ربيعة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلماً بمعاهد، وهو مرسلٌ منكر".
وفي الطريق الآخر: "إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى" وهو متروك الحديث باتفاقهم، فإذا نظرنا في كلام أبي عبيد الماضي: في أن ربيعة إنما أخذه من ابن أبي يحيى، وأنَّ الحديث حديث ابن أبي يحيى، فإنَّ هذا الإسناد يكون معلولاً بهذين الرجلين: ابن أبي يحيى، وابن البيلماني، هذا بالإضافة إلى كونه مرسلاً غير مسند. هذا فيما يتعلق بالطريق المرسل.
وأما الطريق المسند: فقد أخرجه الدارقطني في (سننه) 1 - ومن طريقه البيهقي في (سننه) 2 - من طريق:
عمَّار بن مطر، عن إبراهيم بن محمد، عن ربيعة، عن ابن البيلماني، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَتَلَ مسلماً بمعاهدٍ، وقال: "أَنَا أَكْرَم مَن وَفَّى بذمته".
وهذه الرواية الموصولة فيها عدة علل، كما بَيَّنَ ذلك الأئمة رحمهم الله:
قال الدارقطني: "لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى، وهو متروك الحديث، والصواب: عن ربيعة، عن ابن البيلماني - مرسلٌ - عن النبي صلى الله عليه وسلم"3. ثم ذكر ضعف ابن البيلماني، وقد سبق. وقال البيهقي:--------------------------------------------
(4/134) ح 165.
(8/30) .
3 سنن الدارقطني: (3/135) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 184)
"هذا خطأ من وجهين: أحدهما: وصله بذكر ابن عمر فيه، وإنما هو: عن ابن البيلماني، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً. والآخر: روايته عن إبراهيم، عن ربيعة، وإنما يرويه إبراهيم عن: ابن المنكدر، والحمل فيه على عمار بن مطر الرُّهَاوي؛ فقد كان يقلب الأسانيد، ويسرق الأحاديث حتى كثر ذلك في رواياته، وسقط عن حد الاحتجاج به"1. وقال الحازمي - بعد أن ذكر الجماعة الذين رووه مرسلاً -: "وقد خالفهم إبراهيم بن أبي يحيى في ذلك، فرواه عن: ربيعة، عن ابن البيلماني، عن ابن عمر مرفوعاً. وليس ابن أبي يحيى ممن يُفْرح بحديثه"2. وقال الحافظُ ابن حجر: "وَتَبَيَّنَ أنَّ عمار بن مطر خَبَطَ في سنده"3.
قلت: وعمار بن مطر - الذي جاء منه البلاء والخبط في هذا الحديث -: هو أبو عثمان الرُّهَاوي، ضَعَّفَهُ الأئمة ورموا أحاديثه بالنكارة، فقال أبو حاتم: "كان يكذب"4. وقال العقيلي: "يُحَدِّث عن الثقات بمناكير"5. وقال ابن حبان: "يروى عن ابن ثوبان وأهل العراق المقلوبات، يسرق الحديث ويقلبه … "6. وقال ابن عدي: "متروك--------------------------------------------
1 سنن البيهقي: (8/30) .
2 الاعتبار: (ص 190) .
3 فتح الباري: (12/262) .
4 الجرح والتعديل: (3/1/394) .
5 الضعفاء: (3/327) .
6 المجروحين: (2/196) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 185)
الحديث … الضعف على رواياته بَيِّنٌ"1. وقال الدارقطني: "ضعيف"2. وقال الذهبي: "هالك"3.
فتلخص أن هذا المسند فيه بلايا: عمار بن مطر الهالك، وابن أبي يحيى المتروك، وابن البيلماني الضعيف، ومع كل ذلك: فإنَّ وَصْلَهُ خطأٌ، وأنَّ الصواب: إرساله، وهذا المرسل ضعيف أيضاً، لا يثبت مثله، وقد تقدم ذلك كله في كلام ابن القيم رحمه الله.--------------------------------------------
1 الكامل: (5/ 72 - 73) .
2 السنن: (1/211) .
3 الميزان: (3/169) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 186)
6 - باب البدء في القسامة بأيمان المدعي
102- (8) عن سهل بن أبي حَثْمَةَ: أن نفراً من قومه انطلقوا إلى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقُوا فيها، فَوَجَدُوا أَحَدَهُم قتيلاً، فقالوا للذين وجدوه عندهم: قتلتم صَاحِبَنَا. فقالوا: ما قَتَلْنَاه ولا علمنا قاتلاً، فانطلقنا إلى نَبِيَّ الله صلى الله عليه وسلم، قال: فقال لَهُم: "تَأْتُونِي بِالبَيِّنَة على من قَتَلَ هذا؟ " قالوا: مَا لَنَا بَيِّنة، قال: "فَيَحْلِفُوَن لكم؟ " قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فَكَرِهَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يبطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ مائة من إبل الصَّدَقَةِ.
هكذا رُوِيَ هذا الحديث عند أبي داود وجماعة، والمشهور في هذه القصة خلافه، حيث بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بأيمان الْمُدَّعِين، فلما لم يحلفوا طلب أيمان اليهود، ولا ذكر فيه للبينة. ووقع فيه خلاف آخر ستأتي الإشارة إليه.
قال ابن القيم رحمه الله: "والصَّوابُ: روايةُ الجماعة الذين هم أئمةٌ أثباتٌ: أنه بدأَ بأَيمان الْمُدَّعِين، فلما لم يحلفوا ثَنَّى بأيمانِ اليهود. وهذا هو المحفوظُ في هذه القصة، وما سواه وَهْمٌ"1.
قلت: هذا الحديث أخرجه البخاري في (صحيحه) 2، وأبو داود، والنسائي في (سننيهما) 3، وكذا الدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) 4 من--------------------------------------------
1 تهذيب السنن: (6/321) .
2 ك الديات، باب القسامة، ح 6898 (فتح الباري 12/229) .
3 د: (4/661) ح 4523 ك الديات، باب ترك القود بالقسامة. س (8/12) ك القسامة، باب تبدئة أهل الدم في القسامة.
4 قط: (3/110) ح 95. هق: (8/120) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 187)
طرق، عن: أبي نعيم1. وأخرجه مسلم في (صحيحه) 2 من طريق: عبد الله بن نمير. كلاهما عن:
سعيد بن عبيد3، عن بشير بن يسار4، عن سهل بن أبي حَثْمَةَ5 رضي الله عنه به. واللفظ المذكور هو لفظ أبي داود، ولفظ الباقين مثله، غير أنه جاء عند البخاري: " … فَكَرِهَ أن يُطَلَّ6 دمه" بدل "يبطل" عند الآخرين. أما مسلم، فإنه لم يسق لفظه في (صحيحه) . وساقه في كتابه (التمييز) بنحو لفظ البخاري، وسيأتي كلامه.
هكذا رواه سعيد بن عبيد، عن بشير، وخالفه يحيى بن سعيد القطان، فأخرجه مسلم في (صحيحه) 7، والنسائي في (سننه) 8، والشافعي في (رواية المزني) 9 ثلاثتهم من طريق: عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي. وأخرجه مسلم10 أيضاً، والترمذي11، والنسائي12، ثلاثتهم--------------------------------------------
1 هو: الفضل بن دكين.
(3/1294) ح 1669 (5) ، ك القسامة والمحاربين … ، باب القسامة.
3 الطائي، أبو الهذيل الكوفي، ثقةٌ، من السادسة / خ د ت س. (التقريب 239) .
4 الحارثي، مولى الأنصار، مدني، ثقةٌ فقيهٌ، من الثالثة/ ع. (التقريب 126) .
5 ابن ساعدة بن عامر الأنصاري الخزرجي، المدني، صحابي صغير، ولد سنة ثلاث من الهجرة، وله أحاديث، مات في خلافة معاوية / ع. (التقريب 257) .
6 يقال: طُلَّ دمهُ، وأُطِلَّ، وأَطَلَّهُ الله: إذا أُهْدِرَ. (النهاية 3/136) .
(3/1293) ح 1669.
(8/10) .
(ص 423) ح 624 باب ما جاء في القسامة.
10 ح 1669 (1) .
11 في جامعه: (4/30) ح 1422 ك الديات، باب ما جاء في القسامة.
12 (8/7) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 188)
من طريق: الليث بن سعد. وأخرجه الترمذي1 وحده من طريق: يزيد ابن هارون. وأخرجه مسلم، والنسائي2، والدارقطني3 من طريق: بشر ابن الفضل. وأخرجه النسائي4، والشافعي5 من طريق: سفيان بن عيينة. كلهم عن:
يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حَثْمَةَ - ووقعَ في رواية الليث بن سعد: عن سهل بن أبي حثمة، قال يحيى: وحسبت عن رافع بن خديج - أنهما قالا: خرج عبد الله بن سهل بن زيد، ومحيصة بن مسعود بن زيد، حتى إذا كانا بخيبر تفرقا في بعض ما هنالك.." فساقا الحديث بنحو ما تقدم، وفيه: فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مقتل عبد الله بن سهل، فقال لهم: "أتحلفون خمسين يميناً فتستحقون صاحبكم؟ " قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد؟ قال: "فتبرئكم يهود بخمسين يميناً؟ " قالوا: وكيف نقبلُ أيمان قومٍ كُفَّار؟ فما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى عقله6.
هذا سياق مسلم، ولفظ الآخرين نحوه.
فقد خالف يحيى بن سعيد - في حديثه هذا - سعيد بن عبيد في--------------------------------------------
(4/31) .
(8/9) .
(3/108) ح 91.
(8/11) .
5 رواية المزني: (ح 622) .
6 العقل: الدِّيَة. (النهاية 3/278) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 189)
موضعين: فلم يذكر فيه سُوءَالَهُم البَيِّنَة، وذكر فيه طلبَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أيمان الْمُدَّعين.
فذهب بعض أهل العلم إلى تقديم رواية يحيى بن سعيد، وقد قَرَّرَ ذلك الإمام مسلم رحمه الله في كتابه (التمييز) فقال - بعد أن ساق الحديث بإسناده إلى سعيد بن عبيد -: "هذا خبرٌ لم يحفظه سعيد ابن عبيد على صحته، ودخله الوهمُ حتى أغفل موضع حُكْمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم على جهته. وذلك أن في الخبر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقسامة: أن يحلف المدَّعون خمسين يميناً ويستحقون قاتلهم، فأبوا أن يحلفوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تبرئكم يهود بخمسين يميناً. فلم يقبلوا أيمانهم، فعند ذلك أعطى النبي صلى الله عليه وسلم عقله"1. ثم ساق الحديث من عدة طرق إلى يحيى بن سعيد على نحو ما تقدم، ثم قال: "وَتَواُطُؤ هذه الأخبار التي ذكرناها بخلاف رواية سعيد، يَقْضِي على سعيد بالغلط والوهم في خبر القسامة. وغير مشكل على من عقل التمييز من الحفاظ من نقلة الأخبار، ومن ليس كمثلهم: أن يحيى بن سعيد أحفظ من سعيد بن عبيد، وأرفع منه شأناً في طريق العلم وأسبابه"2.
ونقل ابن القيم رحمه الله عن النسائي قوله: "لا نعلمُ أحداً تابع سعيد بن عبيد على روايته عن بشير بن يسار"3.--------------------------------------------
1 التمييز: (ص 192) .
2 التمييز: (ص 194) .
3 تهذيب السنن: (6/320) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 190)
وقال المنذري - في كلامه على حديث سعيد بن عبيد-: "وقد ذكرنا … اتفاق الحفاظ على البداءة بالمدعين"1.
فهذا مسلك هؤلاء في هذين الخبرين.
ورأى آخرون أنه لا تعارضَ بين الروايتين، وأن الجمع ممكن، فقال البيهقيُّ رحمه الله: "وإن صَحَّتْ رواية سعيد فهي لا تخالف رواية يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، لأنه قد يريد بالبَيِّنَة: الأيمان مع اللَّوث2، كما فسره يحيى بن سعيد، وقد يطالبهم بالبينة - كما في هذه الرواية - ثم يعرض عليهم الأيمان مع وجود اللوث، كما في رواية يحيى بن سعيد، ثم يَرُدُّها على الْمُدَّعَى عليهم عند نكول الْمُدَّعِين، كما في الروايتين"3.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: " … في رواية سعيد بن عبيد: لم يذكر عرض الأيمان على المدعين، كما لم يقع في رواية يحيى بن سعيد طلب البينة أولاً، وطريق الجمع أن يقال: حَفِظَ أحدهم مالم يحفظ الآخر، فيحمل على أنه طلب البينة أولاً فلم تكن لهم بينة، فعرض عليهم الأيمان فامتنعوا، فعرض عليهم تحليف المدعى عليهم فأبوا". قال: "وقد وجدنا لطلب البينة في هذه القصة شاهداً من وجه آخر، أخرجه النسائي4 من طريق: عبيد الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن--------------------------------------------
1 مختصر السنن: (6/321) .
2 اللَّوْثُ: البَيِّنَة الضعيفة غير الكاملة. (المصباح المنير: 2/560) .
3 سنن البيهقي: (8/120) .
4 في سننه: (8/12) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 191)
ابن محيصة الأصغر أصبحَ قتيلاً على أبواب خيبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَقِمْ شاهدين على من قتله، أَدْفَعْهُ إليك بِرِمَّتِهِ". قال: يا رسول الله أنَّى أصيبُ شاهدين، وإنما أصبح قتيلاً على أبوابهم؟ قال: "فتحلف خمسين قسامة". قال: فكيف أحلف على ما لا أعلم. قال: "تستحلف خمسين منهم". قال: كيف وهم يهود؟. قال: "وهذا السندُ صحيحٌ حسنٌ، وهو نصٌ في الحمل الذي ذكرته، فتعين المصير إليه"1.
وكأنَّ ابن القيم رحمه الله لم يستبعد إمكان الجمع أيضاً؛ فإنه بعد أن نقل كلام البيهقي السابق، قال: "ويدلُّ على ما ذكره البيهقي: حديث النسائي عن عمرو بن شعيب"2. وهذا بعينه مسلك ابن حجر كما مرَّ، إلا أنه - مع ذلك - قد صَوَّبَ ما ذهب إليه الإمام مسلم رحمه الله من ترجيح رواية يحيى بن سعيد، وتخطئة ما سواها.
قلت: ومسلكُ الجمع وجيهٌ؛ إذ إنَّ الجمع بين الوجوه التي ظاهرها التعارض، أولى من تخطئة الثقة بلا برهانٍ واضحٍ، وبَيِّنَةِ ظاهرة، لا سيما وقد وُجِدَتْ متابعة لرواية سعيد بن عبيد، كما مضى في كلام ابن حجر رحمه الله.
ثم إنه قد وقع خلافٌ على يحيى بن سعيد في روايته، ففي رواية حماد بن زيد عند مسلم3 وأبي داود4، أنه صلى الله عليه وسلم قال: "يُقْسِمُ خمسون--------------------------------------------
1 فتح الباري: (12/234) .
2 تهذيب السنن: (6/321) .
3 صحيح مسلم: ح 1669 (2) .
4 السنن: (4/655) ح 4520.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 192)
منكم على رجلٍ منهم فيدفع برمته". قال البيهقي: "هكذا رواه حماد بن زيد … والعدد أولى بالحفظ من الواحد"1. يعني أنهم لم يذكروا قوله: "على رجلٍ منهم".
وَثَمَّةَ خلاف آخر على يحيى بن سعيد؛ فقد أخرج البيهقي رحمه الله هذا الحديث من طريق ابن عيينة، عن يحيى، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: "فتبرئكم يهود بخمسين يميناً … " 2. فَقَدَّمَ أيمان اليهود.
قال أبو داود - وقد أشار إلى هذه الرواية -: "وهذا وَهْمٌ من ابن عيينة"3.
وقد نقل الشافعي عن ابن عيينة أنه لم يتقنه، فقال: "فكان سفيان يحدثه هكذا، وربما قال: لا أدري أَبَدَأَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصارَ في اليمين أم يهود؟ فقال له: إن الناس يحدثون أنه بدأ الأنصار، قال: فهو ذلك. وربما حَدَّثَهُ ولم يشكّ فيه"4. واستدلَّ البيهقي رحمه الله بذلك على أن ابن عيينة لم يتقنه إتقان الجماعة الكثيرين الذين رووه عن يحيى بخلاف ذلك5.--------------------------------------------
1 سنن البيهقي: (8/119) .
2 سنن البيهقي: (8/119) .
3 سنن أبي داود: (4/658) .
4 السنن المأثورة (رواية المزني) : (ص 423) .
5 سنن البيهقي: (8/119) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 193)
فتلخص من ذلك: أن ابن القيم رحمه الله قد اختار رواية من روى البدءَ بأيمان الْمُدَّعِين، ولم يذكر طلبَ البينة، ورأى أنَّ ذلك هو الصواب، وأن ما عدا ذلك وَهْمٌ من قائله. وقد سبقه إلى ذلك: الإمام مسلم، والنسائي رحمهما الله. ومع ذلك، فإن القولَ بالجمع بين الخبرين، وعدم تعارضهما قول لا ينبغي إهماله أيضاً؛ لأن التأليف بين الأخبار أولى؛ لكون ذلك فيه إعمال لها جميعاً كما مضى، والله أعلم.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 194)
من كتاب الأدب
1 ـ باب كم مرة يشمت العاطس؟
…
1 - باب كم مرة يشمت العاطس؟
103- (1) عن أبي هريرة موقوفاً عليه: "شَمِّتْ1 أخَاكَ ثَلاثَاً، فما زَادَ فهو زُكَامٌ".
ذكر ابن القَيِّم رحمه الله هذا الحديث وعزاه إلى أبي داود، ثم ذكر أن أبا داود أخرجه من وجه آخر عن ابن عجلان، وفيه قول سعيد المقبري: "لا أعلمه إلا أنه رَفَعَ الحديث - يعني أبا هريرة - إلى النبي صلى الله عليه وسلم". ثم ذكرَ روايةً أُخرى عَلَّقَها أبو داود أيضاً، ثم حَكَمَ عليها بالحسن2.
قلت: أما الرواية الموقوفة، فقد أخرجها أبو داود في (سننه) 3 من طريق: يحيى القطان. والبخاري في (الأدب المفرد) 4 من طريق: ابن عيينة، كلاهما عن: محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري5، عن أبي هريرة رضي الله عنه به.
وفي إسناده "محمد بن عجلان"، وقد تُكُلِّم في روايته عن المقبري،--------------------------------------------
1 التَّشْمِيتُ - بالشين والسين-: الدعاء بالخيرِ والبركةِ، والمعجمة أعلاهما. (النهاية 2/499) .
2 زاد المعاد: (2/440 - 441) .
(5/290) ح 5034، ك الأدب، باب كم مرة يشمت العاطس.
(ص 137) باب من عطس مراراً.
5 أبو سعيد المدني، ثقةٌ، من الثالثة، تَغَيَّرَ قبل موته بأربع سنين، وروايته عن عائشة وأم سلمة مرسلة، مات في حدود 120هـ /ع. (التقريب 236) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 197)
عن أبي هريرة، قال يحيى القطان: "سمعتُ محمد بن عجلان يقولُ: كان سعيدٌ المقبري يُحَدِّث عن أبيه عن أبي هريرة، وعن أبي هريرة، فاختلط عليَّ فجعلتها كلها عن أبي هريرة"1.
قال ابن حبان عقب إيراده هذه الحكاية: "وليس هذا مما يَهِي الإنسان به؛ لأن الصحيفة كلها في نفسها صحيحة، فما قال ابن عجلان: عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة. فذاكَ مما حَمَلَ عنه قديماً قبل اختلاط صحيفته عليه، وما قال عن سعيد عن أبي هريرة: فبعضها متصل صحيحٌ، وبعضها منقطع لأنه أسقط أباه منها، فلا يجب الاحتجاج - عند الاحتياط - إلا بما يَرْوي الثقات المتقنون عنه عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة … "2.
فَتَبَيَّنَ من هذا أن ما ينفردُ به ابنُ عجلان عن المقبري عن أبي هريرة: ينبغي التوقف فيه احتياطاً، لاحتمال أن يكون منقطعاً.
فإن قيل: وعلى القول بالانقطاع فإنه لا يضرُّ؛ لأنَّ الواسطة بين المقبري وأبي هريرة: "أبو سعيد المقبري"، ومع العلم بالواسطة فإنه لا يضر سقوطها؟
قيل: إنَّ تخليط ابن عجلان في حديث سعيد المقبري ليس قاصراً على رواية المقبري عن أبيه، بل منها ما كان عن سعيد عن غير أبيه، فقد--------------------------------------------
1 الثقات لابن حبان: (7/386) . وانظر: الميزان: (3/645) مع اختلاف يسير.
2 الثقات: (7/387) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 198)
وَرَدَ في حكايته آنفة الذكر: أن سعيداً كان يُحَدِّثُ عن أبيه، عن أبي هريرة. وعن رجل، عن أبي هريرة، فاختلط عليه فجعلهما عن أبي هريرة1.
وليس ذلك فحسب، بل اختلطت على ابن عجلان أحاديثُ المقبري عن أخيه عن أبي هريرة، وغيره من مشايخ سعيد، كما قاله النسائي رحمه الله2.
هذا ما يتعلق بالكلام على إسناد هذا الحديث، أما من ناحية رفعه:
فقد أخرجه أبو داود في (سننه) 3، والطبراني في (الدعاء) 4، وابن السُنِّي في (عمل اليوم والليلة) 5، ثلاثتهم من طريق:
الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة - قال: لا أعلمه إلا رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى الحديث المتقدم.
وأخرجه الطبراني في (الدعاء) 6 من طريق ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم … ، وقد تَقَدَّمَ أن--------------------------------------------
1 الميزان: (3/645) .
2 ينظر حول ذلك: (الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم) : (ص 223 - 225) .
(5/290) ح 5035.
(3/1695) ح 1999.
(ص 125) ح 250 باب تشميت العاطس ثلاثاً.
(3/1695) ح 2001.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 199)
البخاري أخرجه في (الأدب) من طريق ابن عيينة موقوفاً.
وقد رُوي مرفوعاً من وجهٍ آخر، عَلَّقَه أبو داود1 فقال: "رواه أبو نعيم، عن موسى بن قيس، عن محمد بن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة مرفوعاً".
ووصله الطبراني في (الدعاء) 2، فقال: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم … به، إلا أنه وقع عنده: "موسى بن موسى الأنصاري" بدل "موسى بن قيس" وأشار المحقق إلى عدم وقوفه على ترجمته.
والرجل - كما جاء في إسناد أبي داود - هو موسى بن قيس3، قال ابن القَيِّم: "هو الحضرميُّ الكوفيُّ، يعرفُ بعصفور الجنة، قال يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به"4.
وقد حَسَّنَ ابن القَيِّم رحمه الله حديث موسى بن قيس هذا، فقال: "وهو حديث حسن"5.
وقد سألَ ابن أبي حاتم أباه عن حديث أبي هريرة هذا موقوفاً؟ فقال: "منهم من يرفعه" قلت: من يرفعه؟ وأيهما أصح؟ فقال: "قوم من الثقات يرفعونه"6.--------------------------------------------
1 السنن: (5/290) .
(3/1694) ح 1998.
3 قال الحافظ ابن حجر: "صدوق رُمِيَ بالتشيع، من السادسة/ د س". (التقريب:553) .
4 زاد المعاد: (2/440 - 441) . وانظر: ترجمته في تهذيب التهذيب (10/366) .
5 زاد المعاد: (2/441) .
6 علل ابن أبي حاتم: (2/291) ح 2376.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 200)
فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث يُروى عن أبي هريرة موقوفاً ومرفوعاً، وأن رَفْعَهُ زيادة من الثِّقَةِ فهي مقبولة، والحديث حَسَنٌ لغيره، وذلك أنه من رواية ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وقد تقدم أن الاحتياط التوقف في رواية ابن عجلان ما لم يتابع عليها، وقد وجدت الشيخ الألباني رحمه الله نَبَّه على متابعة له تجعل حديثه مقبولاً، ولا ينزل عن درجة الحسن، وهي:
ما أخرجه الديلمي في (مسند الفردوس) من طريق: علي بن عاصم: حدثنا ابن جريج، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة به.
أشار رحمه الله إلى هذه المتابعة في (السلسلة الصحيحة) 1 ثم قال: "وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين، غير علي بن عاصم، قال الحافظ: صدوقٌ يخطئ ويهم".
قلت: وحديثه لا بأس به في المتابعات، وإذا ضُمَّ إلى طرق حديث ابن عجلان المتقدمة تَقَوَّى كل منهما بالآخر.
وثمة متابعة أخرى لسعيد المقبري نفسه، وذلك فيما أخرجه ابن السني في (عمل اليوم والليلة) 2 من طريق: محمد بن سليمان بن أبي داود3، عن أبيه، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن--------------------------------------------
(ح 1330) .
(ص 126) ح251.
3 الحراني، اسم جده: سالم أو عطاء، صدوقٌ، من التاسعة، مات 213هـ / ق. (التقريب 481) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 201)
النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه، وإن زاد على ثلاث فهو مزكوم، ولا تشميت بعد ثلاث مرات".
وأشار النووي رحمه الله إلى هذه الطريق في (الأذكار) 1 فقال: "وروينا في كتاب ابن السني - بإسناد فيه رجل لم أتحقق حاله، وباقي إسناده صحيح - عن أبي هريرة … " فذكره.
قال ابن حجر رحمه الله عقب نقله كلام النووي هذا: "الرجل المذكور هو: سليمان بن أبي داود الحراني، والحديث عندهما - يعني عند ابن السني وأبي يعلى- من رواية محمد بن سليمان عن أبيه، ومحمد موثَّق، وأبوه2 يقال له: الحراني، ضعيف، قال فيه النسائي: ليس بثقة ولا مأمون"3.
ولا شك أن هذه الطريق وإن كانت ضعيفة، فإنَّها تتقوى بما سبق، وإذا انضمت إلى الطريق السابقة أعطتها قوة.
ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام: أن ابن القَيِّم رحمه الله قد أشار إلى رواية ابن المسيب عن أبي هريرة الأخيرة، فبعد أن فرغ من الكلام على حديث ابن عجلان قال: "وفي الباب حديث آخر عن أبي هريرة يرفعه … " فذكره، إلا أنه حدث له وهم يرحمه الله، وهو أنه جعل لهذا المتن إسناداً آخر، فقال: "وهذا الحديث هو حديث أبي داود الذي--------------------------------------------
(ص 234) .
2 انظر ترجمته في الميزان: (2/206) .
3 فتح الباري: (10/605) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 202)
قال فيه: رواه أبو نعيم، عن موسى بن قيس، عن محمد بن عجلان، عن سعيد … "1. وقد علم مما تقدم أنهما حديثان متغايران.
هذا، وقد حَسَّنَ حديث أبي هريرة من طريق المقبري: البغوي2، والسيوطي3، والألباني4. وجوّد الحافظ العراقي إسناده5.
ومن هذا يتبين أنَّ الحديث حسنٌ بتلك المتابعات، كما حَكَمَ بذلك ابن القَيِّم رحمه الله.
ومن الشواهد التي ذكرها ابنُ القَيِّم رحمه الله لهذا الحديث:
104- (2) حديث عبيد بن رفاعة الزرقي، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "تشمتُ العاطسَ ثلاثاً، فإنْ شئت فشَمِّتْهُ، وإن شئت فَكُفّ ".
قال ابن القَيِّم رحمه الله عقب إيراده هذا الحديث: "ولكن له علتان:
إحداهما: إرساله؛ فإن عبيداً هذا ليست له صحبة.
والثانية: أن فيه أبا خالد يزيد بن عبد الرحمن الدالاني، وقد تُكِلِّم فيه"6.--------------------------------------------
1 زاد المعاد: (2/441) .
2 في مصابيحه، انظر: (المشكاة) : (ح 4743) .
3 في الجامع الصغير، انظر: فيض القدير مع الجامع: (4/164) ح 4898.
4 في صحيح الجامع: (ح 3715) .
5 كما في فيض القدير: (4/164) .
6 زاد المعاد: (2/441) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 203)
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) 1، والترمذي في (جامعه) 2، وابن السني في (عمل اليوم والليلة) 3، كلهم من طريق: عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن4، وإلى هنا اتفقوا جميعا ثم حصل اختلاف:
فأما أبو داود وابن السُّني فقالا: عن يحيى بن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة، عن أمه حميدة أو عبيدة بنت عبيد بن رفاعة، عن أبيها عبيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما الترمذي فقال: عن عمر بن إسحاق بن أبي طلحة، عن أمه عن أبيها، كذا سماه عمر، ولم يسم أمه ولا أباها. ولذلك فقد قال الترمذي عقب إخراجه "حديث غريب، وإسناده مجهول". وَضَعَّفَهُ النوويُّ5 معتمداً في ذلك على قول الترمذي.
ولكن تَعَقَّبَ الحافظ ابن حجر النوويَّ، فقال: "إطلاقه عليه الضعف ليس بجيد؛ إذ لا يلزم من الغرابة الضعف، وأما وصف الترمذي إسناده بكونه مجهولاً: فلم يُرِدْ جميع رجال الإسناد؛ فإنَّ معظمهم--------------------------------------------
(5/291) ح 5036.
(5/85) ح2744 ك الأدب، باب ما جاء كم يشمت العاطس.
(ح 252) .
4 أبو خالد الدالاني، الأسدي، الكوفي، صدوقٌ يخطئ كثيراً، وكان يُدَلِّس، من السابعة/ 4. (التقريب 636) .
5 في الأذكار: (ص 234) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 204)
مُوثَّقُون، وإنما وقع في روايته تغيير اسم بعض رواته وإبهام اثنين منهم". ثم ساق إسناد أبي داود وقال: "وهذا إسناد حسن، والحديث مع ذلك مرسل".
ثم ساق إسناد الترمذي، وقال: "وكأنه لم يمعن النظر، فمن ثم قال: إنه إسناد مجهول. وقد تَبَيَّنَ أنه ليس بمجهول، وأن الصوابَ: يحيى بن إسحاق، لا عمر"1.
فتبين من ذلك أنَّ هذا الحديث وإن كان مرسلا إلا أنه حسن الإسناد، وأبو خالد الدالاني وإن كان متكلماً فيه إلا أنه لا يصل إلى درجة من يُترك حديثه، وأن أقلَّ أحوالِ هذا المرسل أنه يصلحُ شاهداً لحديث أبي هريرة المتقدم، والله أعلم.--------------------------------------------
1 فتح الباري: (10/605 - 606) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 205)