وقد يكون بحسب التصريف كالمختار، يصلح للفاعل والمفعول1.
وقد يكون لأجل حرف محتمل: كالواو، تصلح عاطفة، ومبتدأة4.
و"من" تصلح للتبعيض، وابتداء الغاية، والجنس، وأمثال ذلك.
[حكم المجمل]
فحكم هذا التوقف فيه حتى يتبين المراد منه4.--------------------------------------------
1 فلفظ "المختار" متردد بين من وقع منه الاختيار، وبين من وقع عليه الاختيار، فالله تعالى مختار لنبيه صلى الله عليه وسلم حيث اختاره رسولًا، والنبي صلى الله عليه وسلم مختار، أي: وقع عليه اختيار الله عز وجل.
2 كما تكون بمعنى أو، ومعنى "مع" ومعنى "رب" وبمعنى الحال وغير ذلك.
3 وتكون للتبعيض، والتعليل، والبدل، وانتهاء الغاية، وبمعنى الباء وغير ذلك.
4 أي بدليل خارجي يبين المراد منه.
قال الطوفي: "لأن الله -تعالى- لم يكلفنا العمل بما لا دليل عليه، والمجمل لا دليل على المراد به، لا نكلف بالعمل به … ثم قال: والدليل على أنه لا يجوز ذلك -أيضًا-: هو أن في العمل به تعرضًا بالخطأ في حكم الشرع، والتعرض بالخطأ في حكم الشرع لا يجوز، وإنما قلنا: إن فيه تعرضًا بالخطأ؛ لأن اللفظ إذا تردد بين معنيين، فإما أن يرادا جميعًا، أو لا يراد واحد منهما، أو يراد أحدهما دون الآخر، فهذه أربعة أقسام، يسقط منها الثاني، وهو أن لا يراد واحد منهما؛ لأن ذلك ليس من شأن الحكماء، أن يتكلموا كلامًا لا يقصدون به معنى، يبقى ثلاثة أقسام، لا دليل على إرادة واحد منها.
فإذا أقدمنا على العمل قبل البيان، احتمل أن يوافق مراد الشرع، فنصيب حكمه، واحتمل أن نخالفه، فنخطئ حكمه، فتحقق بذلك أن العمل بالمجمل =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 518)
[صور اختلف في إجمالها]
فأما قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَة} 1 ونحوها2: فليس بمجمل، لظهوره من جهة العرف في تحريم الأكل، والعرف كالوضع.
ولذلك قسمنا الأسماء إلى عرفية ووضعية3.
ومن أنس بتعارف أهل اللغة: علم أنهم يريدون بقوله: "حرمت عليك الطعام": الأكل، دون اللمس والنظر، و"حرمت عليك الجارية": أي الوطء. ويذهبون في تحريم كل عين إلى تحريم ما هي معدة له.
وهذا اختيار أبي الخطاب وبعض الشافعية4.
وحكي عن القاضي أنه مجمل5؛ لأن الأعيان لا تتصف بالتحريم حقيقة، وإنما يحرم فعل ما يتعلق بها، فلا يدري ما ذلك الفعل في الميتة:--------------------------------------------
= قيل البيان تعرض بالخطأ في حكم الشرع.
وأما أن ذلك لا يجوز؛ فلأن حكم الشرع يجب تعظيمه، والتعرض بالخطأ فيه ينافي تعظيمه، فيكون ذلك ضربًا من الإهمال له، وقلة المبالاة والاحتفال به، وذلك لا يجوز" شرح المختصر "2/ 655".
1 سورة المائدة من الآية: 3.
2 مثل قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} وقوله تعالى: {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتِ} وسائر الصور التي أضيف الحكم فيها إلى الأعيان.
3 أي: في أول هذا الفصل.
4 وهو رأي القاضي عبد الجبار وأبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم، وأبي الحسين البصري.
انظر شرح المختصر "2/ 659".
5 ووافقه بعض العلماء، كأبي الحسن الكرخي -من الحنفية- وأبي عبد الله البصري -من المعتزلة- وبعض الشافعية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 519)
أكلها، أم بيعها، أم النظر إليها أو لمسها؟
وهذا قول جماعة من المتكلمين.
وقد ذكرنا أن هذا ظاهر من جهة العرف في الأكل، والصريح يكون بالوضع تارة، وبالعرف أخرى.
وقوله الله -تعالى-: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} 1: ليس بمجمل، وإنما هو لفظ عام، فيحمل على عمومه2.
وقال القاضي: هو مجمل3.--------------------------------------------
= انظر: العدة "1/ 145" وشرح مختصر الروضة "2/ 659".
1 سورة البقرة من الآية: 275.
2 أي: أن البيوع في الشرع كثيرة ومتعددة، منها الحلال، كالبيوع المستوفية لشروط الصحة، ومنها الحرام.... فبعض العلماء ادعى أن البيع في قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} مجمل، لتردده بين ما هو جائز وما هو محرم، ثم ورد البيان من الشرع.
ومنهم من قال: إنه عام في البيوع الجائزة وغيرها، ثم خص المحرم منها بأدلة أخرى، كالأحاديث التي جاءت بتحريم بعض البيوعات، كالنهي عن بيع الغرر، وعن بيعتين في بيعة، وعن بيع الإنسان ما ليس عنده وغير ذلك.
وقد بين الطوفي الفرق بين القولين فقال: "والقولان متقاربان؛ لأن تخصيص العموم نوع من البيان.
نعم، تظهر فائدة الخلاف في قوله عز وجل: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} إن قلنا: هو مجمل بين، كان حجة بلا خلاف، وإن قلنا: هو عام خص، كان في بقائه حجة الخلاف السابق، في أن العالم -بعد التخصيص- حجة أم لا؟
وعلى كل حال، فكونه من باب المخصوص أولى، وأكثر وأشهر" شرح المختصر "2/ 661-662".
3 انظر: العدة "1/ 110".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 520)
فصل: [نفي الذوات لا يقتضي الإجمال]
وقول النبي صلى الله عليه وسلم "لا صلاة إلا بطهور" 1 ليس بمجمل2.
وقال الحنفية: هو مجمل3؛ لأن المراد به: نفي حكمه؛ إذ لا يمكن حمل اللفظ على نفي صورة الفعل، فيكون خلفا4، وليس حكم أولى من حكم5.--------------------------------------------
1 أخرجه مسلم: كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا، كما أخرجه عند الترمذي: كتاب الطهارة، باب ما جاء لا تقبل صلاة بغير طهور، وابن ماجه: كتاب الطهارة، باب لا يقبل الله صلاة بغير طهور، والطيالسي في مسنده: كتاب الطهارة، باب ما جاء في فضل الوضوء، وأن الصلاة لا تقبل بدونه.
وللحديث طرق أخرى كثيرة يراجع: فيض القدير "6/ 415".
ومثل هذا الحديث كل ما جاء فيه نفي ذوات واقعة تتوقف الصحة فيها على إضمار شيء. مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" و "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب".
2 وهو مذهب جمهور العلماء.
3 وهو رأي أبي بكر الباقلاني وأبي عبد الله البصري "شرح المختصر 2/ 663".
4 خلفا -بضم الخاء وسكون اللام-: أي باطلًا، كما في القاموس، ولم يرتضه الزبيدي في شرحه، وقال: إنه بفتح الخاء، وهو الرديء من القول، وشبهه العلماء بمن ينطق من خلفه، وفي المثل: سكت ألفا ونطق خلفًا، أي: سكت عن ألف كلمة، ثم تكلم بخطأ.
قال الزبيدي: "ولعلهما لغتان، وإلا فالقياس في اللغة لا يصح والأشهر الفتح" انظر: تاج العروس "6/ 96" مادة "خلف".
5 خلاصة دليل الحنفية ومن معهم: أن قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بطهور" ونحوه، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 521)
قلنا: إذا حملناه على نفي الصلاة الشرعية: لم يحتج إلى إضمار الحكم، وإنما يصار إلى الإضمار: إذا لم يمكن حمل اللفظ على ما أضيف إليه اللفظ1.
فإن قيل فالفاسدة تسمى صلاة.
قلنا: ذلك مجاز؛ لكونها على صورة الصلاة، والكلام يحمل على حقيقته.
والصحيح: أن يحمل ذلك على نفي الصحة.--------------------------------------------
= أما أن يحمل نفي صورة الصلاة أو نفي حكمها، والأول باطل؛ لأن صورة الصلاة يمكن وجودها بغير طهارة، فتعين أن يكون المراد: نفي حكم الصلاة ولكن الأحكام متعددة ومتساوية، فيحتمل: نفي الصحة والكمال والأجزاء فيبقى الكلام مترددًا بين هذه المعاني، ومن هنا جاء الإجمال.
1 أجاب المصنف على استدلال الحنفية ومن معهم: بأن دعواكم الإجمال مبني على جعل اللفظ مترددًا بين معناه اللغوي ومعناه الشرعي، والمصطلحات الشرعية غلبت في كلام الشارع على المعاني اللغوية، فأصبحت المعاني اللغوية مجازًا بالنسبة للمعاني الشرعية، وعلى ذلك يحمل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بطهور" على المعنى الشرعي، أي: لا صلاة معتدًا بها شرعًا إلا بطهور، فلا نحتاج إلى إضمار حكم من الأحكام التي ترددتم فيها؛ لأن ذلك الإضمار إنما يحتاج إليه إذا لم يمكن حمل اللفظ على المعنى الحقيقي، وهو هنا: الصلاة المعهودة شرعًا من القيام والركوع والسجود وغير ذلك، وعلى ذلك يمكن حمل اللفظ على المعنى الشرعي، وإن حصلت صورته الظاهرة، إلا أنه منفي لفوات شرط من شروط صحة الصلاة، وهو الطهور.
وهذا المعنى هو الذي أشار إليه المصنف -بعد ذلك- في رده على قولهم: "فإن قيل: فالفاسدة تسمى صلاة" فأجاب: قلنا ذلك مجاز، لكونها على صورة الصلاة، والكلام يحمل على حقيقته. انظر توضيح ذلك في شرح مختصر الروضة "2/ 664-665".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 522)
وجهه1: أنه قد اشتهر في العرف نفي الشيء لنفي فائدته كقولهم: "لاعلم إلا ما نفع" و "لا عمل إلا بنية" و "لا بلدة إلا بسلطان" يراد به: نفي الفائدة والجدوى.
ولو قضينا بالصحة لم تنتف الفائدة، فيكون على خلاف العرف.
ولا يصح حمله على نفي الصلاة الشرعية؛ فإنه: إن أريد بالصلاة الشرعية: الصورة: لم يكن حمل اللفظ عليه لكونه خلفًا.
وإن فسرت بالفعل مع الحكم: لم يصح؛ لأن الصلاة يؤمر بها وينهى عنها، والأمر والنهي إنما يتعلق بالفعل الذي يمكن الإتيان به وتركه.
فصل
وقول النبي صلى الله عليه وسلم "لا عمل إلا بنية" 2 يدل على نفي الأجزاء--------------------------------------------
1 هذا جواب آخر على كلام الحنفية خلاصته: أنه اشتهر في العرف نفي الشيء لانتفاء فائدته، فيحمل الكلام في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بطهور" على نفي الصحة، لانتفاء الفائدة؛ لأن الصلاة بغير طهور، والصيام بغير تبييت نية لا يفيدان، فانتفت صحتها لانتفاء فائدتهما، إذ إن الصحة عبارة عن ترتيب الفوائد، والآثار المقصودة من الفعل. انظر: شرح مختصر الروضة "2/ 665".
2 جاء في كشف الخفاء "1/ 166" عن هذا الحديث: وورد بألفاظ مختلفة، بيناها في أوائل "الفيض الجاري" منها: العمل بالنية، ومنها: "لا عمل إلا بالنية".
والرواية المشهورة التي رواها عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".
أخرجه البخاري في باب كيف كان بدء الوحي، وفي كتاب الأيمان، باب النية في الأيمان، وفي كتاب العتق، باب الخطأ والنسيان في العتاق والطلاق ونحوه، كما اخرجه مسلم: كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنية" =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 523)
وعدمه؛ لما ذكرنا من العرف، فليس هذا من المجملات، بل هو من المألوف في العرف وكل هذا نفي لما لا ينتفي، وهو صدق، لأن المراد: نفي مقاصده لا نفي ذاته1.--------------------------------------------
= حديث "1907" وأبو داود "2201" والنسائي "1/ 58، 6/ 158، 7/ 13" والترمذي "1647" ومالك في الموطأ "983".
1 قال الطوفي في شرحه "2/ 667": "النزاع في قوله عليه السلام: "إنما الأعمال بالنيات" من هذا الباب، لأن "الأعمال" مبتدأ، وخبره محذوف، فاختلفوا: هل هو الصحة، فيكون التقدير: إنما الأعمال صحيحة، أو الكمال، فيكون تقديره: إنما الأعمال كاملة، والأظهر: إضمار الصحة لما سبق، والله -تعالى- أعلم".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 524)
فصل: [رفع الخطأ رفع للحكم]
وقوله عليه الصلاة والسلام: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" 1 المراد به رفع حكمه؛ فإنا علمنا أنه لم يرد رفع صورته؛ لأن كلامه يجل عن الخلف.--------------------------------------------
1 أخرجه ابن ماجه: كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن أبي ذر رضي الله عنه.
كما أخرجه عن ابن عباس -أيضًا-: الحاكم: كتاب الطلاق، باب ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
كذلك أخرجه ابن حبان في صحيحه، والطبراني في معجمه، وأبو نعيم في الحلية، وابن عدي في الكامل بلفظ "رفع عن هذه الأمة ثلاثًا: الخطأ، والنسيان، والأمر يكرهون عليه".
كما أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار": كتاب الطلاق، باب في طلاق المكره. =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 524)
وقيل: المراد: رفع حكمه الذي هو المؤاخذة، لا نفي الضمان ولزوم القضاء، لأنه ليس بصيغة عموم فيجعل عامًّا في كل حكم، كما لم يجعل قوله -تعالى- {حَرَّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} عامًّا في كل حكم.
بل لا بد من إضمار فعل يضاف النفي إليه.
فههنا لا بد من إضمار حكم يضاف الرفع إليه، ثم ينزل على ما يقتضيه عرف الاستعمال قبل الشرع.
وقد1 كان يفهم من قولهم: "رفعت عنك الخطأ" المؤاخذة به والعقاب، والضمان لا يجب للعقاب خاصة، بل قد يجب امتحانًا، ليثاب عليه2، ولهذا يجب على الصبي والمجنون، وعلى العاقلة، ويجب على المضطر مع وجوب الإتلاف، ويجب عقوبة على قاتل الصيد.
وأكثر ما يقال: إنه ينتفي الضمان الذي يجب عقوبة.
قال أبو الخطاب: "وهذا لايصح؛ لأنه لو أراد نفي الإثم: لم يكن لهذه الأمة فيه مزية؛ فإن الناسي لا يكلف في كل شريعة"3.--------------------------------------------
= وفي كل طريق من طرقه مقال يقدح في صحته، إلا أن ابن الدييغ قال في كتابه "تمييز الطيب من الخبيث": "رواته ثقات" كما صححه ابن حبان في صحيحه.
انظر: تلخيص الحبير "1/ 281 وما بعدها" كشف الخفاء "1/ 522".
1 معناه: أنه قد كان يفهم قبل الشرع من قول القائل: "رفعت عنك الخطأ والنسيان" رفع الحكم وهو الذم والمؤاخذة، وهو تأييد للمذهب الأول وهو: أن المراد من الحديث: رفع الحكم.
2 قول المصنف: "والضمان إلخ" رد على سؤال مقدر، تقديره: أن الضمان -أيضًا- عقاب، فكان يجب رفعه، فأجاب: ان الضمان قد يجب امتحانًا ليثاب عليه، لا للعقاب.
3 انظر: التمهيد: "2/ 236".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 525)
ولأنه لما أضاف الرفع إلى ما لا يرتفع ذاته: اقتضى رفع ما يتعلق به؛ ليكون وجوده وعدمه واحدًا.
كما أنه لما أضاف النفي إلى ما لا تنتفي ذاته: انتفى حكمه؛ ليكون وجوده وعدمه واحدًا.--------------------------------------------
1 خلاصة الكلام في ذلك: أن للعلماء في الحديث المذكور رأيين:
الرأي الأول: أنه لا إجمال في الحديث، وأن المقصود من الرفع: رفع الحكم وهو المؤاخذة؛ لأن العرف جارعلى أن المراد به: المؤاخذة، ولا يلزم من رفع المؤاخذة رفع ضمان ما أتلفه المخطئ أو الناسي، لأن ضمان المتلفات وأروش الجنايات من خطاب الوضع، وليست من خطاب التكليف، ولذلك يجب الضمان على الصبي مع أنه غير مكلف، ويلزم وليه، وكذلك تجب الدية على العاقلة، مع أنهم لا علم لهم بالجناية.
الرأي الثاني: أن الحديث فيه إجمال، وأن قصر الحكم على رفع المؤاخذة فقط لا يصح؛ لأنه لو أراد نفي الإثم فقط، لم يكن لهذه الأمة مزية على غيرها من الأمم؛ لأن الناسي والمخطئ غير مكلفين في جميع الشرائع -كما قال أبو الخطاب-.
وقد أجاب الشيخ الشنقيطي عن ذلك فقال:
"فيه عندي أمران:
أحدهما: أن رفع إثم الناسي والمخطئ من غير هذه الأمة غير مسلم؛ لورود أدلة تدل على اختصاص هذه الأمة بعفو الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، منها: الحديث الذي نحن بصدده، فقوله: "عن أمتي" يفهم منه: أن غيرها ليس كذلك: ومنها: حديث طارق بن شهاب في الذي دخل النار في ذباب قربه لصنم، مع أنه مكره بالخوف من القتل، لأنهم قتلوا صاحبه لما أبى عن ذلك.
ومنها: أن قوله تعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا … } [البقرة: 286] وقول الله: "قد فعلت" كما ثبت في صحيح مسلم، يدل على أن المؤاخذة بالخطأ والنسيان كانت معهودة على من قبلنا؛ إذ لو كانت مرفوعة عن كل أحد لما دعت ضرورة إلى هذا الدعاء، وإظهار الكرامة بالإجابة بقوله: "قد فعلت" =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 526)
فصل: في البيان
والمبيّن في مقابلة المجمل1.--------------------------------------------
= فظاهر الامتنان أنه خاص بنا.
ويستأنس لهذا بما ذكره البغوي عن الكلبي من أن من قبلنا كانوا يؤاخذون بالخطأ والنسيان: وقد قال الله في آدم: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ} [طه: 115] {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ} [طه: 121] فأضاف إليه العصيان والنسيان، فدل على المؤاخذة به. وأما على القول بأن "فنسي" بمعنى: "ترك" فلا دليل في الآية.
ومن الأدلة على مؤاخذتهم في الإكراه: قوله تعالى -عن أصحاب الكهف-: {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ} [الكهف: 20] فهذا صريح في الإكراه، مع أنهم قالوا: {وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} فدل على عدم عذرهم به.
ثانيهما: هو أن نقول: متعلق الرفع في قوله: "رفع عن أمتى إلخ" لا بد أن يكون أحد أمرين، أو كليهما، وهما: الإثم والضمان؛ إذ لا وصف يتعلق به الرفع إلا الإثم والضمان، والإثم مرفوع قطعًا؛ لقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ} [الأحزاب: 5] وقوله في الحديث القدسي: "قد فعلت" كما تقدم.
والضمان غير مرفوع إجماعًا، لتصريحه -تعالى- بضمان المخطئ في قوله: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ … } [النساء: 92] فاتضح أن الإثم مرفوع، وأن الضمان غير مرفوع، فتعين كون المرفوع: متعلق الرفع في الحديث كما هو واضح" مذكرة أصول الفقه ص182-183.
1 في جميع النسخ المطبوعة: "البيان والمبين في مقابلة المجمل" وهو خطأ نشأ من جعل كلمة "البيان" مقرونة بالمبين والأصل أن تكون في العنوان، وإلا فليس البيان هو المبين حتى يكون في مقابلة المجمل، فمقابل البيان: الإجمال، ومقابل المبين: المجمل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 527)
واختلف في البيان:
فقيل: هو الدليل. وهو: ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى علم أو ظن.
وقيل: هو إخراج الشيء من الإشكال إلى الوضوح.
وقيل: هو ما دل على المراد بما يستقل بنفسه في الدلالة على المراد.
وقد قيل: هذان الحدان يختصان بالمجمل1.
يقال لمن دل على شيء: "بينه" و"هذا بيان حسن" وإن لم--------------------------------------------
= فالإجمال: هو النطق باللفظ على وجه يقع فيه التردد بين معان مختلفة، والمجمل: هو اللفظ نفسه.
والمصنف ذكر التعريفات الواردة في البيان، وأحال تعريف المبين إلى تعريف المجمل وقال: إنه في مقابلته: أي ضده.
وهو قد أورد للمجمل تعريفين:
أحدهما: ما لا يفهم منه عند الإطلاق معنى.
وثانيهما: ما احتمل أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر.
وعلى ذلك يكون تعريف المبين دائرًا بين معنيين أيضًا:
أحدهما: ما يفهم منه عند الإطلاق معنى معينًا.
وثانيهما: ما لا يحتمل أمرين، أو ما له محمل واحد.
قال القرافي: الميين: هو اللفظ الدال بالوضع على معنى، إما بالإصالة، وإما بعد البيان. "شرح تنقيح الفصول ص274".
وقال الآمدي: "المبين قد يراد به الخطاب المستغني بنفسه عن بيان، وقد يراد به ما يحتاج إلى البيان عند وروده عليه، كالمجمل وغيره" الإحكام "3/ 25".
1 هذا اعتراض وارد على التعريفين: الثاني والثالث:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 528)
يكن مجملًا، والنصوص المعربة عن الأحكام ابتداء: بيان، وليس ثم إشكال.
ولا يشترط -أيضًا- حصول العلم للمخاطب؛ فإنه يقال: "بيّن له، غير أنه لم يتبيّن".--------------------------------------------
= خلاصته: أنهما ينطبقان على المجمل فقط، بينما البيان أشمل من ذلك.
ولذلك قال الغزالي -عن التعريف الأول-: "إلا أن الأقرب إلى اللغة، وإلى المتداول بين أهل العلم ما ذكره القاضي؛ إذ يقال -لمن دل غيره على الشيء- "بينه له" و"هذا بيان منك، لكنه لم يتبين" وقال تعالى: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 138] وأراد به القرآن" المستصفى "3/ 62" تحقيق الدكتور حمزة حافظ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 529)
فصل: [الأمور التي يحصل بها البيان]
ثم البيان يحصل:
بالكلام1.
وبالكتابة: ككتابة النبي صلى الله عليه وسلم إلى عماله في الصدقات2.--------------------------------------------
= خلاصته: أنهما ينطبقان على المجمل فقط، بينما البيان أشمل من ذلك.
ولذلك قال الغزالي -عن التعريف الأول-: "إلا أن الأقرب إلى اللغة، وإلى المتداول بين أهل العلم ما ذكره القاضي؛ إذ يقال -لمن دل غيره على الشيء- "بينه له" و"هذا بيان منك، لكنه لم يتبين" وقال تعالى: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 138] وأراد به القرآن" المستصفى "3/ 62" تحقيق الدكتور حمزة حافظ.
1 والكلام قد يكون من الله -تعالى- كقوله تعالى: {صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} [البقرة: 69] فإنه مبين لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67] .
وقد يكون الكلام من الرسول صلى الله عليه وسلم كقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَرِيًا [وهو الزرع الذي لا يسقيه إلا ماء المطر] العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر" فإنه مبين لقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] .
2 ومنها: حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه والذي جاء فيه عن أنس =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 529)
وبالإشارة، كقوله صلى الله عليه وسلم: "الشٌَهْرُ هَكَذَا وهَكَذَا وهَكَذَا" وأشار بأصابعه1.
وبالفعل2، كتبيينه الصلاة والحج بفعله.--------------------------------------------
= رضي الله عنه أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم فمن سئلها على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط: في أربع وعشرين فما دونها من الإبل في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى.... الحديث" أخرجه البخاري: كتاب الزكاة، باب من بلغت عنده صدقة بنت مخاض وليست عنده، كما أخرجه في باب زكاة الغنم، وفي باب: لا يؤخذ في الصدقة هرمة.
كذلك أخرجه أبو داود: كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، والنسائي في باب زكاة الإبل، وابن ماجه: باب إذا أخذ المصدق سنًّا دون سن أو فوق سن، والدارقطني: باب زكاة الإبل والغنم.
1 حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب الصيام، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نكتب ولا نحسب" من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. كما أخرجه عنه مسلم: كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، والفطر لرؤية الهلال، والنسائي: كتاب الصيام، باب ذكر الاختلاف على يحيى بن أبي كثير في خبر أبي سلمة فيه، وأبو داود: كتاب الصيام، باب: الشهر يكون تسعًا وعشرين.
2 المراد به: فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو رأي جمهور العلماء. قال الفتوحي في شرح الكوكب المنير "3/ 442": "وخالف في ذلك شرذمة قليلون".
والراجح: رأي الجمهور، فقد بين صلى الله عليه وسلم أعداد ركعات الصلاة، وأوصافها وهيآتها، ثم أكد ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم "صلوا كما رأيتموني أصلي" فهو بيان لقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاة} [البقرة: 43، 110] وبين مناسك الحج بفعله، ثم =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 530)
فإن قيل: إنما حصل البيان بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 1
و"خذوا عني مناسككم" 2.
قلنا: هذا اللفظ لا تعلم منه الصلاة والمناسك، وإنما بان وعلم بفعله.
والبيان بالفعل أدل على الصفة، وأوقع في الفهم من الصفة بالقول، لما في المشاهدة من المزيد عن الإخبار.
وقد يتبين جواز الفعل بالسكوت عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقر على الخطأ.
فكل مفيد من الشارع بيان3.--------------------------------------------
= أكد ذلك بقوله: "خذوا عني مناسككم" فإنه بيان لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] .
وقد اعترض المخالفون بأن البيان إنما كان بهذه الأحاديث، وليس بالفعل، فأجاب المصنف على ذلك: بأن اللفظ لم تعلم منه الصلاة ولا المناسك، وإنما علمت بالفعل، والأحاديث إنما هي تأكييد للأخذ بالأفعال التي رآها الصحابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا معنى قوله الآتي: "فإن قيل إلخ".
1 حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة، كما أخرجه في كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، وفي باب ما جاء في إجازة خبر الواحد، من حديث مالك بن الحويرث.
كما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
2 جزء من حديث أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، من حديث جابر عن عبد الله رضي الله عنهما مرفوعًا، كما اخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما في كتاب الحج.
3 هذه قاعدة عامة فيما يحصل به البيان، تشمل ما سبق، كما تشمل وجوهًا ثلاثة، ذكرها الطوفي في شرح المختصر "2/ 681-684" نلخصها فيما يلي:
الوجه الأول: الاستدلال العقلي من الشارع، بأن يبين العلة، أو مأخذ =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 531)
.............................................--------------------------------------------
الحكم، او أي فائدة. كما قال تعالى في صفة ماء السحاب: {فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ} [فاطر: 9] .
وقال تعالى -في موضع آخر-: {كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} [ق: 11] .
فبين سبحانه وتعالى لنا بذلك طريق الاستدلال على إمكان البعث والمعاد، ولولا هذا الطريق الذي فتحه الله تعالى للمؤمنين لما اجترأ متكلموهم أن يستدلوا عليه، ولا يتكلمون مع الفلاسفة المنكرين له فيه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه حين قال له: قبلت وأنا صائم-: "أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟ " فقال عمر: لا بأس بذلك. فقال صلى الله عليه وسلم: "ففيم؟ " "رواه أبو داود "2385" وأحمد "1/ 21، 52" وصححه ابن خزيمة "1999" وابن حبان "905" والحاكم "1/ 431" ووافقهم الذهبي".
فقاس صلى الله عليه وسلم القبلة على المضمضة، وبين بذلك أن الفطر إنما يكون بما يجاوز الحلق إلى الجوف، أو بما يحصل منه مقصوده الموضوع له من المفطرات، والقبلة لم يحصل منها مقصود جنسها وهو الإنزال، كما أن المضمضة لم يحصل منها مقصود الشرب وهو الري.
الوجه الثاني: الترك: مثل تركه صلى الله عليه وسلم لفعل أمر به تركه، أو سبق له فعله ثم تركه، فيكون تركه لهذا الفعل بيانًا له.
ومن أمثلة الأول: الأمر بالإشهاد في قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282] وثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان بيايع ولا يشهد، بدليل الفرس الذي اشتراه من الأعرابي، ثم أنكر الأعرابي البيع، حتى جاء خزيمة بن ثابت فشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه لم يكن حاضرًا، وإنما شهد بناء على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فعلم -بذلك- أن الإشهاد في البيع غير واجب.
ومن امثلة الثاني: تركه صلى الله عليه وسلم لصلاة التروايح، بعد أن صلاها في رمصان، خشية أن تفرض على المسلمين، فدل ذلك على عدم وجوبها، لأن الواجب لا يجوز تركه.
الوجه الثالث: السكوت بعد السؤال عن حكم الواقعة، فيعلم -بهذا السكوت- أنه لا حكم للشرع فيها، كما روي: أن زوجة سعد بن الربيع -رضي =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 532)
ويجوز تبيين الشيء بأضعف منه، كتبيين آي القرآن بأخبار الآحاد1.--------------------------------------------
= الله عنه- جاءت بابنتيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد، قتل أبوهما معك يوم أحد، وقد أخذ عمهما مالهما، ولا ينكحان إلا بمال، فقال "اذهبي حتي يقضي الله فيك" فذهبت ثم نزلت آية الميراث: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} [النساء: 11] فبعث خلف المرأة وابنتيها وعمهما، فقضى فيهم بحكم الآية. "رواه أبو داود "2891" والترمذي "292" وابن ماجه "2720" وأحمد "3/ 352" من حديث جابر بن عبد الله".
فدل ذلك على أن المسألة لم يكن فيها حكم شرعي قبل نزول الآية، ومن هنا كان السكوت داخلًا تحت القاعدة المتقدمة.
1 المراد من قول المصنف: "بأضعف منه": الأضعف في الرتبة لا في الدلالة؛ لأن تبيين اللفظ بما هو أضعف إلى أن المراد هنا: الضعف في الرتبة بقوله: "كتبيين آي القرآن بأخبار الآحاد".
وخلاصة آراء العلماء في مسألتنا: أنه لا خلاف بين العلماء في جواز البيان بما هو أقوى من المبين في الرتبة -وهذا وضح-.
ثم اختلفوا بعد ذلك على عدة مذاهب:
فذهب جمهور العلماء ومنهم أكثر الحنابلة إلى جواز البيان بالمساوي والأضعف، وهو ما رجحه ابن قدامة؛ ولذلك لم يذكره غيره.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا بد من التساوي.
ونقل عن بعضهم أنه لا بد وأن يكون أقوى من المبين.
وقد رجح كثير من العلماء مذهب الجمهور واستدلوا على ذلك بأنه لا يلزم من ضعف الرتبة ضعف الدلالة؛ لجواز أن يكون الأضعف رتبة أقوى دلالة، كتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لأنه أخص منه، فيكون أدل على الحكم.
انظر: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب "2/ 163"، فواتح الرحموت "2/ 48"، شرح الكوكب المنير "3/ 450-451".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 533)
فصل: [لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة]
ولا خلاف في: أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة1.
واختلف في تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة:
قال ابن حامد والقاضي يجوز2.
وبه قال أكثر الشافعية وبعض الحنفية3.
وقال أبو بكر: عبد العزيز4، وأبو الحسن التميمي: لا يجوز--------------------------------------------
1 صوّره بعض العلماء بقول الشارع: "صلوا غدًا" ثم لا يبن لهم في غد كيف يصلون، وهذا هو رأي جمهور العلماء، لأن تكليف الإنسان بما لا علم له به تكليف بما لا يطاق.
وأجاز ذلك من أجاز تكليف المحال، وعلى ذلك المعتزلة.
وقال بعض العلماء: إن القائلين بالجواز العقلي يوافقون الجمهور على عدم الوقوع.
قال الشوكاني: "وأما من جوز التكليف بما لا يطاق، فهو يقول بجوازه فقط، لا بوقوعه، فكان عدم الوقوع متفقًا عليه بين الطائفتين، ولهذا نقل أبو بكر الباقلاني إجماع أرباب الشرائع على امتناعه". إرشاد الفحول "2/ 37" تحقيق الدكتور شعبان إسماعيل. وانظر: المعتمد "1/ 342"، والبرهان "1/ 166" الإحكام لابن حزم "1/ 75".
2 انظر: العدة "3/ 725" والتمهيد "2/ 290".
3 انظر: البرهان "1/ 166" وكشف الأسرار "3/ 108".
4 هو عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد بن معروف، أبو بكر الحنبلي، المشهور بغلام الخلال، أصولي فقهيه من مؤلفاته: "المقنع" "توفي سنة 363هـ". =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 534)
ذلك، وهو قول أهل الظاهر والمعتزلة1.
ووجهه ثلاثة أمور:
أحدها: أن الخطاب يراد لفائدته، وما لا فائدة فيه وجوده كعدمه.
ولا يجوز أن يقال: "أبجد هوز" يراد به: وجوب الصلاة، ثم يبينه فيما بعد.
والثاني: أنه لا يجوز مخاطبة العربي بالعجمية؛ لأنه لا يفهم معناه، ولا يسمع إلا لفظه.
والثالث: أنه لا خلاف أنه لو قال: "في خمس من الإبل شاة"2: يريد به: خمس من البقر: لم يجز؛ لأنه تجهيل في الحال3، وإيهام لخلاف المراد.
وكذا قوله -تعالى-: {اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} 4 يوهم قتل كل مشرك، فإذا لم يبين التخصيص: فهو تجهيل في الحال.
ولو أراد بالعشرة: سبعة: لم يجز إلا بقرينة الاستثناء.
كذلك العام، لا يجوز أن يراد به الخصوص إلا بقرينة متصلة مبينة، فإن لم يكن بقرينة فهو تغيير للوضع.
وقال آخرون: يجوز تأخير بيان المجمل، ولا يجوز تأخير بيان--------------------------------------------
= انظر: تاريخ بغداد "10/ 459" طبقات الحنابلة "2/ 199".
1 وكذلك أبو بكر الصيرفي وأبو إسحاق المروزي "شرح الطوفي 2/ 688".
2 جزء من كتاب أبي بكر رضي الله عنه في الصدقات. تقدم قريبًا.
3 أي: تجهيل للسامع، فلا يدري ما المراد.
4 سورة التوبة من الآية: 5.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 535)