الكتابات قديما وحديثا؛ لأن هذه الأقوال فيها من التمويه والمغالطات الشيء الكثير، ذلك أن علاقة العقل بالشرع هي علاقة تعلم وتلقٍّ خاصة ما يتعلق منه بالغيبيات، ومن المعلوم أن العقل دلنا على صدق الرسول في كل ما أخبر به، وأصبحت طاعة الرسول واجبة في ذلك.
وكثيرا ما نجد في كتابات السلف ضرب الأمثلة التي يوضحون بها نوع العلاقة بين العقل والوحي ليقربوا بها المسألة إلى الأفهام، فهي تشبه إلى حد كبير موقف الرجل العامي الذي يعلم أن فلانا من الناس هو المفتي وجاء إليه من يسأله عن هذا المفتي فدله عليه، وبين له أنه العالم المفتي الذي يستفتيه الناس عند الحاجة، ثم اختلف هذا الرجل العامي مع العالم المفتي وقال لسائله: يجب أن تسمع قولي ولا تسمع قول المفتي، وحينئذ يجب على السائل المستفتي أن يقدم قول المفتي لا قول الرجل العامي.
فإذا قال له الرجل العامي: أنا الأصل في علمك بأنه مفت، فإذا قدمت قوله على قولي عند الاختلاف كان ذلك قدحا في الأصل الذي علمت به أنه مفت.
قال له السائل: أنت شهدت بأنه عالم مفت، وزكيته ودللت عليه فشهدت بوجوب إتيانه، والأخذ عنه دون تقليدك، وموافقتي لك في العلم بأنه مفت لا يستلزم بالضرورة أنني أوافقك في العلم بأعيان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
المسائل التي هي محل الخلاف بينكما، وخطؤك في أعيان المسائل التي خالفت فيها المفتي، لا يلزم عنه خطؤك في أنك دللت عليه وشهدت له وزكيته وفي علمك بأنه مفت، هذا مع الفارق الكبير، فإن المفتي قد يجوز عليه الخطأ أما الرسول فإنه معصوم؛ ولذلك وجب تقليده على كل من آمن به سواء وافقه عقله، أو خالفه.
وكذلك الأمر بالنسبة لمن شهد له الناس بالطب ومهارته فيه، ثم جاء المريض وسأل العامي عن عنوان الطبيب الماهر فدل المريض على عنوان الطبيب الحاذق فذهب إليه المريض، ووصف له الطبيب العلاج المناسب لعلاج ما يشكو منه، ولما خرج المريض سأله الرجل العامي قائلا: ماذا وصف لك الطبيب، فأخبره المريض بنوع العلاج.
فقال له العامي: إن هذا العلاج غير صحيح، وينبغي أن تتركه ولا تأخذ به.
فقال له المريض: أنت لا تعرف شيئا في مهنة الطب، أما الطبيب فهو أهل اختصاص.
فقال العامي: لا بل يجب أن تسمع قولي لأني قد دللتك على الطبيب، وأنا الذي زكيته لك، فيجب أن تأخذ بقولي في محل الخلاف؛ لأن عدم الأخذ بقولي يقدح في الأصل الذي عرفت به الطبيب، وهنا يقال للعامي: علمك بأنه طبيب ماهر لا يعني أبدا علمك بمهنة الطب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
وكذلك العقل لما دلنا على أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم صحيحة وأنه صادق فيما أخبر به عن ربه، كان ذلك صحيحا منه لوضوح دلائل النبوة لكل ذي عقل، ومعرفة العقل بأن محمدًا نبي بدلائله الواضحة لا يعني أبدا أن العقل متخصص في علم النبوة، وأنه يعلم ما علمه النبي، لا … بل هنا يقال للعقل: "ليس هذا بعشك فادرجي" فنحن في حياتنا العادية نعلم أن غيرنا أعلم منا بصناعات كيماوية أو معدنية مختلفة، فإذا سألنا سائل عن صانع حاذق بالمعادن وأنواعها، فدللناه عليه، فهل يعني هذا أننا أكثر علما بهذه الصنعة من الصانع نفسه؟ وهل إذا اختلف معنا السائل في سر من أسرار هذه الصناعة نقول له: إن قولنا مقدم على قول الصانع الماهر فيها؟
إن في ذلك من التمويه والمغالطة ما لا يخفى على العقلاء، وهذا هو شأن من يقدم بين يدي الله ورسوله في مسائل الغيب.
9- ومن المعلوم أن أفضلية الرسول ومباينته لذوي العقول ليس لها نظير فتقاس به في باب النبوة، فإن من الناس من يمكنه أن يصير عالما بالطب والصناعات المختلفة، ولكن لا يمكن لأحد أن يصير نبيا بعقله، ولا يمكن لمن لم يجعله الله نبيا رسولا أن يصير بمنزلة النبي الرسول؛ فإن النبوة لا تنال بالاجتهاد. فإذا علم المؤمن ذلك وعلم بالعقل أن محمدًا رسول الله وأنه أخبر بشيء ووجد في عقله ما ينازعه في خبره ويعارضه في قبوله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
كان عقله يوجب عليه أن يسلم في موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه، وإلى من هو متخصص في الأخذ عمن بيده مفاتح الغيب، وأن لا يقدم رأيه على قول الله ورسوله، وإن كان على يقين بأن الله ورسوله أعلم بما أنزل منه، وإن كان في شك من ذلك، فليس له معنا حينئذ حديث؛ لأن كل من تعود معارضة الشرع برأيه لا يستقر في قلبه الإيمان وهو أشبه بمن يعلق إيمانه بالرسول على شرط عدم المعارض العقلي لأقوال الرسول وأخباره، فإيمانه مشروط بعدم المعارضة، ومن المعلوم أن ذلك الموقف هو مدخل الإلحاد، وقد سبق أن بينا أن في أخبار الأنبياء عن الغيب ما لا ينال بالعقل، ولا يدرك بالحس، ويمتنع أن يصل أحد إلى هذه الأخبار الإيمانية إلا بواسطة الوحي والأنبياء عنها فقط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
الوحي والعلم: تحديد المفهوم
سبق أن تحدثنا عن علاقة العقل بالوحي وحددنا مفهوم العقل والمراد منه، ويتردد الآن الحديث عن علاقة الوحي بالعلم، وأن العلم يعارض الوحي، فما المراد بالعلم هنا؟
لقد عرف العلماء والمفكرون العلم بتعريفات كثيرة، وكلها تدور حول انكشاف المعلوم انكشافا تاما، واليقين به بحيث لا يرقى إليك شك، أو هو العلم بالموجود على ما هو عليه في الوجود، والعلم علاقة بين الذات العالمة وموضوع العلم، وهو صفة للذات العالمة، فهل المراد من قولنا: علاقة الوحي بالعلم هو هذا المعنى؟
وقد يطلق لفظ العلم على ألسنة المعاصرين ويراد به الحقائق العلمية والاكتشافات العلمية الحديثة، فيكون المعنى المراد هو عطاء العلماء وحقائق العلم التي توصل إليها العلماء خلال بحوثهم واكتشافاتهم، مثل: اكتشافهم كروية الأرض، وأن الشمس هي مركز الكون، قانون الجاذبية، قانون الطفو، قانون الطاقة … إلخ وغير ذلك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
مما يطلق عليه مصطلح "العلم الحديث" الذي توصل إليه العلماء في مجالات الطب والفلك والكيمياء والفيزياء وغيرها، فأي المعنيين هو المقصود حين نقرأ عبارة الدين والعلم، أو الوحي والعلم؟
لعل في قراءتنا لقصة الصراع بين الكنيسة والعلم في العصور الوسطى بأوروبا ما يوضح لنا أن المقصود بالعلم هنا هو المعنى الثاني، هو حقائق العلم واكتشافاته، أما المعنى الأول لهذه الكلمة "العلم" فليس واردا هنا سواء أردنا به صفة العالم أو أردنا به انكشاف المعلوم واليقين الجازم به، وسوف يزداد الأمر وضوحا فيما يلي:
متى نشأت المشكلة تاريخيا؟
إن الحديث عن علاقة الدين بالعلم لم يأخذ مكانه في البحث الفلسفي إلا في عصر النهضة بأوروبا، كما أن العلاقة بينهما لم تكن محل تساؤل أو جدال قبل ذلك، وإنما شغل المفكرون أنفسهم ببحث العلاقة بين الدين والعقل باعتبارهما وسيلتين للمعرفة وأي هاتين الوسيلتين ينبغي أن تكون له الأولوية عند التعارض. وقد سبق الحديث عن هذه القضية، كما درسها القدماء، وأفاض فيها المفكرون أمثال ابن رشد والغزالي وابن تيمية وغيرهم.
ولقد نشأ الصراع بين الكنيسة والعلماء في العصور الوسطى، حيث فرضت الكنيسة على أتباعها الإيمان بمعتقدات خرافية ادعوا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
أنها وحي ودين، وأن الخروج عليها كفر وإلحاد يكون جزاؤه الطرد من رحمة الكنيسة والقتل والإحراق والطرد من البلاد، وكانت تستعين الكنيسة في تنفيذ أوامرها بالإمبراطور وسلطانه؛ لأن تعيين الإمبراطور وعزله خاضع لسطان رجال الكنيسة وأوامرهم.
وكان مما فرضته الكنيسة على أتباعها أن يؤمنوا بأن الأرض ليست كروية وأنها مركز الكون، والغريب أنهم جعلوا هذه الآراء عقيدة ودينا لأتباعهم، ولما جرب العلماء هذه الآراء وأخضعوها للبحث العلمي وجدوها خرافة لا أساس لها من الصحة، وجهلا لا حظ لها من العلم. فأعلن العلماء رفضهم لها وللكنيسة معا، وحين رفضها العلماء لم يرفضوها على أنها آراء شخصية قال بها رجال الكنيسة وإنما رفضوها على أنها الدين الذي بشرت به الكنيسة، رفضوها على أنها الوحي الذي ادعت الكنيسة أنه ينزل عليهم، وأعلن العلماء حربهم على الكنيسة وعلى الدين الذي بشرت، فما كان من الكنيسة إلا أن استعانت بالسلطة وقررت حرمان هؤلاء العلماء من رحمة الكنيسة، وكان جزاء العلماء هو الإحراق أو القتل والطرد من البلاد باسم الدين، ولا يخفى على قارئ التاريخ ما جرى لكوبرنيق وجاليليو ونيوتن وتلامذتهم من تعذيب واضطهاد على يد الكنيسة.
ورغم ما أصاب العلماء على يد الكنيسة من تعذيب واضطهاد إلا أنهم استطاعوا أن يثبتوا للأجيال التالية أن ما تدعيه الكنيسة دينا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
وعقيدة ليس إلا خرافة ومظهرا من مظاهر الجهل، وبدأت من هذا التاريخ قصة الصراع الطويل بين الكنيسة والعلم، وبدأت ثقة العلماء في الكنيسة ورجالها تختفي رويدا رويدا، وأصبح رجل الدين في نظر العلماء رمزا للجهل، وأصبحت آراؤه الدينية مظهرا من مظاهر الخرافة والتخلف، واختفت من هذه المعركة كلمة الكنيسة ليحل محلها لفظ الدين والوحي، كما اختفى لفظ رجل الكنيسة ليحل محله رجل الدين، وأخذت هذه الازدواجية الدين والعلم تأخذ العلاقة بينهما شكل التناقض، فهما لا يلتقيان أبدا، إما العلم وإما الدين، الدين عندهم رمز التخلف والجهل والخرافة، والعلم رمز التنوير والتقدم وعنوان النهضة المنشودة.
وأخذت هذه العلاقة التناقضية في الظهور والشيوع إلى أن عمت أنحاء أوروبا كلها، وترتب على ذلك أن أفرزت هذه المعركة مجموعة من المصطلحات التي حملت في طياتها معنى الرفض لكل ما هو ديني، مثل: الحداثة، التنوير، العلمانية، وأخذت الفجوة تتسع شيئا فشيئا إلى أن سيطرت النزعة العلمية على الحياة في أوروبا وبدأت الكنيسة يتراجع سلطانها ويتحدد نشاطها داخل جدرانها فقط، وأخذت النزعة العلمانية تمد سلطانها لتحل محل الكنيسة في إدارة شئون المجتمع ونظام الحكم، وتبدلت النظرة إلى الكون وعلاقة الإنسان به، كما أخذت قضية اللاهوت وما يتبعه من قضايا إيمانية تتلاشى ويتلاشى أثرها من مظاهر الحياة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
وأخذت العلمانية تنشر على المجتمع مبادئها لتحل محل تعاليم الكنيسة، وأخذت مظاهر التقديس التي كانت تحظى بها التعاليم الكنسية تختفي أو تتلاشى من قلوب أتباعها، وأخذ العقل يحتل مكان الوحي، وتحولت نظرة العلماء وتقديسهم للمطلق "الله" إلى الكون والإنسان فكانت الطبيعة هي قبلتهم والإنسان محل تقديسهم، والاهتمام بما هو دنيوي حل محل الاهتمام بكل ما هو أخروي، كذلك كانت علاقة الإنسان بالطبيعة قائمة على أساس قطع الصلة بينها وبين ما هو غيبي "الله" ومصدر قوة الإنسان عندهم ليست مستمدة من قوى غيبية بل من قوة سيطرته على الطبيعة وقامت النزعة العلمانية على هذا الأساس؛ بتر الصلة بين كل ما هو دنيوي وما هو أخروي، وصار الواقع الفعلي الذي يعيشه المرء أولى بالاهتمام من كل ما هو غائب عن هذا العالم. وخلال هذا التحول الخطر من الإيمان باللاهوت إلى تقديس الطبيعة تبدلت مفاهيم كثيرة وظهرت قيم جديدة، احتلت مكان الصدارة في حياة الإنسان الأولى.
فتحولت النظرة إلى الكون من النظرة اللاهوتية المطلقة لتجعل الإنسان والكون محور الوجود كله ومركزه، وليست هذه النظرة مستمدة من الوحي وإنما أساسها العقل الرافض لكل ما هو لاهوتي، وليس الكون والإنسان علامات يستدل بها على موجود خالق لها "الله" بل هما مستقلان تماما في وجودهما عن أي موجود حقيقي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
سواهما. بل هما الحقيقة الحقة الجديرة بهذا الاسم في هذا الوجود؛ لأنهما واقع لا مجال للشك فيه أما ما يدعيه علماء اللاهوت في ربطهما بوجود غيبي "الله" فإن ذلك أسطورة وخيال زائف لا يمكن التحقق من وجوده، والحقيقة المطلقة التي يمكن التحقق من ثبوتها ووجودها هي هذا الكون والإنسان، وما وراءهما فمحض خيال وأسطورة.
وسادت نزعة نقدية لكل ما هو مقدس في أوروبا تبنتها ظاهرة الحداثة والعلمانية التي تنفي كل ما هو ديني ليحل مكانه الواقع، وحاول النقد العلماني للدين أن يجهز على تعاليم الكنيسة لتفسح مكانها للعقل والعلم، وليحل النور العلمي والتنوير العقلي محل هذا الكلام الذي سيطر على عقول أوروبا في العصور الوسطى.
وعلى سبيل الإجمال، تولدت نزعة نقدية ذات طابع علمي قوامها تحويل اهتمام الإنسان من اللاهوت إلى الواقع، وبدلا من أن يكون اللاهوت منظما لحركة المجتمع تحت سطوة الكنيسة ينبغي أن يحتل مكانه التنظيم العقلاني الذي يتم في ضوئه فصل المجتمع عن الدين سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، وأن تتخلى الكنيسة ورجالها عن دورهم ليحتل مكانهم العلماء ويحتل العلم مكانة الدين.
ولقد تم ذلك فعلا وتحول رجال الكنيسة إلى مجرد موظفين يتقاضون رواتبهم من الدولة، ويتم تعيينهم في الوظائف وعزلهم منها بأمر الإمبراطور، شأنهم في ذلك شأن أي موظف في الدولة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
ولم تنته هذه المعركة بين العلماء والكنيسة إلا بعد أن سيطرت ظاهرة الحداثة والعلمانية وتبلورت معالمها في أمور محددة أصبحت شعارا لعصر النهضة في أوروبا، ومن أهم هذه المعالم:
1- العلمية، ويقصدون بذلك أن يكون الواقع موضوعا للعلم والعقل مقياسا للحقيقة، والواقع هنا هو الكون، هو الطبيعة فقط وكل أمور ليس لها رصيد في الطبيعة ولا يعبر عنها في الواقع الحسي بألفاظها مقابل موضوعي فهي خرافة وأسطورة، وبالتالي فإن أي حديث عن أمر غيبي ليس مقبولا.
2- قانون العلية، أن تقوم هذه النزعة العلمية على مبدأ العلية أو قانون السببية، وأن ارتباط كل ظاهرة بعلتها وسببها يكفي في الإجابة عن السؤال كيف حدثت الظاهرة، وهذا هو هدف العلم وغايته. أما الإجابة عن السؤال: لماذا حدثت الظاهرة فإن ذلك ليس داخلا في مهمة العلم، ولا يعنينا البحث عنه أو الانشغال به.
3- أن يتم ذلك كله خلال التجربة والمنهج التجريبي، وكل ما لم يخضع للتجربة يكون الحديث عنه خرافة وأسطورة.
4- أن تؤسس المعرفة العقلية على النقد، واستبعاد كل ما هو أسطوري "ديني" لا تسنده التجربة ولا يستمد صدقه من الواقع الموضوعي. ويكون الموقف هو جوهر العقلانية الحديثة كما يكون جوهر العلمانية والحداثة هو رفض الدين واللاهوت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
ولقد حرص أصحاب هذا الاتجاه أن يبرزوا ما تتميز به نظرتهم العملية في مواجهة الكنيسة والنظرة اللاهوتية؛ ليجعلوا رجل الدين رمزا للجهل والخرافة، فقالوا:
1- إن التفسيرات اللاهوتية التي يدعونا إليها رجل الدين ليست بذي موضوع، لا سند لها من الواقع، لا تخضع للتجربة، مستمدة من النظرة الغيبية. أما الموقف العلمي فإنه يكشف زيف هذه التفسيرات، ويوضح ما وراءها من جهل وأسطورة. إنه موقف يعمل على إزالة الأسطورة لتحل محلها الحقائق العلمية، يعمل على إزالة الظلام ليحل محله التنوير، إنه موقف يبدأ من الواقع ويعيد كل شيء إلى الواقع ولا علاقة له بما وراء الواقع المادي.
2- إن التفسيرات اللاهوتية تستمدّ قداستها من المطلق "الله" ليتحكم به في الواقع عن طريق العلاقة الأسطورية بين الواقع والمطلق، أما النزعة النقدية فإنها تستمدّ قداستها من الواقع الذي هو مستقل في وجوده عن المطلق ولا علاقة بينهما، فالكون هو الحقيقة فقط ولا شيء وراءه يستحق أن يسمى بالحقيقة المطلقة. أما السلوك الإنساني والظواهر الاجتماعية، فهي ترجع في تفسيرها إلى عوامل نفسية ومؤثرات اجتماعية وبيولوجية وكل شيء يخضع في تفسيره للمادة والعلاقات المتبادلة بين ظواهرها، فالدين والأخلاق ليسا إلا إفرازا لحالات نفسية وبيولوجية، وآثارا لظروف اجتماعية وثقافية يعيشها الأفراد في مجتمعاتهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
3- في هذه النزعة العلمية ينبغي أن تتحول القداسة من المطلق "الله" إلى الطبيعة وإلى الإنسان، فيحتل الإنسان مكانة المطلق "الله" وهو في علاقة تلازمية مع الطبيعة ليجعل منها موضوعا للمعرفة، فالطبيعة وحدها هي موضوع المعرفة ولا شيء وراءها قابل لأن يعرف أو يكون موضوعا للمعرفة التجريبية، وبالتالي فإن أي حديث عما وراء الطبيعة فهو حديث خرافة.
4- يترتب على ما سبق أن تكون "العقلانية النقدية" قائمة على نفي الدين والارتباط بالواقع، فالشعائر والطقوس الدينية عندهم خداع، والأخلاق والقيم أوهام اجتماعية، وينبغي أن يحتل العمل مكانة الشعائر والطقوس الدينية، وأن يتم تغيير الواقع من خلال الثورة على العقائد اللاهوتية؛ ليحتل الواقع مكانة اللاهوت حتى يتخلص المجتمع من زيف الأساطير.
هذا كله قد حدث في الغرب خلال القرون الثلاثة الأخيرة، ولا شك أن ما حدث هناك كانت له مبرراته وأسبابه.
فالعلم ينبغي أن يحتل مكانة الجهل.
والنور يحتل مكانة الظلام.
والحقائق تحتل مكانة الأساطير والخرافات. فهذا أمر ضروري لنهضة الأمم وتقدم الشعوب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: إذا كانت هذه المعركة قامت في الغرب لتقضي على خرافات الكنيسة وجهلها وليحل فيها العلم والنور محل الجهل والظلام، فما علاقة هذه المعركة بالإسلام؟ وما شأن الإسلام بقصة الصراع التي نشأت في بلاد غير بلاد المسلمين، وفي ظل ثقافة الجهل والخرافة التي جاء الإسلام ليقضي عليها ويحاربها؟ إن الإسلام يبارك الثورة على الجهل والخرافة والأسطورة؛ ليفسح المجال للعلم والنور والحقائق العلمية.
فما هو السبب في نقل هذه المعركة إلى أرضنا وبلادنا؟ لقد أفرزت قصة الصراع بين الكنيسة والعلماء ثلاثة مواقف متباينة، تختلف فيما بينها في تفسيرها للدين الكنسي حسب الحقول الدراسية التي تنتمي إليها هذه المواقف، لكنها كلها رافضة للوحي معارضة له:
الموقف الأول: ويمثله علماء الطبيعة ابتداء من نيوتن، ويذهب أصحاب هذا الموقف إلى القول بأن الكون الذي نعيشه ليس في حاجة إلى قوى غيبية يستمد منها حركته، إنه مكتفٍ بنفسه عن غيره، إن قوانيه كامنة فيه، وهي التي تتولى حركته وتنظيم مسيرته، وكل فرد من أفراده، إنسانا كان أو حيوانا، نباتا كان أو جمادا، يشتمل على قانونه الطبيعي الذي ينظم حركة وجوده ويسوقه سوقا إلى أداء مهمته، ولا حاجة به إلى التعلق بقوى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
أخرى وراءه يستمد منها نظامه أو حركته، فطبيعة كل كائن هي نظامه، هي قوامه وحياته والعلم قد كشف لنا عن قوانين هذه الكائنات ووضعنا أيدينا عليها وجربناها وعرفنا حقيقتها، فأصبح الكون عندنا هو الحقيقة، بل هو حقيقة الحقائق. وكل ما وراء هذا الكون هو محض خيال وهم تتشبث به الكنيسة لتستمد منه سلطانها، وتفرض به جبروتها على الناس.
إن التفسير اللاهوتي للظواهر الكونية كان يمثل مرحلة متقدمة من عمر البشرية اضطر الإنسان خلال هذه الفترة أن يفسر كل شيء يراه باسم الإله لعجزه عن مواجهة الطبيعة الخارجية وجهله بقوانينها. أما بعد اكتشاف قوانين الطبيعة والتثبت من صدقها بالتجربة المباشرة فلم يعد هناك مجال للقول بالقوى الغيبية التي لا يمكن إخضاعها للتجربة أو التأكد من صدقها بالمشاهدة الحسية، والحقيقة التي ينبغي الاعتراف بها عقليا ليست إلا ما يخضع للتجارب ويمكن فحصه علميا، والوحي والدين قائم على مسلمات لا يمكن التحقق من صدقها بالتجربة ولا سبيل إلى مشاهدتها وفحصها علميا، وكل ما لا يمكن إثباته بالتجربة فهو وهم باطل لا حقيقة له، ومن هنا قالوا: إن الدين تفسير زائف للظواهر الكونية، ولا بد من إزاحته ليحل العقل والعلم مكانه.
الموقف الثاني: ويمثله تفسير علماء النفس للدين، لقد رأوا أن الدين ظاهرة تنعكس خلالها كوامن اللاشعور المخزون في النفس
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
الإنسانية من عمر الطفولة، فالجنة والنار وما يحيط بهما من ترغيب وترهيب صورة مثالية لآمال الإنسان، والوحي والإلهام صور لأساطير عاشها الإنسان في سن طفولته، والإله صورة مثالية لإنسان الأرض تتجسد فيه صفات العدل والحق وقيم الخير المفقودة في عالم الواقع، وما الدار الآخرة إلا صورة يتحقق فيها للإنسان ما كان يحلم به في حياته الدنيا، ولكنه فشل في تحقيقها فخلق لنفسه عالما آخر تتحقق فيه أحلامه وآماله. وصار الإنسان عندهم هو الذي يخلق إلهه ويصنعه لنفسه من واقع تاريخه النفسي، ومخزونه اللاشعوري.
أما الموقف الثالث: ويرجع إلى علماء الاجتماع الذين فسروا الدين على أنه ظاهرة تاريخية أحسن اختراعها الإنسان ليلوذ إليها ويحتمي بها من نوازل التاريخ، سواء كانت هذه النوازل كوارث طبيعية كالزلازل والبراكين والأمراض، أم كانت نوازل إنسانية كظلم الحكام وطغيان الملوك. لقد أحس الفقراء والضعفاء بحاجتهم إلى قوى عظمى يلتفون حولها ويهرعون إليها عند النوازل واخترعوا اسم الإله، واشتقوا له مجموعة من الصفات التي وصفوا بها الإنسان، فإذا كان في بني البشر ملك يظلم فهناك ملك أكبر منه يقتص منه للمظلوم، وإذا كان هنا قاضٍ غير عادل فهناك قاضٍ أكبر منه عادل يجازي على الخير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
والشر، وعلى ذلك يقولون: إن الدين ظاهرة اجتماعية خلقها العقل الإنساني وأتم خلقها في حالة عجز الإنسان عن مواجهة القوى الخارجية، لقد اخترع الإنسان قوة ما وراء الطبيعة طلبا لحمايتها. وجاء بالسحر ثم بالعمليات الروحية، ثم بالعقيدة الإلهية حتى اخترع فكرة الإله الواحد … وهذه العقائد قد فات أوانها وفقدت ضرورتها؛ لأنها ظهرت في فترة تاريخية معينة استجابة لعجز الإنسان وعنوانا لجهله، أما بعد سيادة العلم والعقلانية فلم يعد الإنسان بحاجة إلى هذا الاعتقاد.
إن هذه المواقف الثلاثة قد نشأت كنتيجة طبيعية لرفض العلماء للكنيسة واللاهوت المسيحي إبان المعركة التي نشبت بين الكنيسة والعلماء، ولم يشهد تاريخ الفكر الديني ثورة أشد ولا أقسى من ثورة العلماء على الدين خلال هذه المعركة. لقد كان موقف الرافضين للوحي قبل هذه المعركة قاصرا على الدهريين والطبيعيين، فالدهريون أسندوا الفعل إلى الدهر قالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، وكان رد القرآن عليهم مكتفيا بقوله تعالى: {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [الجاثية: 24] .
وكان الموقف الطبيعي يشبه إلى حد كبير الموقف الدهري، لكن لم نقرأ في تاريخ الفكر الديني هذا الهجوم الشرس على الوحي إلا بعد هذا الصراع الذي شهدته أوروبا بين الكنيسة والعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
فالفلسفة اليونانية وهي الأم الشرعية للفلسفة الأوروبية في العصور الوسطى والحديثة لم ترفض فكرة الإله ولم تنفِ وجوده، وكلام أرسطو عن المحرك الأول وكلام أفلاطون عن الأول والعلة الأولى قد أشبع نهمهم العقلي بالبحث في هذه القضية، فهم لم ينكروا وجود الإله وإن كان تصويرهم له يختلف عما أتى به الوحي، لكنهم لم يقولوا باكتفاء الكون بذاته واستغنائه عنه؛ لأنه عندهم المحرك الأول لهذا الكون، وأن هذا الكون بما فيه يتحرك حسب قوانينه شوقا وتشبها بالإله.
كما لم نقرأ في تاريخ الفكر الديني أن الدين ظاهرة تاريخية مضى وقتها وفات أوانها، ولم يعد لنا حاجة إليها إلا على يد أوجست كونت ومدارس علم الاجتماع التي سارت على منهجه.
كما لم نقرأ أن التدين حالة نفسية يخلقها الإنسان لنفسه يحقق فيها آماله وطموحاته ويهرب إليها من واقعه المؤلم. إن هذه التفسيرات كلها نشأت في ظل النهضة الأوروبية المعاصرة التي ثبتت أركانها على أنقاض الكنيسة وتراثها.
وظهر الدين بمعناه العام في هذه المعركة معارضا للعلم، رافضا له، رمزا للجهل والتخلف، ورجال الدين دعاة إلى الخرافة محاربين للعلم ومعاندين للعقل، وظهرت العلمنة عنوانا لرفض الدين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
وإقصائه عن شئون الحياة تربويا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، وظهرت الحداثة عنوانا لرفض القداسة ومحاربتها، فليس هناك ما يستحق القداسة إلا الإنسان والطبيعة، وفكرة الإله والتراث والقداسة كلها أفكار بالية خدعتنا بها الكنيسة لتستذل بها عقولنا وتملك بها رقابنا، والعقل وحده هو الذي ينبغي أن يحتل مكانة الإله والعمل والإنتاج يأخذ مكانة الشعائر الدينية وقداستها. وبذلك قضت هذه النزعة الإلحادية على كل ما هو ديني، وعكفت على الكون تستنطقه أسراره، وتقف على قوانينه، وتكشف عن نظامه، وكان العلم والعقل هما سلاح هذه المعركة.
في العالم الإسلامي:
لقد انتقلت هذه المعركة بكامل حيثياتها وملابساتها إلى العالم الإسلامي، واختفت منها كلمة الكنيسة وحل مكانها لفظ الدين، الدين بالمعنى العام. وبدلا من أن يصوروا قصة هذا الصراع على أنه صراع بين آراء رجال الكنيسة والعلماء، صوروها على أنه صراع بين الدين بمعناه العام والعلم. وصار الدين نقيضا للعلم وأصبح الإيمان بأحدهما يعني نفي الآخر ورفضه، وارتبط لفظ الدين بالتخلف والرجعية والخرافة والأسطورة، كما صار رجاله رموزا لهذه المعاني السيئة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
لقد صدّر الغرب هذه المعركة إلى بلاد المسلمين ضمن الصادرات الثقافية خلال القرنين الأخيرين، وحمل لواءها نيابة عن الغرب مجموعة من تلاميذ المستشرقين في العالم الإسلامي، ومن أبناء العربية ممن يعرفون شعار العلمانية والتنوير والحداثة.
ومن الإنصاف أن نقرر هنا أن المسيحية الصحيحة التي بشر بها نبي الله عيسى عليه السلام بريئة تماما من كل الخرافات والأساطير التي فرضتها الكنيسة على أتباعها في العصور الوسطى، فليست المسيحية طرفا في هذه المعركة؛ لأن نصوصها لم تتعرض لتفسير الظواهر الكونية لا من قريب ولا من بعيد، وهذه التفسيرات الخرافية التي قال بها رجال الكنيسة لا علاقة لها بالوحي الذي نزل على نبي الله عيسى، ولكنها كانت أحد الأساليب التي استذل بها رجال الكنيسة عقول السذج من الناس بدعوى أن الوحي نزل بها، وأنها دين وعقيدة.
لقد تبنى رواد العلمانية والتنوير الدعوة إلى رفض الدين وإقصائه عن حركة المجتمع كما فعلت أوروبا، دون أن يفرقوا بين الإسلام والكنيسة، ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن علاقة الإسلام بالعلم وموقفه من الخرافة والأسطورة ومحاربته للجهل.
وكما صورت أوروبا الكنيسة على أنها سبب تخلف أوروبا وانحطاطها قال بذلك رواد التنوير والعلمانية في بلاد المسلمين، فجعلوا الإسلام سببا لتخلف المسلمين وانحطاطهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)