Arabic source text

📘 আল-আকীদাতুস সালাফিয়্যাহ ফী কালামি রাব্বিল বারিয়্যাহ ওয়া কাশফি আবাতীলিল মুবতাদিআতিল রাদিইয়্যাহ (আবদুল্লাহ আল-জুদাই)

📘 العقيدة السلفية فى كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية (عبد الله الجديع)

📘 আল-আকীদাতুস সালাফিয়্যাহ ফী কালামি রাব্বিল বারিয়্যাহ ওয়া কাশফি আবাতীলিল মুবতাদিআতিল রাদিইয়্যাহ (আবদুল্লাহ আল-জুদাই)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
{تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} [الأحقاف: 25] فالتَّدميرُ إنَّما كانَ بأمْرِه تعالى، وأمرُهُ تعالي كلامُهُ، قال: {فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} فأبانَ أنَّ مساكنَهم لَمْ تُدَمَّر، ومُقتضى ذلك أنَّها لم تُدمِّر الأرضَ ولا الجبالَ ولا غيرَ ذلك مِنْ سِوى أهلِها، فدلَّ ذلك على أنَّ عمومَ (كلّ) إنَّما كانَ في حقّ الكُفّار المُستحقّينَ للوَعيدِ، لا كلّ شَيْءٍ حتى من سِواهُم من الجَماد وغيره، وهذا معقولٌ ظاهرٌ.
وقال تعالى في حَقّ بلقيسَ: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23] ومعلومٌ أنَّها لَمْ تُؤْتَ ملكَ سليمانَ، ولا غيرَ أرضِها من الأرض.
ولقَدْ أثبتَ تعالى أنَّ له نَفْسًا، قال: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: 116] وقال: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} [طه: 41] وقال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185، الأنبياء: 35] فَهلْ يُدْخِلُ الجَهْميُّ نفسَ الله تعالى في هذا العُموم؟ إنَّ الأنْفُسَ التي تموتُ إنَّما هي الأنفسُ المَخلوقة، أمَّا الخالقُ تعالى بصفتهِ فهو حيّ لا يموتُ.
فدلَّت هذه النُّصوصُ على أنَّ عمومَ (كلّ) إنَّما هو بحَسَبِ المَوضع الذي ورَدَت فيه.
فكذلكَ قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}.
فالله تعالى شَيْءٌ، وصفتُهُ شَيءٌ، قَالَ تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ} [الأنعام: 19] والمخلوقُ شيءٌ، والله هو الخالقُ، وليسَ بمخلوقٍ، وصفاتُهُ تابعةٌ لذاتهِ، فليسَتْ بمخلوقةٍ، والقرآنُ كلامُهُ، وكلامُهُ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 306)

صفَتهُ، وصفتُهُ غيرُ مخلوقةٍ، فالله شَيْءٌ غيرُ مخلوقٍ، وصفَتهُ شَيْءٌ غيرُ مخلوقٍ، والمخلوقُ مَن وقَعَ عليه فِعْلُ الخَلْق، وهو كلّ شيءٍ سِوى الله تعالى وصفته.
ولكنَّ الجَهْميةَ المعتزلةَ أوقَعَهم في ذلك اعتقادُهم أنَّ الله تعالى لا تقومُ به الصِّفاتُ، فصفاتُهُ عندهم غيرُه، ونحن قَدْ قرَّرنا في الباب الأول أنَّ الصفةَ إنَّما تقومُ بالموصوفِ، والكلامَ إنَّما يقومُ بالمتكلّم، ولا تُعْقَلُ ذاتٌ مجرّدةٌ عن الصِّفات، وهذا من الجَهْميةِ المعتزلةِ هو التعطيلُ لصفاتِ الخالق تعالى، لأنَّ الصفةَ إذا قامَتْ بمَحَلٍّ كانت صفةً لذلك المَحَلّ، فباعتقادِهم تَبْطُلُ جميعُ الصِّفاتِ.
وسبحان مَن شاءَ أن يُظهِرَ مخبوأهم ويكْشِفَ مَستورَهم، فإنَّهم أدخَلوا صفةَ الله تعالى في عُموم (كلّ) في هذه الآية، وأخرَجوا أفعالَ العباد من هذا العموم، وقالوا: أفعالُ العباد غيرُ مخلوقةٍ لله، فكذَّبوا القرآن، من حيثُ أنَّ الله تعالى قال: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] وقال: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} فكذَبُوا على الله ربِّ العالَمين، وألْحَدوا في آياتِهِ، فصرَفوا الآيةَ عمَّا هي لَه، واحتجّوا بها على ما لَيْسَت له.
• الشبهة الثانية:
القرآنُ مجعولٌ، قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: 3] والجَعْل: الخَلْق.
جوابها:
لفظ (جَعَلَ) يأتي بمعنى (خَلَق) وبغيره.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)

والقاعِدَة فيه: أنَّه لا يأتي بمعنى (خَلَق) إلَّا إذا تعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ.
ومنه قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1] وقوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189].
وربَّما تعدّى إلى مفعول واحدٍ ولم يَكن بمعنى (خلق) كقوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ} [الأنعام: 100، والرعد: 33] وقوله: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} [الفيل: 5].
أمَّا إذا تعدَّى إلى مَفعولين فلا يكونُ بمعنى (خلَقَ) بأيّ حالٍ.
ومن ذلك قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} [البقرة: 66] وقوله: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [الأنبياء: 73].
وكذلكَ منه قولُه تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} فالمفعولُ الأوَّل الضَّميرُ والثاني [قُرْآنًا] والمعنى: قُلناه قرآنًا عربيًا، أو بَيَّناه.
فبطلَ تمويه المعتزلةِ بفَضْلِ الله.
وقَدْ أجابَ الإِمامُ أحمدُ رحمه الله المعتزليَّ حينَ احتجَّ عليه بهذه الآية بقوله: "فقد قالَ الله تعالى: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} أفَخَلَقهم؟ " (9).
• الشبهة الثالثة:
القرآنُ مُحْدَثٌ، كما قال الله: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ--------------------------------------------
(9) رواه صالح في "المحنة" ص: 53 عن أبيه به.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)

إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2] وكما قال: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} [الشعراء: 5] والمُحْدَث: المخلوق.
جوابها:
قوله (محْدَث) في الأصْلِ من (الحُدوثِ) وهو كونُ الشَّيءِ بعدَ أن لم يكنْ، والقرآن العَظيمُ حينَ كان يَنزِلُ، كان كُلَّما نزَلَ مه شيءٌ كانَ جَديداً على الناس، لَم يكونوا عَلِموه مِن قَبْلُ، فهو مُحْدَثٌ بالنسبة إلى الناسِ، ألا تراهُ قال: {مَا يَأْتِيهِمْ}؟ فهو محدَثٌ إليهم حين يأتيهم، ومنه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله يُحدِثُ لِنبيِّه ما شاءَ، وإنَّ مِمَّا أحدثَ لنبيّه: أنْ لا تكلّموا في الصَّلاة" (10) وأمرُ الله: قولُهُ وكلامُهُ، وهو غيرُ مخلوقٍ، مُحْدَثٌ بالنسْبَةِ إلى العبادِ، أي: جديدٌ عليهم، فليسَ المحدَثُ هنا هو المخلوق.
وهذا الجَواب أحسن ما قيل في ذلك.
قالَ أبو عُبيد القاسِمُ إمامُ العربيةِ: " {محْدَثٍ} حدَثَ عند النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابهِ لمَّا عَلَّم الله ما لم يكن يُعْلَم" (11).
وقال ابنُ قُتَيْبَة: "المحدَثُ ليسَ هو في مَوْضِع بمعنى: مخلوق، فإنْ أنْكَروا ذلك فليقولوا في قول الله: {لَعَل اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلكَ أمْراً} [الطلاق: 1] أنَّه يخْلُقُ، وكذلكَ: {لَعَلهُمْ يَتقُونَ أوْ يُحْدِث لَهُمْ ذِكْراً} [طه: 113] أي: يُحْدِثُ لهم القرآنُ ذِكْراً، والمعنى: يُجَدِّدُ عندَهم ما لَمْ--------------------------------------------
(10) سبق تخريجه ص 60.
(11) "خلق أفعال العباد" ص: 37.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)

يكن، وكذلكَ قولُهُ: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} أي: ذكْرٍ حَدَثَ عندَهم لم يكن قبلَ ذلك" (12).
وقال شَيخُ الإِسلام: "المحدَثُ في الآية ليسَ هو المَخلوقَ الذي يقولُهُ الجَهميُّ، ولكنه الذي أنزلَ جَديداً، فإنَّ الله كانَ يُنْزِلُ القرآنَ شيئاً بعدَ شيْءٍ، فالمُنْزَلُ أوَّلاً هو قديمٌ بالنسبةِ إلى المُنْزَلِ آخراً، وكلُّ ما تقدَّمَ على غيرهِ فهو قديمٌ في لُغَةِ العرَب" (13).
وربَّما أجابَ بعضُ الأئمَّة بغير هذا، لكنَّ هذا أصَحُّ وأظهرُ.
• الشبهة الرابعة:
جَعَلَ الله أمرَه مقدوراً فقال: {وَكَانَ أمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً} [الأحزاب: 38] وأمرُ الله: كلامُهُ، والمقدورُ: المخلوقُ.
جوابها:
إنَّ لفْظَ: (الأمر) إذا أضيفَ إلى الله تعالى يأتي على تَفْسيرينِ: الأوَّل: يُراد به المَصْدر، كقولهِ تعالى: {لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْر} [الأعراف: 54] وهو غيرُ مخلوقٍ -كما ذكَرْناهُ في الباب الأوَّل في الاحتجاج لهذه المسألة-.
وهذا يُجْمَع على: (أوامر).
والثاني: يُراد به المفعولُ الذي هو المأمورُ المقدورُ، كقولهِ تعالى:--------------------------------------------
(12) "الاختلاف في اللفظ" ص: 234 - 235 - "عقائد السلف" -.
(13) "مجموع الفتاوى" 12/ 522.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)

{وَكَانَ أمرُ اللهِ قَدراً مَقْدُوراً} فالأمرُ ههنا هو المأمورُ، وهذا يُحْمَع على: (أمور) وهو مخلوق.
وسبق أن ذكَرْتُ في الباب السابق أنَّ صيغةَ المَصْدَر قد تَرِدُ بمعنى المفعولِ في كلام العَرَب.
قال شيخ الإِسلام: "ففي قوله: {وَكَانَ أمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً} المرادُ به المأمورُ به المقدورُ، وهذا مخلوقٌ، وأمَّا في قوله: {ذلِكَ أمْرُ اللهِ أنْزَلَهُ إِليْكمْ} [الطلاق: 5] فأمرُهُ كلامُهُ، إذ لَمْ يُنْزِلْ إلينا الأفعالَ التي أمَرنا بها، وإنَّما أنزلَ القرآنَ، ولهذا كقولهِ: {إِن اللهَ يأمُرُكُمْ انْ تُؤدوا الأمَانَاتِ إلى أهلِهَا} [النساء: 58] فهذا الأمرُ هو كلامُهُ" (14).
قلتُ: ونظيرهُ لفظُ (الخَلْق) فإنَّه يأتي مَصْدراً فهو حينئذٍ فِعْلُ الربّ تعالى وصفتُهُ، ويأتي مفعولاً فهو حينئذٍ المخلوقُ الذي وقعَ عليه فِعْلُ الخَلْق.
فليس لفظُ (الأمْر) إذاً على ما قالت الجَهْميةُ المعتزلةُ من اختصاصهِ بالمَفعول المقدورِ.
• الشبهة الخامسة:
سمَّى الله تعالى عيسى (كلمتَه) فقال: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ} [النساء: 171] وقال: {يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 45] وعيسى مخَلوقٌ، فالكلمةُ مَخلوقةٌ.--------------------------------------------
(14) "مجموع الفتاوي" 8/ 412.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)

جوابها:
إنَّ عيسى عليه السلام مخلوقٌ، خَلَقَه الله بأمْره حين قال له: {كُن} كما قالَ تعالى: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 47] وقال: {إن مَثَلَ عِيْسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُم قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59] فكانَ عيسى بكلمة الله تعالى وقوله (كُنْ).
فالكلمةُ (كن) لا عَيْنُ عيسى، والمُكَوَّنُ بها هو عيسى عليه السلام. وبهذا أجابَ غيرُ واحد من الأئمَّةِ.
قال قتادةُ -وهو من أئمة التابعينَ في التفسير وغيره- قوله: {بكَلِمَةٍ مِنْهُ} قال: "قوله (كن) فسمَّاهُ الله عز وجل كلمته ، لأنَّه كانَ عن كلمتهِ كما يُقال لِما قدَّرَ الله مِنْ شَيْءٍ: هذا قَدَرُ الله وقضاؤُهُ، يعني به: هذا عن قَدَر الله وقضائِهِ حَدَثَ" (15).
• الشبهة السادسة:
القُرآن تَرِد عليه سِماتُ الحدوثِ والخَلْق، وذلكَ من وجوهٍ عِدَّة:
1 - قال تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} [النحل: 101] فأخبرَ عن وقوع النَّسْخ فيه.
2 - هو حروفٌ مُتعاقبةٌ، يَسْبِقُ بعضُها بعضاً.
3 - لا يكونُ إلَاّ بِمَشيئةٍ واختيارٍ، فيلزَمُ منه أن تَسْبِقه الحَوادثُ،--------------------------------------------
(15) رواه ابن جرير 3/ 269 بسند صحيح.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)

ويتأخَّرَ عنها.
4 - له ابتداءٌ وانتهاءٌ، وأوَّلٌ وآخرٌ.
5 - هو متبعّضٌ متجزّئٌ.
6 - مُنْزَلٌ، والنُّزولُ لا يكونُ إلَاّ بحركةٍ وانتقالٍ وتَحَوّلٍ.
7 - مكتوبٌ في اللَّوْح والمَصاحفِ، وما حُدَّ وحُصِرَ فهو مخلوقٌ.
وهذه الوجوهُ وما يُشْبِهها صفاتٌ للمَخلوق المُحْدَث.
جوابها:
هذه المعاني جميعاً مبنيّةٌ على أصْلِهم الذي ابتدَعوه لإِثبات خَلْق العالَم وقِدَم الصَّانع، وهو الاستدلالُ على حُدوثِ العالَم بطريقةِ الحَركات، فقالوا: لا يُمْكِنُ معرفةُ الصّانع إلَاّ بِإثباتِ حدوثِ العالَم، ولا يُمكنُ إثباتُ حدوث العالم إلَاّ بإثبات حدوثِ الأجسام، والاستدلال على حدوثِ الأجسام إنَّما هو بحُدوث الأعْراضِ القائمة بها كالحرَكة والسُّكون.
فهذا الأصلُ المبتَدَعُ هو الذي جرَّهم إلى القولِ بخَلْقِ القرآن ونَفْي الصِّفاتِ والأفعالِ لله تعالى (16).
ولو أنَّهم سَلَّموا لنُصوص الكتابِ والسُّنَّة لكفَتْهم في ذلك، ولانْتَشَلَتْهُمْ من وَرْطَةِ التَّعْطيل، فإنَّ هذه أَمورٌ لا يُتَوصَّلُ إليها بمُجرَّدِ العقلِ، والله تعالى قد أثبتَ أزليَّتَه وخَلْقَ العالَم بأحسَن البَراهين وأقوى الحُجَج: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}؟--------------------------------------------
(16) انظر: "درء التعارض" 2/ 99.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)

ونحنُ لا نُناظر المعتزلةَ في دفْع هذه الأباطيل بمُحْدَثاتٍ من الأقوالِ والأصول، ولا نُسلِّمُ لهم قولَهم ودَعْواهم، وإنَّما نرفُضُ ذلك أشدَّ الرَّفْضِ، ونقولُ: هو بِدْعة ضَلالةٌ لِما جَرَّت إليه من الكُفْرِ والباطل -شأنَ سائر البدع- ولا نسلُكُ مَسلكَ أهْل البِدَع في الرَّدِّ عليهم ومناظَرتِهم شأنَ الأشعريةِ والماتُريديةِ أتباع ابن كُلّاب والأشعريّ والماتُريديّ، فإنَّ هؤلاء أرادوا نقضَ ضَلالات المُعتزلةِ بنفس طريقتِهم، فتَراهم تابَعوهم في هذا الأصل الذي ذكَرْناه عنهم، فتسلَّطت عليهم به المعتزلةُ وأظهَرت تناقُضَهم.
وصدَق فيهم شيخ الإِسلام حين قال: "فهم قَصَدوا نَصْرَ الإِسلام بما يُنافي دينَ الإِسلام" (17).
وأصلُ المعتزلةِ الذي ابتدَعوه أوقعَهم في قياسِ صفةِ الخالقِ على المخلوق وصفتهِ، فإنَّهم إنَّما بَنوا أصلَهم على ما عَهِدُوه في المخلوق من أحوالٍ وصفاتٍ، فحَسبوا أن ذلك يَلْحَقُ صفةَ مَن {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فقاسُوا ما لَمْ يُحيطوا به عِلْماً على ما حصّلوهُ من الظنونِ والأوهام التي حَسِبوها غايةَ العلوم.
وهذا مِن أعظَم ما أدخلَه الشَّيطانُ -لعنه الله- من التلبيس على هؤلاء أنْ زيَّنَ لهم ابتداعَ أصولٍ لم تَرِدْ في كتابٍ ولا سُنَّة، فالتَزموها، والتَزموا بسَبَبها خِلافَ الشَّريعةِ، فجَعلوها الحاكمَ على الكتابِ والسُّنَّة، ومِنْ تلكَ الأَصولِ الفاسدةِ هذه الدَّعاوى المجرّدةُ عن البُرهاَن مِمَّا هو مَحْضُ العُقولِ الزَّائفةِ، القَفْرِ من نُور الوَحْي.--------------------------------------------
(17) "مجموع الفتاوى" 12/ 185.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)

فكلُّ ما أوردوهُ ممَّا سَمَّوْهُ (معقولاً) ليَستدلوا به على خلق القرآن هو من قِياسِ صفةِ الخالق على صفةِ المخلوق، وهو كُفْرٌ بالله تعالى، فإنَّه كما لا شِبهَ له في ذاتهِ فلا شِبهَ له في صفاتهِ، وهذا مقرَّرٌ في موضعه.
فهذه أظهرُ ما استدلَّ به الجهميةُ المعتزلةُ من الحُجَجِ (!) وأبينُها وأقْواها عندَهم، وقد بانَ لك زيفُها وبُطلانُها، وقارِنْها بما سَبَق ذكرُهُ من الأدلَّةِ لاعتقادِ أهل السُّنَّة والجَماعة، يَجْلُ لك الحقُّ بذلك وتعلَم استقامةَ منْهَج أهل السُّنَّة، واتّباعَ أهل البدع للأهواءِ والظُّنون.
وصدَقَ شيخ الإِسلام -وهو بهم خَبيرٌ- في قوله: "وليسَ مَعَ هؤلاء
عن الأنبياء قولٌ يُوافقُ قولَهم، بل لهم شبَهٌ عقليةٌ فاسدةٌ" (18).
• • • • •--------------------------------------------
(18) "مجموع الفتاوي" 12/ 48.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)

‌‌المبحث الثاني: ذكر ما حرفت المعتزلة من معاني التنزيل لابطال صفة الكلام
• أولا: تكليم الله تعالي لموسي عليه السلام:
قالوا: إنَّ الله خلَقَ كلاماً في الشَّجَرةِ التي أتاها موسى فسَمِعَه موسى.
واستدلّوا بقوله تعالى: {نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ} [القصص: 30] على أنَّ ابتداء الكلامِ كان من الشَّجَرة.
فحرَّفوا التنزيلَ، ليُثْبِتوا التَّعْطِيلَ، بتَقرير أصلِهم الفاسدِ، ونَفْيِ صفة الله تعالى.
والرد عليهم من وجوه:
الأول: أنَّ الكلامَ هو ما قام بالمتكلّم لا ما قامَ بغيره، وقيامُ الصفة إنَّما يكونُ بالموصوف بها لا بغيرهِ، والصِّفَةُ إذا قَامَتْ بمحلّ كانتْ صفةً له لا صفةً لغيرهِ -كما فصّلتُ القولَ فيه في الباب الأوَّل- فما خلقَه الله تعالى من الصفاتِ في الأشياء ليسَ مِن ذلك شَيْءٌ صفةً له، إنَّما هي صفاتٌ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)

لمَخلوقاتهِ، فهو تعالى قد أنطَقَ سائرَ الأشياءِ نُطْقاً مُعتاداً أو غيرَ معتادٍ، فأنْطقَ الإِنسانَ والجانَّ وغيرَ ذلك من خلقهِ نُطْقاً مُعتاداً، وأنطقَ السماوات والأرْضَ وما بينَهما نُطْقاً غيرَ معتاد، كما قالَ تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الِإسراء: 44] وقالَ في غير موضِع {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} وأنْطَقَ الطيرَ لسُليمانَ، وأنْطَقَ النَّملةَ، وأسمَعَ نبيَّه صلى الله عليه وسلم تسبيحَ الحَصى (19)، وفي الآخرة تَنْطِقُ الجنَّةُ والنَّارُ، وتُحَدَّث الأرضُ بأخبارها، وتشهَد الجلودُ على أهلِها حين تُبْلى السَّرائرُ: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [فصْلت: 21] فكلُّ هذا الِإنطاقِ مِن خَلْقِ الله في الأشياء، فنُطْقُها صفاتٌ لها، ولا يقولُ أحَدٌ: إنَّ نُطْق الأشياءِ صفَةٌ لله، إلَاّ حُلوليّ مارقٌ يعتقدُ أنَّ صفةَ الله تَحُلُّ في المَخلوقِ، أو اتّحاديٌّ يَرى اتّحادَ المَخلوق في الخالِق، فَنُطْقُ المَخلوق وصوتُهُ وكلامُهُ هو بعينهِ صفةُ الرَّبّ تعالى، كما قالَ قائلهُم:
وكلُّ كَلامٍ في الوُجودِ كَلامُهُ … سَواءٌ عَلَيْنا نَثْرُهُ ونِظامُهُ
وهذا غايةُ الكُفْر والإِلحادِ، إذ مقتضاهُ أنَّ ما يَنْطِق به المخلوقُ من الخَيْر والشَّرّ وفُحْش القَوْلِ، بل وحتَّى أصوات البهائم وسائر الحَيواناتِ، كلُّ ذلك صفةٌ للرَّبِّ تعالى وتقدَّسَ وتنزَّةَ عن صفات خلقهِ.
فلو أخلصَت المعتزلةُ النيَّةَ لله وسألوه التَّوفيق لاهتدوا إلى فُحْشِ ما--------------------------------------------
(19) كما ورَد ذلك بإسناد صحيح، خرجته وفصّلت القول فيه في تعليقي على "مناظرة ابن قدامة".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)

أقدَموا عليه، ولكنَّهم حُرِموا ذلك فهُم عن الصِّراط لناكبونَ، فَحَسِبوا أنَّ الصَّوتَ الذي سَمِعَه موسى صَوْتٌ مَخلوقٌ في الشَجرةِ، كنحو صَفير وَرَقِها إذا عصَفَت الرِّيحُ، وما عَقَلوا أنَّ معنى هذا أنَّ الشجرةَ هي القائلةُ لموسى: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] وهي القائلةُ: {يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص: 30] ولا فَرْقَ حينئذٍ بين دَعوى الشَّجرةِ ودَعوى فرعونَ، فكلٌّ ادّعى الرُّبوبيّة، فصدَّق موسى الشجرةَ وكذَّبَ فِرْعون.
والثاني: أنَّ الله تعالى حين أخبرَ عن تكليمهِ لموسى قال: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً} فَأكَّدَهُ بالمَصْدَر {تَكْلِيماً} وقد قالَ جماعةٌ من أهل التَّحقِيقِ في العربيةِ: "إنَّ التوكيدَ بالمصْدَر ينفي المَجاز".
والثالث: قالَ ابن قُتَيْبَة رحمه الله: "خَرَجوا بهذا التأويلِ من اللغةِ ومن المَعقولِ، لأنَّ معنى (تكلَّمَ الله) أتى بالكلام مِن عندهِ، و (ترحَّمَ الله) أتى بالرَّحْمة مِن عندِه، كما يقال: (تخشَّعَ فلان) أتى بالخشوع من نفسهِ، و (تشجَّع) أتى بالشَّجاعةِ من نفسهِ، و (تبتَّل) أتى بالتبتّل من نفسهِ، و (تحلَّم) أتى بالحلْم من نفسهِ، ولو كانَ المرادُ: أوجَدَ كلاماً، لمْ يَجُزْ أنْ يُقال: (تكلَّم) وكانَ الواجبُ أن يقالَ: (أكلمَ) كما يقال: (أقبحَ الرجُلُ) أتى بالقَباحة، و (أطابَ) أتى بالطيّب، و (أخسَّ) أتى بالخَساسةِ، وأنْ يقال:
(أكلمَ الله موسى إكلاماً) كما يقال: (أقبرَ الله الرَّجلَ) أي جعَلَ له قَبراً، أو (أرْعى الله الماشيةَ) جعلها ترعى، في أشباه لهذا كثيرةٍ لا تَخفى على أهلِ اللغة" (20).--------------------------------------------
(20) "الاختلاف في اللفظ" ص: 233 - 234 - "عقائد السلف" -.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)

والرابع: أنَّ تكليمَ الله تعالى لموسى كان خصيصةً فُضِّلَ بها على غيره مِمَّن لَمْ يُؤْتَ مثلَ ما أوتي من الرُّسل، وقد قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [الشورى: 51] فإنْ كانَ التكليمُ لموسى حصَلَ بواسطةِ الشَّجَرة لم يكن له على مَن سِواه مِمَّن يوحى إليه بواسطةِ الرَّسولِ فضْلٌ، ولَمْ تكن منزلةُ التكليم من وراء حِجابٍ حاصلةً لأحَد من رسُل الله، وهذا تكذيبٌ للقرآن، وإبطالٌ لواضِح البُرْهان، فجازى الله تعالى الجَهميةَ المعتزلة على ما أرادوا به إفسادَ دينِ المُسلمينَ بما هم أهلُه.
والخامس: أنَّ قوله: {مِنَ الشَّجَرَةِ} لابتداءِ الغايةِ نحو قولك: (رأيتُ الهلالَ مِنْ داري) و (سمعتُ كلامَ زيدٍ مِن البيت) فليسَ الهلالُ في الدارِ، ولا البيتُ هو المتكلّم.
• ثانيا: إضافة الكلام إلى الله سبحانه وتعالى فى مثل قوله: (حتى يسمع كلام الله):
قالوا: هي إضافَةُ خَلْقٍ وتشريفٍ لا إضافة صفةٍ، كـ (بيت الله) و (ناقة الله) و (رسول الله).
وهذا نوعٌ آخرْ من تَمْويههم وتَلْبيسهم ليَفِرُّوا من الحَقِّ ويُنفِّروا الخلْقَ.
والرَّدُّ عليهم في هذا التشويشِ يطولُ شرحُهُ، ولكن أذكرُ ها هُنا قاعدةً ذكرَها شيخُ الإِسلام رحمه الله في هذه المسألة تغني اللَّبيب عن التفصيل.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)

قال رحمه الله: "كلُّ ما يُضافُ إلى الله إنْ كَانَ عَيْناً قائمةً بنفسِها فهو مُلْكٌ له، وإن كانَ صفةً قائمةً بغيرِها ليس لها مَحَلٌّ تقومُ به فهو صفةٌ لله" (21).
ومثَّلَ لِما كانَ عيناً قائمةً بنفسِها بقوله تعالى: {نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} [الشمس: 13]، وقوله: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} [مريم: 17] قال: "وهو جبريلُ".
فهذا خَلْقٌ له ومُلْكٌ له، ومثله: (رسول الله) و (عباد الله) و (قبلة الله) ونحو ذلك.
ومثَّل لِما كان صفةً قائمةً بغيرِها بـ (علم الله، كلام الله، قدرة الله، حياة الله، أمر الله).
فهذه إذا أضيفتْ إلى الله تعالى كانتْ صفاتٍ له.
قال: "لكن قد يُعبَّرُ بلفظِ المَصْدَر عن المفعولِ به، فيُسمَّى المعلومُ علماً، والمقدورُ قدرةً، والمأمورُ به أمْراً، والمخلوقُ بالكلمةِ كلمةً، فيكون ذلك مخلوقاً، كقوله: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1]، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ (22) بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [آل عمران: 45] وقوله: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171] (23)--------------------------------------------
(21) "مجموع الفتاوى" 9/ 290.
(22) في الأصل المنقول عنه: (إنا نبشرك بكلمة) وهو خطأ.
(23) "مجموع الفتاوى" 9/ 291.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)

قلتُ: وإنَّما يُصارُ إلى هذا المعنى بالقَرائنِ، أمَّا بمجرَّدِ إضافةِ الصِّفَةِ إلى الله فإنَّها حينئذ صفةٌ له.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)

‌‌المبحث الثالث: المعتزلة فى الميدان
شَرَحْتُ لك اعتقادَ المعتزلة الجهميةِ في كلام الله، وما شبَّهوا به على الناس، ضَربوا نصوصَ القرآن بعضَها ببَعْضٍ، وحرَّفوا معانيَ التنزيل، ووَصفوا رَبَّهم تعالى بالعيوبِ والنَّقائِصِ، وحَكَموا على دينهِ بالأهواءِ والظُّنونِ، وحَمَلوا الناسَ علىَ ذلك رغبةً ورهبةً، وصَدُّوهم عن الهدى إلَاّ مَن ثبَّتهُ الله تعالى، وتركُوا فِتْنَتهم وقَدْ فُتِحَت بها على الأمَّةِ أبوابٌ من الشرِّ والبدعةِ لم تُغْلق إلى يومِنا هذا.
وكان من مقصودِ دَعْوة القَوْم إبطالُ دين المسلمينَ، إذ معنى إبطالِ كونِ الرَّبّ تعالى متكلِّماً إبطالُ جَميعِ الشَّرائع، وما أنزلَ الله تعالى على رسُلهِ، لأنَّ الرُّسُلَ إنَّما بُعِثوا لتبليغِ وحْي الله وتشريعهِ الذي هو كلامُه وتنزيلُه.
بل إنَّ في ذلك إبطالَ التَّوحيدِ، لأنَّ مَن لا يتكلَّمُ ولا يَقُومُ به علمٌ ولا حَياة فهو كالأمواتِ، ومَن لا تقومُ به الصِّفاتُ فهو عَدَمٌ مَحْضٌ.
فلمَّا فَهِمَ أئمَّةُ هذه الأمَّةِ وعلماؤُها مقصودَ القَوْم، جاهَدُوهم بالبيناتِ، حتى أحقَّ الله بهم الحقَّ وأوضحَ السَّبيلَ، فأبطَلَ شُبُهاتِهم وأظهرَ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)

فضائِحَهم، وكشَفَ سوآتِهم، واتَّفق أهلُ الحقّ من سَلَفِ الأمَّةِ وأئمَّتِها على أنَّ هؤلاءِ مِنْ شَرِّ طوائف أهْل البِدَع.
قالَ شيخ الإِسلام: "حتى أخرجهم كثيرٌ عن الثّنتين والسَّبعينَ فرقةً" (24).
قلتُ: وهذا معناه إخراجهم من أمَّةِ محمَّد صلى الله عليه وسلم.
وقد تواتَرَت النُّصوصُ عن الأئمَّة الأعلام في تكفيرهم، ومُجانَبتهم، وعَدَم مُوالاتهم، وقد نبَّهتُ على بعضها في الباب الأوَّل، وأسوقُ إليك هنا نُبَذاً مَنها تحقيقاً لبَراءةِ الذمَّةِ وإقامةِ الحُجَّة بذِكْرِ أسماءِ بعضِ أعلام أئمَّةِ السَّلَف ومَقالاتهم:
1 - سليمان بن طَرَّخان التَّيمي (تابعيُّ إمامٌ ثَبْتٌ).
قال: "ليسَ قومٌ أشدَّ نَقْضاً للإِسلام من الجَهمية والقدريّة، فأمَّا الجَهميةُ فقد بارَزوا الله تعالى، وأمَّا القدريّةُ فإنَّهم قالوا في الله عز وجل " (25).
2 - سفيان بن سعيد الثَّوْريّ (أميرُ المؤمنين في الحَديث).
قال: "مَن قالَ: إنَّ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ} مخلوقٌ، فهو كافرٌ" (26).
3 - سلاّم بن أبي مُطيع (عاقِلٌ، صاحبُ سُنَّة، لا بأسَ به في--------------------------------------------
(24) "مجموع الفتاوى" 12/ 524.
(25) رواه عبد الله في "السنَّة" رقم (8) بسند جيد.
(26) رواه عبد الله رقم (13) بسند جيد.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)

الحديث).
قال: "الجَهميَّةُ كُفَّارٌ، لا يُصَلَّى خَلفهم" (27).
4 - مالكُ بن أنس (إمامُ دارِ الهجرةِ):
قال عبد الله بن نافع -صاحبُهُ-: كان مالكُ بن أنَس رحمه الله يقول: "مَن قال: القرآنُ مخلوقٌ، يوجَع ضَرْباً، ويُحْبَس حتى يموتَ" (28).
وقال ابن نافع أيضاً: قال مالكٌ: "مَن قال: القرآنُ مخلوقٌ يؤدَّبُ ويحْبَس حتى تُعلَمَ منه التَّوبةُ" (29).
وقال رحمه الله: "مَن قالَ: القرآنُ مخلوقٌ يُسْتَتابُ، فإنْ تابَ وإلَاّ ضُرِبَتْ عُنُقُه" (30).
5 - عبد الله بن المبارك (الإِمام العَلَم).--------------------------------------------
(27) رواه عبد الله بن أحمد في "السنَّة" رقم (9) والدارمي في "الرد على الجهمية" رقم (372) و"النقض على المِرّيسي" ص: 119 وأبو داود في "المسائل" ص: 268 وابن الطبري في "السنَّة" رقم (517) بسند صحيح.
(28) رواه عبد الله في "السنَّة" رقم (11) والآجري في "الشريعة" ص: 79 بسند جيد.
ورواه صالح في "المحنة" ص: 66 بنحوه، لكن قال: "حتى يتوب" وهو موافق للنصّ الآتي.
(29) رواه عبد الله رقم (213) وابن الطبري رقم (497، 498) بسند صحيح.
(30) رواه ابن أبي حاتم -كما في "السنَّة" لابن الطبري رقم (495) - بسند صالح.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)

كانَ يقول: "الجَهميَّةُ كفَّارٌ" (31).
وقال محمد بن أعْيَن (ثِقَةٌ صَدوقٌ): سمعتُ النَّضْرَ بن محمد يقول: مَن قال: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} [طه: 14]، مخلوقٌ، فهوكافرٌ.
قال: فأتيتُ ابنَ المبارك فقلت له: ألا تعجَب من أبي محمَّد قالَ كذا وكذا؟
قال: "وهَل الأمْرُ إلَّا ذاكَ، وهَلْ يَجِدُ بُدّاً من أنْ يقولَ هذا؟ " (32).
وفي رواية:
"صَدَقَ أبو محمَّد عافاه الله، ما كانَ الله عز وجل يأمُرُ أنْ نعبُدَ مخلوقاً" (33).
6 - أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي صاحب أبي حنيفة (الثِّقَة الصَّدوق الفَقيه).
قال: "جيئونى بشاِهدَيْن يَشْهَدان على المِرِّيسيّ، والله لأملأنَّ ظهرَه وبطنَه بالسِّياط، يقول في القرآن" يعني: مخلوق (34).
قلتُ: ونصوصُ الأئمَّة في تكفير المِرِّيسيّ -وهو بشْر بن غِياث،--------------------------------------------
(31) رواه عبد الله رقم (15) بسند صحيح.
(32) رواه عبد الله رقم (19) بسند جيد.
(33) رواه عبد الله رقم (20) وأبو داود في "المسائل" ص: 267 والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص: 248 وابن الطبري رقم (428) بسند جيد.
(34) رواه عبد الله رقم (53) بسند صحيح.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)