Arabic source text

📘 আল-আকীদাতুস সালাফিয়্যাহ ফী কালামি রাব্বিল বারিয়্যাহ ওয়া কাশফি আবাতীলিল মুবতাদিআতিল রাদিইয়্যাহ (আবদুল্লাহ আল-জুদাই)

📘 العقيدة السلفية فى كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية (عبد الله الجديع)

📘 আল-আকীদাতুস সালাফিয়্যাহ ফী কালামি রাব্বিল বারিয়্যাহ ওয়া কাশফি আবাতীলিল মুবতাদিআতিল রাদিইয়্যাহ (আবদুল্লাহ আল-জুদাই)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .--------------------------------------------
= [وإن كان] في بيتِه".
وهو مَروي عن جماعةٍ من الصَّحابة عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهم:
1 - أبو بَرْزَة الأسْلَمي.
أخرج حديثَه: أحمد 4/ 420 - 421، 424 وأبي داود رقم (4880) وابن أبي الدنيا في "الصمت" رقم (168، 169) والخرائطي في "مساوئ الأخلاق" ج 2 ق 2/ ب من حديث الأعمش عن سعيد بن عبد الله بن جريج عن أبي برزة.
وأبْهِمَ شيخُ الأعمش في موضع عند كلّ من أحمد وابن أبي الدنيا.
قلت: وإسناده حسن.
2 - البراء بن عازب.
أخرج حديثه: أبو يعلى رقم (1675) وابن أبي الدنيا في "الصمت" رقم (167) وأبو نعيم في "دلائل النبوة" رقم (356) والبيهقي في "الدلائل" أيضًا 6/ 256 من طريق مصعب بن سَلاّم عن حمزة بن حبيب الزيّات عن أبي إسحاق السَّبيعي عن البَراء.
قلت: وإسناده صالح في الشواهد.
3 - عبد الله بن عمر.
أخرج حديثه: الترمذي رقم (2032) وابن حبان رقم (1494 - موارد) وأبو بكر الإسماعيلي -كما في "تفسير ابن كثير" 6/ 382 - من طريق الفضل بن موسى حدثنا الحسين بن واقد عن أوفى بن دَلْهَم نافع عن ابن عمر.
قال الترمذي: "حديث حسن غريب".
قلت: إسناده جيد.
4 - بُريْدة بن الحُصَيْب.
أخرج حديثه: الطبراني في "الكبير" 2/ 5 من طريق أبي تُمَيْلَة يحيى بن واضح عن رُمَيْح بن هلال الطائي ثنا عبد الله بن بُريْدة عن أبيه.
قلت: إسناده ضعيف لجهالة رُمَيْح بن هلال، لكنه صالح في الشواهد. =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)

فأخبَرَ أنَّ الكلامَ الحقيقيَّ هو الذي في القلْب دونَ نُطْقِ اللسانِ، وأنَّ الحُكْمَ للكلام الذي في القَلْب على الحقيقةِ، وأنَّ قَوْلَ اللسان مَجازٌ قد يُوافقُ القلبَ وقد يُخالِفُه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "النَّدَمُ تَوْبَةٌ" (7).
والنَّدَمُ معنى في القَلْبِ.
وقولُه صلى الله عليه وسلم: "يقولُ الله عز وجل: أنا عنْدَ ظَنّ عبدي بي، وأنا معه حينَ يذكُرُني، إنْ ذَكَرَني في نفسهِ ذكرتُهُ في نَفْسِي" (8).
فأثبتَ الذِّكْرَ للنَّفْس.--------------------------------------------
= 5 - عبد الله بن عباس.
أخرج حديثه: الطبراني في "الكبير" 11/ 186 أو العُقيلي في "الضعفاء" 1/ 82 وابن عَدِي في "الكامل" 6/ 2074 من طريق قدامة بن محمد ثنا إسماعيل ابن شَيْبة الطائفي عن ابن جُريج عن عطاء عن ابن عباس.
أورده العُقيليُّ في مناكير إسماعيل، وأورده ابن عَدِي في مَناكير قُدامة، والذي أراه أن روايته بهذا الإِسناد من مناكير إسماعيل، فإنَّه أتى عن ابن جريج بأحاديث منكرَة جدًّا لا يُحْتَمل تفرُّده بها عنه، أمَّا قُدامةُ فإنَّه صَدوق لا بأس به.
ولكنَّ الحديث صحيحٌ بطرقهِ السابقة صحّةً لا رَيْب فيها.
(7) حديث صحيح.
وردَ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من عدة وجوه.
رواه عنه ابن مسعود، وأنس بن مالك، ووائل بن حُجْر، وأبو سعد الأنصاري، أبو هريرة، وعائشة.
وتفصيل الكلام عليه يطول، وله موضع آخر.
(8) حديث صحيح، مُتَّفق عليه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)

فالذِّكرُ والقوْلُ والكلامُ واحدٌ.
فَعُلِمَ أنَّ حقيقةَ الكلام: المعنى القائم في النَّفس (9).
وكذا احتجُّوا بقوله تعالى: {آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} [آل عمران: 41].
فأطلقَ اسْمَ الكلام على غيرِ الألْفاظِ.
قلتُ: فهذه جملةُ ما احتجُّوا به لنُصْرَةِ بِدْعَتهم، وأنا ذاكِرٌ بتوفيق الله تعالى نقضَه عليهم.
• النقض على الأشعرية:
قبلَ الشُّروع في ذلك أذكِّرُكَ بما ذكرناه في الباب الأول من كون أهل السُّنَّة والجَماعة يُقرّون بأنَّ حَديثَ النَّفْس قد يُسَمَّى كلامًا وقَوْلاً، ولكن بقرينةٍ تبيّن ذلك، وأمَّا مُطْلَقُ الكلام والقَوْل فإنَّهُ يَعُمُّ الألفاظَ والمعانيَ مجتمعةً، فالكلامُ -مَثلًا- عندَ النَّحْويينَ مُخْتَصٌّ بالألفاظِ دونَ المعاني، بقرينةِ مَباحث هذا العلْمِ، فإنَّه إنَّما يَبْحَثُ في الألفاظِ لا في المَعاني، كذلك قد يُرادُ بهِ المعنى مجرّدًا بالقَرائنِ، كما سَتراه في الأجوبةِ الآتيةِ.
أولاً: ذكر الجواب عما استدلّوا به من اللغة:
أمَّا قولُ العربيّ: (كانَ في نفسِي كلامٌ) ونحو ذلك، فإنَّنا لا نُخالِفُ في صحَّتهِ، لكن ليسَ على مرادِكم -معشرَ الأشعرية- وإنَّما على مُرادِنا من كَوْن لفظ (الكلام) إذا جاء مقيّداً، كانَ التقييدُ قرينةً دالّةً على إخراجهِ من--------------------------------------------
(9) انظر: "الإِنصاف" للباقلاني ص: 109 - 110.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)

إطلاقِه، ونحن نقرّ أنَّه قد تُراد به المَعاني أو الألفاظُ بالقرائن، فلمَّا قيَّدَه العربيّ ههنا بالنَّفْس أخرجَه من مُطْلَق الكلام، فكيفَ يصِحُّ لكم -معشرَ الأشعرية- أن تحتجُّوا بما هو مَجاز على قواعِدكم لتقرير ما هو الحَقيقة؟
وذلك أنكم تقولونَ: ما تَصْرِفُه القرائنُ عن حَقيقته إنما هو المَجاز.
وأمَّا قَوْلُ عُمَر يوم السَّقيفة، فجوابنا عنه من وجْهين:
الأوَّل: أنَّ (التَّزوير) كما يقولُ الأصمعي: "إصلاحُ الكلام وتَهْيئتُهُ" (10) فمعناه إذاً: أنَّه قَدَّرَ في نفسهِ كلامًا وهيّأه لم يتكلَّم به بَعْدُ، فليس كلاماً حتى يتكلَّمَ به.
ومثالهُ: مَن يُقَدِّرُ في نفسهِ أن يعمَل عمَلًا كانْ يُصلِّي مثلاً، ثمَّ لا يفعل، فهل يقال: إنَّه صلَّى في نفسهِ؟ معَ أنَّ القَلْبَ له عمَل، كما أنَّ للجَوارح عملاً.
والثاني: لو صَحَّ ما قالوه لكان موافقاً لمَذْهَبنا لا لِمَذْهَبِهم، فإنَّهم يَعدّونَ مطلقَ الكلام كلامَ النَّفْس، أمَّا نحنُ فعندنا مطلقُ الكلام اللفظُ والمَعنى جميعاً، وقد يُرادُ أحدُهما بقرينةٍ، وهي موجودةٌ في قول عُمَر المذكور، ألا وهي التقييدُ بالنَّفْس، فكيفَ صَحّحْتم تعريفَ الكلام المُطْلَقِ بالكلام المقيَّدِ؟
وأمَّا شِعْرُ الأخْطَلِ، فالجَواب عنه من وجوهٍ:
الأوَّل: أنكرَ بعضُ العلماء كونَه من شعرهِ، وذلك أنَّهم فتّشوا دواوينَه فلم يَجِدوه فيه.--------------------------------------------
(10) "غريب الحديث" لأبي عبيد 3/ 242.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)

قال أبو محمَّد الخشّابُ نَحْويُّ العراقِ: "فتشتُ شِعْرُ الأخطلِ المدوّن كثيراً فما وجَدْتُ هذا البيتَ" (11).
والثاني: أنَّه لم يَثْبُت نقلُه عن قائلهِ بإسنادٍ، لا صَحيحٍ ولا ضعيفٍ.
والثالث: لم يتلقَّه أهلُ العَربية بالقَبول.
والرابع: أورَدَه بعضُهم بلفظ:
إنَّ البَيانَ لَفي الفُؤادِ … ... … ... … .....
وهذا يُفْسِدُ المَعْنى الذي أرادوا -كما لا يَخْفى-.
والخامس: الأخطلُ شاعرٌ مولَّدٌ، لا يُحْتَجُّ بشعرهِ في اللُّغة، وهذا معلومٌ عندَ أهل التَّحقيق.
والسادس: أنَّه نَصْرانيُّ مُثَلِّثٌ كافِرٌ، وقد ضَلَّت النَّصارى في معنى كلام الله تعالى ومُسَمَّاه، فجعَلوا المسيحَ نَفْسَ كلمة الله.
والسابع: أكثرُ من يحتَجُّ من أهل البِدَع بهذا الشِّعْر يُخْفي البيت الأوَّل، لأنه عندَ التَّحقيق حُجَّةٌ عليهم، وذلكَ أنَّ الشاعرَ حين ذكرَ الكلامَ في البيت الأوَّل ذكَره مطلقاً، ليشمَلَ اللفظَ والمَعنى، إذ الذي يُسمَعُ من الخَطيب ألفاظهُ، فأبانَ الشاعِرُ عن حقيقةِ الكلام المؤثّر الذي يقَعُ من النُّفوس مَوْقعاً بأنَّه ما اشْتَمَلَ على المَعاني التي مَوْضِعُها القَلْبُ، لا مُجَرَّدُ الألفاظ التي تُسْمَعُ من المتكلِّم، ولم يُرِدْ تعريفَ الكلام وَوَضْعَ حدٍّ له بكونه المَعاني المجرَّدة.--------------------------------------------
(11) "العلوّ" للذهبي ص: 194.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)

والثامن: مُسمَّى (الكلام) و (القول) ونحوهِما ليسَ ممَّا يُحتاج في تفسيره إلى قولِ شاعر، بل ولا ألْفِ شاعر، فإنَّه ممَّا قد عُلِمَ ضرورةً، إذ هو ممَّا تكلَّمَ به الأوّلونَ والآخرونَ من أهْل اللّسانِ، وعَرَفوا معناه في لُغَتهم.
واللُّغة إنَّما تُسْتفَاد من استعمالِ أهلِها لها في كلَامهم، لا تُسْتَفاد مِمَّا يُذْكَر من الحُدودِ والتَّعريفات، بأن يقال: (الرأس كذا … الكلام كذا …) (12).
فالحاصِلُ: أنّ الاحتجاجَ بهذا الشِّعْر ظاهرُ الفَسادِ، وفَسادُهُ أبْيَنُ وأظهرُ من تكلّفِ التفصيل له، والقومُ استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خَيْرٌ، فترَكوا نصوصَ الوَحْي الصَّريحةَ لقَوْلِ نَصْرانيٍّ كافرٍ، لم يُحَقِّقوه صِحَّةً، لا رِوايةً ولا دِرايةً.
قال الِإمام أبو المَعالي أسْعَدُ بن المُنَجّا شيخُ الحَنابلة:
كنتُ يوماً عندَ الشَّيخ أبي البَيان (نَبأ بن محمَّد بن مَحفوظ القُرَشي الشّافعي) رحمه الله تعالى، فجاءَه ابن تَميم الذي يُدعى الشيخ الأمين، فقالَ له الشيخ بعدَ كلام جَرى بينهما: "ويحَكَ، الحنابلة إذا قيل لهم: ما الدَّليلُ على أنَّ القرآنَ بحَرْفٍ وصَوْتٍ؟ قالوا: قال الله كذا، وقال رسولُهُ كذا -وسرد الشيخُ الآياتِ والأخبارَ- وأنتم إذا قيل لكم: ما الدَّليلُ على أنَّ القرآنَ معنى قائم في النَّفس؟ قلتُم: قالَ الأخطل:
إنَّ الكلامَ لَفِي الفؤادِ …
أيش هذا الأخطل؟ نَصْرانيٌّ خَبيثٌ، بَنَيْتُم مذهَبَكم على بيتِ شعرٍ--------------------------------------------
(12) انظر: كتاب "الإِيمان" لشيخ الإسلام ص: 132 - 134.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)

من قولِهِ، وتركْتُم الكتابَ والسُّنَّة؟! " (13).
وقال شيخُ الإِسلام: "كانَ مِمَّا يُشَنَّعُ به على هؤلاء أنَّهم احتجّوا في أصْلِ دينهم ومعرفةِ حقيقةِ الكلام -كلام الله، وكلام جميعِ الخَلْق- بقول شاعر نَصْرانيّ يُقال له: الأخطل:
إنَّ الكلامَ لَفِي الفؤادِ وإنَّما … جُعِلَ اللسانُ على الفؤادِ دليلا
وقد قالَ طائفةٌ: إنَّ هذا ليسَ من شِعْرهِ، وبتقدير أن يكونَ من شعرهِ فالحَقائقُ العقليةُ، أومسمَّى لفظ (الكلام) الذي يتكلَّم به جميعُ بني آدم، لا يُرْجَعُ فيه إلى قولِ ألفِ شاعرٍ فاضِل، دَعْ أنْ يكونَ شاعراً نَصْرانيّاً اسمُه: الأخْطَل، والنَّصارى قد عُرِفَ أنّهم يتكلَّمونَ في كلمةِ الله بما هو باطلٌ، والخَطَل في اللُّغة: هو الخَطَأ في الكَلام.
وقد أنشَدَ فيهم المُنْشِد:
قُبْحاً لِمَنْ نَبَذَ القرانَ وَراءَه … فإذا استدلَّ يقولُ: قال الأخطلُ (14)
وقال شيخ الإِسلام أيضاً: "ولو احتجَّ مُحْتجٌّ في مسألةٍ بحديثٍ أخرَجاه في الصَّحيحين عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم لَقالوا: هذا خبرُ واحدٍ، ويكون مِمَّا اتّفقَ العلماءُ على تصديقهِ وتلقّيهِ بالقَبول، وهذا البيتُ لم يَثْبُت نقلُهُ عن قائلهِ بإسنادٍ صَحيح لا واحدٍ ولا أكثرَ من واحدٍ، ولا تلقَّاةُ أهلُ العربيَّة بالقَبول، فكيفَ يثْبُتُ به أدنى شَيْءٍ من اللغة فَضْلًا عن مسمَّى--------------------------------------------
(13) رواه الذهبي في "العلو" ص: 193 - 194 بسند صحيح، وفي المتن
تحريف في المطبوعة، انظر "مختصره" ص: 284 - 285.
(14) "مجموع الفقاوى" 6/ 296 - 297.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)

الكلام" (15).
ثانياً: ذكر الجواب عما استدلوا به من الكتاب والسنة:
إنَّ ما احتجُّوا به من ذلك قَدْ حُرِموا التَّوفيق في فَهْمِهِ، فقالوا على الله غيرَ الحقّ.
فقوله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ …} الآية.
نقولُ للأشعرية: أقرَرْتُمْ بأنَّه تعالى لم يُكَذِّب المنافقينَ في ألفاظِهم، وقد سَمَّاه تعالى قولاً، فقال: {قَالُوا نَشْهَدُ}.
ولمَّا كانت الألفاظُ المجرَّدةُ غيرَ كافيةٍ لإِثباتِ إيمانِهم وصِدْقِهم فيه، وإنَّما يَجِبُ أنْ يقارِنَها إيمانُ القَلْب، واستقرارُ معنى ما قالوه فيه، لأجلِ ذلك كَذَّبَهم في دَعْواهم، فالذي كذَّبَهم الله تعالى فيه إنَّما هو الدَّعوى المجرَّدةُ، وعَدَمُ صحَّةِ ذلك منهم، ولم يُكَذِّبْهم في صِحَّةِ كونِ ما نَطَقوا به قولاً وكلاماً، بلْ أقرَّ ذلك وثبَّتَه، وليس الخِلافُ بيننا في صِدْق القول أو كذبهِ، وإنَّما في ماهيَّتهِ وحَقيقتهِ.
ونظيرُ هذه الآية قولُ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: "يا معشرَ مَن آمنَ بلسانِهِ … " الحديث.
وأمَّا قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ …} الآية.
فهو كسابقهِ في فَساد الاحتجاج به، وذلك من وَجْهَيْن:
الأوَّل: يُحْتَمَلُ أنَّهم قالوهُ بألسنتِهم سِرّاً، يُحَدِّثُ بعضُهم بعضاً--------------------------------------------
(15) كتاب "الإِيمان" ص 132.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)

بذلك، وهو قولُ بعضِ أهل التَّفسير.
والثاني: أن لفظَ (القَوْل) وَرَدَ في الآية مرَّتَيْن، مَرَّةً مقيّداً بالنفسِ، والثانية مطلقاً، ولا ريْبَ أنَّ المُطْلَقَ هو تَناجيهم بالإِثمِ والعُدوانِ، ومعْصيةِ الرَّسول صلى الله عليه وسلم، وتحيَّتُهم له بغَيْر ما حَيَّاه به الله، وكلّ ذلك أقوالٌ، هي ألفاظٌ ومَعاني، فأطلقَه للعلْم به، وقيَّدَ القوْلَ الأوَّلَ بالنَّفْس ليكونَ خاصّاً بالمعنى دونَ اللفظِ، هذا على تَسْليم كونهِ حديثَ نفْس.
فلو كانَ مطلقُ القولِ إنَّما يُرادُ به حديثَ النَّفس لم تكُن هناك حاجَةٌ إلى تقييدِه بها، ولَكانَ التناجي والتَّحيَّةُ مَعانيَ مجرَّدةً، تُحَدِّث القلوبُ بعضُها بعضاً بها من غير نُطْقٍ ولا لَفْظٍ، وهذا لا يتصوَّرُه عاقلٌ.
ومثْلُ هذه الآية احتجاجُهم بقوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} [الأعراف:205] فهذا هو الذِّكْرُ باللسان سِرّاً، فلَم يَخْرُجْ عن كونهِ أَلفاظاً أومعانيَ مجتمعةً، ألا ترى قولَه: {وَدُونَ الْجَهْرِ}؟ والذي يَلي مرتبةَ الجَهر الذي هو الذّكرُ برفْع الصَّوْت، مرتبةُ الإِسْرار التي هي الذِّكْرُ بخَفْضِ الصَّوْت، وكلُّ ذلك قائمٌ باللسانِ والقَلْب.
وأقولُ للأشعرية: بماذا تُفسِّرونَ إذاً قولَ أبي هُرَيْرَة لمنْ سألَهُ عن قراءَةِ أمّ الكتاب وراءَ الإِمامَ: "اقْرَأ بها في نَفْسِكَ" (16)؟ هل هو عندَكم المعنى القائمُ في القَلْب أيضاً؟--------------------------------------------
(16) حديث صحيح، وهذا جزء منه موقوف، وقد رواه مسلم وغيره.
وهو مخرج في كتابي "الإِعلام بأحكام القراءة وراء الإِمام".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)

إن قلتُم: نعَمْ، أبطَلْتُم مذاهبَكم، فإنَّكُم تُسلّمونَ أنّ الخلافَ في هذه المسألة إنَّما هو في نُطْق اللّسانِ، لا في استحْضار المَقروء في القلْبِ.
وإن قُلْتُم: لا، أفسَدْتُم أصلَكم أنَّ الكلامَ الحقيقيِّ ما قامَ في النَّفْس من المَعاني.
ونَظير الآية المذكورةِ احتجاجهُم بحديثِ: "يقولُ الله عز وجل: أنا عندَ ظَنِّ عَبْدي بي، وأنا معه حين يذكُرني … " الحديث.
فإنَّ الذّكْرَ في النَّفْس هنا هو ذكرُ اللسان سِرّاً، ألا تَراه قال في تتمة الحديث: "وإنْ ذكَرَني في مَلأٍ ذكرتُه في مَلأٍ خيرٍ منهم"؟ فهما منزلتان.
ونظيرهُ أيضاً احتجاجُهم بقَوْله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الملك: 13].
بل إنَّ احتجاجَهم بهذه الآية أظْهَرُ في الحُجَّة عليهم، وذلك أنَّه تعالى أثبتَ لهم قَوْلاً يُسَرُّ به، وقَوْلاً يُجْهَرُ به، والمَجْهورُ إنَّما يكون برفْع الصَّوت، وضدُّه الذي يُسَرّ به، ويجمَعُهما نُطْقُ اللسان، يوضِّحُه قوله تعالى: {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7]، فهذه ثلاثُ مَراتب: الأولى: الجَهْر، والثانية: السِّرّ، والثالثة: ما هو أخفى من السِّرّ، وليسَ هو إلَّا حديثَ النَّفْس، ولذلكَ قال في الآية: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} تَنْبيهاً لهم على أنَّه إذا كانَ يعلَمُ ما في الصُّدور، وهو المُعبّرُ عنه في الآية الأخرى بـ {وَأَخْفَى} فعِلْمُهُ بالجَهْرِ بالقولِ والسِّرّ به أولى، ذكر نحوَ هذا شيخُ الإِسلام.
وأمَّا احتجاجهُم بقولِهِ صلى الله عليه وسلم: "النَّدَمُ توبَةٌ" وما في مَعناه، ونحوه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)

احتجاجهُم بقوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 235] وما في معناه، فليسَ وارداً في مَحَلّ النِّزاع، لأنَّ الخلافَ بينَنا وبين الأشعرية إنَّما هو في مسمَّى القولِ والكلامِ، لا بقيامِ المَعاني في القلب.
وأمَّا احتجاجهُم بآية الإِكراهِ فشبيهٌ بهذا، فإنَّه لم يُسَمِّ ما في القَلْب كلاماً، وإنَّما قال: {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} لأنَّه موضعُهُ ومَحَلُّه في الأصْلِ.
وتَسْميةُ ما في القَلْب من الإِيمان كَلاماً راجعٌ إلى أصْلِهم في الإِيمان بأنَّه التَّصديقُ القَلْبي، إذ هم فيه مُرْجئةٌ جَهميةٌ، وهو عندَ أهل السُّنَّة من السَّلَف والأئمَّةِ: تصديقُ القَلْب، وقولُ اللِّسان، وعمَلُ الجَوارح، حقيقةً في هذا جميعاً، فرفع الله الحرَجَ عن المُكْرَه رفعاً مؤقَّتاً للضَّرورة، تيسيراً عليه وتَخفيفاً، لا على أنَّ الإِيمانَ على الحقيقة هو تصديقُ القَلْب فقَط، فإنَّه لو كان كذلكَ لَمَا كان فَرْقٌ بين حال الإِكراه وعَدَمهِ، ففيم الرُّخْصَةُ إذاً؟
وعلى تسليم كَوْن إيمانِ المُكْرَه كلاماً فإنَّه مقيَّد بذكْر القَلْب. وأمَّا احتجاجُهُم بقوله تعالى: {آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} فَلنا عنه جَوابان:
الأوَّل: أنَّه تعالى قالَ في سورة مريم [10]: {ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} والقصَّةُ واحدةٌ، فاستثنى في الموضِع الأول ولم يَسْتَثْنِ في الثاني، فدلَّ على أنَّه استثناءٌ منقطعٌ لا مُتَّصل، فيكونُ المعنى: آيتك ألَاّ تكلِّمَ النَّاسَ، لكن تَرْمِزُ لهم رَمْزاً، وهو قوله: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ} [مريم: 11] هو الإِيحاءُ بالرَّمْز.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 359)

والثاني: إنْ لم يصحّ كونُه استثناءً منقطعاً، كان كلاماً مقيّداً بالرَّمْز، فلا إشكالَ.
ذكرَ نحوَ لهذا شيخُ الإِسلام.
فهذا جملةُ ما موَّهَت به الأشعريةُ والماتُريديةُ على الأمَّة ليَلْبِسوا عليها دينَها، ولا يَخفاك ما يتَّسِمُ به من التَّناقُض والاضطرابِ.
يا هؤلاءِ نحنُ لا نختلفُ معكم في كَلامٍ مقيَّدٍ، فإنَّ القرائنَ تُخْرِجُ اللَّفظَ عن معناه إلى وجوهٍ من المَعاني، وإنَّما نَخْتَلفُ معكم في مطلق (الكلام) و (القول) وها أنتم قد عجَزْتُم عن الإِتيان ولو بحُجَّةٍ واحدةٍ تُثْبتونَ بها صحَّةَ قَوْلِكم، وتعلّقْتُم بما هو أوْهى من بيتِ العنكبوتِ، لتَنْصروا ما حَسِبْتُم كونَه حقّاً، ولَيْتَكُم تصوَّرْتُم قولَكُم وأمكَنكم صياغَتَه بتعريفٍ لتفهموه أنتم قبلَ أن تُفْهِموه خصومَكُم.
أيّ ضلالٍ هذا الذي أدخَلَه ابنُ كُلاّب وأتباعُهُ على الأمَّةِ ليُفْسِدوا به الضَّروراتِ؟ فلقد كان الناسُ في سَلامة من ذلك، ومعَ ذلك فقد قابَلوا باطلَ الجَهمية حين ظهَرَ بأحسَنِ الردّ وأبْيَنِهِ، ولم يَحتاجوا إلى هذه الضَّلالات الكُلّابية والأشعرية.
قال شيخُ الإِسلام: "ولَمْ يكن في مسمَّى الكلام نزاعٌ بين الصَّحابة والتابعينَ لهم بإحسانٍ، وتابعيهم، لا من أهل السُّنَّة، ولا مِن أهل البدعةِ، بل أوَّل من عُرِفَ في الإِسلام أنَّه جعلَ مسمَّى الكلام المعنى فقط هو عبد الله بن سعيد بن كُلّاب، وهو متأخِّرُ في زمَن محنةِ أحمد بن حنبل، وقد أنكر ذلكَ عليه علماءُ السُّنَّةِ وعلماءُ البدعةِ، فيمتنعُ أن يكونَ الكلام الذي

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 360)

هو أظهرُ صفاتِ بني آدم، كما قال تعالى: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} [الذاريات: 23] ولفظُه لا تُحْصى وجوهُه كثرةً، لَمْ يعرفْهُ أحدٌ من الصحابةِ والتابعين وتابعِيهم، حتى جاءَ مَن قالَ فيه قولاً لم يَسْبِقْهُ إليه أحدٌ من المسلمينَ ولا غيرِهم" (17).
وقال الحافظ أبو نَصْر السِّجْزيُّ: "رَكِبوا مُكابَرَةَ العِيانِ، وخَرَقوا الإِجماعَ المُنْعَقِدَ بين الكافَّة: المُسْلم والكافِر" (18) بلْ "ألجَأهم الضِّيقُ مِمَّا دخَلَ عليهم في مقالَتهم إلى أنْ قالوا: الأخرَسُ متكَلِّمٌ، وكذلك السَّاكتُ والنائمُ، ولهم في حال الخَرَس والسُّكوت والنَّوم كلامٌ هم متكلِّمونَ به، ثمَّ أفصَحوا بأنَّ الخرَسَ والسُّكوتَ والآفات المانعة من النّطق لَيْسَتْ بأضْداد الكلام" (19).
قال: "وهذه مقالةٌ تُبَيِّنُ فضيحةَ قائلها في ظاهِرها من غير رَدٍّ عليه، ومَن عُلِمَ منه خَرْقُ إجماع الكافّة، ومخالفَةُ كلّ عَقْليّ وسَمْعيّ قبلَه لم يُناظَرْ، بل يُجانَبُ وَيُقْمَعُ" (20).
قلتُ: ولقد كانت هذه البدعةُ جَديرةً بالإِعراض عنها لولا ما عمَّ بها من فَساد الاعتقاد، ولَبْسِ الحَقّ بالباطل، فلا حولَ ولا قوة إلَاّ بالله.--------------------------------------------
(17) كتاب "الإِيمان" ص: 128.
(18) نقله عنه شيخ الإِسلام في "درء التعارض" 2/ 85.
(19) نقله عنه شيخ الإِسلام أيضاً في "درء التعارض" 2/ 86.
(20) المصدر السابق 2/ 86.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)

• كلام الله تعالى عند الأشعرية:
على الأصْل الذي ذكرناهُ عنهم في تعريف الكلام بَنوا اعتقادَهم في كلام الله تعالى.
فقالوا: كلامُ الله القديمُ هو الكَلام النَّفسيُّ، وهو معنى واحدٌ، قائمٌ بذاتهِ، غيرُ مخلوق، صفةٌ من صفاتهِ، غيرُ بائنٍ عنه، لم يزَلْ موصوفاً به، ليسَ بحَرْفٍ ولا صَوْتٍ، وليسَ هو بلُغَةٍ، ولا يتجَزَّأ، ولا ينقسِمُ، ولا يتفاضَل، ولا يتعدَّدُ، ولا يَدْخلُه النَّسْخُ، ولا يتعلَّق بمشيئةِ الله واختيارهِ، وهو الأمرُ والنَّهيُ والخبرُ، يُفْهِمُه الله مَن شاءَ من عبادهِ بعباراتٍ مخلوقةٍ تدلُّ عليه، فعبارةُ القرآن بالعَربيةِ، والتَّوراة بالعِبْرية، والإِنجيلِ بالسّريانيةِ، وهي عباراتٌ عن الكلام النفسيّ الحَقيقي ودلالاتٌ عليه، وهي جميعاً معنى واحدٌ، فمعنى القرآن هو معنى التوراة والِإنجيل وغير ذلك من كلام الله، وتكليمُ الله لِمَنْ كلَّمَه من عباده إنَّما هو خَلْق إدراكِ ذلك المعنى لهم.
فالقرآنُ، والتَّوراةُ، والِإنجيلُ، بألفاظِها وحُروفها مخلوقةٌ، وهي دَلالاتٌ على الكلام النَّفسيّ، خلَقَها الله في شَيْءٍ.
قالوا في القرآن العربيّ: خلَقَه الله في اللَّوْح المَحفوظ -وهذا أشهَرُ عند متأخِّريهم، وهو الذي يقولُه صاحب "تحفة المريد" وغيره-.
ومنهم مَن قال: خلَقَهُ في الهَواء، فأخَذَهُ جبريلُ عليه السلام.
ومنهم مَن قال: بلْ إنَّ الله أفْهَمَ جبريلَ المعنى، فعبَّرَ عنه جبريلُ بقولِهِ، فالقرآن قولُ جبريلَ عليه السلام -وهذا صرَّحَ به أكبرُ مُحقِّقيهم على الإِطلاق بعدَ الأشعري: أبو بكر الباقلّاني-.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)

ومنهم مَن قال: بل هو عبارةُ محمَّد صلى الله عليه وسلم وهو قولٌ مرجوحٌ عند متأخِّريهم، لكنه مذكورٌ مشهورٌ عندهم-.
فهذا جملةُ اعتقادِهم في كلام الله تعالى، وأنا ذاكرٌ تفصيلَه عنهم ونقضَه عليهم في المباحث الآتية بتوفيق الله وتيسيره.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)

‌‌المبحث الثاني: إبطال كون كلام الله تعالى معنى مجرداً
اتَّفَقوا على كَوْن الكَلام الثابتِ صفةً لله تعالى هو الكلامَ النَّفسيَّ، وهو معنًى واحدٌ، وبعضُهم قال: هو عدَّةُ مَعانٍ، وهو الأمرُ، وهو النَّهي، وهو الخبرُ، إنْ عُبِّرَ عنه بالعَربية كانَ قرآناً، أو بالعِبْرانية كان توراةً، أو بالسِّريانية كان إنجيلًا.
قال أبوبكر الباقلاني: "الكلامُ القَديمُ القائمُ بالنَّفْس شَيْءٌ واحدٌ لا يَخْتَلفُ ولا يتغيَّرُ" (21).
وقال الباجوريّ:"وكلامه تعالى صفةٌ واحدةٌ لا تَعَدُّدَ فيها، لكن لها أقسامٌ اعتباريةٌ" ثمًّ ذكَرَ أنها الأمرُ والنهيُ والخبرُ والوعدُ والوعيدُ (22).
وهذه عندَهم أقسامٌ للكلام بالنَّظر إلى ما يُعبِّر عن الكلام، أمَّا في الحقيقة فإنَّهم يعدّونها صفاتٍ للكلام، لا أنواعًا وأقساماً، لأنه واحدٌ لا يتجزّأ ولا ينقسم.--------------------------------------------
(21) "الإِنصاف" ص: 107.
(22) شرح "الجوهرة" المسماة بـ "تحفة المريد" ص: 72.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)

وقال البيهقيُّ -وهو منهم-:"وكلام الله تعالى واحدٌ، لا يختلِفُ باختلافِ العِبارات، فبأيّ لسان قُرِىءَ كان قد قرىء كلام الله تعالى، إلَاّ أنَّه إنَّما يُسمَّى توراةً إذا قُرِىءَ بالعِبْرانية، وإنَّما يسمَّى إنجيلاً إذا قُرىءَ بالسّريانية، وإنَّما يسمَّى قرآناً إذا قرىءَ بالعَربية، على اللُّغات السَّبع التي أذِنَ صاحبُ الشَّرْع في قراءتهِ عليهنَّ، لنزوله على لسانِ جبريل عليه الصلاة والسلام على تلك اللُّغاتِ دون غيرِهن، ولما في نظمهِ من الإِعجاز" (23).
وممَّا يؤكِّدُ أنَّ عينَ التوراةِ والإِنجيل -عندهم- هما عَيْنُ القرآن لو كانا بالعَربية، قوله:"وإنَّما يجوزُ في هذه الشَّريعةِ قراءةُ ما سُمِّيَ قرآناً دون ما سُمِّيَ توراةً وإنجيلاً، لأنَّ الله تعالى كذَّبَ أهلَ التوراةِ والإِنجيل الذين كانوا على عَهْدِ نبيّنا صلى الله عليه وسلم، وأخبرَ عن خِيانَتهم وتحريفِهم الكلامَ عن مواضعهِ، ووضْعِهم الكتابَ، ثمَّ يقولونَ: هذا مِنْ عند الله، وما هُوَ من عِنْدِ الله، ويقولونَ على الله الكَذِبَ وهم يعلَمونَ، فلا يأمَنُ المسلمُ إذا قَرأ شيئاً من كتُبهم أنْ يكونَ ذلك مِنْ وضْعِ اليَهود والنَّصارى" (24).
تأمَّل كيفَ جعلَ التَّوراةَ والإِنجيلَ قبلَ التَّحريف عينَ القُرآنِ، وأنَّ الجميعَ كلامٌ واحدٌ، واللّغاتِ إنَّما هي عبارةً عن هذا الواحدِ.
وهذه بدعةٌ شَنيعةٌ، وضَلالة فَظيعةٌ، أدخلَها ابنُ كُلاّب على الناس بعدَ أن كانوا عنها في غَفْلَة.--------------------------------------------
(23) "الأسماء والصفات" ص: 270.
(24) "شعب الإِيمان" 1/ 131 - طبع الهند-.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)

وجمهورُ العُقلاء من أهل السُّنَّة وأهل البِدْعة، اتَّفقوا على فَسادِ هذا القولِ، وأنَّ فسادَهُ معلومٌ بالضَّرورةِ، وذلك من وجوه متعدّدةٍ:
الأوَّل: أنَّ نفسَ قائليهِ لم يتصوَّروا ماهيَّتَه، وعجَزوا عن بيانهِ بتعريفٍ مُنْضَبطٍ.
قال شيخُ الإِسلام:"الكلامُ القَديمُ النَّفْسانيُّ الذي أثبتُّموه لم تُثْبِتوا ما هو؟ بل ولا تصوَّرْتُموهُ، وإثباتُ الشَّيْءِ فَرْعُ تصوّرِهِ، فمَن لم يتصوَّرْ ما يُثْبتُهُ كيفَ يجوزُ أنْ يثبتَه؟ ولهذا كانَ أبو سعيد بن كُلاّب -رأسُ هذه الطائفة وإمامُها في هذه المسألة- لا يذكُرُ في بيانِها شيئاً يُعْقَل، بل يقولُ: هو معنى يُناقِضُ السُّكوتَ والخَرَسَ، والسُّكوتُ والخرَسُ إنَّما يُتَصَوَّران إذا تُصُوِّرَ الكلامُ، فالسَّاكتُ هو السَّاكتُ عن الكلام، الأخرسُ هو العاجزُ عنه، أو الذي حصَلَتْ له آفةٌ في مَحَلِّ النُّطْقِ تَمْنَعُه عن الكلام، وحينئذ فلا يُعرَفُ السَّاكتُ والأخرَسُ حتى يُعرَفَ الكلامُ، ولا يُعرَفُ الكلامُ حتى يُعرَفَ السَّاكتُ والأخرَسُ، فتبيَّنَ أنَّهم لم يتصوَّروا ما قالوهُ، ولم يُثْبِتوهُ" (25).
قلتُ: وقَدْ أفْحَشَ القومُ فذَكَروا فيما يَسْتحيلُ في حقّهِ تعالى الخَرَسُ والبَكَمُ، وقالوا: هو ضدُّ الكلام، لكنَّ قولَهم بالنَّفْسيّ ألْجَأهم إلى القَوْلِ بأنَّ المُستحيلَ في حَقِّه تعالى هو الخَرس النفسيّ (26)،وهذا معناهُ أنَّ الأَخرَسَ الذي قامَت في نفسهِ المَعاني وعَجَزَ عن التَّعْبير عَنْها بلسانِهِ يصِحُّ وصفُهُ بالمتكلِّمِ، كما حَكاهُ الحافظُ أبو نَصْرٍ السِّجْزيُّ رحمه الله فيما ذكرناهُ عنه آنفاً.--------------------------------------------
(25) "مجموع الفتاوى" 6/ 296.
(26) كما في "كفاية العوام وشرحها" ص: 121 وغيرها من كتبهم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 367)

ويْلَكُم! أوَ يُصَدِّقُ هذا صِبيانُ الكَتاتيب؟!
والثاني: نعلَمُ جميعاً أنَّ الأخرسَ -الذي هو متكلَّمٌ في نظرِكم معشرَ الأشعرية- إنَّما مَنَعَتْهُ آفةٌ في لسانهِ عن التعبير عَمَّا في نفسهِ، فعجزَ عن البيان، فهو يُفْهِم ما قامَ في نفسهِ من المَعاني لغيره، فيعبّرُ عنها ذلك الغيرُ، وأنتم قلْتُم في ربْكُم ذلكَ: إنَّه يُفْهِمُ المعنى القائمَ بنفسهِ مَن شاءَ من عبادهِ، كما أفهَمه لجبريل عليه السلام، فعبَّر جبريلُ عمَّا في نفسِهِ تعالى.
أيُّ إفْكٍ هذا الذي جئتم به أيَّها المُعَطِّلَة، وأيّ نَقْصٍ جوَّزتُموه على ربكم؟ شبَّهْتُموهُ بالأخْرَس، فأيّ فرْقٍ بينه وبين الآلهةِ التي لا تُرْجِعُ إلى عابديها قولاً؟
سبحانَكَ هذا بهتانٌ عَظيمٌ.
والمتكلِّمُ بالألفاظ والمَعاني أكْمَلُ مِمَّن يقومُ المعنى في نفسهِ وهو لا يَقدِرُ على التَّعبير عنه -وهذا إنْ وُجدَ في المخلوق الضَّعيف كانَ نَقْصاً بيّناً- فجبريلُ إذاً يكونُ أكمَلَ من ربْكم، لأنه فَهِمَ المعنى وأمكَنَه التعبيرُ عنه.
تعالى الله عن قوِلكم علوّاً كبيراً.
والثالث: كَوْن الأمْر هو النَّهيَ، والنَّهي هو الخبَرَ، مِمَّا لا يعقلُهُ عاقلٌ، وهي على قولكم: معنى واحد، ولا يعقلُ عاقلٌ أنَّ القرآن العربيَّ
لو تُرْجِمَ إلى العِبْرانية كان هو التَّوْراة، والتَّوراة لو عُرِّبَت كانت هي القرآن، وهي على قوِلكُم معنى واحد.
وعلى هذا الْتَزَمْتُم أنْ تكونَ آيةُ الدَّيْن هي آية الكُرْسّي، و {تَبَّتْ يَدَا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 368)

أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} هي {قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ} والعلُم هو القدرة، وسائر الصفات كذلك، بلْ ربَّما جرَّكُم ذلك إلى ما هو أشدّ من ذلك وأدْهى.
قالَ لهم جُمهورُ العُقَلاء: إذا جَوّزْتُم أنْ تكونَ حقيقةُ الخَبَر هي حقيقةَ الأمر، وحقيقةُ النَّهي عن كلّ مَنْهيّ عنه، والأمْرِ بكلّ مأمورٍ به، هو حقيقةَ الخَبَر عن كلّ مُخْبَرٍ عنه، فجَوِّزوا أن تكونَ حقيقةُ العِلْم هي حقيقةَ القُدْرة، وحقيقةُ القدرةِ هي حقيقةَ الإِرادة (27).
قال شيخُ الإِسلام:"فاعْتَرَف حذّاقُهم بأَنَّ هذا لازِمٌ لهم لا مَحيدَ لهم عنه" (28).
وقال في موضعٍ آخر:"فاعترف أئمَّةُ هذا القَوْل بأنَّ هذا الإِلزام ليس لهم عنه جَوابٌ عقليٌّ" (29).
قال:"وَلَزِمَهم إمكانُ أن تكونَ حقيقةُ الذَّات هي حقيقةَ الصِّفات، وحقيقةُ الوُجود الواجبِ هي حقيقة الوُجود المُمْكِن، والتزمَ ذلك طائفةٌ منهم، فقالوا: الوجودُ واحدٌ، وعَيْنُ الوُجودِ الواجب القَديم الخالِق هو عَيْنُ الوُجود المُمْكِن المَخلوق المُحْدَث، وهذا أصلُ القائلين بوَحْدَة الوُجود، كابن عَربيّ الطائيّ، وابن سَبْعين، وأتباعهما" (30)
قلتُ: وممَّا يُفْسِدُ عليهم بِدْعَتهم في اعتقادِهم أنَّ كلامَ الله معنى--------------------------------------------
(27) انظر: "مجموع الفتاوى" 6/ 522 - 523، 9/ 283، 12/ 122، 166.
(28) "مجموع الفتاوى" 9/ 283.
(29) "مجموع الفتاوى" 12/ 122.
(30) "مجموع الفتاوى" 9/ 283 - 284.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 369)