Arabic source text

📘 আল-আকীদাতুস সালাফিয়্যাহ ফী কালামি রাব্বিল বারিয়্যাহ ওয়া কাশফি আবাতীলিল মুবতাদিআতিল রাদিইয়্যাহ (আবদুল্লাহ আল-জুদাই)

📘 العقيدة السلفية فى كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية (عبد الله الجديع)

📘 আল-আকীদাতুস সালাফিয়্যাহ ফী কালামি রাব্বিল বারিয়্যাহ ওয়া কাশফি আবাতীলিল মুবতাদিআতিল রাদিইয়্যাহ (আবদুল্লাহ আল-জুদাই)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
‌‌الباب الثالث
عقائد الطوائف المبتدعة في كلام الله تعالى وكشف أباطيلها
وفيه تمهيد وثلاثة فصول:
= الفصل الأول: ذكر جملة من أقوال طوائف أهل البدع في كلام الله تعالى.
= الفصل الثاني: كشف تلبيس الجهمية المعتزلة في كلام الله تعالى وحكم السلف والأئمة فيهم.
= الفصل الثالث: كشف تلبيس الأشعرية في إثبات صفة الكلام لله تعالى.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)

‌‌تمهيد
لقد بعثَ الله تعالى رسولَه محمَّدًا بالهُدى ودين الحَقَّ، وأنزلَ معهُ الكتابَ نورًا وهدًى للناسِ، فربّى أصحابَه بصِغار العلمِ وكبارِه، فآمَنوا بما جاءَ به وصدَّقوهُ، واتبعوا النُّورَ الذي أنزلَ معَهُ، وكانوا على هَدْيِهِ ونَهْجِهِ وسُنَّتِهِ، فقامُوا بذلكَ وأخَذُوا الكتابَ بقوَّةٍ.
وتبعَهم على ذلك خيارُ الأمَّة بعدَهم.
حتى خَلَفَ من بَعْدِهم خَلْفٌ أعْرَضوا عن الكتابِ، واتَّخذوهُ وراءَهم ظِهريًا، فشرَعوا الشرائعَ دونَه بظُنونٍ وأوهامٍ حَسِبوها حُجَجًا وبَراهينَ، فعزَّزَ لهم الشَّيْطانُ ذلكَ، فحكَموا به على الكتاب المعصومِ، وظنّوا بذلك أنَّهم بَلَغوا غايةَ العُلوم، فظهَرَ الجَعْدُ بن دِرهَم بفاسدِ المَقالةِ، استفادَها من فاسدِ المَعْقول الذي هو في الحقيقةِ عينُ الجَهالةِ، فأعلنَ بدعته وباطله إعلانًا، فصرَّح بتكذيب القرآن، وقالَ: لم يكلّم الله موسى تكليمًا، ولم يتَّخِذْ إبراهيم خليلًا، فأبطلَ بهَواهُ ما جاءَ به الرَّسول صلى الله عليه وسلم، ونفى أنْ يكون لله
كلامٌ، فشبَّههُ بالأبكَمِ، وأبْطلَ صلتَه تعالى بالعبادِ، فلا رسولَ مُرْسَلٌ، ولا كتابَ مُنْزَلٌ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)

فجاءَ من بعدهِ رأسُ الضَّلالة الجَهْم بن صَفْوانَ، فزادَ على سلفه إضلالًا للعبادِ، وأدخَلَ عليهم من الشُّبَه ما عمَّ به الفَسادُ، فقرَّت به عينُ إبليسَ اللَّعين وتحقّقَتْ له البُغْيَةُ والمُرادُ.
قاتلَ الله جَهْمًا، كم جرَّ على هذه الأمَّةِ من الكُفْر والضَّلال؟ فنفى عن الله صفاتِ كمالهِ، فشبَّههُ بالعدَم، بل هو في الحقيقةِ عنده وعند أوليائِه عَدَمٌ مَحْضٌ، لا يتَّصف بصفَةٍ، ومن المُحال إثباتُ ذاتٍ مُجرّدةٍ عن الصَّفاتِ، فكذَّبَ جَهْمُ الرَّسولَ والقرآنَ، وجاءَ بما تقشعرُّ من ذكرهِ أبدانُ أهلِ الايمانِ، وحسْبُكَ قولُ الإِمام الحُجَّةِ عبد الله بن المبارك: "إنَّا لنَحْكي كلامَ اليهودِ والنَّصارى، ولا نستطيعُ أنْ نحكيَ كلامَ الجَهْمية" (1).
فتذكَّرْ ما وَصَفَتْ به اليهودُ والنَّصارى ربَّهم تعالى من النَّقائِصِ، وما نَفَتْ عنه من صفاتِ كمالِهِ مما قصَّ الله تعالى في كتابهِ، وما جاءَ عن نبيّه صلى الله عليه وسلم، واعلَمْ أنَّ الجَهميَّةَ جاؤوا بما هو أعظم، فإنَّ اليهودَ والنَّصارى لم يَصِفوا الله بالعدَم، ولم يقولوا: هو في كلّ مكانٍ قول الجَهمية، ولم يقولوا: إنَّ كلامَه مخلوقٌ قول الجَهْميةِ.
فعَمِلَ جَهْمٌ على بَثّ سُمومهِ بين المسلمينَ فكانَ للشرّ رَأسًا.
ذُكر عند أبي نُعَيْم الفَضْل بن دُكَيْن مَن يقولُ: القرآنُ مخلوقٌ، فقال: "والله ما سمِعْتُ شيئًا من هذا حتى خرَجَ ذاك الخبيثُ جَهْمٌ" (2).--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود في "المسائل" ص: 269 وعثمان الدارمي في "الردّ على الجهمية" رقم (24، 394) و"الرد على المريسي" ص: 4 وعبد الله بن أحمد في "السنَّة" رقم (23) بسند صحيح.
(2) رواه عبد الله في "السنَّة" رقم (207) بسند صحيح.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)

فتبعهُ على ذلك أقوامٌ، حتى حمَلَ الرايةَ بِشْرُ بن غِياثٍ المِرِّيسيُّ
ورؤوس الاعتزالِ، فاحتضَنَت دعوَتَهم الحُكومةُ والسُّلطانُ، فعَمِلَت القوّة في الناس عَمَلها ووقعَت المِحْنةُ.
ولقد كانت مسألةُ القرآن من أبْرَز ما ظَهَر به جَهْمٌ من الكُفْرِ والبدعةِ، وقد كانَ يَنفي أن يكونَ لله كلامٌ، على نَهْج سَلَفِه الجَعْدِ بن دِرْهَم، ولكنَّه من بَعْدُ خافَ سطوةَ أهْلِ الحقّ وظهورَهم فحاباهم، فأثبتَ لله كلاماً، لكنَّه عنده ما خلقَه الله في غيرِهِ، وهذا هو الذي تلقّتهُ عنه المعتزلةُ، ودَعَوْا إليه الناسَ، وعزَّزَتهم عليه قوّة السُّلْطان، وهم في الحقيقةِ على أصْلِهم الجَهمي في نَفْي الكلامِ، لكنَّهم ادَّعوا إثباتَه في الظاهر على معنى فاسدٍ باطلٍ، كما سيأتي شرحُهُ ونقضُهُ.
وإلى هذا العَهْدِ، وهو على وجْهِ التَّحديد عهدُ الإِمام أحمد بن حنبل وطبقتهِ، لَمْ يكن ظهَرَ في كلام الله من البِدَعِ سوى هذه البدعةِ، فناضَلَ أهلُ الحقّ من أجل دَحْضِها وإبطالِها.
قال شيخ الإِسلام: "لمَّا أظهروا هذه البدعةَ اشتدَّ نكيرُ السَّلَفِ والأئمةِ لها، وعَرفوا أنَّ حقيقتها أنَّ الله لا يتكلَّمُ ولا يأمرُ ولا يَنهى، إذ الكلام وسائرُ الصفات إنَّما يعودُ حكمُها إلى مَن قامت به" (3).
ثمَّ لمَّا وقعت المحنةُ في القرآن: هل هو مخلوقٌ، أو غيرُ مخلوقٍ، وانكشفتْ بصُمودِ أهل الحقّ وثَباتِهم على أنَّ القرآنَ كلامُ الله غيرُ مخلوق، وظُهورِهم على الجهميةِ المعتزلةِ القائلينَ: بأنَّ القرآنَ كلامَ الله مخلوقٌ،--------------------------------------------
(3) "مجموع الفتاوى" 6/ 518.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)

وحَقَّ الله بذلك الحقَّ ونصَرَ أهلَه، عندئذ مَكَرَتِ الجهميةُ مَكْراً جديداً لتدخُلَ على الناس من طريقٍ أخرى من طُرُق التَّلبيس والتَّمويه، فأظهروا بدعةَ اللَّفظ التي شرحْتُها في الباب السابق، وآخرونَ منهم ثَبَتوا على التقيّة لأهْل الحقّ، فوقَفوا، ولَمْ يكن وقوفاً عن ورَعٍ وديانةٍ، وإنَّما كانَ عن خوفٍ ومَهابَةٍ، أو عن شَكٍّ وتردّدٍ، كَما قد شرحته في الباب الأول.
فتلقّفَ بدعةَ اللَّفظ طائفةٌ من المُنتسبينَ إلى السُّنَّة، الذَّابينَ بزَعْمِهم عنها، وحَسِبوها هي المقالةَ الوسَطَ، ومن خِلالها حاولوا الردَّ على الجَهمية المعتزلة معَ اتّفاقهم معهم في حقيقةِ مذهَبهم، وكانَ من حامِلي رايةِ هؤلاءِ ذاكَ المَدْعو عبدالله بن سعيد بن كُلّاب أبو محمد القطّان البَصريّ، الذي تُنْسَبُ له طائفة (الكُلّابية) وكانَ رجُلاً يُذْكَر بالجَدَلِ والمُناظرهِ، ولَمْ يكن مَعْدوداً في أهل الرّوايةِ والأثر مع قِدَم عهدِهِ، وهذا من عَلَامة الخُذْلان (4)، وكانَ من حسنَتهِ إثباتُ الصفاتِ، وربَّما كانَ بعضُ ذلك على مَعاني محرّفةٍ مبتدَعَةٍ، وقد ردَّ على الجَهمية المعتزلةِ من بعض الوجوهِ التي جعلَت بعضَ--------------------------------------------
(4) وإني لأعجب ممَّن يصفه بـ "إمام أهل السُّنَّة في عصره، وإليه مرجعها" من بعض محققي الكتب، سبحان ربي! بماذا استحق هذا اللقب؟ أين ذهب أئمة السُّنَّة في زمانه؟ أين أحمد بن حنبل؟ وأين إسحاق بن راهُوَيْه؟ وأين مَن كان في تلك الطبقة من أعلام الهدى؟ ليكون ابن كُلّاب مرجعَ أهل السنَّة وإمامهم؟ وكيف يستحقّ هذا الوصفَ من كانت بضاعَتُه الكلامَ والجدلَ، ومن كان خِلْواً من السُّنن والأثر، سبحان الله! كم انعكست الحقائقُ في زماننا وانقلبت الموازين؟ وإني لا أحسَب صاحب هذه المقالة إلَاّ أحدَ رجلين: صاحب بدعةٍ يَتَسَتَّر بتحقيق كتب علماء السنَّة ليدسَّ في حواشيها سمومَه، أو جاهلًا غلبَ عليه جهله -كأكثر المدّعين للعلم من أهل زماننا- لا يفرَّقُ بين أهل الحقّ وأهل الباطل.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)

أهل العلْمِ والسُّنَّة يعدّونها محامدَ له.
ولكنَّه في مسألة القرآن أحدَثَ ما لَم يُسْبَق إليه، ووافقَ الجهمية المعتزلةَ في بعضِ أصُولهم، بل إنَّ تحقيقَ قولهِ يَرْجِعُ إلى قولِهِم، ووافقَهم في ردّ دلائل القرآن والسُّنَّة الموافقةِ لاعتقادِ السَّلَف.
وكانَ له أتباعٌ وافقوهُ على مقالَته وتَبِعوه عليها، حتى جاء الأشعريُّ (5)--------------------------------------------
(5) هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري، الذي تُنْسبُ إليه طائفة (الأشعرية)، وقد كانَ صاحب نظر وكلام، ذكيّاً فَطِناً، إلَّا أنَّ تَربّيَهُ في أحضانِ المعتزلة حَرَمه الانتفاعَ بذكائهِ وفطنتهِ، فنشأ على أصولهم واعتقادِهم، قيل: أربعين سنةً، ثمَّ نَزَع عن ذلك وتابَ منه، وأخذَ يردُّ عليهم، وصنَّفَ المصنفاتِ في ذلك، ووافقَ أهلَ السنَّة والسَّلَف في أكثر مسائل الأصول، لكن مع ذلك بَقِيَتْ فيه بقيةٌ من خُلاصة العُمُر الذي قضاه في الاعتزال، ولم يتوجَّه بعد توبته لتلقّي السُّنن والآثار -كما كانَ يفعلُ أهلُ السنَّة في زمانه- إلَاّ قليلًا، فطغى فكرُه القديمُ على طريقتهِ، فأخذ يَرُدُّ على المعتزلة بنفس قواعدهم، وربَّما زادَ عليها قليلًا من الأثر، وكانت هذه طريقةُ ابن كُلّاب وأتباعه، فكان أقرب إلى طريقته منه إلى أهل السنَّة والسَّلَف، فإنَّه وافقه وسلكَ طريقته في مسألة القرآن والصفات.
فرجَعَ الأشعريُّ عن بدعةِ الاعتزالِ إلى بدعة ابن كُلّاب، ومن حسنة رجوعه إثباتُ الصفات والرُّؤية وغير ذلك من عقيدة أهل السنَّة، ووافقَ الحقَّ في غالب ما رجع إليه، وجانبه في بعضه، ومن ذلك مسألة القرآن، وهي أعظمُ المسائل خطورةً، فقد وافق فيها ابن كُلّاب، وقد علمتَ أنَّ ابن كُلّاب كان مبتدِعاً فيها بدعةً لم يُسبَق إليها، وأنَّ تحقيقَ قولِهِ يَرْجِعُ إلى موافقة المعتزلة وإنْ خالفَهم في الظاهر.
ولقد اغترَّ كثيرٌ من إخواننا السلفيين بكتاب "الإِبانة" لأبي الحسَن الأشعري، ورفَعوا به من شأنه إلى حَدٍّ عدّه إمامَ أهل السنَّة والجماعة -قول أتباعه الأشعرية- بل إني رأيت لبعض المسوّدين لحواشي الكتب عدَّ اعتقادِ الأشعري هو اعتقادَ الإِمام =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .--------------------------------------------
= أحمد في كلّ شيءٍ، وقالَ غيرُ واحد من هؤلاء: إنَّ الأشعريَّ كانَ له تحوّلان:
التحوّل الأول: من الاعتزال إلى اعتقاد ابن كلّاب.
والثاني: من اعتقاد ابن كلّاب إلى اعتقاد أحمد بن حنبل، وهو الذي ضَمَّنَه كتابَه "الإِبانة" وهو آخر كتبه، كذا قالوا!
وفي هذا نظرٌ من وجوه يَطولُ شرحُها، غير أنّي أذكر من ذلك ما أرجو أن يَدْفعَ هذا الإِيهامَ والتلبيسَ:
أولاً: ادّعاء أنَّ "الإِبانة" آخر تصانيفه تحكّمٌ لم يقيموا عليه الحجَّةَ البيّنة.
ثانياً: أنَّ أبا الحسن حين رجع عن الاعتزالِ صنَّف في الردّ عليه، فهلَّا فعلَ مثل ذلك في عقيدة ابن كُلّاب التي صنَّف فيها ودعا إليها إن صحَّ رجوعُه عنها؟ ولقد ضمَّن "الإِبانة" بعضَ الردّ على المعتزلة فهلَاّ فعل مثل ذلك في اعتقاد ابن كلَّاب لو صحَّ رجوعُه عنه؟
ثالثاً: إنَّ ما ذكره في "الإِبانة" في بعض المسائل، وفي مسألة القرآن خاصَّةً، مجمَلٌ، يوافقُ في إجماله اعتقادَ أحمد واعتقادَ ابن كُلّاب جميعاً، فنظَرْنا في كلام الأشعري في القرآن في غير "الإِبانة" فوجدناه وافقَ ابن كُلَّاب في تحقيق المسألة، ولم يوافِق اعتقادَ أحمد، وما فُسِّر من كَلامه قاضٍ على ما أجْمِلَ.
وشيخ الإِسلام ابن تيمية إمام رِضًى نتّفق على ذلك نحن وأنتم، ونتّفق على كونهِ من أعرف الناس بأقوال أهل القبلة، اسمعوه وهو يقول في الأشعري وهو يذكر اختلاف الناس في شأنه: "بل هو انتصرَ للمسائل المشهورة عند أهل السنَّة التي خالَفَهم فيها المعتزلةُ، كمسألة الرؤية، والكلام، وإثبات الصفات، ونحو ذلك، لكن كانت خبرتُه بالكلام خبرةً مفصَّلةً، وخبرتُه بالسنَّة خبرةً مجملةً، فلذلك وافق المعتزلةَ في بعض أصولهم التي التزموا لأجلِها خلافَ السنَّة، واعتقدَ أنَّه يمكنُه الجَمْعُ بين تلك الأصولِ وبين الانتصار للسنَّة، كما فَعَلَ في مسألة الرُّؤية، والكلام، والصفات الخبرية، وغير ذلك".
حتى قال: "فلمَّا كانَ في كلامهِ شَوْبٌ من هذا، وشَوْبٌ من هذا -يعني مِن =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)

وقد كانَ معتزلياً منافِحاً عن الاعتزال أربعينَ سنةً -كما يقولُه أتباعُه وغيرهم- وصنَّف في الدَّعوةِ إلى اعتقادِهم، ثمَّ تابَ عنه ورجَع، فسلَكَ طريقةَ ابن كُلّاب وارْتضاها، وإنَّما خالَفَهُ في يَسيرٍ من ذلك، وربَّما ذكَرَ بعض أهل العلم والسُّنَّة أنَّ ابن كلّاب خيرٌ منه على ما فيه.
وسَيظهَرُ لك في الفصْل الآتي تَوافُقُ الكُلّابيّةِ والأشعريَّةِ في مسألة القرآن.
وكذا جاءَ بعدَ ابن كُلّاب مَن وافقَه في بعض قَوْلِهِ وخالفَهُ في بعضِهِ، ومِنْ أوالئكَ ممَّن كانَ له أتباعٌ: أبو الحسن أحمد بن محمَّد بن سالم البَصْري، وكانَ يُذْكَرُ بِعِبادةٍ وزُهْدٍ، وأتباعُهُ يُقالُ لهمُ: (السَّالِميّة) ومِن أشهرِهم ذاك الصُّوفيّ المَشَهور أبو طالبٍ المَكّىُّ صاحبُ "قوت القلوب".
وقابَل هؤلاء طائفةٌ أخرى كان لها صِيتٌ وذُيوغٌ وكَثْرةٌ بخُراسانَ، وهم (الكرّامية) أتباعُ محمَّد بن كرّام السِّجِسْتاني، وكانَ مبتَدِعاً مَشْهوراً، خالفَ أهلَ السُّنَّة والسَّلَف في كثير من أَصولِهم في مسألة الإِيمانِ، والقرآنِ،--------------------------------------------
= كلام أهل السنَّة، ومن كلام المعتزلة - صارَ يقول من يقول: "إنَّ فيه نَوْعاً من التجهُم، وأمَّا من قالَ: إنَّ قولَه قولُ جَهْم فقد قال الباطلَ، ومَنْ قالَ: إنَّه ليسَ فيه شيءٌ من قولِ جَهمٍ فقد قالَ الباطلَ، والله يحبُّ الكلامَ بعلمٍ وعَدْلٍ، وإعطاءَ كلّ ذي حقٍّ حقَّه، وتنزيلَ الناس منازلَهم" "مجموع الفتاوى" 12/ 205.
وذكَرَ في بعض المواضع أنَّه وابن كُلّاب، ومن على طريقتهما في قولهم شيءٌ من أصول الجهمية.
و"الإِبانة" لم يكن خافياً على شيخ الإِسلام، بل إنَّه ذكره في مواضع كثيرة من كتبه ونقلَ عنه، فتأمَّل ذلك، ولا تكن من الغافلين.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)

والصَّفاتِ، وعِصْمَة الأنبياء، وغير ذلك، وكان في أتْباعهِ مُجَسِّمةٌ مُشبّهةٌ.
فهؤلاء مشاهيرُ أهل البدَع في كلام الله تعالى، وهُناك طوائفُ سِواهم أخْمَدَ الله ذكرَهم، سِوى الَمتفلسفة المنسوبينَ إلى الإِسلام -وهو بريءٌ منهم- فهؤلاء لهم قَوْلٌ تضمَّنَ قولَ الجهمية وزيادةً، كما سيأتي ذكرُهُ، وكانَ من أقطاب القائلين به: ابنُ سِينا، ذاك الزَّنْديقُ القُرْمُطي المَحْسوب على الإِسلام، وابنُ عَربيّ الطائيُّ صاحبُ "الفتوحات" و"الفصوص" رأسُ القائلين بالاتّحاد، بَلْ رأسُ أهْلِ الإِلْحادِ، المَعدود في الأولياءِ، زوراً وبهتاناً، وظُلْما وعُدواناً، وأشباهُهما من المارقينَ عن دين المُسْلِمينَ.
وإنّي ذاكرٌ في هذا الباب اعتقاداتِ جميعِ هذه الطَّوائِفِ في القرآن العظيم، وعامَّةِ كلام ربّ العالمينَ، وناقِضٌ ذلك عليهم بالحُجَج والبَراهين، واختصَصْتُ بالتفصيل منهم المعتزلةَ والأشعريّةَ، فأفردتُ لكلّ طائفةٍ فَصْلاً، لعُموم البَلْوى باعتقادِ كلٍّ منهما، وخاصَّةً الأشعريةَ الَّذين ضَلَّ باعتقادهم الخاصُّ والعامُّ من المنتسبينَ للعلم وطلَبِهِ، وغيرِهم، إلَاّ قليلًا من الغُرَباء بالسُّنَّة، ولُبَّسَ على كثيرٍ من المنتسبينَ إلىَ السُّنَّة من علماءِ هذا الزَّمانِ فلم يُميّزوا بينَهم وبينَ أهلِ السُّنَّة والجماعَةِ، وحَسِبوهم منهم، وإنَّما وقَعَ هذا اللَّبْسُ لأسبابٍ سأشرحها في خاتمة كتابنا هذا.
فالله المُستعانُ، وبه الاعتصامُ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)

‌‌الفصل الأول
ذكر جملة أقوال طوائف أهل البدع
في كلام الله تعالى
وفيه الطوائف التالية:
= 1 = المتفلسفة وبعض غلاة الصوفية.
= 2 = الجهمية من المعتزلة وغيرهم.
= 3 = الكلابية.
= 4 = الأشعرية.
= 5 = السالمية ومن وافقهم من أهل الكلام والحديث.
= 6 = الكرامية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)

ذكر جملة أقوال طوائف أهل البدع في كلام الله تعالى

•‌‌ أولا: المتفلسفة وبعض غلاة الصوفية:
يقولونَ: كلامُ الله لا وُجودَ له خارجَ نَفْس الرَّسول، وإنَّما هو ما يَفِيضُ على النُّفوسِ من المَعاني، أو هو ما يَفِيضُ من العَقْلِ الفَعَّال أو غيره.
وربَّما قالوا: العقلُ الفعَّالُ هو جبريلُ، وربَّما قالوا: غيره.
ويقولونَ: كلامُ الله مُحْدَثٌ في نفسِ النبيّ، والكلامُ الذي سَمِعه موسى كان موجوداً في نفسهِ، لم يسمَع موسى كلاماً خارجاً عن نفسهِ.
قلتُ: وهذه المقالة مِن أبين الكُفر وأظهرهِ، وهي من التَّحريف المكشوفِ لحَقائق الشَّريعة، وذلك مِنْ وجوهٍ، منها:
1 - تعطيلُ صفة الكلام لله ربِّ العالَمين على الحَقيقة.
2 - تكذيبُ المعلوم من دينِ المُسلمينَ ضَرورةً من كونِ القرآن مُنْزلًا حقيقةً.
3 - تكذيبُ المعلوم مِن دينِ المُسلمينَ ضَرورةً أنَّ رَسُولَ ربّ العالَمين الذي كان يَنزِل بالوَحي هو جبريلُ عليه السلام، وهو مَلَكٌ من

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)

ملائكة الله، ليسَ هو العقلَ الفَعّالَ ولا غير ذلك.
4 - عَدُّهُم ألفاظَ القُرآنِ وحُروفَهُ مِن إنشاءِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، لأنَّ العقلَ الفعّالَ فاضَ عليه بالمَعاني فقط.
5 - موَافَقَتُهم الجهميةَ في كونهِ مخلوقاً.
وجميعُ هذا، بل بعضُه متضمّنٌ تعطيلَ صفَةِ الكَلامِ لله ربِّ العالَمين.
لكنَّ هؤلاء قومٌ أمْلى عليهم وليُّهم إبليسُ أنَّهم بلَغوا في علْمِ الحَقيقةِ (!) مَبْلَغاً لم يبلُغهُ نبيٌّ ولا رَسولٌ، كيفَ وقائلُهم يقولُ: "خُضْنا بَحْراً وقفَ الأنبياءُ بساحلهِ"؟
وإنَّا نقولُ لهم: صَدَقْتُم، إنَّ الأنبياءَ لم يخُوضوا في بحارِ الظُّلُمات، ولم يَجْرُؤوا على الله جرأتكُم، وإنَّما كانَ القائلُ منهم يقولُ: {إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} [سبأ: 50] لا بإملاء الشيطان وتزيينهِ، و {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}.
ونقولُ: كَذَبْتُم يا هؤلاء، فإنَّ الأنبياءَ عليهم السلام أعلمُ الخَلْقِ بالله وأعرفهُم به.
وليكْفِكُمْ خِسَّةً ودنَاءةً وكُفْراً أنَّ إلهَكُم الَّذي تعبدونَ في الحُشوشِ والنَّجاساتِ، أو هو الكلبُ والخنزيرُ.
وأمَّا نَحْنُ أهلَ الإِسلام فإلهنا الله الذي لا إله إلَّا هو، فوقَ سَبْع سَماواتهِ على عَرْشهِ استوى، ويعلَمُ السِّرَّ وأخْفى.
ولقَدْ كنتُ ابتداءً حذفْتُ ذكرَ هؤلاء من كتابي هذا، ولكني رأيتُ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)

علماءَنا من أهْلِ السُّنَّة يذكرونَهم في جملةِ الطوائفِ الخارجةِ عن أهلِ الحقّ في مسألةِ كلامِ الله، فآثرتُ الاقتداءَ بهم.
وحين ذَكَر شيخُ الإِسلام قولَهم قال: "وهذا القولُ أبْعَد عن الإِسلام ممَّن يقول: القرآن مخلوق" (6).

•‌‌ ثانيا: الجهمية من المعتزلة وغيرهم:
يقولون: إنَّ الله تعالى لا يقومُ به شَيْءٌ من الصِّفات: لا حَياةٌ، ولا علمٌ، ولا قُدْرةٌ، ولا كَلامٌ، ولا غيرُ ذلك، فلذا فإنَّ كلامَه مخلوقٌ، خلَقَه في بعض الأجْسام، وابتداؤُه من ذلك الجِسْم لا مِن الله، فلا يقومُ بنفسهِ كلامٌ لا معنى ولا حروفٌ.
وفسَّروا المُتكلِّمَ بأنَّه: مَن فعَلَ الكَلام، ولو في مَحَلّ مُنفصلٍ عنه (7)
وقد كشفتُ عن شُبُهاتهم وأباطيلِهم في الفصل الآتي.

•‌‌ ثالثا: الكلابية:
وهم أتباعُ عبدالله بن سَعيد بن كُلّاب -كما سبق قريباً-.
يقولون: لم يَزَلِ الله تعالى متكلّماً، وكلامهُ صِفَةٌ له قائمةٌ به، وهو الكلامُ النفسيُّ، وهو قديمٌ بِقِدَمهِ تعالى، غيرُ متعلّقٍ بمَشيئتهِ وقدرتهِ، وقيامُ الكلام به كقيامِ الحَياةِ والعَلْم، وليسَ هو بحُروفٍ، ولا يكونُ صوتاً، ولا--------------------------------------------
(6) "مجموع الفتاوى" 12/ 163.
(7) قال شيخ الإِسلام: "ففسروا المتكلم في اللغة، بمعنى لا يعرف في لغة العرب ولا غيرهم لا حقيقة ولا مجازاً" "مجموع الفتاوى" 12/ 29 - 30.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)

يتجزّأ ويتبعَّضُ، ولا يَتَغايرُ ويتفاضَلُ.
وهو معنى واحدٌ، يصيرُ أمْرًا ونَهْيًا عند وجود المأمورِ المَنْهِيّ.
فالأمْرُ والنَّهيُ والخَبر عندَهم معاني محدَثةٌ.
ويقولون: الحروفُ المَنظومة قراءةُ القرآنِ، وهي عِبارةٌ عن كلام الله، وهي مخلوقةٌ.
والعِباراتُ عن كلام الله تتغايَرُ وتَخْتَلفُ، فَيُعبَّرُ عنه بالعربيَّةِ كالقرآن، والعِبْريةِ كالتَّوراةِ، والسّريانية كالإِنجيلِ، وكلُّه كلامٌ واحدٌ لا يتغايَرُ، وإنَّما تغايَرَت العبارةُ.
وقولُ الله: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} حتَّى يفهمَ كلامَ الله.
1 - فنفَوا أن يكونَ القرآنُ العربيُّ المُنْزَلُ، المؤلّفُ من الحُروف المَنظومة كلامَ الله، وإنَّما هو عبارةٌ عنه مخلوقةٌ.
2 - وأنكَروا أن يكونَ الرَّبُّ تعالى لَم يَزَل آمِرًا ناهيًا مُخْبِرًا، وإنَّما هذه معاني محدَثةٌ.
3 - وأثبَتوا أنَّ صفةَ الكلامِ الثَّابتةَ لله تعالى، إنَّما هي الكلامُ النَّفْسيُّ، وهو قائمٌ به غيرُ متعلّقٍ بمَشيئتهِ وقُدْرتهِ، وهو معنى واحدٌ.

•‌‌ رابعا: الأشعرية:
وافَقوا الكُلّابيّةَ في جَميع قولِهم، لكنَّهم خالَفوهم في:
1 - أنَّ كلامَ الله في الأزَلِ أمْرٌ وَنَهْيٌ وخَبَرٌ واستخبارٌ، والله تعالى لَمْ يَزَل آمِرًا ناهِيًا مُخْبِرًا، وأنَّ هذه صفاتٌ للكَلام لا أنواعٌ له، وكلامَ الله

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)

القائمَ بذاتهِ (الكلام النفسيّ) هو الأمرُ بكلّ مأمورٍ، والنَّهْيُ عن كلّ مَنْهِيّ عنه، والخَبَرُ عن كلّ مُخْبَرٍ عنه.
2 - في قول بعضهم: هو عدَّةُ مَعانٍ وليس معنًى واحدًا: الأمرُ، والنهيُ، والخَبرُ، والاستخبارُ، والنّداءُ، و ....
فلمَّا توافق قولُ الكُلّابيّة مع الأشعريةِ في الغالب، لم أفْرِدْهم بالردّ عليهم، اكتفاءً بالردّ على الأشعريةِ، وسيأتي مفصلًا في الفصل الثالث من هذا الباب.
وهناك طائفةٌ أخرى وافقت الأشعريةَ في اعتقادِها، وهم المعروفون بـ (الماتُريدية) أتباع أبي مَنْصور الماتُريديّ (8)، الذي يعدّونه الإِمام الثاني--------------------------------------------
(8) هو أبو منصور محمد بن محمد بن محمود الماتُريدي السَّمَرْقَنْدي، كانَ معدودًا في فقهاء الحنفية، ولذا تجد أكثر المنتسبين لعقيدته من الحنفية، وكانَ صاحب جدَل وكلام، ولم يكن من أهل السنن والآثار، ولم يكن له أتباع يُذكرون في عَهْده وبعدَه بمُدّة طويلة، حتى جاء مِن بعدُ من أحيا مذهبه من الحنفية، وحقَّقه وهذَّبه، وتمضي السنونَ فتظهر طائفة تدعى (الماتُريدية) قد دانت باعتقاده، وفي الزَّمن المتأخّر صارَ لها شأنٌ وأتباعٌ، وإنَّما وقع ذلك -فيما لا أرتاب فيه- بالبُعد عن السنن والجَهل بها وبأهلها، حتى وصل الحالُ إلى أنْ لا يُعرَف للأمَّة -ولأهل السنَّة خاصةً- إمامٌ يُقْتَدى به في الاعتقاد سِوى أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتُريدي.
فهذه الجامعات والمعاهدُ الكبرى في أكثر بلاد المسلمينَ لا يُدْرَسُ فيها إلَّا اعتقاد الأشعري واعتقاد الماتُريدي، فتربّى الطلَاّب والشيوخُ، وتخرّجوا علماء (!) وهم لا يعرفون إلَّا توحيد الأشعرية والماتريدية.
ولقد رأيت كتابًا للماتريدي اسمه "كتاب التوحيد" كذا سُمّي! غفرانكَ اللَّهم! وهو أحرى بأن يُسَمَّى بـ "الجدل والمنطق" فلقد أبانَ عن حقيقة الماتُريدي، وكشفَ =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)

لأهلِ السُّنَّة، كذا زعَموا!
فلمَّا رأيتهُم متوافقينَ معهم في الاعتقاد لَمْ أرَ ضَرورةً لإِفرادِهم بالكلام عنهم.

•‌‌ خامسا: السالمية ومن وافقهم من أهل الكلام والحديث:
يقولونَ: لله تعالى صفةُ الكَلام، وكلامُهُ حُروفٌ وأصواتٌ، وهي قديمةٌ أزليَّةٌ غيرُ مخلوقةٍ، ولَها مَعان تقومُ به، وكلامُه تعالى غيرُ متعلّقٍ بمشيئتهِ وقدرتهِ.
وطائفةٌ منهم زادَت فقالت: إنَّ الصَّوتَ القديمَ هو المَسموعُ مِن القارىء إذا قرأ القرآنَ.
قلتُ: وهؤلاء وافَقوا الأشعريةَ في عَدَم تعلُّق كلامِهِ تعالى بمشيئته وقدرتهِ، وبهذا جانَبوا اعتقادَ السَّلَف السَّديدَ القَويمَ.
ولكنهم وافقوا السَّلَف في أنَّ كلامَ الله غيرُ مخلوقٍ حروفَهُ ومعانِيَهُ، وبهذا جانَبوا اعتقاد الجَهميةِ والأشعريةِ، فقولهم جُمْلةً خيرٌ من قولِ الأشعرية -على ما فيه-.--------------------------------------------
= عن حاله بأنه إمام جَدَلٍ ومَنْطِقٍ ولغوٍ كثيرٍ، لا إمام علم وسُنَّة -وإن كانَ قد تضمَّن بعضَ الحق، لكنه مَشوب بجدَل وفلسفة -فبماذا تُرى استحقَّ وصف "مصحح عقائد المسلمين" كما يصفه بهذا اللكنويُّ وغيره؟ فإلى الله المُشتكى من تلبيس الملبّسين، وتضليل المضلّلين.
والإِنصاف يقتضي أنْ نقول: له مجهودٌ -كالأشعري- في الانتصار للسنة - لكن بطرق مُبْتَدَعة- والردّ على الجهمية وغيرهم -لكن بأصول مخترعة-.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)

أمَّا الطائفةُ التي غَلَتْ منهم فزعَمَتْ أنَّ الصَّوْتَ القديمَ هو المسموعُ من القاريء، فهو قولٌ ظاهرُ الفَسادِ، كَما بيّنْتُه في أواخِر الباب السابق، وهو يُفْضِي بالقائلينَ به إلى القَوْل بالحُلولِ، أي: أنَّ صفةَ الخالقِ التي هي صوتُهُ بكلامهِ قد حَلَّتْ بالمَخلوقِ، وربّما أفضى في الآخِر إلى القول بقِدَم سائرِ كلامِ المخلوق وصوتهِ، وفَسادُ هذا أبْيَنُ من أنْ يُسْتدلَّ له، ومنافاتُهُ للكتابِ والسُّنَّة واعتقادِ السَّلَفِ أظهَرُ من أن يُتَكلَّفَ للجَواب عنه.

•‌‌ سادسا: الكرامية:
يقولونَ: كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، وهو مَعَ ذلك حادثٌ، وهو حروفٌ وأصْواتٌ قائمةٌ بذات الله تعالى، متعلّقٌ بمشيئتهِ وقُدْرتهِ بعدَ أنْ كانَ الكلامُ مُمْتَنِعًا عليه.
ويقولونَ: لم يَزَل الله متكلِّمًا، بمعنى: أنَّه قادرٌ على الكَلام.
ويقولونَ: ليسَ لله كلامٌ في الأزَل، أي لم يكن متَّصفًا به، لعدَمِ وُجودِ الحادث.
قلتُ: فوافَقَ هؤلاء السَّلفَ في إثباتِ تعلُّقِ الكلام بالمَشيئة والقدرةِ، وأنَّه بحَرْفٍ وصَوْتٍ، ولكن ناقَضوهم في سَلْبِ الرَّبِّ تعالى صفةَ الكلامِ في الأزَل، وإثباتِ عَجْزهِ تعالى عنه، وهو تحكّمٌ باطلٌ، ورَجْمٌ بالغَيْبِ، مُتضَمِّنٌ وصْفَ الرَّبِّ تعالى بالنَّقْصِ، وسَلْبَ صفاتِ كمالهِ، والسَّلَفُ علَى أنَّ كلامَ اللهِ صفةٌ ثابتةٌ له تعالى في الأزَل، ويتكلَّمُ بمشيئتهِ وقدرتهِ، ويتكلَّمُ بحَرْفٍ وصوتٍ، وأقَمْنا الحُجَّةَ على ذلك في الباب الأوَّل بما يُغني ويَكفي.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)

والكَرّامية أصحابُ زَيْعٍ وضَلالٍ في أكثر الاعتقادِ، وهي طائفةٌ مائلةٌ عن القَصْد، وإنَّما المقصودُ هنا ذكرُ اعتقادِهم في كلام الله تعالى، ومناقَضَتهِ لاعتقاد السَّلَف.
ولقَدْ أخمَدَ الله تعالى بدعةَ هذه الطائفةِ في الزَّمانِ المتأخِّرِ، بعدَ ما كان لها من بُعْدِ الصِّيت وكَثْرَةِ الأتباع، فله الحَمْدُ والمِنَّة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)

‌‌الفصل الثاني
كشف تلبيس الجهمية المعتزلة في كلام الله تعالى وحكم السلف والأئمة فيهم
وفيه ثلاثة مباحث:
= المبحث الأول: ذكر شبه المعتزلة ونقضها.
= المبحث الثاني: ذكر ما حرفت المعتزلة من معاني
التنزيل لابطال صفة الكلام.
=المبحث الثالث: المعتزلة في ميزان أئمة السلف.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)

‌‌المبحث الأول: ذكر شبه المعتزلة ونقضها
لقد ذكرتُ لك اعتقادَ المعتزلةِ في كلام الله تعالى جُمْلَةً، وأنَّه اعتقادُ الجهميةِ، إذ المعتزلةُ جَهْميَّةٌ في مسألةِ كلام الله وفي غيرها كالصِّفاتِ والرُّؤْية وغيرِ ذلك، واعتقادُهم مخالفٌ للكتابِ والسُّنَّة وإجماع السَّلَف، كما يَظهر لَكَ ذلك من خِلال مُقارَنَتهِ بما شَرَحْناه في الباب الأوَّل.
وإنِّي ذاكرٌ هنا -بحَوْل الله وقوَّته- ما شَبَّهَتْ به المعتزلةُ على من ضَعف تحصيلُه، ومُجيبٌ عن جَميع ذلك بإيجازٍ غيرِ مُخِلٍّ إن شاءَ الله.
• الشبهة الأولى:
القرآنُ شَيْءٌ، وقَدْ قالَ الله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] ولفظ (كلّ) للعُموم، فالقرآنُ داخِلٌ في عُموم ما خَلَقَ الله من الأشياء.
جوابها:
لا أحسَب أنَّ فسَاد هذا القَوْلِ خافٍ على مَن قالَ به، ولكنَّهم أرادوا إدخالَ الرَّيْب والشَّكِّ على مَن لا يَفْهَم، وذلك أنَّ صيغةَ (كلّ) وما يُشْبِهُها من صِيَغ العُموم، عُمومُ كُلّ منها إنَّما هو بحَسَبهِ، قالَ تعالى في ريحِ عادٍ:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)