظر لعجزهم، ورغبوا عن مكالمتهم لقلة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)

فهمهم.. لقد ابتدعوا من الأدلة ما هو خلاف الكتاب والسنة رغبة للغلبة وقهر المخالفين، ثم اتخذوها دينا واعتقادا بعد ما كانت دلائل الخصومات والمعارضات، وضللوا من لا يعتقد ذلك من المسلمين … ومن خالفهم وسموه بالجهل والغباوة1. هكذا يصور إمام السنة موقف المخالفين منهم وتشنيعهم عليهم.
ولقد تناهى السلف فيما بينهم عن منازلة خصومهم في محاورة أو مناظرة أو ما شابه ذلك؛ خوفا من استعمال الألفاظ المجملة التي يطلقونها في النفي والإثبات، والتي يلبسون بها الحق بالباطل؛ ليخدعوا بها جهال الناس.
ولقد أشار الإمام أحمد إلى ذلك الخطأ المنهجي عندهم في أول كتابه "الرد على الجهمية" فقال: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى … إلى أن قال: ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، يخدعون جهال الناس بما يشبهون، فنعوذ بالله من فتن--------------------------------------------
1 من كتاب السنة بتصرف، ص18 المقدمة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)

المضلين1. وعند تأمل هذين النصين نجد أن كلا منهما قد أشار إلى الأخطاء المنهجية التي يسلكها الخصم في موقفه من السلف، وأن القضية عندهم ليست انتصارا للعقل وأحكامه بقدر ما هي رفض لمنهج القرآن والاعتصام به.
ومن أبرز هذه الأخطاء المنهجية عندهم:
1- استعمال الألفاظ المجملة التي قد يلتبس فيها الحق بالباطل. فإن في نفيها نفيا لبعض الحق، وفي إثباتها إثباتا لبعض الباطل.
2- يتركون المحكم ويتكلمون بالمتشابه من الكلام؛ ليخدعوا جهال الناس بأنهم أصحاب النظر العقلي بما يشبهون عليهم من الكلام.
3- لجوءهم إلى التأويل لم يكن طلبا للحق في ذاته، وإنما كان انتصارا للمذهب وإبطالا لرأي الخصم.
4- التنفير من رأي المخالف باستعمال الألقاب المذمومة والتشنيع عليهم بالأكاذيب، كالحشوية والعجز والجهل ومحاربة العقل ورفض أحكامه.
5- الاستعانة على المخالف بالسلطان وسيفه، بدلا من الرجوع إلى الحق وأهله.--------------------------------------------
1 درة تعارض العقل والنقل: 152.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)

وهذه الأخطاء السابقة التي أشرنا إليها ليست من باب الرد على الباطل بباطل مثله، وإنما هي تبيان لما في الموقف الآخر من أخطاء في المنهج الذي ينسبه أصحابه إلى العقل، وينسبون إلى منهج غيرهم محاربة العقل.
ويتبين من هذه الأخطاء التي أشرنا إليها مدى الخلاف بين المنهجين في قضايا الغيب: منهج التعامل مع عالم الشهادة ودور العقل في ذلك المنهج، وكيفية التعامل مع عالم الغيب ودور العقل في ذلك. موقف العقل الذي اعتصم بالنص من منطق العقل نفسه، ورأى أنه أكثر أمانا وإيمانا فيما لا سبيل للعقل إليه بذاته، وموقف العقل المخالف الذي رأى أن التخيل العقلي، أو التوهم أو الظنون التي يصلون إليها بالتأويلات العقلية كافية في تحقيق معنى الإيمان بالغيب. وسوف تتضح القضية أكثر في حديثنا عن علاقة العقل بالوحي والشرع.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)

‌‌بين العقل والوحي:
لعل ما سبق يقودنا إلى الحديث عن علاقة الوحي بالعقل باعتبار أن كلا منهما وسيلة أو أداة من أدوات المعرفة، لكل منهما مجاله وميدانه الذي نجح في الكشف عنه والتعرف عليه، وعلينا أن ندرك أنهما معا وسيلتان للمعرفة، وكما أن العقل مسلط على عالم الشهادة فكذلك الوحي خاص بالتعرف على عالم الغيب، وليس من هدفنا الدخول في تفصيلات هذه العلاقة، فقد كفانا القدماء الحديث عنها ولكن نود أن ننبه هنا إلى أهم معالم المنهج في هذه القضية. إذ يرتبط المنهج هنا بفهم طبيعة علاقة العقل بعالم الشهادة من جانب وعلاقة العقل بعالم الغيب من جانب آخر، وإذا عرفنا أبعاد علاقة العقل بعالم الغيب والفارق الكبير بينها وبين علاقته بعالم الشهادة، فإنه يكون من اليسير فهم علاقة العقل بالوحي.
1- مما ينبغي أن نؤمن به إيمانا جازما أن الله أنزل كتابه ليفهم ويتدبر، كما قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29] ، وقال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24] . ولهذا فإن إقبال السلف على حفظ القرآن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)

وفهمه وحسن تدبره كان مجالا للتنافس فيما بينهم، وحكي عن السلمي قوله: كنا نقرأ العشر الآيات من القرآن ولا نتجاوزها حتى نعلم ما فيها من علم وعمل. وكان بين أصحاب الرسول من هو حبر الأمة وترجمان القرآن، وكان أقرأهم زيد، وأعلمهم بالفرائض. وإذا اختلفوا في شيء ردوه إلى فلان.
كل هذا دليل على عناية جيل الصحابة -ومن بعدهم جيل التابعين- بالقرآن حفظا وفهما وتدبرا، فكلهم لم يقصروا في فهم ما حفظ من القرآن ولم يمتنع عن إعمال عقله في فهم القرآن، بدليل أننا لم نقرأ آية من كتاب الله إلا وجدنا عنها نقولا للصحابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
2- لم نقرأ عن الصحابة والتابعين الذين نقلوا إلينا أقوال الرسول وأفعاله أنهم توقفوا أمام آية أو حديث، وقالوا: إن العقل يعارضها أو يرفضها، أو ينبغي تأويلها بصرفها عن ظاهرها، وإنما عملوا بالمحكم وآمنوا بالمتشابه، وقالوا: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} خاصة فيما يتصل بقضايا الغيب من هذه الآيات، وفي مقدمتها آيات الصفات الإلهية التي هي محك الخلاف بين السلف ومخالفيهم، وكذلك آيات البعث والحساب. كذلك لم يتساءلوا عن كيفية أي صفة من الصفات المذكورة في الآية المعينة أو الحديث المعين، وإنما تلقوها بالقبول كما سمعوها عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)

3- من الأصول المرعية هنا أن النص إذا صح سندا ومتنا وفهما لا يتعارض أبدا مع الدلائل العقلية الصريحة عن الشبهات، والخالية من الشكوك.
ذلك أن العقل والنقل وسيلتان لتحقيق غاية واحدة هي الوصول إلى الحق، والتعرف عليه في الأقوال والأفعال والاعتقادات، والوسائل التي تؤدي إلى غاية واحدة لا يعارض بعضها بعضا وإنما يؤيد ويعاضد بعضها بعضا؛ فكلاهما حق والحق لا يعارض الحق أبدا.
أما الذين يقولون بإمكان التعارض بينهما فتجد أحدهم يدعي أن ما معه من النقل صحيح، وقد يكون الأمر خلاف ذلك، وقد يكون النقل صحيحا ولكن ما فهمه منه ليس فهما صحيحا. وكذلك تجد الآخر يدعي أن معه من الدلائل العقلية المعارضة للسمع ما يرد به نصا صحيحا وعند التأمل تجد أن ما معه ليس له من النظر العقلي الصحيح نصيب، وإنما هو شبهات فاسدة أو شكوك طارئة، سرعان ما تزول بالبرهان القطعي الصريح، أما أن يكون النقل صحيحا والدليل العقلي صريحا فهذان لا يمكن أن يتعارضا أبدا.
4- يتفرع عن الأصل السابق أن الدليل النقلي الصحيح قطعي الدلالة، والدليل العقلي الصريح هو أيضا قطعي الدلالة. والدلائل القطعية

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)

لا تتعارض، وإنما يتعارض منها ما هو ظني الدلالة أو ظني الثبوت، وإذا قال البعض: إن معه دليلين -عقليا ونقليا- وظنهما متعارضين ينظر فيهما، أيهما كان قطعيا قدم وأخذ به، ويتأخر الظني ويرفض، ليس لكونه عقليا ولا شرعيا ولكن لكونه ظنيا في دلالته، والظني لا يعارض القطعي، وينبغي أن ننبه هنا إلى أن كثيرا مما يسميه الناس دلائل عقلية أو سمعية يعارض بعضها بعضا ليس كثير منها يرقى إلى مستوى البرهان، وهذا متفق عليه؛ لأنه قد لا يكون دليلا في نفس الأمر وإنما هو بحسب من يظنه كذلك.
5- إن دلالة ما جاء به الشرع في باب الإيمان بالله تعالى وأسمائه وصفاته واليوم الآخر والبعث والحساب والجنة والنار … إلخ، وهي مسائل الخلاف الجوهرية بين المؤمنين بالوحي ومعارضيهم قديما لم يتنازعوا في دلالته على ما دل عليه من ذلك، والمتنازعون في ذلك لم يتنازعوا في أن السمع دل على ذلك أيضا، وإنما تنازعوا هل عارضه من الدلائل العقلية ما يدفع موجبه أم لا؟
وإذا ظهر معارض له، فأي الدلالتين تكون قطعية والأخرى تكون ظنية؟

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)

وهذا هو مثار الخلاف في أمثال هذه المسائل. وقد عالج هذه القضية أئمة كبار مثل ابن رشد في كتابه فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال كما وضع الإمام ابن تيمية كتابه العظيم: "درء تعارض العقل والنقل" لحسم هذه المشكلة بالأصول العقلية، والنقلية معا.
ولا يستطيع أحد أن يطعن في جنس الأدلة العقلية، ولا فيما علم العقل صحته، وإنما تتجسد المشكلة فيما يدعيه البعض عقليات -ويردون من أجلها ما صح من نصوص الوحي القطعية- وهي في حقيقتها ليست دليلا في نفس الأمر، وكل ما عارضوا به الشرع من هذه الأدلة قد تبين فساده في العقل، فضلا عن معارضة الشرع له.
7- والدليل لا يمدح ولا يذم لكونه عقليا أو سمعيا، وإنما يمدح الدليل لكونه قطعيا في الدلالة على مطلوبه، والدليل الشرعي لا يقابل بالدليل العقلي وإنما يقابل بالدليل البدعي المحرم؛ لأن الدليل العقلي الصحيح هو في الأصل دليل شرعي دل عليه الشرع نصا أو تنبيها، وأشار إليه وأمر به الشرع، وأوجب الأخذ به.
مفهوم الدليل الشرعي:
وكون الدليل شرعيا يراد به ما أثبته الشرع، ودل عليه بنصوصه الصحيحة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)

ويراد به ما أباحه الشرع وأذن فيه. وهذا شامل للأدلة التي نبه إليها القرآن بالأمثال المضروبة في أبواب التوحيد والعدل وإثبات الصفات، فتلك أدلة شرعية وعقلية يعلم المرء صحتها بعقله، فهي براهين وأقيسة عقلية، وهي مع ذلك شرعية نبّه إليها الكتاب العزيز وأمر بها.
وإذا كان الدليل الشرعي لا يعلم إلا بخبر المعصوم كما في إخبار الوحي عن الله وصفاته والبعث والحساب، كان ذلك الدليل شرعيا سمعيا؛ لأنه لا يعلم بطريق العقل وحده بل علم بطريق النص، ويتميز بأنه شرعي وعقلي معا؛ لأنه لا يوجد في العقل الصريح ما يعارضه، والشرع لم يحرم الدليل إلا لأمور خارجة عن مطلب الحق وقصده الذي هو غاية الاستدلال، وهدفه.
1- فقد يحرم الشرع الدليل لكونه كذبا في نفسه، كأن تكون إحدى المقدمات باطلة، فإنه يكون كذبا، والله يحرم الكذب لا سيما عليه. قال تعالى: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ} [الأعراف: 169] .
2- وقد يحرم الدليل لأن صاحبه يتكلم فيه بدون علم به، كما قال تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] ، {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)

3- وقد يحرم الدليل لكونه جدالا بالباطل، أو جدالا في الحق بعدما تبين كقوله تعالى: {وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [الكهف: 56] ، وقوله سبحانه: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ} [الأنفال: 6] .
ويتضح من هذا أن كل دليل كان قطعي الدلالة على مطلوبه هو في حقيقة أمره دليل شرعي نبه إليه الكتاب العزيز، عرف ذلك من عرفه، وجهله من جهله، ولم يحظر الشرع جنس الأدلة العقلية أبدًا ولا قال أحد من السلف بذلك. والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالبرهان، وأمر بتعلمه حيث يجب ذلك، ودل على مجامع البراهين التي يرجع إليها غاية نظر النظار، وأهل العلم بالآثار النبوية يعلمون من ذلك ما يجهله غيرهم، شأنهم في ذلك شأن أهل كل اختصاص كأهل الطب والهندسة في تخصصاتهم المختلفة، فإنهم يعلمون منها ما يجهله غيرهم.
8- وينبغي أن نعلم أن العقل ليس أصلا في إثبات الشيء في نفسه، فلا يعطيه وجودًا ولا ينفي عنه عدما، كما يدعي ذلك بعض المتكلمين والفلاسفة، وإنما هو أصل في علمنا بالشرع، ذلك أن الأشياء ثابتة في نفسها سواء علمناها بعقولنا أو لم نعلمها، والشرع من هذا الباب مستقل بوجوده عن إدراك العقل له شأن كل الموجودات، فنبوة النبي ورسالته إلى الخلق ثابتة في نفسها

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)

سواء أدركتها عقول البعض أو لم تدركها، وعدم علم البعض بذلك، أو عدم ثبوت ذلك عند البعض، أو رفض البعض لما جاء به الرسول، كل ذلك لا يلغي أن النبوة ثابتة في نفسها، ولا يلغي أن ما جاء به الرسول حق في نفسه.
فالعقل لم يعط الشرع صفة مدح لم تكن ثابتة له، ولم ينف عنه صفة ذم كانت ثابتة له كذلك، ولم يضف إليه من صفات المدح ما ليس فيه، ولم ينف عنه من الصفات ما ليس كذلك. وإنما علم العقل بالشرع على ما هو عليه، على ما نزل به الوحي، وعلى ما أخبر به الرسول، علم العقل من ذلك ما علم وجهل منه ما جهل.
والدعاوى العريضة التي يقول بها المخالفون من أن العقل أصل في إثبات الشرع، أو أن العقل أساس الشرع أو غير ذلك من الأقوال فكلها تحتاج إلى تمحيص؛ لأن علاقة العقل بها هو موجود ليست علاقة إثبات للوجود أو منع له ونفي عنه، وإنما هي علاقة علم بالموجود على ما هو عليه في الوجود الخارجي، فالعقل لا يمنح وجودا للمعدوم، ولا يمنع عدما عن الموجود، حتى يقال: إن العقل أصل في إثبات الشرع، أو إن العقل أساس الشرع، ذلك أن العقل يعلم وجود الأشياء الموجودة بالفعل على ما هي عليه في الوجود، ولا يعلم وجود المعدوم إلا على سبيل التخيل، فكيف يقال: العقل أصل أو أساس للشرع؟

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)

وهنا أمور تحتاج إلى مزيد من الإيضاح:
أولا: إذا كان العقل أصلا في علمنا بالشرع، فإن قضايا الغيب كالإيمان بالله والنبوة واليوم الآخر والصفات الإلهية، هي من الثوابت التي لا مدخل للعقل فيها إلا العلم بها فقط، على ما أخبر به الرسول عنها. أما ما يتصل بحياة الناس اليومية من الشرعيات في مسائل السياسة والاجتماع وما يتفرع عنهما، فهي محل اجتهاد العقول لتستنبط من الأحكام الشرعية ما يسدّ حاجات الناس اليومية المتجددة، وهذه التفرقة بين الثوابت والمتغيرات في علاقة العقل بالشرع أمر على جانب كبير من الأهمية؛ حتى لا تختلط الأوراق عند البعض، فيظن أن ما هو ثابت قابل للاجتهاد العقلي، أو أن ما هو من قبيل المتغيرات يثبت عند حدود وعصر معين، أو اجتهاد فقيه معين.
ثانيا: إذا كان العقل أصلا في علمنا بالشرع، وظهر في الشرعيات ما يعز على العقل فهمه، فلا ينبغي للعقل أن يتهم الشرع أو يرده، ولا ينبغي للعقلاء أن يقولوا: نحن نأخذ بدليل العقل ونرد دليل الشرع، بدعوى أننا لو رفضنا الأخذ بدليل العقل لكان ذلك قدحا في الشرع؛ لأننا عرفنا الشرع بالعقل ولو رددنا أحكام العقل الذي به عرفنا الشرع لكان ذلك رفضا للشرع أيضا. أو غير ذلك من المقولات التي نجدها في بعض

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)