أما الكتاب:
فقوله –تعالى-: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} 1. حذر الفتنة والعذاب الأليم في مخالفة الأمر، فلولا أنه مقتض للوجوب ما لحقه ذلك.
وأيضا قول الله –تعالى-: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} 2.
وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ} 3 ذمهم على ترك امتثال الأمر، والواجب: ما يذم يتركه.
ومن السنة:
ما روى البراء بن عازب: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، فردوا عليه القول، فغضب، ثم انطلق حتى دخل على عائشة غضبان، فقالت: "من أغضبك أغضبه الله"؟ فقال: "وما لي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أتبع" 4.--------------------------------------------
= قال الطوفي: "وهذه طريقة جيدة في المطالب القطعية، أما الظنية: فيكون فيها ظهور أحد الطرفين، وإن توجه إليه قادح ما".
1 سورة النور من الآية: 63.
2 سورة الأحزاب من الآية: 36.
3 سورة المرسلات من الآية: 48.
4 أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب التمتع والإقران والإفراد بالحج، وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي، ومسلم: كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران، وأبو داود: كتاب الحج، باب إفراد الحج، كما أخرجه الشافعي والطيالسي.
انظر: تلخيص الحبير "2/ 231".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 554)
فإن قيل: هذا أمر اقترن به ما دل على الوجوب.
قلنا: النبي صلى الله عليه وسلم إنما علل غضبه بتركهم اتباع أمره، ولولا أن أمره للوجوب، لما غضب من تركه.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" 1. والندب غير شاق، فدل على أن أمره اقتضى الوجوب.
وقوله عليه السلام لبريرة2: "لو راجعتيه؟ " قالت: أتأمرني يا رسول الله؟ فقال: "إنما أنا شافع" 3. فقالت: لا حاجة لي فيه.--------------------------------------------
1 حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب التمني، باب ما يجوز من اللو، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه كما أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك والشافعي، كلهم في كتاب الطهارة.
2 هي: بريرة مولاة عائشة رضي الله عنهما اشترتها من رجل من بني هلال وأعتقتها.
انظر: الاستيعاب "4/ 1795".
3 حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب الطلاق، باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في زوج بريرة، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: "لو راجعتيه؛ فإنه أبو ولدك"، فقالت: بأمرك يا رسول الله؟ فقال: "إنما أنا شافع".
كما أخرجه أبو داود: كتاب الطلاق، باب في المملوكة تعتق وهي تحت حر أو عبد، والترمذي: كتاب الرضاع، باب ما جاء في المرأة تعتق ولها زوج، والنسائي: كتاب القضاء، باب شفاعة الحاكم للمحكوم قبل فصل الحكم، وابن ماجه وغيرهم.
قال أبو يعلي في العدة "1/ 233-234": "فموضع الدليل: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه شافع، وشفاعته تدل على الندب، ومن قال: الأمر على الندب يقول: هو بمنزلة الشفاعة، فلو كان الأمر والشفاعة سواء ما تبرأ من الأمر".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 555)
وإجابة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم مندوب إليها، فدلنا ذلك على أن أمره للإيجاب.
الثالث: إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنهم أجمعوا على وجوب طاعة الله -تعالى- وامتثال أوامره من غير سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عما عنى بأوامره، وأوجبوا أخذ الجزية من المجوس بقوله: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" 1.
وغسل الإناء من الولوغ بقوله " … فليغسله سبعا" 2.
والصلاة عند ذكرها بقوله: ".... فليصلها إذا ذكرها" 3.
واستدل أبو بكر رضي الله عنه على إيجاب الزكاة بقوله--------------------------------------------
1 حديث صحيح: رواه البخاري: كتاب الجزية، باب الجزية والموادعة مع أهل الحرب، والترمذي: كتاب السير حديث رقم "1586" ومالك في الموطأ: باب جزية أهل الكتاب والمجوس.
2 حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب الوضوء -باب إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا –حديث "37 عن أبي هريرة، ومسلم: كتاب الطهارة باب حكم ولوغ الكلب حديث "90" من طريق هشام عن ابن سيرين بلفظ: "إذا" ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات".
ورواه مثل رواية مسلم: الترمذي وقال: "حسن صحيح".
كما روي من طريق مالك عن أبي الزناد وعن الأعرج عن أبي هريرة بلفظ: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم غسل سبعا أولاهن بالتراب".
ورواه مثل رواية مسلم: الترمذي وقال: "حسن صحيح".
كما روي من طريق مالك عن أبي الزناد وعن الأعرج عن أبي هريرة بلفظ: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات".
3 حديث صحيح: أخرجه البخاري -كتاب مواقيت الصلاة، باب من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها- من حديث أنس بن مالك –رضي الله عنه مرفوعا. ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، كما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ولفظه: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 556)
- تعالى-: {.... وَآتُوا الزَّكَاةَ} 1.
ونظائر ذلك مما لا يخفى، يدل على إجماعهم على اعتقاد الوجوب.
الرابع: أن أهل اللغة عقلوا2 من إطلاق الوجوب؛ لأن السيد لو أمر عبده، فخالفه، حسن -عندهم- لومه وتوبيخه وحسن العذر في عقوبته لمخالفتة الأمر، والواجب: ما يعاقب بتركه، أو يذم بتركه.
فإن قيل: إنما لزمت العقوبة؛ لأن الشريعة أوجبت ذلك.
قلنا: إنما أوجبت طاعته إذا أتى السيد بما يقتضي الإيجاب، ولو أذن له في الفعل، أو حرمه عليه: لم يجب عليه.
ولأن مخالفة الأمر معصية. قال الله -تعالى-: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} 3، وقال: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} 4، ويقال: {أمرتك فعصيتني} .
وقال الشاعر5:
أمرتك أمرا جازما فعصيتني6 … .............................--------------------------------------------
1 سورة البقرة الآيات: 43-110، وسورة النور الآية: 56، والمزمل الآية 20.
2 أي: فهموا.
3 سورة التحريم من الآية: 6.
4 سورة طه من الآية: 93.
5 هو: الحصين بن المنذر الذهلي الرقاشي، من أهل البصرة، حامل راية بكر بن وائل في معركة "صفين" كان مع جيش علي، وكان شابا، ثم أصبح شريفا في قومه، وكان يكني نفسه بأبي ساسان، وكنيته في الحقيقة: أبو حفص. انظر: وفيات الأعيان "6/ 290".
6 هذا صدر بيت ضمن بيتين قالهما ليزيد بن المهلب لما أمره الحجاج بترك البصرة عام 85هـ فاستشار الحصين فأنشده
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 557)
والمعصية موجبة للعقوبة؛ قال الله -تعالى-: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا} 1.
وأما قول من قال: "نحمله على الإباحة2؛ لأنه اليقين" فهو باطل؛ فإن الأمر: استدعاء وطلب، والإباحة ليست طلبًا ولا استدعاء، بل إذن له وإطلاق.
وقد أبعد من جعل قوله: "افعل" مشتركًا بين الإباحة والتهديد، الذي هو: المنع وبين الاقتضاء؛ فإنا ندرك في وضع اللغات -كلها- قولهم: "افعل" و"لا تفعل" و"إن شئت فافعل" و"إن شئت فلا تفعل".
حتى لو قدرنا انتفاء القرائن كلها يسبق إلى الأفهام اختلاف معاني هذه الصيغ، ونعلم -قطعًا- أنها ليست أسامي مترادفة على معنى واحد، كما ندرك التفرقة بين قولهم: "قام" و"يقوم" في: أن هذا ماض، وذاك مستقبل، وهذا أمر يعلم ضرورة، ولا يشككنا فيه إطلاق مع قرينة التهديد.
وبالطريق الذي نعرف فإنه لم يوضع للتهديد: فعلم أنه لم يوضع للتخيير.
وقول من قال: "هو للندب؛ لأنه اليقين"3: لايصح لوجهين:--------------------------------------------
=
أمرتك أمرًا جازمًا فعصيتني … فأصبحت مسلوب الإمارة نادما
فما أنا بالباكي عليك صبابة … وما أنا بالداعي لترجع سالما
انظر: معجم الشعراء ص "193" شرح الحماسة للمرزوقي "2/ 814".
1 سورة الأحزاب من الآية: 36.
2 بدأ المصنف يرد على القائلين بأن صيغة "افعل" تدل على الإباحة.
3 هذا رد على القائلين بأنها للندب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 558)
أحدهما: أنا قد بينا أن مقتضى الصيغة الوجوب بما ذكرنا من الأدلة.
الثاني: أن هذا إنما يصح أن لو كان الوجوب ندبًا وزيادة، وليس1 كذلك؛ لأنه يدخل في حد الندب: جواز الترك، وليس بموجود في الوجوب.
وأما أهل الوقف2: فغاية ما معهم: المطالبة بالأدلة، وقد ذكرناها.
ثم قد سلموا أن الأمر اقتضى: ترجيح الفعل على الترك، فيلزمهم: أن يقولوا بالندب، ويتوقفوا فيما زاد، كقول أصحاب الندب.
أما القول: بأن الصيغة لا تفيد شيئًا: فتسفيه لواضع اللغة، وإخلاء للوضع عن الفائدة بمجرده3.
وإن توقفوا لمطلق الاحتمال: لزمهم التوقف في الظواهر كلها، وترك العمل بما لا يفيد القطع، واطراح أكثر الشريعة فإن أكثرها إنما ثبت بالظنون.--------------------------------------------
1 في الأصل "ولا".
2 هذا رد على القائلين بالتوقف.
3 لم أطلع على مذهب يقول: بأن صيغة "افعل" لا تفيد شيئًا، فلا أدري من أين جاء المصنف بهذا المذهب الغريب؟!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 559)
فصل: [فيما تفيده صيغة الأمر بعد الحظر]
إذا وردت صيغة الأمر بعد الحظر: اقتضت الإباحة وهو ظاهر قول الشافعي1.--------------------------------------------
1 قال ابن اللحام في القواعد ص138 "هذا قول جمهور أصحابنا".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 559)
وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين: تفيد ما كانت تفيده1 لولا الحظر؛ لعموم أدلة الوجوب.
ولأنها صيغة أمر مجردة عن قرينة أشبهت ما لم يتقدمه حظر.
ولأن صيغة الأمر اقتضت نسخ الحظر، وقد ينسخ بإيجاب، وينسخ بإباحة، وإذا احتمل الأمرين: بقي الأمر على مقتضاه في الوجوب.
ولأن النهي بعد الأمر يقتضي ما كان مقتضيًا له، فكذلك الأمر بعد الحظر.
وقال قوم: إن ورد الأمر بعد الحظر بلفظة "افعل": فكقولنا2.
وإن ورد بغير هذه الصيغة كقولهم: "أنتم مأمورون بعد الإحرام بالاصطياد" كقولهم3؛ لأنه في الأول انصرف بعرف الاستعمال إلى رفع الذم -فقط- حتى رجع حكمه إلى ما كان.
وفي الثاني لا عرف له في الاستعمال، فيبقى على ما كان4.--------------------------------------------
1 وهو الوجوب.
2 في الأصل: كقولنا: أي: أنه يفيد الإباحة.
3 في الأصل: كقولهم: أي: كقول الفقهاء والمتكلمين، من أنه للوجوب.
4 وفي المسألة آراء أخرى كثيرة، من أرجحها: أن حكمه يرجع إلى ما كان عليه قبل الحظر، فإن كان قبل الحظر للوجوب، رجع إلى الوجوب، مثل قوله صلى الله عليه وسلم لفاطمه بنت أبي حبيش: "دعي الصلاة أيام أقرائك، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي". متفق عليه.
أما إن كان للإباحة رجع إليها كما في قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} فإن الصيد كان مباحًا قبل الحظر وقت الإحرام...." قال ابن اللحام: "وهذا اختيار ابي العباس. قال: وهو المعروف عن السلف والأئمة ومعناه كلام المزني" "القواعد ص139".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 560)
ولنا:
أن عرف الاستعمال في الأمر بعد الحظر الإباحة، بدليل: أن أكثر أوامر الشرع بعد الحظر للإباحة، كقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} 1 {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا} 2، {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} 3.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحى فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأوعية كلها، ولا تشربوا مسكرا" 4.
وفي العرف: أن السيد لو قال لعبده: "لا تأكل هذا الطعام" ثم قال: "كله" أو قال لأجنبي: "ادخل داري وكل من ثماري" اقتضى ذلك رفع الحظر دون الإيجاب.
ولذلك: لا يحسن اللوم والتوبيخ على تركه.--------------------------------------------
1 سورة المائدة من الآية: 2.
2 سورة الجمعة من الآية: 10.
3 سورة البقرة من الآية: 222.
4 رواه مسلم: كتاب الجنائز، باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه، وفي كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه من حديث بريدة رضي الله عنه كما رواه عنه أبو داود: كتاب الجنائز، باب في زيارة القبور، وفي كتاب الأشربة، باب في الأوعية، والترمذي: كتاب الجنائز، باب الرخصة في زيارة القبور، وقال: "حديث حسن صحيح".
كذلك رواه النسائي وابن ماجه، والشافعي وغيرهم، من طريق بريدة وغيره.
انظر: نصب الراية "4/ 218"، فيض القدير "5/ 55".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 561)
فإن قيل:
فقد قال الله -تعالى-: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} 1.
قلنا: ما استفيد وجوب القتل بهذه الآية، بل بقوله: {اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 1، {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} 2.
وأما أدلة الوجوب: فإنما تدل على اقتضائه مع عدم القرائن الصارفة له، بدليل المندوبات وغيرها وتقدم الحظر قرينة صارفة لما ذكرناه.
وقولهم: "إن النسخ يكون بالإيجاب"3.
قلنا: النسخ إنما يكون بالإباحة التي تضمنها الإيجاب، زائد لا يلزم من النسخ، ولا يستدل به عليه.
وأما النهي4 بعد الإيجاب: فهو مقتض لإباحة الترك، كقوله عليه السلام: "توضئوا من لحوم الإبل ولا توضئوا من لحوم الغنم"5.--------------------------------------------
1 سورة التوبة من الآية: 5.
2 سورة التوبة من الآية: 12.
3 هذا رد على الدليل الثالث للقائلين بأنها تفيد الوجوب.
4 هذا -أيضًا- رد على دليلهم الرابع وهو: قياس الأمر بعد الحظر، على النهي بعد الأمر.
5 رواه أحمد في المسند "4/ 352" عن أسد بن حضير، وابن ماجه: كتاب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
وفي رواية أخرى -عند أحمد-: "توضئوا من لحوم الإبل وألبانها".
ورواية مسلم عن جابر بن سمرة أن رجلًا سأل سول الله صلى الله عليه وسلم: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: "إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ".
وللعلماء في وجوب الوضوء من أكل لحوم الإبل خلاف حكاه المصنف في =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 562)
وإن سلمنا: فالنهي آكد6.--------------------------------------------
= "المغني" فقال: "وجملة ذلك: أن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء على كل حال، نيئًا ومطبوخًا، عالمًا كان أو جاهلًا، وبهذا قال جابر بن سمرة ومحمد بن إسحاق وأبو خيثمة ويحيى بن يحيى وابن المنذر، وهو أحد قولي الشافعي.
قال أبو الخطاب: ذهب إلى هذا عامة أصحاب الحديث.
وقال الثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي: لا ينقض الوضوء بحال؛ لأنه روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الوضوء مما يخرج، لا مما يدخل" أخرجه الدراقطني والبيهقي وغيرهما.
وروي عن جابر قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم: ترك الوضوء مما مست النار" أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي. "المغني 1/ 250-251 تحقيق الدكتور عبد الله التركي والدكتور عبد الفتاح الحلو".
6 قوله: "وإن سلمنا: فالنهي آكد" هذا رد على قياس الأمر على النهي في قول الفقهاء والمتكلمين: "ولأن النهي بعد الأمر يقتضي ما كان مقتضيًا له، فكذلك الأمر" فأجاب المصنف على ذلك بجوابين.
أحدهما: عدم التسيلم بأن النهي بعد الأمر يفيد ما كان يفيده قبل النهي.
الجواب الثاني: لو سلمنا -جدلًا- بأنه يفيد ما كان يفيده قبل النهي، فلا يصح قياس الأمر عليه لأمرين:
الأول: أن حمل النهي على التحريم يقتضي الترك وهو الأصل، لأن الأصل عدم الفعل، وحمل الأمر على الوجوب يقتضي الفعل، وهو خلاف الأصل.
الأمر الثاني: أن النهي لدفع المفسدة المتعلقة بالمنهي عنه، والأمر لجلب المصلحة، ولا شك أن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح. وهذا كله يندرج تحت قول المصنف: "فالنهي آكد".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 563)
فصل: [الأمر المطلق هل يقتضي التكرار]
الأمر المطلق1: لا يقتضي التكرار في قول أكثر الفقهاء والمتكلمين. وهو اختيار أبي الخطاب2.
وقال القاضي وبعض الشافعية: يقتضي التكرار3؛ لأن قوله: "صم" ينبغي أن يعم كل زمان، كما أن قوله -تعالى-: {اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} 4 يعم كل مشرك؛ لأن إضافة الأمر إلى جميع الزمان كإضافة لفظ المشترك إلى جميع الأشخاص.
ولأن الأمر بالشيء: نهي عن ضده، وموجب النهي: ترك المنهي أبدًا، فليكن موجب الأمر: فعل الصوم أبدًا، فإن قوله: "صم" معناه: لا تفطر، وقوله: "لا تفطر" يقتضي التكرار أبدًا5.--------------------------------------------
1 قوله: "المطلق" تحرير لمحل النزاع، فإن الأمر إذا قيد بالمرة أو بالتكرار حمل على ما قيد به بلا خلاف، كذلك إذا قيد بصفة أو شرط، عند وجود الصفة أو الشرط.
2 وهو رواية عن الإمام أحمد. انظر: "التمهيد 1/ 187".
3 انظر: العدة "1/ 264".
4 سورة التوبة من الآية: 5.
5 خلاصته: أن القائلين بأنه يدل على التكرار استدلوا على ذلك بوجهين.
أحدهما: أن النهي نقيض الأمر، والنهي يقتضي التكرار بالاتفاق، فكذلك الأمر، يجب أن يقتضي التكرار.
ثانيهما: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فإذا قال له: صم، فقد نهاه عن الفطر، والنهي عن الفطر يقتضي التكرار، فكذلك الأمر بالصوم.
انظر: شرح الطوفي "2/ 376".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 564)
ولأن الأمر يقتضي العزم، والفعل ثمراته تقتضي العزم على التكرار، فكذلك الموجب الآخر1.
وقيل: إن علق الأمر على شرط اقتضى التكرار، وإلا فلا يقتضيه2؛ لأن تعليق الحكم بالشرط كتعلقه بالعلة، ثم إن الحكم يتكرر بتكرر علته، فكذلك يتكرر بتكرر شرطه.
ولأنه لا اختصاص له بالشرط الأول دون بقية الشروط، ودليل اعتباره: النهي المعلق على شرط.
وقيل: إن كرر لفظ الأمر كقوله: "صل غدًا ركعتين" اقتضي التكرار؛ طلبًا لفائدة الأمر الثاني، وحملا له على مقتضاه في الوجوب والندب كالأول.
وحكي هذا القول عن أبي حنيفة وأصحابه3.
ولنا:
أن الأمر خالٍ عن التعرض لكمية المأمور به؛ إذ ليس في نفس اللفظ--------------------------------------------
1 وضحه أبو الخطاب في التمهيد "1/ 197" فقال: "إن الأمر يقتضي وجوب الفعل، ووجوب الاعتقاد والعزم، ثم الاعتقاد والعزم يجب استدامتها، كذلك الفعل".
2 حكاية المصنف لهذا الرأي خارجة عن محل النزاع، إذ سبق في تحرير محل الخلاف: أن الأمر المعلق على شرط أو صفة مثل المقيد بعدد معين، فهو مقيد، وليس مطلقا؛ ولذلك قال الشيخ الشنقيطي -رحمه الله تعالى- في مذكرته ص194: "اعلم -أولًا- أن ذكر القول بأنه: "إن علق على شرط: اقتضى التكرار" سهو من المؤلف رحمه الله لأن الكلام في الأمر المطلق خاصة، والمعلق على شرط غير مطلق".
3 انظر: "فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت جـ1 ص391".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 565)
تعرض للعدد، ولا هو موضوع لآحاد الأعداد وضع اللفظ المشترك، لكنه محتمل للإتمام ببيان الكمية، فهو كقوله: "اقتل"، لا نقول: هو مشترك بين زيد وعمرو، ولا فيه تعرض لهما، فتفسيره بهما، أو بأحدهما زيادة على كلام ناقص، فإتمامه بلفظ دل على تلك الزيادة، لا بمعنى البيان.
فحصل من هذا: أن ذمته تبرأ بالمرة الواحدة؛ لأن وجوبها معلوم، والزيادة لا دليل عليها، ولم يتعرض اللفظ لها، فصار الزائد كما قبل الأمر؛ فإنا كنا نقطع بانتفاء الوجوب، فقوله: "صم" أزال القطع في مرة واحدة، فصار كما كان1.
ويعتضد هذا باليمين، والنذر والوكالة، والخبر:
بيانه: أنه لو قال: "والله لأصومن" أو: "لله علي أن أصوم" برّ بصوم يوم.
ولو قال لوكيله: "طلق زوجتي" لم يكن له أكثر من تطليقة.--------------------------------------------
1 عبارة الغزالي في المستصفى "3/ 160-161": "فإن قيل: بين مسألتنا وبين القتل فرق؛ فإن قوله: "اقتل" كلام ناقص، لا يمكن امتثاله، وقوله: "صم" كلام تام مفهوم، يمكن امتثاله.
قلنا: يحتمل أن يقال: يصير ممتثلًا بقتل أي شخص كان، بمجرد قوله: "اقتل" كما يصير ممتثلًا بصوم أي يوم كان، إذا قال: "صم يومًا" بلا فرق ويكون قوله: "اقتل" كقوله: "اقتل شخصًا"؛ لأن الشخص القتيل من ضرورة القتل، وإن لم يذكر، كما أن اليوم من ضرورة الصوم، وإن لم يصرح به.
فيتحصل من هذا: أنه تبرأ ذمته بالمرة الواحدة؛ لأن وجوبها معلوم، والزيادة لا دليل على وجوبها؛ إذ لم يتعرض اللفظ لها فصار كما كان قبل قوله "صم" وكنا لا نشك في نفي الوجوب، بل نقطع بانتفائه، وقوله "صم" دال على القطع في يوم واحد، فبقي الزائد على ما كان.
هذا هو الظاهر من مطلق اللفظ المجرد عن الكمية".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 566)
ولو أمر عبده بدخول الدار، أو بشراء متاع: خرج عن العهدة بمرة واحدة، ولم يحسن لومه، ولا توبيخه.
ولو قال: "صمت" أو "سوف أصوم": صدق بمرة واحدة.
فإن قيل: فلم حصل الاستفسار عنه؟
قلنا: هذا يلزمكم إن كان يقتضي التكرار فلم حسن الاستفسار1؟
ثم يبطل بما ذكرناه من الأمثلة بحسن الاستفسار، مع انه لا يقتضي التكرار2.
ثم إنه حسن الاستفسار؛ لأنه محتمل له، لما ذكرناه.--------------------------------------------
جاء في نزهة الخاطر العاطر "2/ 82": "قوله: "فإن قيل: فلم حسن الاستفسار عنه" أي: فإن قال من زعم بأن الأمر مشترك بين التكرار والمرة: إنه يحسن الاستفسار فيه فيقال: أردت الأمر مرة واحدة أو دائمًا؛ ولذلك قال سراقة للنبي صلى الله عليه وسلم: أحجنا هذا لعامنا أم للأبد؟ مع أنه من أهل اللسان، وأقره عليه. فلو كان الأمر موضوعًا في لسان العرب للتكرار أو للمرة لاستغنى عنه الاستفسار؟
وأجيب عنه بالمنع بأن يقال: ما قلته ممنوع؛ فإنه قد يستفسر عن أفراد المتواطئ، فإذا قال: "أعتق رقبة: فيقول: أمنومنة أم كافرة، سليمة أم معيبة؟.
وقد يتمسك بدليلهم –أيضا- من يقول: بأن الأمر للتكرار فيقال له: ما ألزمتنا به هو لازم لك، لا لنا؛ لأنه إن كان يقتضي التكرار، فلم حسن الاستفسار؟
وأيضا: ما ذكرناه من الأمثلة المتقدمة يحسن فيها الاستفسار ولا يقتضي التكرار باتفاق منا ومنكم، فليس كل ما حسن فيه الاستفسار يكون للتكرار".
2 يقصد بالأمثلة المتقدمة قوله: "والله لأصومن، وطلق زوجتي، وأمر عبده بدخول الدار إلخ" فإن يحسن الاستفسار فيها أيضًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 567)
وقولهم: "إن صم عام في الزمان": ليس بصحيح1؛ إذ لا يتعرض للزمان بعموم ولا خصوص، لكن الزمان من ضرورته كالمكان، ولا يجب عموم الأماكن بالفعل، كذا الزمان.
وليس هذا نظير قوله -تعالى-: {اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} ، بل نظيره قولهم: "صم الأيام".
ونظير مسألتنا قوله: "اقتل" مطلقًا، فإنه لا يقتضي العموم في كل من يمكن قتله.
والفرق بين الأمر والنهي: أن الأمر يقتضي: وجود المأمور مطلقًا2.
والنهي يقتضي: ألا يوجد مطلقًا، والنفي المطلق يعم، والوجود المطلق لا يعم، فكل ما وجد مرة فقد وجد مطلقًا، وما انتفى مرة فما انتفى مطلقًا.
ولذلك افترقا في اليمين، والنذر، والتوكيل، والخبر3.
ولأن الأمر يقتضي الإثبات، والنهي يقتضي النفي، والنفي في النكرة يعم، والإثبات المطلق لا يعم.--------------------------------------------
1 هذا رد على دليلهم الذي جاء فيه: "أن صم و"فاقتلوا المشركين" كل منهما عام؛ لأن صم، وصل، ينبغي أن يعم كل زمان....".
2 هذا رد على قياسهم الأمر على النهي في قولهم: "ولأن الأمر نهي عن ضده، وموجب النهي ترك المنهي أبدًا، فيكن موجب الأمر فعل الصوم أبدًا" فأجاب المصنف: بأن هذا القياس مع الفارق.
3 فإذا قال: "والله لافعلن" برّ في يمينه بمرة واحدة، أما إذا قال: "والله لا أفعل" حنث ولو بمرة واحدة. وكذلك في الصيام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 568)
وتحقيقه: أنه لو قال: لا تفعل مرة واحدة: اقتضى العموم.
ولو قال: افعل مرة واحدة: اقتضى التخصيص بلا خلاف1.
وقولهم: "إن الأمر بالشيء نهي عن ضده".
قلنا: إنما هو نهي عما يعقب الامتثال، فكان النهي مقيدًا بزمن امتثال الأمر2.
وقولهم: "إن الأمر يقتضي الاعتقاد على الدوام".
قلنا: يبطل بما لو قال: افعل مرة واحدة.
والفرق بين الفعل والاعتقاد: أن الاعتقاد: ما وجب بهذا الأمر، إنما وجب بإخباره أنه يجب اعتقاد أوامره، فمتى عرف الأمر، ولم يعتقد وجوبًا: كان مكذبًا. وقولهم: "إن الحكم يتكرر بتكرار العلة، فكذا الشرط"3.--------------------------------------------
1 خلاصته: أن الأمر يقتضي فعل المأمور به، وهذا يحصل بفرد من أفراد المأمور به، في أي زمن كان، فإذا قال له: "صل" حصلت الصلاة بصلاة واحدة، أما النهي: فإنه يقتضي ترك ماهيته مطلقًا، وذلك لا يتحقق إلا بتركها في كل زمان.
2 وضحه الشيخ ابن بدران فقال: "وحاصل ما ذكره: أن اقتضاء النهي للأضداد دائمًا إنما هو فرع على تكرار الأمر، وذلك لأن النهي بحسب الأمر، فإذا كان أمرًا بالفعل دائمًا، كان نهيًا عن أضداده، وإذا كان أمرًا به في وقت كان نهيًا عن الأضداد في ذلك الوقت، فإذًا: كونه النهي الذي تضمنه الأمر للتكرار فرع كون الأمر للتكرار، فإثباته به دور. فقول المصنف: "إنما هو نهي عما يعقب الامتثال" إشارة إلى أن النهي مفرع على الأمر، فإذا كان الأمر مقيدًا، كان النهي مقيدًا، وإذا كان عاما، كان عاما" نزهة الخاطر "2/ 84".
3 قوله: "إن الحكم يتكرر بتكرر العلة" ليس على الإطلاق، بل قد تكرر العلة ولا يتكرر الأمر، كمن بال عدة مرات، ولم يتوضأ، فعليه وضوء واحد، وكذلك من =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 569)
قلنا: العلة تقتضي حكمها، فيوجد بوجودها.
والشرط: لا يقتضي، وإنما هو بيان لزمان الحكم، فإذا وجد: ثبت عنده ما كان يثبت بالأمر المطلق، كاليمين، والنذر، وسائر ما استشهدنا به.
وقولهم: "إن الواجب يتكرر بتكرر اللفظ": لا يصح؛ فإن اللفظ الثاني دل على ما دل عليه اللفظ الأول، فلا يصح حمله على واجب سواه.
ولذلك لو كرر اليمين فقال: "والله لأصومن، والله لأصومن" بّر بصوم واحد.
وقد نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "والله لأغزون قريشا –ثلاثا-" 1. ثم غزاهم غزوة الفتح.
ولو كرر لفظ النذر: لكان الواجب به واحدًا.
وفائدة اللفظ الثاني: تحصيل التأكيد، فإنه من سائغ كلام العرب.--------------------------------------------
= جامع أكثر من مرة ليس عليه إلا غسل واحد. فقضية تكرر الحكم بتكرر علته، إنما هي في الأعم الأغلب، وليست على إطلاقها.
1 أخرجه أبو داود: كتاب الأيمان والنذور باب الاستثناء في اليمن بعد السكوت من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا، كما أخرجه عن عكرمة مرسلًا.
وأخرجه عن ابن عباس رضي الله عنهما ابن حبان في صحيحه، وأبو يعلى في مسنده، والبيهقي في سننه، وابن عدي في الكامل عن عبد الواحد بن صفوان عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا.
انظر: تلخيص الحبير: كتاب الأيمان، حديث "2033" 4/ 166، الكامل في ضعفاء الرجال "5/ 1937".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 570)
فصل: الأمر المطلق: هل يقتضي الفور
…
فصل: مسألة: [الأمر المطلق: هل يقتضي الفور] 1
الأمر يقتضي فعل المأمور به على الفور، في ظاهر المذهب2.
وهو قول الحنفية3.--------------------------------------------
1 محل الخلاف: إذا لم توجد قرينة تدل على أنه للفور أو التراخي.
قال الإسنوي: "إن قلنا: إنه يدل على التكرار دل على الفور، وإن قلنا: لا يدل على التكرار، فهل يدل على الفور أم لا؟ حكى المصنف فيه أربعة مذاهب:
أحدها: أنه لا يدل على الفور، ولا يدل على التراخي، بل يدل على طلب الفعل.
قال في البرهان: وهذا ما ينسب إلى الشافعي وأصحابه. وقال في المحصول:
إنه الحق: واختاره الآمدي وابن الحاجب وا لمصنف.
والثاني: أنه يفيد الفور، أي: وجوبًا، وهو مذهب الحنفية.
والثالث: أنه يفيد التراخي، أي: جوازًا. قال الشيخ أبو إسحاق: والتعبير بكونه يفيد التراخي غلط. وقال في البرهان: أنه لفظ مدخول؛ فإن مقتضى إفادته التراخي أنه لو فرض الامتثال على الفور لم يعتدّ به، وليس هذا معتقد أحد. نعم حكى ابن برهان عن غلاة الواقفية: أنا لا نقطع بامتثاله، بل يتوقف فيه إلى ظهور الدلائل، لاحتمال إرادة التأخير. قال: والمقتصدون منهم إلى القطع بامتثاله، وحكاه في البرهان أيضًا.
والرابع: هو مذهب الواقفية: أنه مشترك بين الفور والتراخي" "نهاية السول جـ2 ص47 ط صبيح.
2 فيه إشارة إلى أن هناك رواية عن الإمام أحمد، فقد نقل عنه أن الحج على التراخي. قال الطوفي في شرحه "2/ 388: "قلت: فإن كان الخلاف في هذا الأصل استفيد من هذا القول في الحج، فلا حجة فيه، لأن القواعد والأصول يجوز تخصيصها بدليل أقوى منها عند المجتهد، وإن كان قد وجد عنه نص، بأن الأمر على التراخي فذاك".
3 في هذه النسبة نظر، فإن المنقول عنهم: أنه للتراخي، ولم يقل بأنه على الفور إلا الكرخي وبعض علماء الحنفية: انظر: أصول السرخسي "1/ 26".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 571)
وقال أكثر الشافعية: هو على التراخي1؛ لأن الأمر يقتضي فعل المأمور لا غير، أما الزمان: فهو لازم الفعل، كالمكان والآلة والشخص، فيما إذا أمره بالقتل، فلا يدل على تعيين الزمان، كما لا يدل على تعيين المكان والآلة.
ولأن الزمان في الأمر إنما حصل ضرورة، والضرورة تندفع بأي زمان كان فالتعيين تحكم2.
ويعتضد هذا بالوعد واليمين، لو قال: "سوف أفعل" فمتى فعل. كان صادقًا، وكذا اليمين.
وقالت الواقفية: هو على الوقف في الفور والتراخي، والتكرار وعدمه.
وهو بيّن البطلان؛ فإن المبادر ممتثل بإجماع الأمة، مبالغ في--------------------------------------------
1 أي: جوازًا كما تقدم في كلام الإسنوي.
2 هذا دليل القائلين بأن الأمر المطلق للتراخي، وهو من عدة وجوه:
الأول: أن الأمر يقتضي فعل الماهية المجردة، ولا يدل على غيرها من زمان ومكان، فإذا قلنا: إنه يدل على الفور، فقد زدنا فيه ما ليس منه، والزيادة عليه كالنقص منه، وكلاهما لا يجوز.
الثاني: أنه نسبة الفعل إلى جميع الأزمنة سواء؛ لعدم دلالة اللفظ على بعضها دون بعض، ولصحة وقوعه في أي زمن منها، وإذا استوت نسبة الفعل إلى جميعها، كان تخصيصه بالفور تحكمًا، وترجيحًا بدون مرجح.
الثالث: "أن تعلق الزمان بالفعل" أي: احتياج الفعل إلى الزمان ضروري، أي: لضرورة أن الفعل يمتنع وقوعه في غير زمان، وإذا كان تعلق الزمن به لهذه الضرورة، فهي تندفع بإيقاعه في أي زمن كان، تقدم أو تأخر، وهذا يدل على أن الفور لا يتعين، وأن التأخير جائز.
الرابع: أن الزمان من لوازم الفعل، لا ينفك عنه، كما أن المكان، والآلة، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 572)