المَصاحفِ على الحَقيقةِ، لا على المَجاز، كما يقولُ أصحابُ الكَلام: إنَّ الذي في المُصْحف دليلٌ على القُرآن وليسَ به، والله تبارك وتعالى يقول: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 77 - 79] والنَّبى صلى الله عليه وسلم يقولُ: "لا تُسافِروا بالقُرآن إلى أرضِ العدوّ" (82) يريدُ المُصْحَفَ" (83).
وقد شَرَحْتُ معنى هذا في الباب الأوَّل بما يُزيلُ تلبيسَ الأشعرية ومَن قالَ بقَوْلِهم.
• تعظيم المصحف عند الأشعرية:
اعتقادُ الأشعرية في كَلامِ الله تعالى أنَّه المعنى القائمُ بنفسهِ، وأنَّ هذا لم يَنْزِلْ، وإنَّما نزلَت العبَارةُ عنه، وهذه العبارةُ مخلوقةٌ تَحُلُّ في المَصاحفِ أدَّى بمتأخَّريهم إلى تَهْوين شأنِ المُصْحَف، بل أدَّى بجُهّالِهم إلى الاستهانةِ به، وهذا مِمَّا فاقوا به المعتزلةَ، وشَبهوا به غُلاةَ الجَهميةِ.
وبيانُ ذلكَ: أنَّ تعظيمَه عندَ عُقَلائِهم والقُدَماءِ منهم على وَجْهِ الخُصوصِ، لأجْلِ كونهِ عبارَةً عن الكَلامِ النَّفْسى ودَلالةً عليهِ، فتعظيمُهُ لدَلالتهِ على العظيم.
وبهذا يُفَسِّرونَ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "لا تُسافروا بالقرآنِ إلى أرضِ العدوّ، فإنّي أخافُ أنْ ينالَه العَدُوُّ" (84).--------------------------------------------
(82) حديث صحيح، سبق تخريجه ص: 201.
(83) "مختلف الحديث" ص: 136.
(84) انظر التعليق (82) المذكور قريباً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 411)
والَّذي يُحْمَل إنَّما هو المَصاحفُ الَّتي فيها القرآنُ، وتَعْليلُ النَّهْي عن السَّفَر بها بَيِّنٌ في الخَبَر، وهو الخَوْفُ مِنْ أنْ تنالَهُ أيدِي الكفَّار، فلا تُؤمَنُ منهم إهانَتُه، وهذا المعنى حقٌّ وصَوابٌ، لكنَّه عندَ أهلِ السُّنَّة والأئمَّة لأنَّ فيه كلامَ الله على الحَقيقةِ بألفاظهِ ومَعانيهِ، وهذا وجْهُ النَّهي عندَهم، أمَّا الأشعرية فَلأنَّ فيه العبارةَ عن كلامِ الله.
فجاءَ متأخِّروهُم وزادوا أنَّهُ مَخلوقٌ في اللَّوْحِ المَحْفوظِ، أو غيرِه، أو قَوْلُ جبريلَ، أو محمَّد صلى الله عليه وسلم، فهوَّنَ هذا مِنْ شأنِ المُصْحَفِ عندَهم، حتى فاضَلوا بينَه وبين رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، قالَ الباجوريُّ: "وهل القرآن بمعنى اللَّفظ المَقروء أفْضَل أو سيّدنا محمَّد صلى الله عليه وسلم؟ " فأشارَ إلى خِلافٍ عندَهم في ذلك، ثمَّ قالَ: "والحَقُّ أنَّه صلى الله عليه وسلم أفْضَلُ لأنَّه أفضلُ من كلّ مخلوقٍ" (85).
قلتُ: سُبْحانكَ هذا بُهْتانٌ عَظيمٌ، أيُّ جُرْأةٍ هذه الَّتي تُؤدّي بأصْحابِها إلى جَعْلِ صِفَةِ الرَّبِّ تعالى أدْنى من المَخلوقِ -مع شَرَف المَخلوقِ-؟!!
بَلْ إنَّ بعضَهم لمَّا رأوا أنَّ لهذا القرآنَ الذي في المُصْحَف ليسَ كلامَ الله حقيقةً وإنَّما هو دَلالةٌ علَيهِ، رَأوْا أنَّ كلَّ المَخلوقاتِ سِواه أدلَّةٌ على الخالق وصفاتهِ، ومع ذلكَ فلا يَجِبُ احترامُها، وما دلَّ على الخالق أوْلى بالاحترام مِمَّا دلَّ على صِفَتهِ، وصَلَ بهم الحالُ حينئذٍ إلى أنْ قالوا في هذا القرآنِ العربيّ: ما هذا إلَاّ وَرَقٌ ومِدادٌ، فحَصَلَ بذلكَ شرٌّ أّعظمُ.
قالَ شيخُ الإِسلام: "ثمَّ تَبِعَ أقوامٌ مِن أتباعِهم أحدَ أهْلِ المذهَب،--------------------------------------------
(85) "شرح الجوهرة" ص: 94.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 412)
وأنَّ القرآنَ معنى قائمٌ بذاتِ الله فَقَط، وأنَّ الحروفَ ليسَتْ من كلام الله، بَلْ خَلَقَها الله في الهَواء، أو صنَّفها جبريلُ أو محمَّدٌ، فضمّوا إلى ذلك أنَّ المُصْحَفَ ليسَ فيه إلَاّ مِدادٌ ووَرَقٌ، وأعْرَضوا عمَّا قالَه سلَفُهم مِنْ أنَّ ذلك دليلٌ على كلام الله فيجبُ احترامُهُ، لَمَّا رَأوا أنَّ مُجَرد كونهِ دَليلاً لا يوجِبُ الاحترامَ، كالدَّليل على الخالِق المتكلِّمِ بالكلام، فإنَّ المَوْجوداتِ كُلَّها أدلَّةٌ عليه، ولا يجبُ احترامُها (86)، فصار هؤلاء يَمْتَهنونَ المُصْحَفَ حتى يَدوسوهُ بأرْجُلِهم، ومنهم من يكْتُبُ أسماءَ الله بالعَذْرة إسقاطاً لحُرْمَة ما كُتِبَ في المَصاحفِ والوَرَقِ مِنْ أسماءِ الله وآياتِهِ" (87).
قلتُ: ومِمَّا يُصَدِّقُ ما حَكاهُ عنهم شيخُ الإِسلام، ما رَواه ابنُ حَزم في "الفصل" (88) قال: أخْبَرني عليُّ بن حَمْزَةَ المُرادي الصَّقَلِّيُّ الصَّوفيُّ أنَّه رأى بعضَ الأشعرية يَبْطحُ المُصْحَفَ برجلهِ، قالَ: فأكْبَرتُ ذلك، وقلتُ له: ويحَك! هكذا تصنَعُ بالمُصْحَف، وفيه كلامُ الله تعالى؟ فقالَ لي: ويلك! والله ما فيهِ إلَاّ السُّخامُ والسَّوادُ، وأمَّا كلامُ الله فلا، ونحو هذا من القَوْلِ الذي هذا مَعْناه (89).--------------------------------------------
(86) قال شيخ الإِسلام في موضع آخر: "ولو كان ما في المصحف وجب احترامُه لمجرّد الدلالة، وجب احترام كلِّ دليل، بل الدليلُ على الصانع وصفاته أعظمُ من الدَّالِّ على كلامه، وليسَت له حرمةٌ كحرمة المصْحَف" "مجموع الفتاوى" 12/ 391.
(87) "مجموع الفتاوي" 8/ 425.
(88) 5/ 81 - طبع عكاظ-
(89) قلتُ: وعليّ بن حمزة هذا يكنى أبا الحسن، ترجم له الحافظ الحُمَيدي في "جذوة المقتبس" ص: 313، وقد سَمِعَ منه، وقال: "كانَ يتكلَّم في فنونٍ، ويُشارك في علوم، ويتصوَّف".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 413)
وأنتَ -وفَّقك الله- قَدْ تَعْجَبُ من هذه الحالِ الَّتي وصَل إليها بعضُ الأشعريةِ، وقد لا تُصَدِّقُ ذلكَ ابتداءٌ وتَسْتَنْكِرُه، مِن أجْل ما تراهُ مِنْ تظاهُرهم بتكريمِ المَصاحفِ، وتَعْظيمِها، وتَقْبيلها، والقيامِ لها حين الإِتيان بها، ولكنَّكَ حينَ تُدْرِكُ ما شَرَحْناهُ من اعتقادِهم، فليسَ يبعُدُ وقوعُ ذلك من سَفلَتِهم الذين لم يَقْدروا الله تعالى قَدْرَه.
ولهؤلاء السُّفَهاءِ سَلَفٌ في الاستهانةِ بالمُصْحفِ وعَدَمِ تَعْظيمهِ، ذلك هو الجَهْمُ بن صَفْوانَ -رأس الجَهميَّة- فقدْ قالَ أبو نُعَيْمٍ البَلْخِيُّ -وكانَ صدوقاً-:
كانَ رَجُلٌ من أهْلِ مَرْوٍ صديقاً لِجَهْم، ثمَّ قَطَعَه وجَفاهُ، فقيلَ له: لِمَ جَفَوْتَه؟ فقال: جاءَ منه ما لا يُحْتَملُ، قرأتُ يوماً آيةَ كذا وكذا، فقالَ: ما كانَ أظرف محمَّداً، فاحتملْتُها، ثمَّ قرأ سورة طه، فلمَّا قالَ: {الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} قال: أمَا والله لو وَجَدْتُ سَبيلاً إلى حَكِّها لَحَكَكْتُها من المُصْحَف، فاحْتَمَلْتُها، ثمَّ قرَأ سورةَ القَصَص، فلمَّا انتهى إلى ذِكْرِ موسى قال: ما هذا، ذكَرَ قصَّةً في مَوْضِع فلمْ يُتِمَّها، ثمَّ ذكَرَ ههُنا فلمْ يُتِمَّها، ثمَّ رَمى بالمُصْحَفِ منْ حجرِهِ برِجْلَيْهِ، فوثبتُ علَيه (90).
وهذا المَعنى الذي تَقْشَعِر منه الجلودُ، وتنفرُ منه القُلوب، ويأباه دينُ المُسلمينَ، لم يكن عِنْدَ قُدَماء الأشعريَّة، والله تعالى أمرَ بالعَدْلِ، فإنَّ أولئكَ -على ما ذَكَرْنا عنهم من الاعتقادِ في القرآن العَظيم- إلَاّ أنَّهم كانوا--------------------------------------------
(90) رواه البخاري في "خلق أفعال العباد" رقم (70) وعبد الله بن أحمد في "السنَّة" رقم (190) وسنده صحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 414)
يعظّمونَ المصْحَفَ، ويبجّلوله لدَلالته عندَهم على القديمِ النَّفسي، بل إنَّك تجدُ فيهم مَن يُصرِّح بتكفيرِ مَن استهانَ بالمصْحَف.
ولكنَّ بدعةَ هؤلاء الأوائل ضرَّتْ بهؤلاء السُّفَهاء، فإنَّهم توسَّعوا فيها حتى أخْرَجَتْهم من الإِسلام، وهذا شأنُ البِدَع وتأثيرِها على أصحابِها.
قال شيخُ الإِسلام: "فالبدَعُ تكونُ في أوَّلها شِبْراً، ثم تكثرُ في الأتباع حتى تصيرَ أذْرُعاً وأميالًا وفراسخَ" (91).
وحين ذكرَ شيخُ الإِسْلام بدْعَة الأشعريّة واعتقادَهم الباطلَ الذي شَرَحْناه، قال: "وهذا القَوْلُ فيه نوعٌ من الضَّلالِ والنّفاقِ، والجَهْلِ بحُدودِ ما أنْزَل الله على رسُولهِ، وهو الذي أوقَعَ الجُهال في الاستخفافِ بحُرْمةِ آياتِ الله وأسْمائِهِ، حتى ألْحدوا في أسْمائِهِ وآياتِهِ" (92).
وقال: "وقد اتَّفقَ المسلمونَ على أنَّ مَن استخفَّ بالمصْحَف، مثل أنْ بُلْقِيَه في الحُشّ، أو يركضهُ برجْلهِ، إهانةً له، أنَّه كافرٌ مباحُ الدَّم" (93).
• • • • •--------------------------------------------
(91) "مجموع الفتاوى" 8/ 425.
(92) "مجموع الفتاوى" 12/ 382.
(93) "مجموع الفتاوى" 8/ 425.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 415)
المبحث الرابع: أسماء الله تعالى عند الأشعرية
إنَّ عقيدةَ الأشعريَّةِ في كلام الله تعالى جَرَّتْهم إلى إدخالِ أسمائِهِ الحُسْنى ضِمْنَ ما اعتقْدوهُ، ولكن في ألفاظِهم في ذلك لَبْسٌ لا يَفْطن له مَن لم يفهَمْ مرادَهم، فإنَّهم يُطلقونَ القولَ: أسماءُ الله غيرُ مخلوقةٍ، وهذا الإِطلاقُ لأهل السُّنَّة أيضاً، ولكنَّه عندَ الأشعريةِ خِلافُ ما هُوَ عليه عند أهل السُّنَّة.
وبيانُ ذلك:
أنَّ الأشعريةَ كانوا يقولونَ: الاسمُ هو المُسمَّى، ويُطْلقونَ القولَ بذلكَ، ومُرادُهم: أنَّ الاسمَ هو عَيْنُ المُسمَّى، فاسمُ الله عندَهم هو الله، فالاسمُ عندَهم هو الذَّات، وليس هو الدالَّ عليها، وهذا المعنى لمْ يَسْبِقهم أحدٌ إليه، ولا يَعْرِفُ النَّاسُ الاسمَ إلَاّ القَوْلَ الدالَّ على المُسمَّى.
فلمَّا حُجّوا بتعدُّدِ أسماءِ الله تعالى، والذَّاتُ واحدةُ غيرُ متعدَّدةٍ، قالوا: المُرادُ بالأسماءِ حالَ التعدّدِ التَّسْميات لا الذَّوات، فحديثُ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ لله تسعةً وتسعينَ اسماً" معناه: تسعةً وتسعينَ تسميةً، وقوله تعالى: {ولِلهِ الأسْماءُ الْحُسْنَى} [الأعراف: 180] معناه: التَّسْميات،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 417)
والتَّسْمياتُ هي الأقوالُ المؤلَّفةُ من الحُروفِ، مثل: (الرَّحمن، الرَّحيم، السَّميع، العَليم) (1) وهذه مخلوقةٌ عندَهم؛ لأنَّها ألفاظٌ، والألفاظُ مخلوقةٌ.
وهذا مِنْهم خَرْقٌ لِما دَلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّةُ وكلامُ العَرَب، فإنَّ العربَ لا تَعْرِفُ التَّسميةَ إلَاّ النُّطْق بالاسم والتكلُّم به، وليسَتْ هي الاسمَ نفسَه، وأسماءُ الأشياءِ هي الألفاظُ المُعَرِّفةُ بها الدَّالَّةُ عليها، ليستْ هي أعيانَ الأشياءِ (2).
فـ (زيد) اسمُ عَلَمٍ بلا نِزاعٍ، فإذا سُمّيَ أحدٌ به لم يكنْ هو عَيْنَ المسمّى، وإنَّما هو اللَّفْظُ الدَّالُّ عليه، وإطلاقُ هذا اللَّفظ على زيد هو تسميتهُ به، وهذا بَيَّنٌ لا يَخْفى إنْ شاء الله.
وقد نَطَقَ الكتابُ والسُّنَّةُ بأنَّ لله تعالى الأسماءَ الحُسْنى، فقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110] وقال: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180] وقالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ لله تِسعةً وتسعينَ اسْماً، مئةً غير واحدٍ، مَن حفِظَها دخَلَ الجنَّةَ" (3).
فقالت الجَهميةُ والمُعْتزلةُ: الاسمُ غيْرُ المسمَّى، فأسماءُ الله غيرُهُ، وكلُّ شَيْءٍ غيرُ الله مخْلوقٌ، فـ (الرَّحمن، الرَّحيم، الحَيّ، القيّوم …) هذه الأسماءُ المؤلَّفةُ من الحُروفِ، وغيرُها من الأسماءِ الحُسنى مخلوقةٌ--------------------------------------------
(1) انظر: " أصول الدين" لعبد القاهر ص: 114 - 115.
(2) انظر: "مجموع الفتاوى" 6/ 195.
(3) حديث صحيح جليل.
وقد تناولته بالتخريج والشرح في جزء مفرد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 418)
عندَهم.
فأرادَ الأشعرية ومَنْ على شاكِلَتِهم إبطالَ قولِهم، فقالوا: الاسْمُ هو المسمَّى، أي: عينُهُ، فاسْمُ الله هو الله، والله غيرُ مَخلوق، فاسمهُ غيرُ مَخْلوق، وهذا في الحَقيقة لا تُخالِفُ فيه الجَهْميةُ، فإنَّهم يعتقدونَ أنَّ الله تعالى غيرُ مخلوق وهم إنَّما قالوا بخَلْق الأسماءِ التي هي الأقوالُ الدَّالَّة على المُسمَّى كـ (الرَّحمن، الرَّحيم) وهذه عندَ الأشعريَّةِ تَسْمياتٌ، وهي ألفاظٌ مَخْلوقةٌ، فأيّ فَرْقٍ بين اعتقادِ الطائفتين من جِهَةِ الحَقيقة والمَعنى؟
قالَ شيخُ الإِسلام: "وافَقوا الجَهْميةَ والمعتزلةَ في المعنى، ووافقوا أهلَ السُّنَّة في اللَّفْظ" (4).
والسَّلفُ لم يكونوا يَعْرِفونَ الكلامَ في الاسم والمسمَّى، وإنَّما يعلَمون أنَّ لله تعالى الأسماءَ الحُسنى، ولما ظهَرَت مقالةُ الجَهمية في ذلك أنكَرَها الأئمَّةُ، وكانَ في علماءِ السُّنَّةِ مَنْ أطلقَ القولَ في الرَّدّ علَيْهم، فقال: الاسمُ هو المُسمَّى، وهذا الِإطلاقُ مُوافقٌ لإِطلاقِ الأشعريةِ، لكن يُخالِفه في المَعنى، فإنَّ مَن أطْلق ذلكَ من أئمَّةِ السُّنَّة لم يُريدوا أنَّ الاسمَ هو عَيْنُ المسمَّى.
وأكثرُ أئمةِ السُّنَّة على إنكار هذه المقالةِ نَفْياً وإثباتاً، لأنَّ كُلاًّ من الإِطلاقين بدْعَة تجرُّ إلى محاذيرَ، كما جرَّت الجَهمية والأشعرية إلى القولِ بخَلْق الأسماءِ الحُسنى (5).--------------------------------------------
(4) "مجموع الفتاوى" 6/ 192.
(5) انظر لتفصيل هذه المسألة (قاعدة في الاسم والمسمَّى) لشيخ الإِسلام ضمن "مجموع الفتاوى" 6/ 185.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 419)
ويُبْطلُ قولَ هؤلاء المُبتدعةِ أنَّ أسماءَ الله تعالى مِن كلامِهِ، وقَدْ بَيَّنا الاعتقادَ فيه، وأنَّه غيرُ مَخلوقٍ، فأسماؤُهُ تعالى غيرُ مخلوقةٍ.
وعلى ذلك نَصَّ الأئمةُ رحمهم الله، واستدلّوا بذكْرِ الأسماءِ في كلام الله على بُطْلانِ قَوْل مَن يقولُ بخَلْق القُرآنِ العَربيّ المُبينِ.
فمِنْ ذلك:
1 - قولُ الإِمام الشافعيّ رحمه الله: "مَن حلَف باسْم مِن أسماءِ الله فحنثَ فعليْهِ الكفَّارةُ، لأنَّ اسمَ الله غيُر مَخْلوقٍ، ومَن حَلَفَ بالكعبةِ أو بالصَّفا والمَرْوَة فليس عليه الكفَّارةُ، لأنَّه مخلوقٌ، وذاكَ غيرُ مخلوقٍ" (6).
قلتُ: والحَلف إنَّما يقَعُ بالألفاظِ، كـ (والله، والرَّحمن، والخالق، والعزيز) ونحو ذلك، فلو قيلَ: هذه ألفاظٌ مخلوقةٌ، وغيرُ المَخلوقِ إنَّما هو مسمَّاها -كما يقولُه مُحَقِّقو الأشعرية- وهذه موضوعةٌ للدَّلالةِ عليه، فلا فَرْقَ حينئذ بين الحَلِفِ بها، والحَلِفِ بالكعبةِ والصَّفا والمَرْوَة، لأنَّ الجميعَ مخلوقٌ، وذلكَ لأنَّ الحالفَ إنَّما يحلِفُ بالاسْم الذي هو القَوْلُ واللَّفْظُ المؤلَّفُ من الحُروفِ، الذي يُرادُ به المُسمَّى، وهذه عندَ الأشعرية تَسْمِياتٌ مَخْلوقةٌ.
2 - وقَوْلُ أبي داودَ: سمعتُ أحمَدَ -يعني ابن حنبل- ذكَرَ له رَجُلٌ--------------------------------------------
(6) أثر صحيح، سبق تخريجه ص 128.
وعلَّق محقَّق "آداب الشافعي" -ذاكَ الأشعري- على قوله: "وذاك غير مخلوق" بقوله: "يعني مسمَّاه ومدلوله" كذا قال، وهو تفسير لِما ذَكَرْناه عنه وعن أشباههِ من الأشعرية مُدَّعي التَّحقيق من أنَّ أسماء الله المؤلَّفة من الحُروف المتعدِّدة الكثيرة هي تسميات مخلوقة لا أسماء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 420)
أنَّ رَجُلًا قالَ: إنَّ أسماءَ الله مخلوقةٌ، والقُرْآنُ مَخْلوقٌ، قال أحمدُ: "كُفْرٌ بَيِّنٌ" (7).
وقال عبد الله بن أحمدَ: سمعت أبي رحمه الله يَقُولُ: "مَن قالَ: القرآنُ مخلوقٌ، فهو عندَنا كافرٌ، لأنَّ القرآنَ من عِلْمِ الله عز وجل، وفيه أسماءُ الله عز وجل " (8).
3 - وقَوْل إسحاقَ بن راهُوَيْه: "أفْضَوا -يعني الجَهمية- إلى أنْ قالوا: أسماءُ الله مخلوقةٌ، لأنَّهُ كانَ ولا اسْمَ، وهذا الكفْرُ المَحْضُ، لأنَّ لله الأسماءَ الحُسْنى، فَمن فرَّقَ بين الله وبين أسْمائِهِ وبين علْمهِ ومشيئتهِ، فجعَل ذلك مخلوقاً كلَّه، والله خالِقُها، فقَدْ كَفَرَ، ولله عز وجل تسعةٌ وتسعونَ اسماً، صحَّ ذلكَ عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قالَهُ، ولقَدْ تكلَّمَ بعضُ مَنْ ينْسَب إلى جَهْمٍ بالأمْرِ العَظيمِ، فقال: لو قُلْتُ: إنَّ للرَّبِّ تسعةً وتسعينَ اسْماَّ لَعَبَدْتُ تسعةً وتسعينَ إلهاً، حتى إنَّه قالَ: إنِّي لا أعبُدُ الله الواحدَ الصَّمَدَ، إنَّما أعْبُدُ المُرادَ به، فأيّ كلامٍ أشَدُّ فِريَةً وأعظمُ من هذا، أنْ يَنْطِقَ الرَّجلُ أنْ يقولَ: لا أعبُدُ الله؟ " (9).
قلتُ: والجَهْميَّةُ أرادوا إنكارَ أسماء الله بدَعْوى أنَّ تعدْدَها تعدّدٌ للآلهة، فقالوا: هي غيرُ الله، وهي مَخْلوقةٌ، ليُبْطِلوا تعلُّقَها بالله تعالى، والأشعريَّةُ قالوا: التعدُّدُ دليلُ الحدَثِ والخَلْق، والقَديمُ لا يتعدَّدُ والأسماءُ--------------------------------------------
(7) سبق تخريجه ص 128.
(8) سبق تخريجه ص 128.
(9) رواه ابن أبي حاتم -كما في "السنَّة" لابن الطبري رقم (352) - وسنده صحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 421)
مَعدودةٌ، وقد قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ" وَلا يقعُ الحَصْرُ والإِحصاءُ إلَاّ لما هو مَخلوقٌ، فهذِهِ الأسماءُ مخلوقةٌ، وهي دالَّةٌ على المُسمَّى، كَما أنَّ الألفاظَ في الكلام دالَّةٌ على الكَلام الحَقيقيّ، ولَيْسَتْ هي الكلامَ، لكنَّهم عَسُرَ عليهم القولُ: إنَّ الأسماءَ مخلوقةٌ، فقالوا: هي غيرُ مخلوقةٍ، لأنَّ الاسْمَ هو المُسمَّى، والمتعدِّدَ هو التَّسْمياتُ لا الاسْمُ، فأبْطَلوا المعلومَ من اللُّغَة والشَّرْع بفاسدِ الرأي.
ولقد أورَدَ البخاريّ رحمه الله إلزاماً على الجَهْمية، هو واردٌ على الأشعريَّةِ أيضاً، قال:
"وقالوا: إنَّ اسمَ الله مخلوقٌ، ويلْزَمُهم أن يَقولوا إذا أذَّنَ المؤذِّنُ، لا إِشله إلَاّ الذي اسْمه الله، وأشْهَد أنَّ محمَّداً رسولُ الذي اسمه الله، لأنَّهم قالوا: إنَّ اسمَ الله مَخْلوق" (10).
فتأمَّلْ -رحمك الله- مذهبَ الأشعرية في أسماءِ الله، واعْلَم أنَّهم يُنزّهونَ اسْمَ الله القَديم عن أنْ يكونَ مُؤلّفاً من حُروفٍ مَنْظومَةٍ.
يقولُ ابنُ عَساكر -وهو منهم معَ ما لَه من العِلْم والجَلالة -وهو يَصِفُ المُشبّهةَ: "وَغَلَوا في إثبات كلامِهِ -أي الله تعالى- حتى حَسِبوهُ يَحْتمِلُ بجَهْلهم تجزّؤاً وانقساماً، وظنّوا اسمَ الله القَديم ألِفاً وهاءً تتلو لاماً ولاماً" (11).
قلتُ: وهذه الجُمْلَة ليْسَت مِن مُعْتقَد المُشبّهةِ الضُّلاّل، وإنَّما هو--------------------------------------------
(10) "خلق أفعال العباد" رقم (108).
(11) "تبيين كذب المفتري" ص: 25 - 26.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 422)
معتقَدُ أهل السُّنَّة الأبرياءِ من اعتقادِ أصْحابِ البِدَع، وقد شَرَحْناه عنهم فيما سبَقَ في الباب الأوَّل، وبيَّنا أنَّ كلامَه تعالىَ يتجزَّأ ويتبعَّضُ، وهذا القرآنُ أبْيَنُ حُجَّةٍ عليه، ونبيّن هُنا أنَّ أسماءَ الله تعالى هي ألفاظٌ دالَّةٌ على المَعاني، عَرَّفَ الله بها نفسَه، كما عَرَّفَ نفْسَه بسائرِ صفاتهِ، فإنَّ أسماءَه صفاتٌ له تعالى، واسمُ (الله) هو المؤلَّف من ألف وهاء تتلو لاماً ولاماً، لأنَّ اسْمَ الله عندَنا ما دَلَّ على ذاتهِ تعالى، ألا ترى أنَّ الله أمرَ عبادَه بتسبيحهِ كما أمرهم بتسبيح اسْمهِ، فقال: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 42] وقالَ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] وقالَ: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74، 96 الحاقة: 52]؟ والعِبادُ يُجيبونَ: سُبْحان الله، سُبحانَ رَبّي الأعلى، سبحانَ ربي العظيم، فبيَّن تعالى أنَّ تسبيحَ اسمهِ تسبيحٌ له، لأنَّ الاسمَ إنَّما يُراد به المُسَمَّى، ومثل ذلك في دعائه تعالى بأسمائِهِ وذِكْره بها.
وكذا بيَّنَ أنَّ اسمَه تعالى مُبارَكٌ، فقال: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 78] وقال: {تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54] فأسماؤهُ تعالى مباركَة لبَرَكةِ المُسمَّى بها، وهو الرَّبُّ تعالى.
والمقصودُ هنا بيانُ أنَّ الأشعريَّة جانَبوا الصَّوابَ باعتقادِهم أنَّ الأسماءَ الحُسنى المتعدِّدَة لله تعالى إنَّما هي التَّسْميات، وهي ألفاظٌ مُحْدَثةٌ مَخلوقةٌ، واسْمُ الله القَديم هو ذاتُه تعالى.
وبيان أنَّ هذا ليسَ بينَه وبين قَوْلِ الجَهْمية فرْقٌ في المعنى والحَقيقة، إذْ الجميعُ قالوا بخَلْق الأسْماءِ، التي هي الألفاظُ التي يُرادُ بها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 423)
المُسمَّى، ومَنعوا من ذلكَ للتَّعَدُّدِ، إلَاّ أنَّ الجهميةَ صَرَّحوا أنَّ التعدُّدَ في الأسماءِ تعدّدٌ في الذَّواتِ، وهذا عندَهم تعدّدٌ للآلهةِ، والأشعرية لم يُصَرِّحوا بذلك، فالخِلافُ بينَهم وبين الجَهميةِ في هذه القضيَّة خِلافٌ لَفْظيٌّ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 424)
المبحث الخامس: وجه التوافق بين قولي المعتزلة والأشعرية في القرآن
بَعْدَ هذا العَرْضِ لاعْتقادِ الأشعريَّةِ في كلام الله تعالى، وَمُقارنتهِ باعتقادِ السَّلَف، واعتقادِ الجَهمية المعتزلةِ، يتبيَّنُ لكَ مُجانَبتُهم في ذلك لاعتقادِ السَّلَف والأئمَّة ومُبايَنَتُهم فيه، ومُوافَقَةُ المُعتزلةِ الجَهميةِ في حقيقة الأمْرِ، وأنَّ الخلافَ بينهم وبين المعتزلةِ يشبهُ أن يكونَ خِلافاً لفظيّاً، بل هو فيما أرى كذلكَ، وقد صَرَّحَ بهذه الحَقيقةِ مُحقِّقُهم إمامُ الحَرَمينِ، فقال: "وقولُهم: إنَّه كلامُ الله تعالى، إذا رُدَّ إلى التَّحصيل آل الكلامُ إلى اللُّغاتِ والتَّسْمياتِ، فإنَّ معنى قولهم: هذه العباراتُ كَلامُ الله: أنَّها خَلْقُه، ونحنُ لا نُنْكِرُ أنَّها خَلْقُ الله، ولكنْ نمتنعُ من تسميةِ خالق الكلام مُتكلِّماً به، فقد أطْبَقْنا على المَعنى، وتَنازَعْنا بعد الاتفاق في تسميتهِ" (12).
قلتُ: وبيانُ هذه المُوافقة لاعتقادِ المعتزلة من وَجْهين:
الأوَّل: المُعتزلة لا يُجوّزونَ قيامَ الصِّفاتِ والأفعالِ بذاتهِ تعالى، فوافَقَهم الأشعريةُ في نَفْي قيام الأفْعال بذاتهِ تعالى، فَنَفَوْا لهذا أنْ يقومَ به تعالى ما يتعلَّقُ بمشيئتهِ واختيارهِ، فنتَجَ قولُهم: الكلامُ معنى واحدٌ أزليُّ--------------------------------------------
(12) "الإِرشاد" ص: 116 - 117.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 425)
-وقد أبَنْتُ لكَ عن بُطْلانِ هذا المَذْهب- وقالوا: كلُّ ما تعلَّقَ بالمشيئةِ والقدرةِ فهو مخلوقٌ، فوافق الأشعريةُ المعتزلةَ في شَطْرِ قولِهم، فنفَوْا قيامَ الأفعالِ، وقالوا: هي مخلوقةٌ، وأثْبَتوا قيامَ الصِّفاتِ على تَفصيلٍ ليسَ هذا مَحَلُّه.
والثاني: إنَّ ما تألَّفَ من الحُروفِ والألْفاظ فهو مخلوقٌ عندَ الأشعرية والمعتزلةِ، لكنَّ الأشعريةَ يقولونَ: هو عبارةٌ عن الكَلامِ القَديم، والمعتزلةَ يقولونَ: بل هو كلامُ الله على الحَقيقةِ، إذْ لَمْ يُقرّوا للأشعريَّةِ بقولِهم الذي شرَحْناهُ عنهم في إثباتِ الكَلام النَّفْسي لفَسادهِ.
فرَجَعَ قولُهم إلى الاتّفاقِ على كوْنِ القُرآن العَربيّ مَخلوقاً، وفي قَوْلِ المعتزلةِ من المُوافَقَةِ اللَّفظية للسَّلَف في هذه القضيَّةِ أكثرُ من قَوْلِ الأشعريَّةِ، ذلكَ لأنَّهم سمَّوْهُ كلامَ الله حقيقةً، أمَّا الأشعريَّةُ فتحقيقُ قَوْلِهم أنْ ليسَ لله في الأرضِ كَلامٌ على الحَقيقةِ، ويُطْلِقونَ على القرآنِ كلامَ الله مَجازاً على أرْجَح أقْوالِهم.
قالَ شيخ الإِسلام: "وهذا شرٌّ من قَوْلِ المُعْتزلةِ، وهذا حقيقةُ قَوْلِ الجَهْميَّة" (13).
وقد تقرَّرَ أنَّ كلامَ الله تعالى، مَعاني وألفاظٌ يتكلَّمُ بها ربُّنا متى شاءَ، وكما شاءَ، والقرآن العربيُّ كَلامُه، والتَّوراة العِبْريَّةُ كلامه، وكلُّ ذلك على الحَقيقةِ لا على المَجاز، وهو غيرُ مَخلوقٍ كيفَ تصرَّفَ، ولا يَعْرِفُ المُسلمونَ منذُ عَهْد النُّبُوَّةِ قرآناً غيرَ هذا العربيّ، ولا يَعْرِفونَ ما بَيْنَ الدَّفَّتين--------------------------------------------
(13) "مجموع الفتاوى" 12/ 121.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 426)
إلَاّ كلام الله على الحَقيقةِ، فنازَعَتْهم المعتزلةُ الجهميةُ في هذا القرآن لا في غيرهِ، فقالَتْ: مخلوقٌ، وقال أهلُ السُّنَّة: كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، ولم يَخْطُرْ ببالِ أحَدٍ قبْلَ ابن كُلاّب -أصْلِ الأشعريَّةِ- أنَّ كلامِ الله هو الكلامُ النَّفْسيُّ وهو غيرُ مَخْلوقٍ، فالأئمةُ ابْتُلوا وحصَلَ البلاءُ للأمَّةِ جميعاً بسبَب هذا القرآنِ العربيّ لا الكلام النَّفسي الذي لم يَدْرِه الناسُ ولم يَعْرِفوهُ، ولقد كانَ أهْوَن عليهم أنْ يقول للناس بقَوْل الجَهْمية في هذا القرآنِ ويُوافِقوهم فيه، لأنَّ عوامَّ المُسْلمينَ لا يعلَمونَ الخِلافَ الواقعَ إلَاّ في هذا القرآن، إذ لا يَعْلَمون قرآناً سِواهُ، ولهذا أيْسَرُ عليهم في المحنةِ من القَتْلِ والتَّعْذيبِ، إذ لا مَحْظورَ فيه عندَ الأشعريَّةِ إلَاّ سدّ بابِ الذريعة، كما قالَه غيرُ واحد من أئمَّتهم.
يقولُ الباجوريُّ الأشعريُّ: "ومعَ كَوْن اللَّفظ الذي نقرؤهُ حادثاً لا يَجوز أنْ يقال: القرآنُ حادثٌ إلَاّ في مَقام التَّعليم، لأنَّه يُطْلَقُ على الصِّفَةِ القائمةِ بذاتهِ أيضاً، لكن مَجازاً على الأرْجَح، فربَّما يُتَوهَّمُ من إطلاقِ أنَّ القرآنَ حادثٌ أنَّ الصِّفةَ القائمةَ بذاته تعالى حادثةٌ، ولذلك ضُرِبَ الإِمامُ أحمدُ بن حنبل وحُبِسَ على أن يقولَ بخَلْقِ القرآن، فلم يَرْضَ" (14).
وقالَ أيضاً: "لكن لا يجوزُ أن يُقالَ: القرآنُ حادثٌ، أو كلامُ الله حادثٌ، لأنَّه وإن كانَ المرادُ به هذه الألفاظ، لكن يوهِمُ الصِّفَةَ القديمةَ، ولذلكَ لا يجوزُ أنْ يقالَ: القرآنُ مخلوقٌ، أو كلامُ الله مخلوقٌ، وقد امتُحنَ كثيرٌ من العُلماء على القَوْل بخَلْقِ القرآن" (15).--------------------------------------------
(14) "شرح الجوهرة" ص: 72.
(15) " حاشية الباجوري على كفاية العوام" ص: 102.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 427)
قلتُ: وهذه مقالَةٌ جائرةٌ، تضمَّنَت الكَذِبَ على الأئمَّةِ، والإِمام أحمدَ بالخُصوص، فإنَّه رحمه الله لم يأتِ عنهُ مجرَّد إطلاقِ: القرآنُ غيرُ مَخلوق، وإنَّما نصَّ على إبطالِ كلام أسْلافِ الأشعريَّةِ الذين ظَهَروا في أواخر حياتهِ كالكَرابيسيّ وابن كُلاّبٍ، وهم الَلَّفْظيَّةُ النافيةُ الذين شرحتُ اعتقادَهم في الباب الثاني، بَل نصَّ على أنَّهم جَهْمية، ونصوصُهُ أبْيَنُ مِنْ أنْ تُفسَّرَ وتُفصَّل في ذلك، بل هو وسائرُ إخوانهِ من الأئمَّة أبْعَدُ الناسِ عن اعتقادِ اللفظيَّةِ الذينَ يَعْتَقدونَ أنَّ الألفاظَ القرآنيةَ مخلوقةٌ.
ولو كانَ الأمْرُ كما زَعَمْتُم أنَّ قولَ الأئمَّة: القرآنُ غيرُ مَخْلوق، سدّاً للذَّرِيعة، لئلاّ يُفهَم أنَّ الكلامَ النَّفسيَّ مَخلوقٌ، لكان هذا جَهْلاً منهم وعدَمَ فَهْم لأدنى مقاصدِ الشَّريعةِ -وحاشاهم من ذلك- لأنَّ الأمرَ على قولِكم يكونُ عندَ التَّحْقيق فَتْحاً لباب الذَّريعةِ لا سَدّاً له، لأنَّ اللَّبْسَ والتَّمْويهَ على الأمَّةِ بمقالةِ الأئمَّةِ: القرآنُ غيرُ مَخْلوق، أشدُّ وأعظمُ، وذلك لأنَّ الأمَّةَ أجْمَع تَتْبعُهم على هذه المقالةِ، والأمَّةُ لا تَعْرِفُ قَوْلَهم متوجّهاَّ إلَاّ إلى هذا القرآنِ الَّذي بين الدَّفتين، فيُضيفونَ الكلامَ المخلوقَ -عندَكم- لله، ويجعلونَه صفةٌ له، ويُكفِّرون مَن خالَفهم في ذلك تبَعاً لأئمَّتِهم، فهذا البابُ إذاً أحْوَجُ إلى السَّدِّ من باب الكَلام النَّفسي لِعِظَم البَلوى به، ولكنَّكم حُرِمْتُم التوفيق فلَمْ تَعُوا ما تَقولونَ، وهذا بعضُ ما تَسْتحقّونَه جزاءَ إعْراضِكم عن الوَحْي المَعْصوم، وإقبالِكم على الكَلام المَذموم.
وإضافةً لهذا فإنَّنا -معشر أهل السُّنَّة- نُمْهِلُكم أعمارَكم جَميعاً- وقد أمْهَلْناكم قُروناً- على أنَّ تَأتوا بنَقْلٍ صَحيحٍ أو ضعيفٍ عن أحَدٍ من الأئمَّة زمَنَ المعتزلةِ وقَبْلَه إلى عَهْدِ النبُوة، يُصَرِّحُ لكم أنَّ كلامَ الله معنى واحدٌ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 428)
مجرَّدٌ عن الألفاظ، والألفاظ ليسَتْ كلامَ الله على الحقيقةِ، إن كُنتم صادقينَ.
هذا ما نَقْطَعُ بعَجْزِكم عنه، بل إنَّكُم لا تُحبُّونَ الكلامَ فيه خَشْيَةَ الافتضاحِ وبُدُوْ العَوْراتِ، فهذا صاحبكُم الباجوريُّ يقول بمَنْع ذكرِ عقيدتكم لأحدٍ إلَاّ على وجْهِ الشَّرْح والتَّفصيل، ولو قيلَ: على وجهِ التَّلْبيس والتَّضليل لكان ألْيقَ، وإلَاّ فأيّ توحيدٍ هذا الذي يقومُ على الكِتْمان والتَّستُّرِ؟
فأيُّ معنى إذاً خالَفْتُم فيه المعتزلةَ وتتظاهرونَ بالرَّدِّ عليْهم فيه؟
ليسَ لكُم إلَاّ أنَّ المعتزلةَ لا يُثْبتونَ صفةَ الكَلام لله إلَاّ المَخْلوقِ، ولم يَفْصِلوا بين المَخلوقِ والكَلام النَّفَسي القَديم.
وهذا تلبيسٌ قد انكشفَ بفضْلِ الله ومَنَّهِ، والمعتزلةُ خيْرٌ منكم حينَ أبْطَلوا هذا الكلامَ النَّفْسيَّ الذي ابتَدَعْتُموه، على ما هُمْ فيه من البِدْعَة والشَّرِّ، وأنتُمْ حَسِبْتم أنَّكُم وافَقْتُم السَّلَفَ والأئمَّةَ في إثباتِ صفة الكَلامِ، والسَّلَفُ لا يَعرفونَ كلامَ الله تعالى على تفسيركم، بل لا يَعرفونَ كلامَ الله إلَاّ الذي ادَّعَت المعتزلةُ الجَهميَّةُ أنَّه مخلوقٌ، وقوْلُ الجَهمية هذا هو قولُكم.
فالسَّلَف وأهلُ السُّنَّة بَراءٌ من اعتقادِكم.
وبهذا فإنِّي أحْسَبُكَ قَدْ فَهِمْتَ وجْهَ التَّوافُق بين قولَي المعتزلةِ والأشعريَّهِ، وأنَّه في الحقيقةِ قوْلٌ واحدٌ، لكن المعتزلةَ أتَوْا به صَريحاً لا لَبْسَ فيه، وهؤلاء قالوا به بطريقةٍ مُلْتويةٍ مُشَكِّكَة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 429)
ولقد ذكرِتُ في الباب الثاني في مسألةِ اللَّفْظ أنَّ القَوْلَ بخَلْقِ الألفاظ المُنْزَلةِ قولٌ تستَّرت به الجَهْميَّة لِيَلْبِسوا على الناس دينَهم.
قال شيخ الإِسلام: "جمهورُ الناس يقولونَ: إنَّ أصحابَ هذا القول عند التَّحقيق لم يُثْبِتوا له كلامًا حقيقةً غَيْرَ المخلوقِ" (16).
• • • • •--------------------------------------------
(16) "مجموع الفتاوى" 12/ 121.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 430)
المبحث السادس: الأشعرية وأهل السنة في مسألة القرآن
لَقَدْ كانَ المعتزلةُ في الزَّمَن الغابرِ يصِفونَ أنْفُسَهم بـ (أهل السُّنَّة) وكثيرٌ من أهلِ البِدَع كانوا على هذا النَّحْو، والأشعريَّةُ ومثلُهم الماتُريديَّةُ مِمَّن تلقَّبوا بهَذا، فهُم يصِفونَ أنْفُسهم بـ (أهل السُّنَّة) ويقولونَ في اعتقادِهم: إنَّه (اعتقادُ أهل السُّنَّة) وربَّما عَزَّزوا ذلك بأنَّ فيهم كَثْرةً من أهْلِ الفِقْهِ والحَديث، ورُواة السُّنَنِ والآثار.
يقولُ الزَّبِيديُّ: "إذا أطْلِقَ: أهلُ السُّنَّة والجَماعَةِ، فالمرادُ بهم الأشاعرةُ والماتُريديةُ" (17).
قلتُ: وَيَنْصُرونَ ذلك بكَثْرَة الأتْباعِ، وهذا مِمَّا اغترَّ به كثيرٌ من أهْلِ زمانِنا ونَسوا غُرْبَة أهْلِ الحَقّ.
ولَقَدْ كانَ الإِمامُ أحمدُ وأتباعُهُ قلَّةً بالنسبةِ إلى المُعتزلةِ لِما كانَ معهم من قوَّةِ السُّلْطان، ولم يكن هذا حجّةً في ميزانِ أهْل الحقِّ على صِحَّة اعتقادِهم، وكان فيهم مَن يُنْسَب إلى الفقهِ والحَديثِ والعِلْم.--------------------------------------------
(17) "شرح الإحياء" 2/ 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 431)