Arabic source text

📘 আল ওয়াহইউ ওয়াল ইনসান - কিরায়াতুন মা'রিফিয়্যাহ (মুহাম্মদ আল-সাইয়্যিদ আল-জালিন্দ)

📘 الوحي والإنسان - قراءة معرفية (محمد السيد الجليند)

📘 আল ওয়াহইউ ওয়াল ইনসান - কিরায়াতুন মা'রিফিয়্যাহ (মুহাম্মদ আল-সাইয়্যিদ আল-জালিন্দ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وكما جعلت أوروبا رجال الكنيسة رموزا للتخلف والجهل، نادى التنويريون والعلمانيون في بلادنا بأن رجال الدين هم رموز التخلف والجهل.
وكما أن أوروبا لم تتقدم ولم تنهض إلا بعد أن نفضت يدها من سلطان الكنيسة وأبعدتها عن شئون الحياة، نادى رواد التنوير بأن المسلمين لن يتقدموا وينهضوا إلا إذا تخلوا عن الإسلام ونفضوا أيديهم منه، وأبعدوه تماما عن حركة الحياة.
وكما نادى علماء الغرب بأنه ليس هناك شيء "مقدس" يعلو على نقد العقل، كذلك نادى رواد التنوير في بلادنا بأنه ليس هناك شيء "مقدس" يعلو على النقد، وأخضعوا القرآن الكريم لمنطق النقد العقلي، وحاولوا أن يجعلوه محلا للشك وموضعا للتشكيك، بل إن بعضهم حاول أن يطبق على القرآن الكريم بعض نظريات النقد الحديثة ليقول: إن القرآن قد اشتمل على بعض الأساطير التي عرفها العرب قبل الإسلام.
هذا هو جوهر حركة التنوير التي يروج لها العلمانيون في العالم العربي، ولقد شجعهم على ذلك بعض المؤسسات التبشيرية التي انتشرت في أنحاء شتى من بلاد المسلمين، كما أسهم في الترويج لها كثير من النصارى أمثال فرح أنطون وشبل شميل

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)

وسلامة موسى وغيرهم من الذين يسبح الإعلام بأسمائهم، باسم التنوير وأعلامه.
وفي الحقيقة لقد ظلم هؤلاء وأولئك العلم والدين معا.
لقد ظلموا الدين حين نقلوا إلينا صراع الكنيسة والعلم على أنه صراع بين الدين والعلم؛ ذلك أن الدين الذي بشر به عيسى عليه السلام بريء مما فرضته الكنيسة على أتباعها وجعلته دينا لها.
ولو كان عيسى ابن مريم بينهم لأعلن براءته منهم ومن دينهم الذي نسبوه إليه، ولقد توعد القرآن الكريم أمثال هؤلاء في قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79] .
وظلموا العلم ثانيا حين قالوا: إن العلم ينفي الدين ويناقضه؛ ذلك أن الأديان السماوية الصحيحة كلها حق، والعلم الصحيح في ذاته حق، ومحال أن ينفي حق حقا آخر أو يعارضه.
كما ظلموا الإسلام ثالثا حين أقحموه في هذه المعركة وجعلوه مثل الكنيسة دون أن يفرقوا بين الإسلام واحتضانه للعلماء ودعوته للعلم، والكنيسة وموقفها الرافض للعلم المحارب للعلماء.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)

وهنا أمران ينبغي أن ننبه إليهما:
الأمر الأول: لا ينبغي أن نجعل واقع المسلمين المعاصرين مقياسا نحكم به على الإسلام؛ لأن واقع المسلمين لا شك أنه واقع متخلف علميا، فلا ينبغي أن نجعل تخلف المسلمين دليلا على تخلف الإسلام.
كما أن واقع المسلمين متردٍّ اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، فليس من الحكمة أن نجعل هذا الواقع المؤلم مقياسا نحكم به على سلامة المبدأ وصحته الذاتية، فكم من المبادئ الصحيحة تحولت على يد أبنائها إلى فساد وانحلال عند التطبيق، وهذا أمر لم يخلُ منه مجتمع ولا خلت منه حضارة.
فعلى سبيل المثال نجد الإسلام في نصوصه من الكتاب والسنة يجعل العدل أساسا لاستقرار الحكم ودوام الملك، وقديما كنا نحفظ في مقررات الدراسة أن العدل أساس الملك، وأن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة، وكم من النصوص النبوية والآيات القرآنية تؤكد على هذ المبدأ. ولكن الواقع الذي يعيشه العالم الإسلامي تلاشى من قاموسه مبدأ العدل وأصبح الظلم عنوانا لقوة الحكم، وشعارا لهيبة الدولة، ورمزا لاستتباب الأمن في البلاد. وكم من ألفاظ اخترعوها ليلبسوها ثوبا اجتماعيا مقبولا عند الناس ليمارسوا تحتها ألوانا من الظلم لم يعرفه التاريخ. فهل

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)

نجعل واقع الحكم في العالم الإسلامي -وهو بهذه الصورة المزرية- دليلا على أن الإسلام لا يجعل العدل أساسا للحكم فيه؟
والإسلام يجعل الشورى مبدأ الحكم في الإسلام، نزل به الوحي الإلهي آمرا الرسول وهو مصدر التشريع أن يجعل الشورى أصلا من أصول العلاقة بينه وبين أصحابه مع أنه المعصوم والمؤيد بالوحي المعصوم، لكن لكي يستقر هذا المبدأ على يديه وهو بين أصحابه نزل به قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 159] . كما جعل مبدأ الشورى عنوانا لجماعة المؤمنين وصفة لازمة لهم؛ لأنها من لوازم الإيمان، فقال تعالى عن جماعة المؤمنين: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38] .
فإذا تحولت الشورى على يد حكام المسلمين إلى استبداد سياسي لا يعرفه تاريخ البشرية، وأصبح مصير بعض شعوبه مرهونا بأسر وعائلات يتوارثون حكم الشعوب وكأن الحكم تركة عقارية تنتقل تلقائيا من جيل الآباء إلى الأبناء ثم الأحفاد، فما دخل الإسلام في ذلك؟ وما علاقة هذه الأنظمة الاستبدادية بالإسلام ونظامه السياسي القائم على مبدأ الشورى؟ وهل من الإنصاف أن نجعل استبداد الحكام في بلادهم دليلا على أن الإسلام لم يجعل الشورى أصلا من أصول الحكم؟

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)

نعم، لقد أصبح معروفا بل من المقرر في تاريخ الحكم ونظامه العالمي، أن سياسة الاستبداد والطغيان صناعة شرقية، وأن شعوب الشرق هي التي تعرف تماما كيف تصنع الحاكم الظالم المستبد الطاغية، بل ترعاه وتعبده أحيانا، لكن ما علاقة ذلك بالإسلام؟
وإذا كان الإسلام يجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، ويجعل مداد العلماء عند الله كدم الشهداء، ويجعل العلوم الكونية "الفيزياء، الكيمياء، الرياضيات، الهندسة، الفلك، الطب … إلخ" هي المدخل الطبيعي للعلم بالله ومرآة لتجلي صفاته من الحكمة والعلم والقدرة، وربط خشية الله بهذا العلم الكوني، قال تعالى: {وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 27، 28] . فليس المقصود بالعلم هنا ولا بالعالم: عالم التفسير أو الحديث أو الفقه، إنما هو العالم بالكون ودقائقه، هذا هو العلم الكوني في التصور القرآني.
فإذا انصرف المسلمون عن هذا العلم وأداروا له ظهورهم، وفضلوا الجهل بالكون على العلم به وبدقائقه، وآثروا الكسل والدعة على التعلم والبحث حتى صاروا أضحوكة العصر وذيل الركب والقافلة، فما دخل الإسلام في هذا التخلف الذي يعيشه المسلمون؟

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)

وإذا كان هذا هو واقع المسلمين: التخلف، الجهل، الأمية، الفقر، فهل من الإنصاف أن نجعل هذا الواقع المتردي دليلا نحكم به على الإسلام بأنه سبب تخلف المسلمين؟
أليس من الأجدى والأقرب إلى روح المنهج العلمي أن يقرأ هؤلاء الإسلام في نصوصه من الكتاب والسنة ليتعرفوا على موقفه من العلم كمفتاح للنهضة، وعلى العدل والشورى كأساس للحكم، ويعرفوا أن الإسلام يجعل هذه الأسس أصولا لقيام الممالك واستقرارها، وازدهار الحضارات ونهضتها؟
إن الحكم على الإسلام من واقع المسلمين أمر مقصود في ذاته يلجأ إليه البعض ويروجون له؛ لأنهم لم يجدوا في نصوص الإسلام دليلا على موقفهم المعادي للإسلام إلا واقع المسلمين المتخلف، فجعلوه سندا لهم ودليلا على ترويج أفكارهم ضد الإسلام، فخلعوا على الإسلام أوصاف الكنيسة، كما خلعوا على علماء الإسلام أوصاف رجال الكنيسة، فصاروا رموزا للتخلف والجهل والخرافات. وسار في نفس الطريق جمهور كبير من العلمانيين ودعاة التنوير في بلادنا ممن لا تربطهم بالإسلام إلا صلة الاسم وشهادة الميلاد، فقرءوا الإسلام في كتابات المستشرقين بدلا من أن يقرءوه في نصوصه الأصلية، وصادف رأي المستشرقين عندهم قلبا خاليا فتمكن، فأصبحوا دعاة لهذه الافتراءات مدافعين عنها، وتولا نيابة عن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)

المستشرقين الدفاع عن موقفهم من الإسلام. ولعل الذي يتابع الحركة الثقافية المعاصرة في عالمنا العربي بالذات يجد آراء المستشرقين في الإسلام وفي القرآن والسنة جعلها البعض عناوين لبعض المؤلفات العربية، ولا شك أن خطر هؤلاء على الإسلام أشد وأقسى من خطر المستشرقين أنفسهم؛ لأنهم من أبناء جلدتنا، يعيشون بين ظهورنا بل قد تسنم معظمهم ذرا المؤسسات الثقافية والإعلامية؛ ليجعل منها منبرا لبث أفكاره بين الجمهور، ويجعلها منطلقا للتأثير في سير الحركة الثقافية في البلاد، ويرصد الجوائز المالية لتكريم من يسير في ركبه وينهج نهجه، ويجعل فكره ورأيه مبدأ ومقياسا للولاء والبراء بين المثقفين.
وهكذا أصبح الإسلام مظلوما بين أهله كما هو مظلوم من أعدائه وخصومه، فلا العلماء به قد مكن لهم الدفاع عنه، ولا أنظمة الحكم في العالم الإسلامي منعوا -بحكم موقعهم- الأقلام المتربصة من النيل منه.
وقد يحتجّ هؤلاء على ما يذهبون إليه بأقوال بعض المشتغلين بالعلم ممن يملكون عاطفة التدين وحماسة المتدينين، ولكن ينقصهم الزاد النافع من العلم بمقاصد الشريعة الكلية فيقعون في أخطاء ويفتون بأقوال قد لا تتفق مع روح الشرع، ولكنها من وجهة نظرهم تسد الذرائع وتمنع الفتن من باب أن الوقاية خير من العلاج، فيجد

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)

فيها هؤلاء المتربصون فرصة للتشنيع على الإسلام بأنه يعارض التقدم ويحارب التطور، مع أن هذه آراء واجتهادات لا تمثل إلا رأي أصحابها، وربما لو تأملها هؤلاء المتربصون بعين الإنصاف لوجدوها صوابا من حيث عللها الغائية ومقاصدها العامة، ولكن أنَّى لهم ذلك وهم لا يفرقون بين آراء الرجال والنصوص الأصلية للإسلام.
أما الأمر الثاني الذي أودّ أن أنبه إليه هنا، فهو موقف الإسلام من توظيف العلم وتسخيره، فإن نتائج العلم والمعرفة أمر محايد صالح لأن يستعمله الإنسان في الخير الذي يسعد البشرية ويحقق لها الرفاهية وطيب العيش، كما أنه صالح في الوقت نفسه لأن يستعمله الإنسان في دمار البشرية وخراب العالم، فهو صالح لأن يستعمل في الخير أو الشر على سواء، صالح لفعل الضدين، وتوجيهه إلى فعل الخير أو الشر خاضع لإرادة الإنسان ومقاصده منه وغايته فيه. وهنا لا بد أن تختلف الغايات وتتعارض المقاصد حسب ثقافة العالم وحضارته، والقيم التي يدين بها، والمجتمع الذي يستظل بسياسته، وحسب الدين الذي يؤمن به. والإسلام يؤكد هنا على أمر مهم جدا وهو أن العلم نعمة كبرى من الله وهبه للإنسان، وأن موضوع العلم هو هذا الكون وما فيه من آيات كبرى وظواهر طبيعية فهو أيضا مخلوق لله، لتحقيق مصالح الإنسان ودفع الضار عنه، ووسائل المعرفة التي يتعامل بها الإنسان مع الكون في الموقف المعرفي هي أيضا مخلوقة لله وخلقت على هيئة مخصوصة لتحصيل هذه المعرفة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)

والإفادة منها، ثم إن القوانين التي يكتشفها الإنسان في هذا الكون هي أيضا من صنع الخالق سبحانه، فهو الذي خلق السبب وجعله مؤثرا، وخلق المسبب وجعله قابلا للأثر.
وإذا كانت هذه الأمور التي يتشكل منها الموقف المعرفي كله مخلوقة لله بما فيها الإنسان نفسه، فإن فلسفة الإسلام في هذا الموقف تفرض على الإنسان أن يحسن توظيف العلم لصالح الإنسان ودفع الضار عنه وليعمر به الكون؛ لأن العناصر المكونة للموقف المعرفي كله مخلوقة لله كما سبق، وينبغي أن يوظف العلم الناتج عن هذا الموقف المعرفي لتحقيق إرادة الله في كونه.
وننبه هنا إلى أمور قصدها الشارع من توظيف العلم وعلاقة العلم بالوحي:
الأمر الأول: تحقيق الوظيفة الكونية وهي أن نجعل هذا الكون آية دالة على خالقه، كما أشار القرآن في قوله تعالى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} [لقمان: 11] ، وأن نجعله مفتاحا يلج منه الإنسان إلى الإيمان بعالم الغيب: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} {أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ} وما لم يجعل الإنسان هذا الكون آية دالة على خالقه فإنه بذلك يكون قد فاته المعنى الإلهي من معرفته بالكون؛ لأن الخلق في ذاته آية دالة على وجود الخالق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)

ويتعلق بهذه الوظيفة الكونية معنى آخر حرص الشرع على تحقيقه وتحصيله واستحضاره في عقل الإنسان، وهو أن هذا الكون بما فيه من دقائق الصنعة وما يشتمل عليه من حكمة الصانع يعتبر مرآة تتجلى فيها الصفات الإلهية، ويقرأ العقل فيها حكمة الصانع وحسن تدبيره، ومطلق قدرته وعموم إرادته، وكلما ازداد العقل البشري علما بدقائق الصنعة ازداد قلب العالم إيمانا ويقينا بصفات الصانع وما يجب له من صفات الجلال والجمال والكمال {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} هذه المعاني الكونية حرص الشرع على تحقيقها وتحصيلها من معرفة الإنسان بالكون، وما فيه.
أما الأمر الثاني: وهي تحقيق الوظيفة الاجتماعية للكون، بمعنى أن يحسن المرء تسخير هذا الكون وتوظيفه لتحقيق منافع الإنسان ودفع الضار عنه، والكون هنا كلمة جامعة، تطلق على ما سوى الله تعالى، فالعالم من سمائه إلى أرضه سخر لخدمة الإنسان وتحقيق منافعه كما سبق، فكل ما يمكن أن يوظفه العلم لتحقيق خير الإنسانية من هذا الكون يصير مطلبا شرعيا، فاستخراج المعادن من باطن الأرض وتسخير الأفلاك والإفادة من السببية الكامنة فيها، وما في البحر من عوالم وتسخير الرياح.. كل هذا مطلب شرعي ووظيفة إنسانية في الكون، فإذا ما قصر المسلمون في تحصيل هذه الوظائف لا بد أن يجنوا الثمرة المرة القاسية تخلفا وتأخرا عن ركب التاريخ الذي لا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)

مكان فيه إلا لمن ملك مفاتيح العلم بأسرار هذا الكون، ولا يحسب هذا الموقف على الإسلام في مصادره بل يحسب على المسلمين الذين أخلدوا إلى الأرض واتبعوا أهواءهم، كما تحسب على ولاة أمور المسلمين الذين آثروا أن يكونوا قادة لقطيع من الجهلاء بدلا من أن يحملوا راية العلم أمام موكب العلماء.
إن القضية هنا ليست علاقة بين الوحي والعلم وإنما هي علاقة أصحاب الوحي وأتباعه بالعلم ومعرفة قوانينه، سواء على مستوى العلم الكوني أم على مستوى العلم الاجتماعي، وكما سبق أن قلنا: إن هذه سنة الله في كونه من أخذ بها وأحسن توظيفها لا بد أن يجني ثمرتها ولو كان من الكافرين، ومن أدار لها ظهره وأعرض عنها جنى ثمرتها مرارة وتخلفا، ولو كان من المؤمنين {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} .
الأمر الثالث: إن الدين والعلم يكملان منظومة الموقف المعرفي للإنسان ومعرفته بالوجود وغايته، بدءا ونهاية، بهيئته وهويته، بما شاهده العقل وبما غاب عنه، فالعلم يقف العقل على عالم الشهادة وخصائصه وماهيته، والوحي يقدم للعقل تفسيرا لما عجز عنه العلم من التعرف على عالم الغيب وما فيه ومسائله، كما يعرفه على علل الوجود وغاياته، ومقاصد الخالق سبحانه منه، فيكتمل للعقل عناصر المنظومة المعرفية كلها، فيقف العقل

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)

منها على ما استطاع فهمه وإدراكه، وما عجز عنه البعض فإن البعض الآخر قد يعلمه، ويأتي الوحي كمعلم للعقل يأخذ بيده ليعرفه ما غاب عنه، ويعطيه الإجابة المطمئنة للنفس والقلب معا عن علة الوجود، ومقاصد الخالق منه، وغايته فيه؛ لأن الإجابة عن السؤال المتعلق بالعلل الغائية للوجود ليست من أهداف العلم ولا من مقاصده؛ لأنه يكتفي بالبحث في الظواهر وأسبابها وتوظيفها. أما الإجابة عن علة الوجود وغايته فلا علاقة للعلم بها؛ لأنها من خصائص الوحي ومقاصده، وهي التي تنفي القول بالعبثية عن هذا العالم، ولا مفر للعقل البشري عنها إذا هو لم يتلق إجابة الوحي عن هذا السؤال: لماذا؟
وكم ضلت عقول في هذا المقام وذلت أفهام، وتواردت شبهات ولم تجد العقول أمانا ولا النفوس اطمئنانا إلا في تعاليم الوحي، قال تعالى: {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 17] .
{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115] .
{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الدخان: 38، 39] .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)

‌‌الوحي والكون: قراءة معرفية
لقد انتقلت المعركة بين الكنيسة والعلم من الغرب إلى العالم الإسلامي على أيدي المستشرقين وتلامذتهم، انتقلت المعركة على أنها صراع بين الدين والعلم، واستعملت كلمة الدين هنا بالمعنى المطلق واختفت كلمة الكنيسة تماما واستعمل مكانها لفظ الدين بالمعنى العام، ثم استعملت كلمة الإسلام بدلا من الدين في مرحلة تالية لتصبح المعركة بين الإسلام والعلم بدلا من أن تكون بين الكنيسة والعلم كما هو معروف تاريخيا، وتوالت الكتابات لتؤسس هذه العلاقة التناقضية بين الإسلام والعلم وتولى إثم هذه الفرية مجموعة من العلمانيين العرب في مصر ولبنان والمغرب وتونس وكلهم ممن تأثر بالمستشرقين، فتغذى منهم بهذه الأفكار المسمومة ولم يحاولوا أن يفرقوا في موقفهم العلماني بين الإسلام والكنيسة من جانب ولا بين علماء الإسلام ورجال الكنيسة من جانب آخر، وإنما ثبتوا هذه الفرية الظالمة وعملوا على إذاعتها في أجهزة الإعلام والندوات والمؤتمرات ليخرج جيل جديد من المشتغلين بالثقافة في

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)

العالم العربي فيتبنى هذه القضية وكأنها إحدى مسلمات العصر التي لا تقبل نقاشا ولا حوارا، فإما العلم وإما الدين، وحمّلوا الإسلام أوزار المسلمين فجعلوه سببا للتخلف والركود الذي أصاب المسلمين.
ومن هنا وجب علينا أن نوضح موقف الإسلام من العلم والمعرفة؛ ليعرف الخاصة والعامة ما في دعاوى هؤلاء من تضليل وأكاذيب ساعد على الترويج لها المناصب التي ائتمنتهم عليها الدولة، فخانوا الأمانة واستغلوا مناصبهم فجعلوها منابر لهم ولمن يسير في فلكهم، فيردد أكاذيبهم ويعتقد صحة أفكارهم. وسوف نعالج علاقة الوحي بالكون في هذه العجالة من جانبها المعرفي لتتعرف على منهج القرآن في تأسس المعرفة بالكون وتوظيفه لأداء مهام معينة ترتبط بمقاصد الشارع من جانب، وتدور كلها حول تحقيق مصالح الإنسان ودفع المضار عنه من جانب آخر. وسوف تجد أن منهج القرآن في قضية المعرفة يختلف عن المدارس الفلسفية في كثير من جوانب هذه القضية وغاياتها ومقاصدها.
إذ من المعلوم أن المعرفة لها أركانها الأساسية التي تتم خلالها عملية المعرفة ويكتمل بها الموقف المعرفي، وكثيرا ما تقرأ في الحديث عن نظرية المعرفة أن أهم عناصر الموقف المعرفي هي:
1- وسائل المعرفة.
2- موضوع المعرفة "الكون".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)

3- الذات العارفة.
4- غاية المعرفة ومقاصدها.
وتختلف وجهات النظر بين المفكرين حول هذه العناصر الأربعة حسب ثقافة المفكر انتمائه المذهبي، فهذا مادي حسي وذاك عقلي مثالي وثالث حدسي فطري … إلخ.
والتصور الإسلامي للموقف المعرفي قد يلتقي مع بعض هذه المدارس في تفسيرهم للموقف المعرفي وقد يختلف مع البعض الآخر، وهذا أمر طبيعي؛ فإن حديث الإنسان عن الموقف المعرفي مهما علا شأنه لا بد أنه يحمل معه طابع هذا الإنسان ولون ثقافته ومذهبه الفكري، كما يعبر عن وجهة نظره التي تأثر بها وانحاز إليها، وهذا الخلاف يفسر لنا تعدد وجهات النظر الفلسفية حول الموقف المعرفي بكامله، بالتالي يفسر لنا الفوارق الأساسية بين الحضارات الإنسانية من عصر إلى عصر، ومن بيئة ثقافية إلى أخرى.
فالحضارات الإنسانية تستمد أصولها وأهدافها ومقاصدها في الموقف المعرفي، من وجهة نظر الإنسان التي تحمل معها طابعه ولون ثقافته وعوامل بيئته الزمانية والمكانية. أما في الحضارة الإسلامية فإنها تستمد أصولها وغايتها ومقاصدها المعرفية من الوحي المنزه عن التأثر بوجهات النظر الإنسانية المتعالي على عوامل الزمان والمكان.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)

وبالتالي فإن وظيفة الإنسان في الموقف المعرفي ليست مرتبطة بتحقيق غايته وأهدافه الشخصية بقدر ما هي مرتبطة بتحقيق أهداف الوحي، ومقاصده من الموقف المعرفي.
إن أهداف الإنسان ومقاصده من المعرفة قاصرة على تحقيق مطالبه هو، ومقاصده هو، وأهوائه هو، حتى ولو كان ذلك على رقاب الآخرين ومقاصدهم. أما أهداف الوحي ومقاصده فهي تحقيق الخير لكل بني الإنسان، وتوظيف المعرفة لصالح كل بني الإنسان. فأهداف الوحي ومقاصده عامة للإنسان من حيث هو إنسان، مؤمنا كان أو كافرا، بخلاف المذاهب الفلسفية الأخرى فإن مقاصدها خاصة وغاياتها قاصرة على أتباعها فقط.
ففي تصور الإسلام لقضية المعرفة ومقاصدها نجد الإنسان مؤتمنا على هذا الكون، مكلفا بعمارته، مطالبا باكتشاف قوانينه كما هو مكلف بتوظيف العلم والمعرفة حسب أوامر الوحي وليس حسب أهواء العلماء ومقاصدهم، يوظف الكون لتحقيق خير الإنسان عامة وليس لتحقيق جموحالمهووسين. نعم إن هناك فارقا كبيرا بين تصور الإسلام لأهداف المعرفة ومقاصدها وأهداف العلماء ومقاصدهم من المعرفة، ولعل الفارق يبدو واضحا بين عالم يوظف علمه ومعرفته لصالح الإنسان وعمارة الكون، وعالم آخر يوظف علمه لتدمير الإنسان وخراب هذا الكون، فالعالم الثاني يحقق بعلمه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)

أهدافه الشخصية ومقاصده من المعرفة وتوظيفها، أما العالم الأول فيحقق أهداف الوحي ومقاصده ليعم النفع لكل بني الإنسان.
والقرآن الكريم يربط في تناسق عجيب بين أركان المعرفة السابقة ووظيفة الإنسان من جانب وبينه وبين الكون كموضوع للمعرفة من جانب آخر، كما يربط بين هذين الركنين وأهداف المعرفة وغايتها من جانب ثالث؛ ليكتمل بذلك وحدة الموقف المعرفي في موضوعه، وفي غايته، وفي وسائله، ويكون الإنسان نفسه باعتباره سميعا بصيرا عاقلا ذاتا عارفة، وتتوحد به ومعه وسائل المعرفة وأدواتها، وباعتباره جزءا من هذا العالم يكون هو نفسه موضوعا للمعرفة، وفيه يتوحد الموقف المعرفي كله وبه تتحقق أهدافه ومقاصده، فيكون هو الذات العارفة وهو وسيلة المعرفة، وهو موضوع المعرفة، وبه تتحقق غاية المعرفة، فالموقف المعرفي كله يتوحد في الإنسان.
الإنسان ومسئوليته عن الكون:
أ- الكون الطبيعي:
لقد خلق الله الإنسان على نحو جعله قابلا ومستعدا للمعرفة، وهبه أدوات تحصيل المعرفة من الحواس والعقل، قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)

وكما خلق الله الإنسان على هذا النحو، فقد وضعه أمام مسئوليته المباشرة عن حسن توظيف أدوات المعرفة وتحصيل المطلوب منها، فقال سبحانه وتعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} [الإسراء: 36] .
ومن المفيد هنا أن نلاحظ عند قراءة الآيتين السابقتين من سورة النحل وسورة الإسراء نجد أن أدوات المعرفة التي ذكرت فيهما جاءت بنفس الترتيب: "السمع. البصر. الفؤاد" وتكرر ذكر هذه الأدوات بنفس الترتيب في القرآن الكريم كثيرا.
وحين نلاحظ وظائف هذه الأدوات ودورها في تحصيل المعرفة نجد أن حاستي السمع والبصر تتعلق وظائفهما بعالم الشهادة فقط، فأنت تسمع وتبصر ما هو موجود متعين في عالم الشهادة. أما الفؤاد فيتعدى هذا العالم الحسي إلى تحصيل المعارف المجردة عن الحواس، إلى معرفة القوانين والعلاقات الكامنة بين الأشياء المحسوسة، إلى تحصيل المعارف الكلية، إلى معرفة الخصائص والطبائع. أما حاستا السمع والبصر فيقتصر دورهما على تحصيل المعارف الجزئية الحسية الآنية اللحظية فقط، أما الفؤاد فيتجاوز في وظيفته كل المعارف الجزئية إلى المعارف الكلية كما يتجاوز المعارف الآنية اللحظية إلى الماضي والمستقبل، ويتعرف على الماضي كما يتصور المستقبل ويتخيله. وبذلك يستطيع الإنسان أن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)

يجمع في أطراف الموقف المعرفي الزمن بعناصره الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، ومن هنا يستطيع أيضا أن يستخلص من الموقف المعرفي الدرس المستفاد من الماضي ليضيء به الحاضر، ويرسم به المستقبل لتتحقق غاية المعرفة، وأهدافها المطلوبة.
ولقد وضع القرآن الكريم أمام الإنسان مجموعة من التساؤلات التي يتعلق بعضها بالكون الطبيعي، ويتعلق بعضها الآخر بالكون الاجتماعي، والتي ينبغي أن يشغل نفسه بالتأمل فيها ويحاول البحث عن الإجابة عنها خلال توظيفه لأدوات المعرفة التي منحها الله له.
وخلال تأملنا لهذه التساؤلات القرآنية نجدها تتعلق بمواقف متنوعة يعيشها الإنسان في صباحه ومسائه، قد يتنبه المرء إلى بعضها فيقف أمامها متسائلا متعجبا، وقد يغيب عن بعضها الآخر فلا ينشغل بها ولا يفطن إليها، فيسوقها القرآن إليه في شكل سؤال يحتاج إلى إجابة لا بد أن يشغل المرء بها نفسه؛ لأن طرح هذه التساؤلات والانشغال بها تسهم إلى حد كبير في اكتمال الموقف المعرفي، وتقود الإنسان إلى تحقيق المقاصد والغايات الإلهية من الموقف المعرفي؛ لأنها تنبه الإنسان إلى النظر فيما يشاهد من ظواهر كونية يتأملها بعقله، ويتساءل حولها: كيف خلقت؟ لماذا خلقت؟ ومن خلق؟ ولماذا جاءت على هذا النحو من الوجود دون

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)

غيره؟ وما سر ارتباطها بما سبقها وما لحق بها من الظواهر … إلخ هذه التساؤلات، والقرآن الكريم يسوق لنا هذه التساؤلات في صيغة الأمر الإلهي المباشر.
فكما أمر بالصلاة والزكاة والحج أمر كذلك بالنظر والتساؤل حول هذه الظواهر الكونية، ولا فرق عندي بين صيغة الأمر في الحالتين من حيث ضرورة وجود ما أمر به الوحي وتحصيله إلا من حيث إن الأمر بالصلاة والزكاة يتعين على كل مسلم القيام به، والأمر بالتساؤل هنا حول مظاهر الكون وظواهره يكفي في القيام به بعض من أهل الاختصاص والعلماء والباحثين. فالأمر بالعبادات فرض عيني والأمر بالتساؤل فرض كفائي، لكن ذلك لا يعني عدم وجوده، ولا يعني خلو المجتمع ممن ينهض بهذه المسئولية.
وإذا كان الفرض العيني يتعين على كل فرد القيام به ويتعين مسئوليته عنه أمام الله، فإن الفرض الكفائي يتعين على مجموع الأمة القيام به، وتتعين مسئولية الأمة عنه أمام الله. وإذا كانت مسئولية الفرض العيني مسئولية شخصية فردية، فإن مسئولية فرض الكفاية مسئولية جماعية يتعين على شخص الحاكم والراعي أن يكلف من ينهض بها نيابة عن مجموع الأمة إذا لم يتقدم أحد للنهوض بها. وتلك قضية على جانب كبير من الأهمية في النهوض بالأمة والترقي

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)