يقال: إنَّ كلام الله لم يَزلْ ولا يَزالُ، وإنَّهُ مُسْمِعٌ مَنْ يشاءُ من خَلْقهِ، ومُفْهِمٌ مَنْ أرادَ منهم إفهامَه في الوقتِ الذي يُريدُ أنْ يُسْمِعَهُ ويُفْهِمَهُ ما يُريدُ من ذلك، مِنْ غير تَجديدِ قولٍ ولا كَلامٍ، وإذا قيلَ في ألفاظِ هذه الأخبارِ: يقولُ الله، ويتكلَّمُ الله، فليس المُرادُ به تجديدَ القولِ والكلام، وإنَّما المرادُ تجديد الإِسماعِ والإِفْهامِ للقَوْلِ الذي لم يَزَلْ" (57).
وصرَّح بإنكار قوْلِ من يقولُ: إنَّ الله يتكلَّم مرَّةً بعدَ أخرى، وعلَّل ذلك بقوله: "لأنَّ ذلكَ يوجبُ حَدَثَ الكَلام" (58).
وقال الباجوريُّ في تكليم الله لموسى: "وليسَ المُرادُ أنَّه تعالى يبتديءُ كلاماً ثُمَّ يَسْكُتُ، لأنَّه لم يَزَلْ مُتَكلِّماً أزلاً وأبداً" (59).
قلتُ: وفي هذا الكلام عِدَّة أمور:
الأوَّل: أنَّ صفةَ الكلام الثابتةَ لله تعالى هي المعنى القَديم، لا أوَّلَ لها ولا آخر.
والثاني: أنَّ الذي يُوحى للرُّسُل، وغيرِهم مِمَّا يتعلَّقُ بالأزْمِنةِ والأمكنةِ هو العِباراتُ عن هذا الكَلام، والدَّلالاتُ عليه، وهيَ مخلوقةٌ، كالذي سَمِعَ موسى حين أتى الشجرَةَ.
والثالث: أنَّ قولَ الله لِما يُريدُ تكوينَه (كُنْ) وما يُوحِي إلى رُسُلِهِ من الكلام المُعَبَّر عنه بعباراتٍ كالقُرآن والتَّوراة والإِنجيل، كُلُّ ذلك معنى ثابتٌ--------------------------------------------
(57) "مشكل الحديث" ص: 235، وانظر ص: 233.
(58) "مشكل الحديث" ص: 232 - 233.
(59) "شرح الجوهرة" ص: 74.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)
في الأزَل، ولا يزالُ، وإنَّما تكونُ الأشياءُ في الأوقات التي شاءَ الله فيها كَوْنَها، لا أنَّهُ يتجدَّدُ قولُه لما يُريدُ تكوينَه (كُنْ) ويُنْزِلُ على رسُلهِ العباراتِ عن كلامهِ، وهي المتجدِّدةُ الموصوفةُ بالابتداءِ والانتهاءِ والتَّقدُّم والتأخّرِ كالتَّوراة والإِنجيلِ والقُرآن، أمَّا الكلامُ القديمُ فثابتٌ لا يتَجَدَّدُ.
وجُمْلةُ هذه الأمورِ هي ما يُعَبَّر عنه بأنَّ كلامَ الله غيرُ متعلِّقٍ بمَشيئتهِ واختياره.
ولَمْ يَعْقِل القومُ أنَّ هذه صفةُ نَقْصٍ وعَجْز، لا تَليقُ بالمَخلوق الضَّعيف فكيف جَعَلوها لائقةً بربّهم تعالى وهو القدّوسُ السَّلامُ؟
وإنَّ مِمَّا اضْطَربوا فيه بسَبَب هذه البدعةِ الأمْرُ والنَّهيُ، فقال: الأمرُ والنَّهيُ وصْفان للكلام، والله لم يَزَلْ آمِراً ناهياً، ولا يَزالُ آمِراً ناهياً، كما أنَّه لا يَزالُ متكلِّماً، وهذا يَقْتضي القولَ بجواز خِطاب المَعْدومِ، بمعنى أنَّ الله خاطبَ العبادَ بالأمْرِ والنَّهي أزَلاً قبلَ خَلْقِ الخَلْق، أمْراً ونَهْياً لا أوَّلَ له، فافترقوا إزاءَ هذا فريقين:
الأوَّل: قالوا بجَوازِ خطابِ المَعْدومِ، فكلامُ الله لم يَزَلْ أمْراً ونَهْياً للمكلَّفينَ الذينَ خُلِقوا بعدَ ذلكَ، بشَرْط أنْ يَفْعَلوا ما أمِروا به بعدَ الوُجودِ والبلوغ ووفورِ العقلِ (60).
والثاني: قالوا بعدَمِ جَوازِ خِطابِ المَعدوم قبْل خَلْق الخَلْق، فهؤلاء منهم لا يَصِفون الله بكونهِ آمِراً ناهياً، وإنَّما يقولونَ: صارَ كلامُهُ أمْراً ونَهْياً--------------------------------------------
(60) "أصول الدين" لعبد القاهر ص: 108.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)
عند توجّهِ اللُّزومِ على المكلَّف (61).
وكلا المَذْهَبَيْن فاسدانِ.
أمَّا الأوَّل فبما نَقَضْناه عليهم في قولهم: كلامُ الله معنى مجردٌ، وإقامةِ الأدلَّةِ على أنَّ كلامَه تعالى متعلقٌ بمَشيئتهِ واختيارهِ، يتكلَّمُ بأمْرِه ونَهْيهِ وخَبرهِ تعالى إذا شاءَ، ومتى شاءَ.
وأمَّا الثاني فمُقْتضاه القوْلُ بأنَّ كلام الله مخلوقٌ جميعاً، لأنَّه لا يُعْرَفُ الكلام إلَاّ ما كان خبَراً أو إنشاءً، وعندَ هؤلاء ما لا يسْبقُ الحَوادث فهو حادثٌ، والخبَرُ والإِنشاءُ لم يكونا إلَاّ بعْدَ وجودِ المُكلَّف، فالمكلَّفُ سابقُ الوجودِ للأمْرِ والنَّهْي والخَبَر، فهي مخلوقةٌ على أصلِهِم، وهَل كلام الله إلَاّ الأمْرُ والنَّهْيُ والخَبَر؟
وهذا القولُ مُقْتضٍ أن يكونَ معنى كلام الله مخلوقاً أيضاً لا ألفاظُهُ فحَسْب، وبهذا يبطلُ دينُ الأشعريةِ في إثباتِ صفةِ الكلام، فليسَ ثمَّ معنى قديمٌ، وهم أنفُسُهم لم يكونوا يتصوَّرون معنًى قَديماً هو الأمْرُ والنَّهْيُ والخَبَرُ، فكيفَ يُمْكِنُهم تَصَوَّرُ كلامٍ هو معنى لَيسَ بأمْرٍ ولا نَهْيٍ ولا خَبَرٍ؟
فمُحَصَّلُ ما ذكرنا أنَّ الأشعرية مُضْطربونَ كلَّ الاضطراب في إثباتِ مَذْهَبهم، وسبَبُ فلكَ عَجْزُهم عن تصوَّرهِ وإدراكهِ، وإلَّا فكيفَ يُمْكِنُ وقوعُ الكلام من مَوصوف به من غير أن يكون بقُدْرَتهِ ومشيئتهِ؟
وهم يُنَزّهونَ الله تعالى عن الخَرَس والسُّكوتِ، ومعنى هذا على--------------------------------------------
(61) "أصول الدين" ص: 108 و"الإِرشاد" لأبي المعالي الجويني ص: 119 - 120.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)
التَّحقيق أنَّه متكلمٌ بالحُروف والأصْواتِ، لأنَّ الخَرَسَ عَدَمُ القدرةِ على الكلام، والسُّكوتَ عَدَمُ النُّطْق بالكَلام، لكنَّ القومَ فَرُّوا مِن هذه الحقيقةِ التي لا يَعْقِلُ العاقِلُ سواها إلى خُرافةٍ لا يَسْتسيغُها الصِّبيان، فضْلاً عن العُقَلاء العارفينَ، فقالوا: الخرَسُ والسُّكوتُ نفْسيان، فالذي يُنزَّهُ الله عنهُ عندَهم هو الخَرَسُ النَّفْسيُّ والسُّكوتُ النَّفسيُّ، أرأيتَ كلاماً أشبَه بالسَّفْسَطَةِ من هذا؟!
فتأمَّلْ رحِمَك الله اعتقادَ السَّلَفِ والأئمَّةِ، وانظر بيانَه وظهورَه وقوَّةَ حُجَّتهِ ودليلهِ، وقارِنْه بهذه السَّفاهات الأشعريةِ وغيرها يَجْلُ لك الحقُّ وينْقطِعُ عنكَ الشَّكُّ والرَّيْبُ، فإنَّ اعتقادَ السَّلَف لا يَرِدُ عليه بفضْلِ الله شيءٌ من أقوال أهل البدع، وقد كفيناكه في الباب الأول ولله الحمد.
وأمَّا ما حاوَل أهلُ البِدَع أن يموّهو به فهو دليلُ حَيْرَتِهم، وهو حُجَّةٌ عليهم لو عَقَلوهُ -كما قَدْ رأيتَ- ولو أنَّهم تَرَكوا الكلامَ المذمومَ وأقْبَلوا على الوَحْي المَعصوم لسَلِمَ لهم دينُهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)
المبحث الثالث: القرآن العربي عند الأشعرية
بينتُ في شَرْح اعتقادِ السَّلَفِ أنَّ هذا القرآنَ العربيَّ المؤلَّفَ من الحروف العربيَّةِ، المشتمل على المَعاني من الأوامرِ والنَّواهي، والأخبار، وغير ذلك مِمَّا خاطبَ الله تعالى به العبادَ، وأنزلَه على رسولِهِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بواسطةِ الأمين جبريلَ عليه السلام، على الأحْرُف السَّبْعَة تيسيراً على الأمَّةِ، وهذا القرآن هو كلامُ الله على الحقيقةِ بألفاظِهِ ومعانيهِ، وبحروفهِ وكلماتهِ وآياتهِ وسورهِ، غيرُ مخلوق، مِنْ أوَّل الفاتحةِ إلى آخر الناس، لا قرآنَ سواهُ، وبسَطْتُ ذلك بالأدلَّةِ، وبيَّنْتُ في الباب الثاني في إقامةِ الحُجَّة على بُطلان اعتقادِ اللفظيَّة، الذين يعتقدونَ خَلْقَ الألفاظِ العربيةِ، بالحُجَج القَواطِع من كتاب الله تعالى واعتقادِ السَّلَف، وسُقْتُ هناكَ من نُصوصِ الأئمَّة ما فيه الكفَايةُ والمَقْنَع لِمَنْ طلبَ الهدى وقصَدَه، ورامَ اتِّباعَ السَّلَف وتَرْكَ البِدَع.
ولكن الأشعريةَ -رأسَ القائلينَ بخَلْق الألْفاظ- أبَوُا التسليمَ لهذا المُعْتَقد السَّلَفي، وقالوا فيه بقَوْل الجَهميةِ الضُّلال: بأنَّه مخلوقٌ، وليسَ هو كلامَ الله على الحقيقةِ، وإنَّما هو عبارةٌ عنه، لأنَّ كلامَ الله عندهم هو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)
المعنى القائمُ بنفسهِ -كما شرَحْناه عنهم-.
وهذا القولُ فاقوا فيه المعتزلةَ، لأنَّ المعتزلةَ كانوا يُسَمُّونَ هذا القرآنَ العربيَّ كلامَ الله، ويصفونَه بالخَلْق، أمَّا هؤلاء فوافَقوهم في وصْفهِ بالخَلق، لكنهم زادوا عليهم نَفْي كونهِ كلامَ الله، وهذا وإنْ كانَ حقيقةَ قولِ المعتزلةِ، إلَاّ أنَّهم لم يُصَرِّحوا به تصريحَ الأشعريةِ.
ويتلخَّصُ اعتقادُهم في القرآن العربيّ في الأمور الآتية:
1 - هو عِبارةٌ ودَلالةٌ على الكلام القَديمِ، وليسَ هو الكلامَ القديمَ.
2 - لا يُسَمَّى كلامَ الله على الحَقيقة، إلَاّ على معنى أنَّه خلَقَه في اللَّوْح المَحفوظ أو غيره.
3 - يُسَمَّى كلامَ الله مَجَازاً من تَسْمية الدَّالّ باسْم المَدلول.
4 - الأكثرون منهم على أنَّهُ مَخلوقٌ في اللَّوْح المَحْفوظ، ومنهم من قال: في غيره، ومنهم من قال: هو قوْلُ جبريلَ عليه السلام، ومنهم من قال: هو قولُ محمَّد صلى الله عليه وسلم.
5 - لَمْ يَنزِلْ إلى الأرض إلَاّ ما هو مَخلوق.
وهذه بعض نُصوصِهم الصَّريحةِ تُثْبِتُ صحَّة ما ذكرتهُ عنهم:
قالَ أبو بكرٍ الباقلّاني: "إنَّ الكلامَ الحقيقيَّ هو المعنى الموجودُ في النَّفسِ، لكن جُعِلَ عليه أماراتٌ تدلُّ عليه، فتارةً تكونُ قولاً بلسانٍ على حكم أهل ذلك اللسانِ وما اصْطَلحوا عليه وجَرى عُرْفُهم به وجُعِلَ لغةٌ لهم، وقد بيَّنَ تعالي ذلك بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4] فأخْبَرَ تعالي أنَّه أرْسَل موسى عليه السلام إلى بَنِي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)
إسرائيلَ بلسانٍ عِبْراني، فأفهَمَ كلامَ الله القديمَ القائِمَ بالنفسِ بالعِبْرانية، وبَعَثَ عيسى عليه السلام بلسانٍ سريانيّ، فأفهَمَ قومَهُ كلامَ الله القديمَ بلسانهم، وبعَثَ نبيَّنا صلى الله عليه وسلم بلسانِ العربِ، فأفهَمَ قومَه كلامَ الله القديمَ القائِمَ بالنفسِ بكلامِهم، فلغةُ العرَب غيرُ لغة العِبْرانية، ولغة السّريانية غيرهما، لكنَّ الكلامَ القديمَ القائمَ بالنفسِ شيءٌ واحدٌ لا يَخْتَلِفٌ ولا يتغيَّر … " (62).
حتى قالَ: "فصحَّ أنَّ الكلام الحقيقيَّ هو المعنى القائمُ بالنَّفْس دونَ غيرهِ، وإنَّما الغيرُ دليلٌ عليه بحُكْم التَّواضُعِ والاصطلاح، ويجوزُ أنْ يُسَمَّى كلامًا إذْ هو دليلٌ على الكَلام، لا أنَّه نفسُ الكَلام الحقيقيّ" (63).
ويُفْصِحُ عن مُنْشِىءِ هذا الكلام العربيّ فيقولُ: "والمَنزولُ به هو اللُّغَة العربية التي تَلا بها جبريلُ، ونحنُ نتلو بها إلى يوم القيامةِ، لقوله تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195] والنَّازِلُ على الحَقيقةِ، المنتقِلُ مِنْ قُطْرٍ إلى قُطْرٍ قَوْلُ جبريلَ عليه السلام، يدلُّ على هذا قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ …} وذكَرَ الآياتِ، ثمَّ ذكَرَ آيةَ التكوير، ثم قالَ: "وهذا إخبار مِن الله تعالى بأنَّ النظمَ العربيَّ الذي هو قِراءةُ كلام الله تعالى هو قولُ جبريلَ، لا قول شاعرٍ، ولا قول كاهنٍ … " (64).
قلْتُ: وقد بيَّنا الحقَّ في تفسير آيتَي الرَّسولَيْن في الباب الثاني في--------------------------------------------
(62) "الإِنصاف" ص: 106 - 107.
(63) "الإِنصاف" ص: 107.
(64) "الإِنصاف" ص: 97.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 397)
شَرْح مسألة اللفظِ، بما يُبْطِلُ مذهبَ الباقلّاني ومَن تابَعَه، فارْجِع إليه.
وقال صاحبُ "كفاية العوام" -منهم-: "وليسَ المُرادُ بكَلامِهِ تعالى الواجب لَهُ تعالى الألفاظ الشَّريفةَ المُنْزَلَةَ على النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، لأنَّ هذه حادثةٌ، والصِّفةُ القائمةُ بذاتهِ تعالى قديمةٌ، وهذه مشتملةٌ على تقدُّمٍ وَتأخُّرٍ وإعرابٍ وسُوَرٍ وآياتٍ، والصِّفَةُ القديمةُ خاليةٌ عن جَميع ذلك، فليسَ فيها آيَاتٌ، ولا سُوَرٌ، ولا إعرابٌ، لأنَّ هذه تكونُ للكلام المُشْتَمل على حروفٍ وأصواتٍ، والصِّفَةُ القَديمةُ مُنزَّهةٌ عن الحروفِ والأصوات" (65).
حتى قال: "ويُسَمَّى كلُّ من الصِّفةِ القديمةِ والألفاظِ الشَّريفةِ: قرآنًا، وكلامَ الله، إلَّا أنَّ الألفاظَ الشَّريفة مخلوقةٌ، مكتوبةٌ في اللَّوْح المَحفوظ، نزلَ بها جبريلُ عليه السلام على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، بعدَ أنْ نزَلت في ليلة القَدْرِ في بيت العزَّة: مَحَلٌّ في سَماءِ الدُّنيا" (66).
وقال الباجوريُّ: "مَذْهَبُ أهْل السُّنة -يريدُ الأشعريَّةَ- أنَّ القرآن بمعنى الكلامِ النَّفْسي ليسَ بمَخلوقٍ، وأمَّا القرآنُ بمعنى اللَّفْظ الذي نَقرؤه فهو مَخلوقٌ" (67)
وقالَ: "مَنْ أضيفَ لَهُ كلامٌ لفظيٌّ دلَّ عُرْفًا أنَّ له كلامًا نفسيًّا، وقد أضيفَ له تعالي كلامٌ لفظيٌّ، كالقرآن، فإنَّه كلامُ الله قطعًا، بمعنى أنَّه خلقَهُ في اللَّوْح المَحْفوظ، فدلَّ التزامًا على أنَّ له تعالى كلامًا نفسيًّا، وهذا--------------------------------------------
(65) "كفاية العوام" ص: 102 - 103.
(66) "كفاية العوام" ص: 104 - 105.
(67) "شرح الجوهرة" ص: 94.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 398)
هو المُراد بقولِهم: القرآنُ حادثٌ، ومَدلولُهُ قديمٌ، فأرادوا بمَدْلولهِ الكلامَ النَّفسيَّ، وتكفي الإِضافةُ الإِجماليةُ وإنْ لم يكن اللفظيُّ قائمًا بالذَّاتِ" (68).
وقال صاحب "الجوهرة":
فكلُّ لَفْظٍ للحَدوثِ دَلَّا … احْمِلْ على اللَّفْظِ الذي قَدْ دَلَّا
فقال الباجوري في "شرحهِ": " (على اللفظ) أي على القرآنِ، بمعنى: اللفظ المُنْزَل على نبيّنا صلى الله عليه وسلم، المُتَعَبَّد بتلاوتهِ المُتحدّى بأقصَرِ سورةٍ منه، والرَّاجحُ أنَّ المنزَلَ اللفظُ والمعنى، وقيل: المُنْزَل المعنى، وعبَّر عنه جبريلُ بألفاظٍ من عنده، وقيل: المنزَل المعنى، وعبَّر عنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بألفاظٍ من عندِه، لكن التحقيق الأوَّلُ، لأنَّ الله خلقَهُ أوَّلًا في اللَّوْح المَحْفوظِ، ثمَّ أنزلَه في صحائفَ إلى سَماءِ الدنيا، في مَحَلٍّ يقالُ له: بيتُ العزَّة، في ليلةِ القَدْر، كما قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} ثمَّ أنزَلَهُ على النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مُفَرَّقًا بحسب الوقائع".
حتى قال: "والحاصِلُ أنَّ كلَّ ظاهرٍ من الكتابِ والسُّنَّة دلَّ على حدوثِ القرآن فهو مَحْمولٌ على اللفظِ المَقروء، لا على الكلام النَّفْسي" (69).
قلت: يَعْنونَ بهذا قولَه تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} وما في مَعناه مما ذكَرْناهُ عن أسْلافهم الجَهمية في الفصل--------------------------------------------
(68) "شرح الجوهرة" ص: 73.
(69) "شرح الجوهرة" ص: 95.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 399)
السابق، وأظهَرْنا زيفَهم فيه.
فهذه نصوصُ بعض مُحَقِّقي الأشعريَّة، وهي أبْيَنُ مِنْ أنْ تُشْرَحَ، وأصرَحُ مِنْ أنْ تُوَضَّحَ، مُصَرِّحَةً بخَلْق هذا القرآنِ العربيّ الذي يقول الله تعالى فيه: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ} [يونس: 37] والذي تحدَّى الخلقَ أنْ يأتوا بسورة مثله، فوافَقوا الجهميةَ في قولِهم، ونَبذوا مذهبَ السَّلفِ وأهْلِ السُّنَّةِ واعتقادَهم وَراء ظُهورهم، وكابَروا، فتظاهَروا بالرَّدِّ على الجَهمية، والانتسابِ لأهْل السُّنَّةِ، وسأذكرُ لك قريبًا مقالةَ أحَدِ فُحولهم في أنهم موافقونَ للمعتزلةِ في هذه القضية، تُنْبِيكَ عن بَراءتهم من اعتقادِ أهلِ السُّنَّةِ من السَّلَف والأئمَّة في مسألة كلام الله تعالى.
ولقد أبطلتُ قولَ هؤلاء اللَّفظية في الباب السابق، بما فيه غُنْيَةٌ إنْ شاءَ الله.
وأقولُ هُنا إلزامًا وإفحامًا: لقد صرَّحْتُم -معشرَ الأشعرية- في غير موضعٍ من كُتُبِكم في صَدَدِ الرَّدِّ على المُعتزلة، بأنَّ كلامَ الله لوكانَ مخلوقًا لكانَ مخلوقًا في مَحَلٍّ، ولَكانَ صفةً لذلك المَحَلِّ الذي خُلِقَ فيه، لا صفةً لله تعالى.
وقولُكُم هذا صَوابٌ ومعقولٌ موافقٌ للمنقولِ، فإنَّه إذا خَلَقَ الله تعالى حركةً أو وَصْفًا في مَحَلٍّ كانَ ذلك المَحَلُّ هو المتحرّكَ الموصوفَ بذلك الوَصْفِ، لا الخالقُ تعالى، فإنَّه لا يوصَفُ بخَلْقهِ، فكلامُه تعالى المضاف إليه صفتهُ، فإن قيلَ: مخلوقةٌ، وجَبَ أن تكونَ قائمةً بمخلوقٍ لا بالله تعالى، وأنتم تُقرّون بهذا، فإذا كانت قائمةً بمخلوقٍ لم تَجُز إضافتُها لله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 400)
تعالى على أنَّها صفةً له، وهذا موافقٌ لإِلزامكم للمعتزلة.
وهذا القرآنُ العربيُّ معلومُ الإِضافةِ إلى الله تعالى بالضَّرورة، فإنَّ
الأمَّةَ مُتَّفقةٌ على ذلك، وقد تلَقَّتْ ذلك عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم على أنَّهُ كلامُ
الله لا كلامُ غيره، ففي نَفْي إضافتهِ إلى الله تكذيبٌ للرَّسولِ صلى الله عليه وسلم بما جاءَ
به، وتجهيلٌ للصَّحابة رضي الله عنهم، وهم أجَلُّ مِنْ أنْ يَجْهَلوا أنَّه لو كانَ مخلوقًا لكان مخلوقًا في مَحَلٍّ، فيكون بهذا صفةً لذلك المَحَلِّ لا لله تعالى.
وأنتم -معشرَ الأشعرية- قُلْتُم: إنَّ الله خَلَقه، قال أكثرُكم: في اللَّوْح المَحْفوظ، وقال آخرون: في غيره.
وهذا يُلْزِمُكم على أصلِكم الذي ألزَمْتُم به المعتزلةَ أنْ يكونَ كلامَ اللّوحِ، لا كلامَ الله، فلا يَحْسُنُ منكم إضافَتُه إلى الله بحالٍ من الأحوالِ، ولكنَّكُم أرَدْتم التَّشبيهَ على الأمَّةِ والتَّلبيسَ عليها، وسَتْر مقالتِكم الشَّنيعة التي هي في الحَقيقة مقالَة الجَهمية، فكَسَوْتُموها زورًا بِكساء أهْلِ السُّنَّةِ، لِتُخْفوا حقيقةَ أمْرِكم.
فكذَّبتُمُ الرسولَ صلى الله عليه وسلم في أنَّه كلامُ الله، وجَهَّلْتم أصحابَه والتَّابعينَ لهم بإحسان، الذين لَمْ يكونوا يعرفونَ هذا القرآنَ العربيّ إلَّا أنَّه كلامُ الله ووحيُه وتنزيلُه.
بل تَبَجَّحَ بعضُكُم فافترى، وزادَ إفْكاً أنَّه قَوْلُ جبريلَ، ولَبَّسَ على النَّاس بما لَمْ يَفْهَمْهُ هو من القرآنِ، وأضَلُّ منهُ وأكْفَرُ مَنْ قالَ منكُم: إنَّه مِنْ إنشاءِ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنتُم أيُّها المساكينُ تُورِدونَ خِلافَ أصحابِكم في كونِهِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 401)
مَخلوقًا في اللَّوح، أو في الهَواءِ، أو في جِبريلَ، أو محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، مَوْرِدَ مسائل الفُروع الخِلافية.
وأمَّا قولُ إمامكُم الجُوَيْني ومَن تَبِعَه: إنَّ إطلاقَ كَلام الله على الكَلام النَّفسي، والنَّظم العربيّ، حقيقةٌ فيَهما جميعًا (70)، فهو أبْعَدُ شَيْءٍ عن المَعقول الذي تدَّعونه، فإنَّه إنْ كانَ كلامَ الله على الحقيقةِ على هذه المقالةِ، بطلَ أن يكونَ مخلوقًا، سَواء كان ما سَمَّيْتُموه بالكلام النفسيّ، أو النّظمِ العربيّ، وهذا يُبْطِلُ أصلَكم، ولكنَّ الأمرَ ينطوي على سِرٍّ لا تُظْهِرونَه على كل حالٍ خشيةَ أن تبدوَ سوآتُكم، وتنكشفَ عَوْراتُكم، وهو الذي صرَّحَ به شارحُ الجَوْهرة حينَ قال: "إنَّه كلام الله قَطْعًا، بمعنى أنَّه خَلَقَهُ في اللَّوْح المَحْفوظ" فهذه الحقيقةُ المُرادَةُ عندَكم.
قال شيخُ الإِسلام ابن تيمية: "فإن قيلَ: إنَّه كلّه كلام الله تكلّمَ به، وبلّغَه عنه جبريلُ إلى محمَّد -كما هو المَعلوم من دين المُرْسَلين- كانَ هذا صَريحًا بأنَّه لا فَرْقَ بين الحُروف والمَعاني، وأنَّ هذا من كلام الله، كما أنَّ هذا من كلامِ الله، وإنْ قيلَ؛ إنَّه خَلَقَ في غيرهِ حروفًا منظّمةً دَلَّتْ على معنى قائمٍ بذاتهِ، فقَدْ صرَّحَ بأنَّ تلكَ الحروفَ المؤلَّفةَ ليست كَلامَه، وأنَّهُ لم يتكلَّمْ بها بحالٍ، وإذا قيلَ: إنَّ تلكَ تُسَمَّى كلامًا حقيقةً، وقد خُلِقَتْ في غيره، لَزِمَ أنْ تكونَ كلامًا لذلك الغَيْر، فلا يكونُ كلامَ الله، وهو خِلافُ المَعلوم من دين الإِسلام، وإنْ قيلَ: لا يُسَمَّى كَلامًا حقيقةً كانَ خلافَ المعلومِ من اللُّغَةِ والشَّريعةِ ضَرورةً" (71).--------------------------------------------
(70) انظر: "الإِرشاد" للجويني ص: 108.
(71) "مجموع الفتاوى" 6/ 535.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 402)
فالتَّحقيقُ الذي لا مِرْيَةَ فيه أنَّ الأشعريةَ يعتقدونَ أنَّ القرآنَ العربيَّ مخلوقٌ، وهذا عَيْنُ قَوْلِ المُعْتزلةِ الجَهميةِ.
شبهة:
ومَعَ التَّحقيقِ الذي ذكَرْنا في اعتقادِهم، فإنِّهم نَصُّوا على أنَّ القرآنَ الذي نتلوهُ كلامُ الله، متلوٌّ بألْسِنَتِنا على الحَقيقةِ، مَكتوبٌ في مصاحِفنا على الحَقيقةِ، محفوظٌ في صدورِنا على الحقيقةِ، مسموعٌ بأسماعِنا على الحقيقةِ.
وهذه شُبْهَةٌ التبسَت حقيقتُها على كثيرٍ من النَّاس، وخاصَّةً من بعض إخوانِنا السَّلَفيينَ، فإنَّهم لمَّا رَأوْا ذلك في "الإِبانة" للأَشْعَريّ، وغيره من أتباعهِ، حَسِبوها موافقةً منهم لاعتقادِ أهْلِ السُّنَّة.
وليسَ الأمْرُ كذلك، فإنَّ القومَ حين فصَّلوا اعتقادهم بانَ حقيقةُ المعنى الذي أرادوا وراءَ هذه الألفاظِ المُجْمَلةِ، بل إنَّهم فسَّروها في غَيْرِ مَوْضع.
قالَ أبو القاسم القشيريُّ -وهو من كِبار مُحقِّقيهم- في "شكاية أهل السُّنَّة" وهو يذبُّ عن الأشْعَريّ: "بل القرآنُ مكتوبٌ في المُصْحَفِ على الحَقيقةِ، والقرآنُ كلامُ الله، وهو قَديمٌ غيرُ مَخْلوقٍ، لم يَزَلْ الله به متكلِّمًا، ولا يزالُ به قائلًا، ولا يجوزُ انفصالُ القرآنِ عن ذاتِ القَديمِ سُبْحانه، ولا الحُلولُ في المَحالِّ، وكَوْنُ الكَلامِ مكتوبًا على الحَقيقة في أبْوابٍ لا يَقْتَضي حُلولَه فيه، ولا انفصالَه عنَ ذاتِ المُتكلِّم، قال الله تعالى: {النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ} [الأعراف:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 403)
157] فالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم على الحَقيقةِ مكتوبٌ في التَّوْراةِ، فكذلك القرآنُ على الحَقيقةِ مكتوبٌ في المصاحفِ، مَحْفوظٌ في قلوبِ المؤمنين، مَقروءٌ متلوٌّ على الحَقيقةِ بألسنةِ القارئينَ من المُسْلمينَ، كما أنَّ الله على الحقيقةِ لا على المَجاز مَعْبودٌ في مساجِدنا، معلومٌ في قلوبِنا، مذكورٌ بألْسِنَتِنا" (72).
قلتُ: فأفصَح بالمثَل الذي ضَرَبه عن حقيقةِ هذه المَقالةِ، فإنَّ الذي في التَّوْراةِ هو ذكْرُ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، لا عَيْنُه، وهذا مِمَّا لا يَشُكُّ فيه أحَدٌ، فالمكتوبُ على الحقيقةِ في التَّوراةِ هو ذكْرُهُ صلى الله عليه وسلم، كما أنَّ المذكورَ بالألسنةِ على الحَقيقةِ هو اسْمُه تعالى، فليسَ مُرادُ القَوْمِ أنَّ القرآنَ الذي هو كلامُ الله عندَهم لا النَّظم العَربيّ مكتوبٌ في المصاحِف على الحَقيقةِ، بمَعنى أنَّ عَيْنَ كلامِ الله تعالى مكتوبٌ في المَصاحِفِ، أو عَيْنَ كلامهِ مَحْفوظٌ في الصُّدورِ، أو عَيْنَ كلامهِ مسموعٌ بالآذانِ، وإنَّما كتابةُ ذلك وقراءتُهُ وتلاوتُهُ، وهذه جَميعًا مَعاني مخلوقةٌ عندهم، إذ هي العِباراتُ عن الكلامِ القَديم.
وأفْصَحَ عن ذلك ابنُ فَوْرَك، فقال: "كلامُ الله تعالى مَحْفوظٌ في القلوب، متلوٌّ بالألسنةِ، مكتوبٌ في المصاحِفِ، كما أنَّ الله جلَّ ذكرُه مذكورٌ بالألسنةِ، معبودٌ بالجَوارح، ولا يَجوزُ أنْ يكونَ في شَيْءٍ من ذلك حالًّا، ومثلُ هذا قولُهُ تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 93] والمُرادُ حُبُّ العِجْل، لأنَّ العِجْل لم يَحُلّ في قلوبهم، واعلم أنَّا لا نأبى أنَّ كلام الله تعالى مَحْفوظٌ على الحَقيقةِ بحِفْظٍ في القلوب، مَكتوبٌ على الحَقيقةِ في المَصاحف كتابةً حالّةً فيها، متلوٌّ بالألسنةِ بتِلاوةٍ فيها، مسموعٌ--------------------------------------------
(72) "شكاية أهل السنَّة" ص: 40.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 404)
في الأسماعِ، غيرُ حالٍّ في شَيْءٍ مِنْ هذه المخلوقات، ولا نُجاوِز" (73).
وقالَ عبدُ القاهر: "ونقولُ: كلامُ الله في المُصْحَفِ مكتوبٌ، وفي القَلْبِ مَحْفوظٌ، وباللِّسانِ مَتلوٌّ، ولا يقال: إنه في المَصاحفِ مُطْلقًا، ولا نقولُ على الإِطلاق: إنَّ كلامَ الله سُبْحانَه في مَحَلٍّ، ولكن نقولُ على التَّقييدِ: إنَّه مكتوبٌ في المَصاحفِ" (74).
فهذا صَريحٌ منهم أنَّ ما بين الدَّفَّتَيْن كتابةُ كلام الله التي هيَ الألفاظُ العربيةُ، لا كلامُ الله، وما قد شرَحناه عنهم فيما مضى كافٍ في توضيح هذا المُرادِ، ورَفْع الإِشكال الوارد بسَبَبهِ.
وقد ذكرَ شيخُ الإِسلام أنَّهم غَلَطوا في التَّمْثيلِ الذي ذكَروهُ غَلَطَيْنِ: غَلَطًا في تَصْويرِ مَذْهَبِهم، وغَلَطًا في الشَّريعةِ.
قالَ رحمه الله: "أمَّا الغَلَطُ في تَصْوير مذْهَبِهم، فكانَ الواجبُ أنْ يقولوا: إنَّ القرآنَ في المُصْحَفِ مثْل ما إنَّ العلمَ والمَعانيَ في الوَرَق، فكما يُقال: العِلْمُ في هذا الكتابِ، يقال: الكلامُ في هذا الكتابِ، لأنَّ الكلامَ عندَهم هو المعنى القائمُ بالذَّاتِ، فيصوَّر له المَثَلُ بالعِلْم الَقائم بالذَّاتِ، لا بالذاتِ نفسِها.
وأمَّا الغَلَطُ في الشَّريعة، فيقال لهم: إنَّ القرآنَ في المصاحفِ مِثْلما أنَّ اسمَ الله في المَصاحف، فإنَّ القُرآنَ كلامٌ، فهو محفوظٌ بالقُلوبِ، كما يُحْفظ الكلامُ بالقلوبِ، وهو مذكورٌ بالألسنةِ كما يُذْكَرُ الكلامُ بالألسنَةِ، وهو--------------------------------------------
(73) "مشكل الحديث" ص: 130.
(74) "أصول الدين" ص: 108.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 405)
مكتوبٌ في المَصَاحفِ والأَوْراقِ، كما أنَّ الكلامَ يُكْتَبُ في المَصاحفِ والأوْراقِ، والكلامُ الذي هو اللفظُ يُطابِقُ المَعنى ويدلُّ عليه، والمَعنى يُطابِقُ الحَقائقَ المَوْجودةَ.
فمَنْ قالَ: إنَّ القرآنَ مَحْفوظٌ كما أنَّ الله معلومٌ، وهو متلوٌّ كما أنَّ الله مذكورٌ، ومكتوبٌ كما أنَّ الرسولَ مكتوبٌ، فقد أخْطأ القياسَ والتَّمْثيلَ بِدَرَجَتَيْن، فإنَّه جعَلَ وجودَ المَوجوداتِ القائمةِ بأنْفُسِها بمنزلةِ وجودِ العبارةِ الدالَّة على المعنى المُطابقِ لها، والمُسلمونَ يعلَمونَ الفرقَ بين قولِهِ تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} [الواقعة: 77 - 78] وبينَ قولِهِ تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ} [الشعراء: 196] فإنَّ القرآنَ لم يَنْزِلْ على أحَدٍ قَبْلَ مُحمَّدٍ لا لفظُه ولا جَميعُ مَعانيهِ، ولكنْ أنْزَلَ الله ذِكْرَه، والخبرَ عنهُ، كما أنزَلَ ذِكرَ محمَّدٍ والخبرَ عنه.
فذكْرُ القرآنِ في زُبُر الأوَّلينَ كما أنَّ ذكرَ محمَّدٍ في زُبُر الأوَّلين، وهو مكتوبٌ عندَهم في التَّوْراة والإِنْجيل، فالله ورسولُهُ معلومٌ بالقُلوبِ، مَذكورٌ بالألسُنِ، مكتوبٌ في المُصْحَف، كما أنَّ القرآنَ معلومٌ لمَنْ قبلَنَا، مذكورٌ لهم، مكتوبٌ عندَهم، وإنَّما ذاكَ ذكرُهُ والخبرُ عنه، وأمَّا نحنُ فنفسُ القرآن أنْزِلَ إلَيْنا، ونفسُ القرآنِ مكتوبٌ في مَصاحِفنا، كمَا أنَّ نفس القرآنِ في الكتابِ المَكْنونِ، وهو في الصُّحُفِ المُطهَّرةِ.
ولهذا يجِبُ الفَرْقُ بين قولِهِ تعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} [القمر: 52] وبين قولهِ تعالى: {وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ} [الطور: 2 - 3] فإنَّ الأعمالَ في الزُّبُر كالرَّسولِ وكالقُرآنِ في زُبُرِ الأوَّلينَ، وأمَّا الكتابُ المَسطورُ في الرَّقِّ المَنْشور، فهو كما يُكْتَبُ الكَلام نفسُه [في]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 406)
الصَّحيفة، فأيْنَ هذا مِن هذا؟ " (75).
قلتُ: فتأمَّل -أرشَدَك الله- مَدى تناقُض القَوْم المتَبجّحينَ بمعرفةِ المَعقولِ، المُجانبين لِما جاءَ به الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم.
تنبيه:
تَرى في بعضِ نُصوصِ الأشعريةِ المَذكورة قَريبًا وغَيرِها، تَنْزيههم القرآنَ الذي هو كلامُ الله عن الحُلولِ في المُصْحَف، ولو طلبْتَ تفسيرَ الحُلولِ في كَلامهم وجَدْتهم يريدونَ تنزيهَ كلامِ الله تعالى الذي هو صفتهُ عن الكَوْنِ في الورَق، لأنَّ هذا بزَعْمِهم بَيْنونَةٌ للصِّفَة عن المَوْصوفِ ومُفارَقةٌ له، فيَرَوْن أنَّهم إنْ أقرّوا بأنَّ كلامَ الله على الحقيقةِ في المُصْحَف أبَطلوا أنْ تكونَ لله تعالى صفةُ الكَلام، لأنَّ كلامَهُ حينئذٍ يَنْتَقِلُ ويَحُلُّ في الوَرَق.
وهذا منهم جَهْلٌ بحقيقةِ الأمْرِ، فإنَّ نقلَ الكلام ليسَ كنَقْل الحَجَر والصَّخْر، فنقلُ الحَجَر والصَّخْر يزيلُهُ عن مَوْضعهِ إلى المَوْضِع الذي نُقِلَ إليه، بخلافِ الكَلام، فهذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كان يُحَدِّثُ أصحابَه بالسُّنَن والشَّرائع، وأصحابُهُ يَحْفَظونَ ذلك وينقلونه عنه، فهَل ما علَّمهم من قوله صلى الله عليه وسلم وَحَفِظُوُهُ زالَ عنه وفارقَه؟ لا يَعْقِلُ هذا عاقلٌ، وإلَّا كانَ ما يتكلَّمُ به المتكلِّم لا يَقْدِرُ أن يتكلَّمَ به أكثر مِن مَرَّة، وإن قُلْنا: فارَقَتْه صفةُ الكَلام وانتقلَتْ إلى غيرهِ بسمَاع ذلك الغَيْر هذا الكلامِ وحِفْظِهِ له، لَما صَحَّ أن يبقى وصفُ الكلام لازمًا له، ولعادَ أبْكَمَ بعدَ تكلُّمِهِ مرَّةً، وهذا غيرُ مَعقولٍ ولا مُتَصَوَّر.--------------------------------------------
(75) "مجموع الفتاوى" 12/ 383 - 385 وانظر ص: 386 و 565.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 407)
ولو صَحَّ ما قالوهُ -أيضاً- لَما صحَّت إضافةُ الكَلام إلى مَن قاله إبتداءً، فالحَديث -مثلاً- سَمِعَه أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه من النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، يُضافُ على قَوْلِ هؤلاء إلى أبي هُرَيْرَةَ لا إلى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، لأنه فارقَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بتكلّمهِ به وحَلَّ في أبي هُرَيْرَةَ فصار قَوْلاً لأبي هُرَيْرةَ، وهذا المعنى زَيْغٌ وضَلالٌ ومُجانَبةٌ للفَهم السَّليم، وبُعْدٌ عن الصَّراطِ المُستقيم.
قال شيخ الإِسلام: "ولهذا يقالُ: فلانٌ يَنْقل علمَ فلان، ويَنقلُ كلامَه، ويُقالُ: العلمُ الذي كان عندَ فُلان صارَ إلى فلانٍ، وأمثالُ ذلك، كما يُقالُ: نقلتُ ما في الكتاب، ونسَخْتُ ما في الكتابِ، أو نقلتُ الكتابَ أو نسَختُه، وهم لا يُريدون أَنَّ نفسَ الحروف التي في الكتاب الأوَّلِ عُدِمَت منه، وحلَّتْ في الثاني، بل لَمَّا كانَ المقصودُ من نسخ الكتابِ من الكتُب ونَقْلِها من جنْس نقْل العِلْم والكلام، وذلك يَحْصُلُ بأن يُجعَلَ في الثاني مِثْلُ ما في الأوَّل، فيبقى المقصودُ بالأوَّلِ مَنْقولاً مَنسوخاً، وإنْ كانَ لم يتغيَّر الأوَّلُ؛ بخلافِ نَقْلِ الأجْسام وتَوابِعها، فإنَّ ذلكَ إذا نُقِلَ من مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ زالَ عن الأوَّل" (76).
فهذا النَّظْمُ العَربيُّ مكتوبٌ فيما لا يُحصى من المَصاحفِ، ويحفظُه مَن لا يُحصيهم إلَاّ الله من الخَلائق، وهو نفسهُ الذي سَمِعَه الصَّحابةُ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، قرآنٌ واحدٌ كما أنْزِلَ بسُوَرهِ وآياتهِ وحروفهِ وكلماتهِ، وهو نفسُهُ الَّذي في اللَّوْحِ المَحفوظِ، وهو نفسُهُ الذي تكلَّمَ الله تعالى به.
قالَ شيخ الإِسلام: "بَلْ إذا قَرَأهُ الناسُ، أو كَتَبوهُ في المَصاحفِ،--------------------------------------------
(76) "مجموع الفتاوي" 12/ 288 - 289.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 408)
لم يخرُجْ بذلكَ عن أنْ يكونَ كلامَ الله تعالى حقيقةً، فإنَّ الكلام إنَّما يُضافُ إلى مَن قالَه مبتدئاً، لا إلى مَن قالَهُ مُبَلَّغاً مُؤدَّياً، وهو كلامُ الله: حروفهُ ومعانيه، ليسَ كلامُ الله الحُروفَ دونَ المَعاني، ولا المَعانيَ دونَ الحُروفِ" (77).
وقال الإِمام ابنُ قُتَيْبة: "والقرآنُ لا يقومُ بنفسهِ وحدَه، وإنَّما يقومُ بواحدةٍ من أرْبَع: كتابةٍ، أو قراءةٍ، أو حفظٍ، أو استماعٍ، فهو بالعَمَل في الكتابةِ قائمً، والعَملُ خَطٌّ وهو مَخلوقٌ، والمَكتوبُ قرآنٌ وهو غيرُ مَخلوقٍ، وهو بالعَمَل في القراءةِ قائمٌ، والعَمَلُ تَحريكٌ للًّسانِ واللَّهواتِ بالقرآنِ وهو مخلوقٌ، والمَقروءُ قُرآنً وهو غيرُ مخلوقٍ، وهو بحِفْظِ القَلْب قائمٌ، والحِفْظُ عَمَلٌ وهو مخلوقٌ، والمَحفوظُ قرآنٌ وهو غيرُ مَخلوقٍ، وهو بالاستماعِ قائِمٌ في السَّمْعِ، والاستماعُ عَمَلٌ وهو مَخلوقٌ، والمَسموعُ قرآنٌ وهو غيرُ مخلوقٍ" (78).
وقال الحافظُ الذَّهَبيُّ: "إنَّك تَنْقلُ من المصْحَفِ مئةَ مصحَفٍ، وذاك الأوَّلُ لا يتحوَّلُ في نفسهِ ولا يتغيَّرُ، وتُلَقِّنُ القرآنَ ألفَ نفْسٍ، وما في صَدْرِكَ باقٍ بهَيئتِهِ لا يقصلُ عنكَ ولا يغيّرُ، وذاك لأنَّ المَكتوبَ واحدٌ، والكِتابةَ تعدَّدتْ، والذي في صَدْرِكَ واحدٌ وما في صُدورِ المقرئينَ هو عيْنُ ما في صَدْرِك سواءٌ، والمتلوُّ وإنْ تعدَّدَ التالونَ به واحدٌ، مَعَ كونهِ سوراً وآياتٍ وأجزاءً متعدَّدةٌ، وهو كلامُ الله ووحيُه وتنزيلُه وإنشاؤُهُ، ليسَ هُوَ بكلامِنا أصْلاً، نَعَمْ، وتكلُّمنا بهِ وتلاوتُنا له وَنُطْقُنا به مِن أفعالِنا، وكذلكَ كتابَتُنا لَهُ--------------------------------------------
(77) "الواسطية" - "مجموع الفتاوى" 3/ 144.
(78) "الاختلاف في اللفظ" ص: 248 - 249 - "عقائد السلف".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 409)
وأصواتُنا بهِ من أفْعالِنا، قالَ الله عز وجل: {واللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] … " (79).
وقال: "فالمُقرىءُ يُلَقِّنُ الختمةَ مئةَ نَفْسٍ ومِئَتَيْن فَيَحْفَظُونَه، وهو لا يَنْفصِلُ عنه منه شَيْءٌ، كسِراجٍ أوقدتَ منه سُرُجاً ولم يتغيَّر" (80).
وذكَرَ شيخُ الإِسلام رحمه الله اعتقادهم هذا الذي ذكَرْنا، وقال: "بَل كلامُ المخلوقينَ يُكْتَبُ في الأَّوراقِ وهو لم يُفارِقْ ذواتهم، فكيفَ لا يُعْقَل مثلُ هذا في كلام الله تعالى" (81).
فتفسيرُ القوْم للحُلولِ في المصْحَف على ما ذكَرْنا وإنكارُهم له باطلٌ، مَبْنيٌّ على أصلهم في نَفْي أنْ يكونَ ما بَيْنَ دَفَّتَي المصْحَف كلامَ الله على الحقيقةِ، لأنَّ هذا محصورٌ محدودٌ، وكلامَ الله لا نهايةَ له، وهو معنى واحدٌ، وهذا تلبيسٌ قد كشَفناه بفَضْل الله تعالى ومنّته.
وأمَّا إطلاقُ اللَّفْظ: إنَّ كلام الله حالٌّ في المُصْحف، فليسَ مِمَّا جَرَتْ به ألسنةُ السَّلَفِ والأئمَّةِ، وإنْ كانَ قد ذكره بعضُ المُتأخِّرينَ من أهل السُّنَّةِ، إلَاّ أنَّ مذهب السَّلَف أولي بالاتّباعِ، وإنَّه يُخْشَى مِن الإِطلاقِ ورودُ معاني باطلةٍ، وإنَّما يُكْتفى بالقَوْلِ: إنَّ ما بينَ دَفَّتَي المُصْحفِ كلامُ الله بحُروفهِ ومَعانيهِ، منه بدأ وإليه يعودُ، وهو صِفَتُه، غيرُ بائنٍ منه.
قالَ ابنُ قُتَيْبَة رحمه الله: "ولَسْنا نشُكُّ في أنَّ القرآنَ في--------------------------------------------
(79) " العلوّ" ص: 141.
(80) "العلوّ" ص: 124.
(81) "مجموع الفتاوى" 12/ 276.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 410)