هذا هو مفهوم العقل، هو عملية وظيفية يقوم بها الإنسان، وتتعاون في أدائها كل الملكات المعرفية في الإنسان الظاهر منها والباطن، ما علمناه منها وما لم نعلمه.
وهذا المعنى مال إليه سلف الأمة وقالوا به، فهم لا يرفضون العقل إذن كما حاول البعض أن يشنع عليهم بهذه الأكذوبة، ولكنهم يرفضون مذهب الفلاسفة في العقل.
وهم لا يرفضون أحكام العقل، ولا يقللون من شأنه في تحصيل العلوم واكتساب المعارف.
إذ كيف يرفضون العقل وأحكامه والإسلام في مبادئه وأصوله وشريعته مؤسس على خطاب العقل. فالقرآن نزل ليخاطب العقلاء، وليتدبره العقلاء، وليستنبط أحكامه العقلاء، ومن فَقَدَ العقل فَقَدْ فَقَدَ أهلية الخطاب القرآني، وليس له في خطاب الشرع ما يذم عليه ولا ما يمدح من أجله، بل ليس للمرء من عباداته في الإسلام إلا ما عقل منها. وشرائع الإسلام كلها لم يكلف بها إلا العقلاء، فكيف يشنع على منهج السلف بهذه الفرية الظالمة التي تدل على جهل صاحبها بمذهب السلف، وبمنهجهم العقلاني المنضبط؟!
ولعل السبب في ذلك أنه كلما تقادم العهد بزمن النبوة وجيل الصحابة والتابعين، وقل العلم بالآثار النبوية وانطمست معالم المنهج، وقل الملتزمون به وكثر المخالفون له والمشنعون عليه ممن لهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
زلفى عند أهل الرياسات وأصحاب النفوذ من الملتفّين حولهم من الذين يجيدون الالتفاف حول جميع الموائد في كل عصر، فتكثر الأحاديث وتتسلط أجهزة الإعلام بالدعاية الموجهة ضد الخصوم من السلف، وقد يجعلون منهم دعاة الرجعية والتخلف، وما أكثر ما قيل عن المنهج السلفي في هذا الصدد.
وينبغي ألا نعفي أتباع المنهج السلفي من مسئوليتهم عن ذلك؛ لأسباب كثيرة لا داعي للتفصيل فيها الآن، ولكن هذه حقيقة ينبغي أن تعرف. فلقد أساء أدعياء المذهب إلى السلفية أكثر مما أحسنوا، أحيانا عن جهل بالمنهج وأصوله وقضاياه، وأحيانا بسلوكهم الشخصي الذي يدعو إلى التنفير والترهيب أكثر مما يدعو إلى التقريب والترغيب، وعلى رأس هذه الأسباب استفراغ وقتهم وجهدهم في الخلاف حول شكليات وفروع وإهمالهم لأساسيات وأصول، وهذا مما يدمي القلوب ويحزن النفوس معا أن يجد المخالفون عن اتباعه الأسباب والمبررات للتشنيع على سلف الأمة، والافتراء عليهم بما لم يقولوه ولم يدر بخلدهم يوما ما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
مدارك العقول: عالم الغيب، وعالم الشهادة
يتصل الحديث عن هذه القضية بنظرية المعرفة من جهات مختلفة:
1- فهو يتصل بها من حيث وسائلها.
2- ومن حيث موضوعها، ومن حيث غايتها، وليس من قصدنا الحديث هنا عن نظرية المعرفة.
3- من حيث هي كهدف مقصود لذاته في هذه الدراسة، فإن ذلك له مجالات أخرى، ولكن الذي نقصده بالدرجة الأولى هو تحديد علاقة العقل بموضوع المعرفة وغايتها من جانب، وعلاقته بوسائلها من جانب آخر.
ولقد آثرنا استعمال هذا المصطلح "مدارك العقول" لما فيه من دلالة على تمكن العقل من موضوع المعرفة وسيطرته عليه، واحتوائه لها، مما لا نجده في غيره من المصطلحات المعرفية الأخرى، وهذا المصطلح يطرح علينا مباشرة الحديث عن موضوع المعرفة التي هي "مدارك العقول".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
فقد يكون موضوع المعرفة هو عالم الشهادة، وما يشتمل عليه من ظواهر ومظاهر.
وقد يكون موضوع المعرفة لا ينتمي إلى هذا العالم الحسي، ولا يمتّ إليه بسبب كعالم الغيب، ونريد هنا أن نتعرف على مدارك العقل لهذين العالمين؛ عالم الشهادة، وعالم الغيب، ودور العقل في التعرف على كل منهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
وظيفة العقل في عالم الشهادة:
عالم الشهادة وهو المقابل الشرعي للعالم الحسي والمحسوسات لدى علماء المناهج أو المعرفة الحسية، وينطلق موقفنا هنا في تحديد علاقة العقل بعالم الشهادة من توجيهات القرآن الكريم التي تجعل النظر العقلي والتأمل في آيات الله أفقية كانت أو نفسية، مطلبا شرعيا وواجبا دينيا على سبيل الفرض الكفائي أحيانا، وقد يرقى في بعض الأحيان إلى مستوى الفرض العيني على شخص بذاته، أو على جماعة معينين بذواتهم، حيث يلزمهم ولي الأمر ويجبرهم على أداء هذه الوظيفة التي تعينت عليهم والتي لا ينهض بها سواهم، حتى تستقيم أحوال الأمة بها، ومن حق ولي الأمر أن يعاقبهم -أفرادًا كانوا أو جماعة- إذا لم ينهضوا بهذه المسئولية التي أصبحت بمثابة الدين الواجب الأداء، كما إذا تعين على جماعة ممارسة مهنة الطب أو صناعة الأسلحة للجيوش، أو فن الهندسة أو القيام بخدمات أخرى لا ينهض بها سواهم.
والقرآن الكريم يحث العقل ويدفعه دفعا إلى التعرف على هذا الكون واكتشاف قوانينه، ومعرفة خصائصه والتعرف على العلاقات المتبادلة بين أنواعه وأجزائه للوقوف على خصائص العلاقات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
السببية الكامنة فيه؛ لأن ذلك كله يرتبط برسالة الإنسان في هذا الكون والهدف من وجوده، واستخلافه في الأرض وتنفيذه للأمر القرآني باستعمارها.
وهذه المهام لا تتم للمسلم إلا باكتشاف قوانين الأشياء ومعرفة العلاقات السببية فيها؛ ليستطيع أن يحقق فيها المعنى الإلهي المقصود من تسخير هذا العالم من سمائه إلى أرضه لصالح الإنسان.
ولقد شاع العلم بهذه الآيات القرآنية التي تأمر العقل بالنظر والتأمل، وأصبحت معروفة للعامة والخاصة؛ ولذلك سوف أعفي نفسي من سردها في هذا المختصر، ولكن الذي يلفت النظر وأنبه إليه أن منهج القرآن في سوق هذه الآيات كان يأخذ بمبدأ التدرج والترقي من مستوى معرفي إلى مستوى آخر أرقى وأدق، ويفتح أمام العقل مجالات للنظر وآفاقا أرحب للتأمل كان يجهلها العقل من قبل؛ لتكون مسرحا لنظره العقلي وعمله الفكري، فالكون كله قد أعده الخالق سبحانه وجعله مهيأ للنظر العقلي ليجعل منه حبلا ممدودا وسببا موصلا بين الإنسان العارف وموضوع المعرفة من جهة وغاية هذه المعرفة وهدفها من جهة أخرى؛ ولذلك كانت آيات القرآن المتصلة بهذا الموضوع تختم غالبا بقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ، أو {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .
1- ونجد آيات القرآن في هذا الصدد تأمر الإنسان بالنظر إلى البيئة التي يعيش فيها الإنسان، وما فيها من أصناف الموجودات من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
حيث كيفية الصنعة، دقة وإتقانا، فنقول له: {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} [الغاشية: 17-20] .
والسؤال في هذه الآيات يدور حول كيفية الصنعة وليس عن وجودها. والفارق كبير بين مضمون السؤالين، فالسؤال عن كيفية الصنعة لا يملك الإجابة عنها إلا صانعها أو من كان في مستواه من العلم بكيفيتها والغاية والقصد منها؛ ولذلك فإن النظر العقلي هنا يدرك من مضمون السؤال حسب استطاعته فقط. فهو يدرك منها ولا يدركها؛ لتبقى القضية كلها في نطاق الإعجاز من جانب ومطلبا شرعيا للعقل من جانب آخر.
2- وأحيانا يطلب القرآن من العقل ألا يكتفي بمجرد النظر إلى هذا الكون، بل لا بد أن يخترق ظواهره ليكتشف ماذا في داخله. قال تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [يونس: 101] ومعلوم أن الأمر بالنظر في الشيء أعلى درجة من مجرد النظر إلى الشيء، فليصعد الإنسان إلى القمر -إن شاء- أو إلى ما شاء من الكواكب، وليهبط -إن شاء- في باطن الأرض مكتشفا وباحثا، فإن ذلك كله مطلب شرعي في منهج القرآن؛ لأن رسالة الإنسان في الكون واستعمار الأرض لا تتم إلا بذلك، وحين يخاطبنا القرآن بقوله تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61] فإنه يطلب منا بصيغة الأمر أن نعمل على عمارة الأرض بكل ما نستطيع، والتقصير في تنفيذ هذا الأمر معصية جماعية تجني الأمة ثمرتها فقرا ومرضا ومذلة وهوانا وتخلفا وتبعية لأمم الأرض.
وحين يذكرنا القرآن بأحوال الأمم السابقة وكيف جرت عليهم السنن الإلهية في الكون من ازدهار للحضارات أو انهيار لها، فإن ذلك كان على سبيل التعليم والإفادة من الدرس والعبرة من التاريخ؛ ليكون تاريخ الإنسان نفسه مجالا رحبا لعمل العقل ليتعرف منه على أساس ازدهار الحضارات وانهيارها، ليعي العبرة من قص القرآن لهذه السنن وعلاقتها بالأفراد والجماعات. فالكون كله مسرح للعقل وميدان لعمله، وتاريخ الإنسان كله مسرح لنظر العقل، والعقل مهيأ للسيطرة الكلية على الكون واحتواء تاريخه، فكرا وتأملا، مقدمات ونتائج، علاقات بين الأشياء، أسبابا ومسببات، تسخيرا وتوظيفا، وتلك مهمة العقل ووظيفته في عالم الشهادة، وذلك واجبه الشرعي الذي ندبه القرآن له وحثه عليه وأمره به.
وليس من قبيل المصادفة أن يلفت القرآن نظر المسلم إلى بعض آيات بعينها من آيات الله في كونه جعلها اسما وعلما على بعض سور القرآن، وكأنه يقول للعقل في هذه اللفتة: تلك قضية تحتاج إلى نظر وتدبر، وقد يقرأ المسلم هذه الآيات دون أن يعيرها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
حقها من النظر والتدبر مع أنها تحتاج من القارئ أن يقف أمامها طويلا وطويلا؛ لأنها جاءت بصورة شاملة لكل أنواع الموجودات غالبا:
1- فهناك آيات تنتمي إلى عالم الحشرات جاءت علما على بعض السور للقرآن، مثل سورة النحل، سورة النمل، سورة العنكبوت.
2- وهناك آيات تنتمي إلى عالم الأفلاك والطبيعة كانت علما على بعض سور القرآن، مثل سورة الشمس، سورة القمر، سورة الرعد.
3- وهناك آيات تنتمي إلى عالم النبات، مثل سورة التين.
4- وآيات تنتمي إلى عالم الحيوان، مثل سورة البقرة، سورة الأنعام.
5- آيات تنتمي إلى عالم الزمان وبعض أوقاته، مثل سورة الليل، سورة الضحى، سورة العصر، سورة الفجر.
6- آيات تعبر عن الكون كله، سورة الملك.
7- آيات تعبر عن أصل الإنسان في بعض مراحله، سورة الإنسان.
ويقسم القرآن ببعض الآيات تنبيها للعقل إلى أهميتها في حياة الإنسان، وإلى ضرورة الاهتمام بها فكرا وتأملا وتوظيفا:
{فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقعة: 75، 76] .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
{فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ، وَمَا لا تُبْصِرُونَ} [الحاقة: 38] .
{وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ، وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} [التكوير: 17، 18] .
{فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ، وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ، وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} [الانشقاق: 16-18] .
هذه بعض آيات الله في كونه التي يستحث العقل ويدفعه دفعا للنظر والتأمل فيها، وهذا الكون هو عالم العقل ومسرحه الحسي الذي يملك العقل أدوات التعامل معه، ويستطيع السيطرة عليه إن شاء على قدر استطاعته، يجعل القرآن عمل العقل فيه وتعامله معه مطلبا شرعيا وواجبا دينيا وعبادة يتقرب بها إلى الله، يعاقب المجتمع كله على التفريط فيه أو الإعراض عنه.
ومن الأمور اللافتة للانتباه أن الآيات السابقة تتسع دائرتها لتشمل الكون كله من عالم الأفلاك إلى عالم النبات وعالم الجماد، فليس في الكون ما هو غريب على العقل، وليس فيه ما هو فوق مستوى الإدراك العقلي، أو يعزّ على العقل مناله، فالكون كله موضوع بحثه وموضوع كده وكبده، وحين يعمل العقل ويستفرغ وسعه بحثا وفكرا وتأملا يكون حينذاك في عبادة شرعية لله، وكلما ازداد عمله وعلمه ازداد لله خشية ومن الله قربا: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
وينبغي أن يبدأ توظيف العقل في عالم الشهادة من هذا المنطلق القرآني، ومن خلال تحديد القرآن لوظيفته في هذا الكون: لقد ندبه للنهوض بها وأتمنه عليها، وطلب منه إعمار الكون تبعا لهذا المنهج باكتشاف القوانين، والتعرف على العلاقات السببية الكامنة في الأشياء؛ ليسخر الكون كله لخدمة الإنسان وتحقيق مصالحه، وليحقق في ذلك معنى الاستخلاف عن الله في الأرض.
ومن جانب آخر، فإن النكوص عن أداء هذه الوظيفة إهدار لطاقة العقل وضياع لرسالة الإنسان، وجريمة في حق الدين والدنيا معا، وعلاقة العقل بعالم الشهادة على هذا النحو السابق تقوم على أسس معينة يعتبرها القرآن أركانا لتكليف العقل بهذه الوظيفة، بحيث إذا تخلف ركن منها سقط عن الإنسان ما يقابله من التكاليف الشرعية.
1- إن العقل يملك القدرة المؤهلة له للتعرف على هذا العالم واكتشاف قوانينه وتحديد العلاقات السببية بين أنواعه؛ ليجعل منه مملكته التي استخلفه الله عليها.
2- إن الله تعالى قد زوّد الإنسان بالحواس الخمس، وجعلها جنودا للعقل يتعرف بها على كل محسوس، وفي نفس الوقت هي مناط مسئولية الإنسان أمام الله يوم القيامة، إذا أساء استعمالها أو أهمل توظيفها: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
مَسْؤُولًا} [الإسراء: 36] . والتكاليف الشرعية منوطة بهذه الأدوات المعرفية وجودا وعدما، فإذا تخلف واحد منها سقط عن الإنسان ما يقابلها من التكاليف الشريعة؛ ولذلك كان من القواعد الأصولية: إذا أخذ ما وهب سقط ما وجب. وقال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7] .
3- هذه الحواس هي روافد المعرفة العقلية عن عالم الشهادة، هي جواسيس العقل وعيونه حسب تعبير الغزالي وبدون هذه الجواسيس لا يستطيع العقل أن يعلم شيئا يقينيا عن عالم الشهادة، فمن فقد حاسة البصر فاته العلم بعالم المرئيات، ومن فقد حاسة السمع فاته العلم بعالم المسموعات وهكذا شأن بقية الحواس.
فكل حاسة مسلطة على عالم معين تتعرف عليه، وتنقل إلى العقل إحساسها بهذا العالم المعين.
حاول -أيها القارئ- أن تتخيل معي إنسانا خلقه الله بدون هذه الحواس الخمس، ماذا يمكن أن يتكون لديه من معلومات يقينية عن هذا العالم الحسي؟ ولذلك كان من الأصول المعرفية أن من فقد حسا فقد علما، فمن العبث أن تسأل الأعمى عن الفرق بين الأسود والأبيض، أو تسأل الأصم عن الفرق بين صوت الإنسان وصوت الحمار، وهذا المعنى يصدق على من يملك الحواس لكنها تعطلت عن العمل لوجود الآفة بها، أو وجود مانع قوي كالمريض بالصفراء مثلا، فإنه قد يحس طعم العسل مرا والذي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
على بصره غشاوة قد يرى الأشياء على غير ما هي عليه، فيرى الصغير كبيرا والكبير صغيرا.
4- إن ما غاب عن حواس الإنسان وتجربته الشخصية في هذا العالم، فقد غاب عن العقل العلم اليقيني به عن هذا الطريق، طريق التجربة الحسية، لكن قد يعلمه عن طريق آخر غير تجربته هو، كأن يعلمه عن طريق خبر المعصوم مثلا أو عن طريق ما تواتر العلم به عن الأمم السابقة … إلى غير ذلك من طرق العلم الأخرى. فكل ما ثبت صدقه عن طريق تجريب الغير له، وتم العلم به لزم الأخذ به والعمل بمقتضاه ممن لم يجرب بنفسه، وهذا في عالم الشهادة معلوم بالاضطرار من كل أحد.
فالمريض لا يسوغ له أن يمتنع عن تناول الدواء الذي وصفه الطبيب بدعوى أنه لم يجربه قبل ذلك بنفسه، والأعمى لا يسوغ له أن ينكر ضوء الشمس بحجة أنه لم يره بنفسه. وهكذا يتواتر العلم لدى العامة والخاصة بكل ما ثبت صدقه مما جربه غيرنا ولم تدركه حواسنا، وأصبح العلم به والعمل بمقتضاه لازما لنا لزوم ما جربناه بأنفسنا وأدركناه بحواسنا، ولا فرق في ذلك بين ما جربه الشخص بحواسه وما جربه غيره، فالأخذ بكل منهما ضرورة عقلية كمصدر من مصادر المعرفة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
ويدخل تحت ما جربه غيرنا العلم بأخبار الأمم الماضية، والأخبار المتعلقة بالعصر الذي نعيشه مما لم يقع منه تحت حواسنا، وما جربه غيرنا منها، كالعلم بسور الصين العظيم، وأن الكعبة في مكة وأن الهرم الأكبر بالجيزة في مصر، وكالعلم بنبوة الأنبياء السابقين.
ومما ينبغي أن يعلم أن هناك أمورًا كثيرة يقتصر العلم بها على مجرد الإخبار عنها فقط؛ لأن الحواس لا تنالها بسبب غيابها عن الحواس، وليس لنا طريق إلى العلم بها إلا الخبر المتواتر، وهذا يشمل علمنا بتاريخ الإنسانية كله، فإنه لم ينقل إلينا إلا عن هذا الطريق، ومن العبث إنكار تاريخ الأمم الماضية بدعوى عدم التجريب، أو عدم السماع له.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
علاقة العقل بعالم الغيب:
سبق أن أشرنا إلى علاقة العقل بعالم الشهادة، وأنها مؤسسة على إدراك كامل بطاقة العقل وإمكاناته والعلم بوظيفته، وسبق أن بينا أن الإنسان لو فقد حاسة من حواسه الخمس فاته العلم بالعالم الحسي المقابل لها. ولو تخيلنا إنسانا خلق بدون هذه الحواس، فإنه لا يعلم شيئا عن هذا العالم على سبيل اليقين.
واليقين هنا مطلب أساسي لهذا اللون من المعرفة بعالم الغيب؛ لأن العقل قد يتخيل أمورًا وعوالم كثيرة لا نصيب لها من الواقع والخيال العلمي له دوره المعرفي في عالم الشهادة، ولا سبيل إلى إنكاره، لكن ينبغي أن نعرف هنا أنه لما غابت الحواس عن العقل تخلف عنه العلم اليقيني بعالم المحسوسات؛ لأن روافد المعرفة الحسية أصبحت مفقودة بالنسبة له فانتقل المستوى المعرفي للشخص من اليقين إلى التخيل، هذا في عالم الشهادة. أما في عالم الغيب، فإن الأمر يختلف تماما عن ذلك؛ لأن الحواس لا تناله أصلا ولا سبيل لها إليه، وبالتالي فإن روافد العقل التي تزوده بالمعرفة بعالم الغيب مفقودة، والتخيل العقلي هنا ليس مطلوبا؛ لأن مطلوب المعرفة هنا هو اليقين الجازم الذي لا مجال فيه للتخيل، وينبغي أن نفرق هنا بين مستويين لمعنى الغيب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
مستويات الغيب:
أ- غيب نسبي:
هناك ما يسمى بالغيب النسبي وهو ما غاب عن الحواس في عالم الشهادة، ويدخل في ذلك الماضي والمستقبل، فكلاهما غيب بالنسبة للحواس، وكذلك الأمر بالنسبة للحاضر، فهو غيب بالنسبة لمن لم يشاهده، لكنه ليس غيبا لمن عاصره وعاشه. فهناك أمور معاصرة للشخص المعين لكنه لم يشاهدها لغيابه عنها، فتكون غيبا بالنسبة له وليست غيبا لمن شاهدها، والشخص الواحد قد يكون الأمر المعين غيبا بالنسبة له في وقت دون آخر، وهكذا شأن الإنسان في عالم الشهادة، فالغيب بالنسبة له أمر نسبي إضافي، قد يكون الأمر غيبا بالنسبة لشخص دون شخص، وقد يكون الأمر غيبا للشخص الواحد في وقت دون وقت، وعلاقة العقل بهذا النوع من الغيب النسبي متفرع عن علاقته بعالم الشهادة، فما غاب عنا وجربه غيرنا لزمنا العمل بمقتضاه عند العلم به.
وما تواتر العلم به عن الأمم الماضية من أخبار الأنبياء عنهم هو مما يلزم العلم به، وما يتنبأ به العلماء بناء على المشاهدات العلمية المتكررة هو من هذا القبيل بناء على اطراد السنن الإلهية في الكون سواء تعلقت هذه السنن بالظواهر الطبيعية أو بالمجتمعات البشرية؛ لأن سنة الله في كونه لا تتخلف إذا وجد المقتضي وارتفع المانع، وهذا هو محل اعتبار الإنسان الذي ندبه القرآن إليه في نهاية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
كل قصة يقصها عن الأمم الماضية، حيث يقول سبحانه وتعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَار} [الحشر: 2] {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف: 111] ، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً} تكررت كثيرا في سورة الشعراء. هذه التعقيبات القرآنية على قصص الأمم الماضية تلفت نظرنا إلى الغرض من سوق هذه القصة، أو تلك ليقوم العقل بوظيفته فيها فكرا وتأملا واعتبارا، وذلك ما ندبه الشرع له وحثه عليه.
ب- الغيب المطلق:
وهو ما لا سبيل للعقل إلى العلم به عن طريق الحواس بحال ما، أو هو ما استأثر الله بعلمه وحجبه عن جميع خلقه، قال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} [الأنعام: 59] ، {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65] .
أ- والغيب قد يطلق في القرآن الكريم ويراد به مكنون العلم الإلهي الذي استأثر الله به عن سائر خلقه، يستوي في ذلك الرسول والنبي والولي، إلا من شاء ربك منهم فيعلمه الله ما شاء من علمه كيف شاء، كما قال تعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255] {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} [النساء: 113] . فهذا العلم الإلهي غيب عن الإنسان لا ينال بحس ولا عقل، ولا سبيل إليه إلا بالتعليم الإلهي لمن شاء من عباده عن طريق الوحي أو الرؤيا أو الإلهام، فهو ليس اكتسابا ولكنه وهب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
وعطاء، لا مدخل لروافد العقل المعرفية إليه، ولكن هناك أبواب أخرى لتحصيل هذه المعرفة يدخل منها أهلها ويسعى إليها عشاقها، كما في قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 282] ، {وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 151] فهذا العلم لا ينال بكسب عقلي ولا يتخيله عقل ولا يناله وهم، وإنما يتعلم من الله بطريقه المعروف ووسائله المشروعة.
ب- وقد يطلق الغيب في القرآن الكريم ويراد به الذات الإلهية وصفاتها، وعلى ذلك كثير من المفسرين في قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 2، 3] فقالوا: إن الغيب هنا هو الله، نقل ذلك ابن تيمية عن جماعة من الحنابلة منهم القاضي أبو يعلى وابن عقيل وابن الزاغوني1، وخالفهم في ذلك جماعة آخرون رفضوا إطلاق لفظ الغيب على الله.
ويبدو أن الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي. ذلك أن الذين أجازوا إطلاق لفظ الغيب على الله، رأوا أن الخلق يغيبون عن الله في معظم أحوالهم، فلم يذكروه ولم يعبدوه ولم يشهدوه في أفعالهم، فهو سبحانه ليس بنفسه غائبا عنهم حفظا ورزقا ولطفا وعونا، وإن كانوا هم غائبين عنه إنابة وتوكلا، وذكرا وعبادة.--------------------------------------------
1 راجع دقائق التفسير 1/ 202، ومنهج القرآن في تأسيس اليقين ص41.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
فالمعنى المقصود في استعمال لفظ الغيب على الله هو انتفاء شهود الخلق له في معظم الأحوال، وهذا صحيح وواقع.
أما الذين رفضوا إطلاق لفظ الغيب على الله، فكان قصدهم أنه حاضر مع كل كائن في كونه {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7] . فهو سبحانه مع خلقه علما ورزقا ولطفا وإحياء وإماتة، وهو سبحانه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فهو سبحانه شهيد على العباد رقيب عليهم، ومع كل كائن في كونه بهذا المعنى، فهم الغائبون عنه وليس هو الغائب عنهم، ولذلك لا يجوز إطلاق لفظ الغيب على الله، وهذا المعنى صحيح أيضا.
وعند التحقيق لا نجد خلافا بين أصحاب الرأيين. فأصحاب الرأي الأول يجيزون استعمال لفظ الغيب على الله لغياب الخلق عنه، وأصحاب الرأي الثاني يرفضون ذلك؛ لأنه سبحانه ليس غائبا عن الخلق وإن كان الخلق غائبين عنه. وكلا الرأيين صحيح على هذا التفسير، فصارت المسألة خلافا لفظيا فقط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
معرفة الغيب بين منهجين:
والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه الآن هو: ما موقف العقل من التعرف على عالم الغيبيات وقضاياه؟ إن العقل مطالب هنا بالإيمان بالغيب، سواء استعملنا لفظ الغيب مرادا به معلومات الله التي لا تتناهى، والتي حمل إلينا منها أنبياء الله ورسله أو أردنا به الذات الإلهية وصفاتها، واليوم الآخر والبعث وقضايا السمعيات عموما.
لقد سبق القول بأن الذي فقد حواسه يستطيع أن يتخيل في عالم الشهادة ما يشاء لأن عالم الشهادة محسوس، والعالم الذي يريد التعرف عليه هو أيضا محسوس، فالتخيل بالنسبة له ممكن، ولكن تظل معرفته بهذا العالم معرفة تخيلية لا ترقى إلى اليقين، ولا ضير أن يحدث ذلك في عالم الشهادة، بل قد يكون ذلك مطلوبا في بعض الأحيان أن يتخيل الإنسان مستقبله على نحو ما، ولكن الإيمان بالغيب لا يكفي فيه التخيل ولا الظن، بل لا بد فيه من اليقين الجازم الذي لا يخالطه شك، ولا يرقى إليه ريب.
والإجابة على السؤال السابق تحمل معالم المنهج المطلوب في علاقة العقل بعالم الغيب، وفي نفس الوقت تضع أمامنا حقيقة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)