Arabic source text

📘 আল-আকীদাতুস সালাফিয়্যাহ ফী কালামি রাব্বিল বারিয়্যাহ ওয়া কাশফি আবাতীলিল মুবতাদিআতিল রাদিইয়্যাহ (আবদুল্লাহ আল-জুদাই)

📘 العقيدة السلفية فى كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية (عبد الله الجديع)

📘 আল-আকীদাতুস সালাফিয়্যাহ ফী কালামি রাব্বিল বারিয়্যাহ ওয়া কাশফি আবাতীলিল মুবতাদিআতিল রাদিইয়্যাহ (আবদুল্লাহ আল-জুদাই)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
سَبيلٍ إلى ثالثٍ، فمَن لم يتَّبعِ الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم؛ فلا بُدَّ أنْ يَتَّبعَ الهَوى، وقدْ قال الله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26].
فاتِّباعُ مَحْضِ العُقولِ دونَ ما جاءَ به الرَّسولُ اتِّباعٌ للهَوى، وعُدُولٌ عنِ الصِّراط المُستقيم.
قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].
فالصِّراطُ المستقيمُ واحدٌ، والحَيْدُ عنه يكونُ إلى سُبُلٍ متشعِّبةٍ، ولقَدْ صوَّر ذلكَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أحسَنَ تصويرٍ بأحْسَنِ عِبَارةٍ؛ فعن عبد الله بن مَسعودٍ رضي الله عنه قال: خَطَّ لَنا رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خطّاً، ثُمَّ قالَ: "هذا سبيلُ الله". ثمَّ خَطَّ خُطوطاً عن يَمينهِ وعن شِمالِه، ثمَّ قال: "هذه سُبُلٌ مُتفرِّقةً، على كلِّ سَبيلٍ منها شيطانٌ يَدْعو إليه". ثُمَّ قرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (3).--------------------------------------------
(3) حديث صحيح.
أخرجه الطيالسي رقم (244) وأحمد رقم (4142، 4437) والنسائي في "الكبرى"- كما في "تحفة الأشراف" 7/ 49 - والدارمي رقم (208) وابن أبي عاصم في "السنة" رقم (17) وابن نصر في "السنة" ص: 5 والبزار رقم (2210 - كشف الأستار) وابن حبان رقم (1741، 1742 - موارد) وابن وضاح في "البدع" ص: 31 والحاكم 2/ 318 وابن الطبري في "السنة"رقم (92 - 94) والبغوي في "شرح السنة" 1/ 196 من طرق عن عاصم بن أبي النُّجود عن أبي وائل عن عبد الله به.
وقال الحاكم "حديث صحيح الإسناد".
قلت: إسناده جيد.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)

ولقد كانتْ هذِهِ الأمَّةُ مرحومةً في أوَّلِ عَهدِها، جَمَعَها الله على الهُدى، وألَّفَ بين قُلوبِ أفرادِها، وحَماها من الهَوى، حيثُ استقامَت على طاعةِ الله ورسولِهِ صلى الله عليه وسلم، أولئكَ أصحابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، لمْ يكونوا يَعْرِفُونَ غيرَ اتِّباعهِ وتَوْقيرهِ واتِّباع النُّور الَّذي أنْزلَ معَهُ، مُستسلمينَ لِما جاءَ به من الحقّ، لم يكنْ لهم قوْلٌ معَ قولِهِ، ولا اعتراضٌ على حكْمهِ.
وصَدَق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين قالَ: "إنَّ الله نَظَرَ في قلوبِ العِبادِ، فوجَدَ قلبَ محمّدٍ صلى الله عليه وسلم خيرَ قلوبِ العبادِ، فاصْطَفاه لِنَفْسِهِ، فابتعثَهُ برسالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ في قُلوبِ العبادِ بَعد قَلْبِ محمّدٍ، فوَجَدَ قلوبَ أصحابِهِ خيرَ قلوبِ العبادِ، فجعَلهمَ وُزراءَ نبيِّهِ، يقاتِلَونَ على دينِهِ، فما رَأى--------------------------------------------
= وقد رواه أبو بكر بن عياش على هذا الوجه عن عاصم عند غير واحد ممَّن ذكرت، ورواه عن عاصم عن زر عن عبد الله، أخرجه النسائي في "الكبرى" - كما في "تحفة الأشراف" 7/ 25 - وابن نصر ص: 5 والحاكم 2/ 239.
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وإني أحسبه خطأ من أبي بكر بن عياش، ففد تابَعَ عاصمًا عليه الأعمش فرواه عن أبي وائل عن عبد الله.
أخرجه البزار رقم (2211 - كشف الأستار) وسنده صحيح.
ورواه الربيع بن خثيم عن عبد الله، أخرجه البزار رقم (2212) بسند صحيح. وله شاهد من حديث جابر بن عبد الله.
أخرجه أحمد 3/ 397 وابن ماجة رقم (11) وابن أبي عاصم رقم (16) وابن نصر ص: 5، 6 وابن الطبري رقم (95) وإسماعيل بن الفضل الأصبهاني في "الحجة" ق 75/ أمن طريق مجالد عن الشعبي عن جابر به نحو مرفوعًا.
قلت: وإسناده لين، لضعف في مجالد.
قال الحكم: "وشاهده لفظًا واحدًا حديث الشعبي عن جابر من وجه غير متعمد".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)

المسلمون حَسَنًا؛ فهو عندَ الله حَسَنٌ، وما رَأوْا سيئًا؛ فهو عند الله سيّئٌ" (4).
فَخَلَفَ من بَعْدِهم خَلْفٌ لم يَقْنَعوا بوَحْي الله وتشريعِه، ورَأوْا هناكَ حاجةً إلى التَّصحيحِ والزِّياةِ والحَذْفِ، فأعْمَلوا العقولَ في الوَحي المَعصوم، واستدْرَكوا على أحكام الحيِّ القيّوم، ففرَّقوا دينَهم وكانوا شِيَعًا، فتشعَّبَتِ السُّبُلُ بالناس، ووقع ما كانَ يخشاهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على أمتهِ من أئمَّةِ الضَّلالةِ:
كما قالَ: "إنَّما أخافُ على أمَّتي الأئمةَ المُضِلِّين" (5).--------------------------------------------
(4) أثر جيد الإسناد.
أخرجه أحمد رقم (3600) والبزار رقم (130 - كشف الأستار والطبراني في "الكبير" 9/ 118 من طريق أبي بكر بن عياش حدثنا عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود به.
قلت؛ وهذا إسناد جيد، وعاصم هو ابن بهدلة.
ورواه الطيالسي رقم (246) والطبراني 9/ 118 عن المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله والأوَّل أصحّ، فإن المسعوديَّ اختلط، وروى عنه هذا الحديث الطَّيالِسيُّ وعاصم بن علي، وقد أخذا عنه بعدما اختلط.
للحديث إسناد آخر عن ابن مسعود.
أخرجه الطبراني 9/ 121 من طريق الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله، وإسناده حسن.
وإسناد ثالث عن عبد الله أيضًا.
أخرجه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" 1/ 167 من طريق الأعمش عن مالك ابن الحارث عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله بآخره.
(5) حديث صحيح.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)

وكَما قال: "إنَّ مِمَّا أخشى عليكم شهَواتِ الغَيِّ في بُطونِكم وفُروجِكم ومُضلَّاتِ الهوى" (6).
فوقَعَ الاختلافُ، وعظُمَ في الأمَّةِ، فأعْرَضَ أكثرُها عن الكتابِ، وضَرَبَ آخرونَ آياتِهِ ببعْضِها، وجادَلوا بالباطِل ليُدْحِضوا به الحقَّ، وزيَّنَ ذلكَ إبليسُ في أعيُنِهم فرَأوْه حَسَنًا، وحسِبوُه عَيْنَ العَقْلِ والاستقامةِ.
ولقَدْ أخبرَ المعصومُ صلى الله عليه وسلم عمَّا تؤولُ إليه حالُ الأمَّةِ من بعدِه، ودلَّ على ما فيهِ النَّجاةُ والسَّلامةُ:
فعَن العرباض بن ساريةَ رضي الله عنه؛ قال: صلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصُّبحَ ذاتَ يوم، ثمَّ أقبلَ علينا، فوعَظَنا مَوْعظةً بليغة؛ ذَرَفَتْ منها العُيونُ، وَوَجِلَتْ منها القُلوبُ، فقال قائلٌ: يا رَسولَ الله! كأنَّ هذه مَوْعظةُ مُوَدِّعٍ؛ فماذا تعهَد إلينا؟ فقال: "أوصيكُمْ بِتَقْوى الله، والسَّمْعِ والطَّاعةِ،--------------------------------------------
= أخرجه أحمد 5/ 278، 284 وأبو داود رقم (4252) والترمذي رقم (2229) والدارمي رقم (215، 2755) من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قِلابة عن أبي أسماء عن ثوبان به مرفوعًا، وبعضهم يذكره ضمن حديث.
قلت: وإسناده صحيح، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
وله شواهد صالحة الأسانيد من حديث شداد بن أوس وعمر بن الخطاب وأبي ذر وأبي الدرداء …
(6) حديث صحيح.
أخرجه أحمد 4/ 420، 423 والبزار رقم (132 - كشف الأستار) وابن أبي عاصم رقم (14) والطبراني في "الصغير" رقم (511) وغيرهم من طريق أبي الأشهب عن أبي الحكم البُناني عن أبي بَرْزة الأسلمي مرفوعًا به.
قلت: وسنده صحيح.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)

وإن كانَ عبدًا حَبَشيًّا؛ فإنَّهُ مَن يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي؛ فسَيرَى اختلافًا كثيرًا؛ فعليكمْ بسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشدينَ المَهْديِّين؛ فتمسَّكوا بها، وعضّوا عليها بالنَّواجِذِ، وإيَّاكُمْ ومُحْدَثاتِ الأمورِ؛ فإنَّ كلَّ مُحْدَثةٍ بِدْعَةٌ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالةٌ" (7).
فأنبأ أنَّ أمَّتَهُ ستختلفُ من بعدهِ اختلافًا عَظيمًا، وما ذلك الاختلافُ إلَاّ بسَبَبِ ما يَدْخل علَيْها من البِدَع والأهواءِ.
وأنْبأ أنَّ المَخْرَجَ من ذلكَ الاعتصامُ بِسُنَّتهِ وسُنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ من بعدِه، ذلك لأنَّهم على الهُدى المُستقيم.
وحذَّرَ من سَبيلِ المُتفرِّقين المختلِفين أهْلِ الأهواءِ والبِدَع.
ولو كان هناكَ سبيلُ سَلامةٍ يُصارُ إليه غيرُ هذا الذي ذكَرَ؛ لدَلَّ عليه أمَّته، ولأرشَدَهم إليه؛ لِما وصفه الله تعالى به حيث قال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]، فكان في هذا حُجَّةٌ على أنَّ السَّلامةَ لا تكونُ إلَاّ باتِّباعِ السُّنَّة وسَبيلِ السَّلَف، وتَرْكِ البدَع وسُبُلِ الخَلَف.
وَلَقَدْ أنْبأنَا عن تَفَرُّق هذه الأمَّةِ من بعْدهِ، ودلَّ على طائفةِ أهْلِ الحَقِّ ليُحْتذى مِثالُها، فقالَ: "ألَا إنَّ مَنْ قبلَكُمْ من أهْلِ الكتابِ افْتَرقوا على ثنتين وسَبعين مِلَّة، وإنَّ هذهِ المِلَّةَ ستفترقُ على ثَلاثٍ وسَبعين، ثنتانِ وسبعونَ في النَّارِ، وواحدةٌ في الجَنًةِ، وهي الجَماعةُ، وإنّه سَيخرجُ مِنْ--------------------------------------------
(7) حديث صحيح جليل، أخرجه أحمد وأصحاب السنن إلَاّ النسائي، ولتفصيل تحقيقه موضع آخر.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)

أمَّتي أقْوامٌ تَجارى بهمْ تِلكَ الأهواءُ كما يَتجارى الكَلَبُ لصاحبهِ (أو: بصاحبهِ) لا يَبْقى منه عِرْقٌ ولا مَفْصِلٌ إلَاّ دَخَلَه" (8).
وإنَّمَا عَظُمَ شَرُّ هذه الطوائفِ بِسَبَبِ ما خرَجوا به عن الشَّريعةِ، من الخَوْضِ في آياتِ الله بغيْرِ الحقّ، والقَوْلِ على الله بِغيْرِ علْمٍ، وتحريفِ الكَلِم عن مَواضِعِه، ففارَقوا بذلكَ الكتابَ والسُّنَّة، وارْتَضَوا لأنفُسِهم مناهِجَ مِن وضْع عُقولِهم وإمْلاءِ أهْوائِهم، وعصَمَ الله طائفةَ أهلِ الحقِّ باتِّباع الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم وما جاءَ به وما كانَ عليه الجَماعَةُ أصحابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّهُمْ رَأوا ضَلَالَ سائِر الطَّوائفِ وخُروجَها عن مَنْهَجِ الصَّحابَةِ الكِرام الذين كانوا أعْلَمَ الأمَّةِ بما جاءَ به الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم، وأبعدَها عن مُحْدَثاتِ الأمورِ، فرفَعَ الله بهذِهِ الطائفة لِواءَ أهْل السُّنَّةِ والجَماعةِ، وَقَمَعَ بهم أهْلَ البِدَع، فأظْهروا دلائلَ الوَحْي الشَّريفِ، وأبانوا عنها بالفَهْمِ السَّديدِ، وصَوَّبوها سِهامًا على المُبْتَدِعَةِ في الأصولِ والفُروعِ، ولم يكن لهم أسوةٌ يأتَسون به إلَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا طائفةٌ ينْتَمونَ إليها إلَاّ أهْل السُّنَّة والجَماعةِ، ولا خُطَّةٌ يَنْتَهِجونها إلَاّ خُطَّة سَلَفِهم أصحاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، والتابعينَ لهم بإحسانٍ، فكانوا بهذا أقْوَمَ النَّاسِ سبيلًا، وأحْسَنَهم طَريقًا.
ولقدْ كانَ من أعْظَم ما حصَلَ فيه الاختلافُ ما أحْدثَتْهُ المُبْتَدعةُ من--------------------------------------------
(8) حديث صحيح.
أخرجه أحمد 4/ 102 وأبو داود رقم (4597) من حديث معاوية بن أبي سفيان مرفوعًا به، وسنده جيد.
وله شواهد عن عوف بن مالك وأبي هريرة وأنس وغيرهم، يصح بها الحديث.
وقوله "الكَلَب": داء يقع للإنسان يشبه الجنون، يكون بسبب عضّ الكَلْب الكَلِب.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)

الخَوْضِ في ذاتِ الله تعالى وأسْمائِهِ وَصِفاتِهِ، بل كانَ هذا أعْظَمَ ما وقَعَ من الفِتَنِ التي ابتُليت بها هذهِ الأمَّةُ، فحصَلَ إلحادُ طوائفَ في أسماءِ الله وصفاتهِ، وتكذيبٌ لِما جاءَ به الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم، ورَدٌّ للمَقطوع به من شَرائعِ المُرْسَلينَ، مما وقَعَ به شرٌّ عَظيمٌ، وفَسادٌ كبيرٌ.
وكانَ من أخَصّ تلكَ القضايا التي طارَ في الأمَّة شَرَرُها، وعَظُمَ في النَّاس خَطَرُها، ما أحْدَثَتْهُ الجَهميةُ -أضلّ الطوائفِ الخارجةِ عن أهْلِ الحق- من وصْفِ الباري تعالى بالنقائِص، وتعْطيلِ صفاتِ الكَمال التي أثْبَتَها لنفسهِ، وأثبَتَها له رسولُه صلى الله عليه وسلم، أشدّ ممَّا وقَعَ من اليهودِ والنَّصارى.
ومِن أبْرَزِ ذلكَ اعتقادُهم أن لا كلامَ لله على الحَقيقة، فسَوَّوْهُ بالأصنام التي لا تَرْجِعُ لعابِديها قَوْلًا، ولا تَمْلِكُ لهم ضَرًّا ولا نَفْعًا.
وأرادوا بذلك إبطالَ الرِّسالةِ؛ فإنَّ الرُّسُلَ إنَّما بُعثوا ليبلّغوا رسالاتِ الله؛ فحين ينتفي أن يكونَ لله كلامٌ؛ فقد انتفى أنْ يكونَ لَه وَحْيٌ؛ لأنَّ الذي يُوحى إنَّما هو كلامُه وتشريعُه، وإذا انتفى أنْ يكونَ لَه وَحْيٌ؛ فالرَّسول رسولُ مَن؟ وما يوحى إليه وحْيُ مَن؟
فلِعِظَم الخُطورةِ بسبَب هذه القضيَّة، خاصَّةً وأنَّ البدعَ فيها تشعَّبت وكَثُرت، ودينُ الإِسلام يقومُ على صِحَّة الاعتقادِ فيها، رأيتُ لذلكَ تناوُلَها بالخُصوصِ من بين سائر مَسائل الاعتقاد في هذا الكتاب.
وأكَّدَ ذلك عندِي ما دَخَلَ الأمَّة -بسبَب تلبيس أهل البِدَع- من تَهوين شأْن لهذه القضيَّةِ الخطيرة، بل وإهمالِها، مَعَ أنَّ للبدْعَة رؤوسًا لا زِلْنا نَراهم يُشيعون ما يُضادُّ الاعتقادَ الصَّحيحَ وينشرونَه، ويَدْعونَ إليه في أكثرِ بلادِ المُسلمينَ، ونَرى أكثرَ إخوانِنا الدُّعاةِ في العالَم الإِسلامِيّ لم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)

يستوعِبوا خُطورةَ هذا الأمْرِ، فَهُمْ يُهوِّنونَ من شأْنِ أهل البدَع، وربَّما اعتذَروا عنهم، وربَّما حَسِبَ بعضُهم هذه القَضايا ثانويةً، بل ربَّما حَسِبَ آخرونَ أنَّها ليستْ من أساسياتِ الدِّين، وآخرون ظنُّوا أنَّ هذه القضيَّة، بل عُموم ما يتعلَّق بأسماءِ الله وصفاتِهِ لم تَعُدْ من المَسائل ذاتِ الخُطورة، وفي الواقع هناك مسائل أولى بالاعتناء بها منها، ورُبَّما قالَ البعضُ: لقد ذهبَ عهدُ المعتزلةِ والفتنةِ التي لَقِيَها الإِمامُ أحمد، والمُسلمونَ الآن يتعرَّضونَ لأنْواع أخْرى من الفِتَن … إلى غير ذلك مما يُشْبِهُ هذا من التلبيسات التي يُلْقِيها الشَّيْطانُ على ألْسنةِ هؤلاء.
وغفلوا عن كونِ مَعْرِفَةِ ما يتعلَّقُ بأسْماءِ الله تعالى وصفاتهِ من الأصولِ التي بعثَ الله بها رسُلَه، وأنْزَلَ بها كُتُبَه، والفِتَنُ التي حَصَلَتْ بسَبب أهْل البِدَع لم تُحْدِثْ هذا النَّوْعَ من الاعتقادِ، وإنَّما نبَّهتْ أهْلَ الحَقِّ واستنْفَرَتْهُمْ لمُواجَهةِ الباطل، فقابَلوهم بحُجَج الكتاب والسُّنَّةِ، لا بالآراء المُحْدَثَةِ، والمَعقولاتِ الفاسدةِ؛ فإنَّ الأدلَّةَ على اعتقادِهم من كتابِ الله وسُنَّةِ نَبِيّه صلى الله عليه وسلم كانت موجودةً قبلَ وجودهم لإِثباتِ اعتقادِهم، ولَمْ يكن لأهلِ السُّنَّةِ أَتْباعِ السَّلَفِ أنْ يَبْتدعوا أصولًا لم يَرِدْ بها كتابٌ ولا سُنَّةٌ، ولو كانوا كذلك، فبأيِّ شَيْءٍ إذاً فارقوا مَنْ سِواهم من الطوائِف؟
وإني قائلٌ لهؤلاء: أيّ شَيْءٍ يكون هذا الَّذي رأيتُم تقديمَ الاشتغالِ به على اشتغالِكم بمَعْرِفةِ أصْل الأصول، وهو معرفةُ الربّ تعالى، الأساسُ الَّذي يرتبط به قبولُ كل عمَل، وعليه تنبني سَلامةُ الدّين؟ صَحَّحوا الأصولَ ثم انتقلوا إلى الفروع.
واعلَمْ أنَّ السَّبَبَ الأعظمَ في وقوعِ مثلِ ذلك هو الجهلُ باعتقاد

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)

السَّلَف، وأن لهؤلاء -أو كثيرًا منهم- لَمَّا رأوا كتب الأشعريةِ والماتُريدية ومِن قبلهم المعتزلة، وما طَفَحَت به من الطرقِ الكلاميةِ والمناهجِ الفلسفيةِ لِإثبات اعتقاداتهم؛ ظنُّوا هذا اعتقادَ أهل السُّنَّة، وأكَّدَ ذلك أنَّهم يرَوْنَ هذه الطَّوائفَ ينتسبُ أصحابُها إلى السُّنَّة، خاصَّةً الأشعرية والماتُريدية، ويذكرونَ اعتقاداتِهم على أنَّها إعتقاداتُ أهل السُّنَّة، وكذا حينَ رأوا وقوعَ طائفةٍ من الفُضلاءِ في مُوافقةِ تلكَ الاعتقاداتِ؛ قالوا: كيفَ يُمكنُ أنْ تكونَ هذه العقائدُ مُبتَدَعةً وهي عقائدُ هؤلاءِ الجِلَّةِ؟! غافلينَ عن الأصْلِ في ذلك: (الحقُّ لا يُعرَفُ بالرِّجالِ، اعْرِف الحقَّ تعرِفْ أهلَه).
فلهؤلاء نقولُ: ليسَ اعتقادُ السَّلَفِ والأئمَّةِ على ما ظننتُم، وليس لهؤلاء الذين ظننتُم هم أهلَ السُّنَّة أتباع السَّلف، وما في كُتبهم من الكَلام والجَدَلِ؛ فليس هو من طريقة السَّلف؛ فاحْذَروا أن تنقلبَ عليكم الحقائقُ فتظنُّوا الباطلَ حقًّا، والعلمُ اللازمُ للخلقِ مبسوطٌ في الكتابِ والسُّنَّة وكلام السَّلَفِ أحسنَ بَسْطٍ وأيْسَرَهُ، ولو أنَّكم تبيَّنتُم ذلكَ؛ وجدتموهُ؛ فليسَ من يقولُ: "نعتقدُ كذا ونُثبتُ كذا وننفي كذا لقولِ اللهِ ولقولِ نبيِّه صلى الله عليه وسلم"؛ كمَن يقول: "نعتقدُ كذا على اعتقادِ أبي الحَسَنِ الأشعري وأبي منصورٍ الماتُريدي"، أو فُلانٍ وفُلانٍ، فيفهَمُ الناسُ أنَّ اعتقادَهم هو الحقُّ، ومن ثَمَّ يُسمَّى أتباعُهم (أهل الحق) و (أهل السُّنَّة) وغير ذلك من الألقابِ والأوصافِ، فيكونُ الحقُّ عند العامَّةِ ما صَدَرَ عن طريقهم، وما عَداه فهو الباطلُ.
ولسنا نُطالبُكم إلّا بعَرْضِ عقائِدِ الطوائفِ على الكتاب والسُّنَّة والآثار الصَّحيحةِ عن السَّلَفِ، ومثلما تبيَّنتُم اعتقاداتِ الرافضةِ والخوارج

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)

ونحوهم، فتبيَّنوا جميعَ الاعتقاداتِ التي تُنْسَبُ إلى أشْخاص أو طوائف، حتى يحكمَ فيها الكتابُ والسُّنَّة على طريقةِ السَّلفِ من الصحابة وأتباعهم.
واعلَموا أنَّ كُلَّ لَقَبٍ أو وَصْفٍ لطائفةٍ أو جَماعةٍ لا يصحُّ أن يُقضى به على غيرِها حتى تَرِدَ به الشريعة، وإن كانَ التقليدُ مذمومًا في فروعِ المسائِل؛ فأحْرَى أنْ يُذَمَّ في أصولِها.
ولعلَّكَ بهذا تُدركُ ضَرورةَ الاجتهاد لمعرفةِ حقيقةِ المُعْتقد السَّلَفي، للتفريق بينه وبين اعتقاداتِ أصحابِ البِدَع.
ولعلَّه يحدو بكَ أكثر إلى طلب معرفة الاعتقادِ الصَّحيح ما يَشيعُ ويَنْتشرُ في بلادِ المسلمينَ مِنْ عَقائِد أهلِ الزّيغِ، الذين يتظاهَرون زورًا أو غفلةً بالانتسابِ إلى أهل السُّنَّةِ، وتُقَرِّرُ كتبهم لتُدَرَّسَ في مَعاهِد المُسلمين وجامعاتِهم على أنَّ ما فيها هو اعتقاد أهل السُّنَّة، كَما قد رأيْناه وجرَّبناهُ، فقَدْ كان مُقرَّرًا علينا في أوَّل أيام الطلب ونحنُ في مقتَبل العُمُر أنْ نَدْرُسَ "شرح العقائد النسفية" للسَّعْد التفتازاني، ولم نكن حينَها قد عرَفْنا عقيدةَ السَّلَف، ولكن الله تعالى مَنَّ علينا بشيخ فاضل هو شيخُنا أبو عُمَر عادل ابن كايد البصري رحمه الله (9)، فشرحَ لنا اعتقادَ السَّلَف، ونَبَّهَنا لِما كُنَّا--------------------------------------------
(9) كان رحمه الله تعالى أفضل شيوخنا، لَمْ أرَ فيهم مثله، سلفيًّا في الاعتقاد، نابذًا للتقليد، معظِّمًا لأئمة السُّنَّة، يقفو أثرَ شيخ الإِسلام ابن تيمية، وكان علاّمةً في الحديث والتفسير واللّغة، وعنه تلقّيْنا عِلمَ الحديث والعقيدة، وهو الذي حبّبَ الله إلينا علمَ السُّنَّة والحديث بسَببه، وقد نَفَعنا الله به كثيرًا، وكانت فيه بذاذةٌ وزهادةٌ، وصبرٌ على الشرح والإيضاح، توفي سنة (1405 هـ) رحمه الله، وأدخله الجنة ووقاه من النار بمنّه وكرمه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)

نواجههُ من عقائدِ الماتُريديَّة المُخالفة لاعتقادِ أهل السُّنَّةِ؛ فكيفَ يظنُّ أنْ يَنْشَأ الطَّلبةُ في جامعةٍ أو معهدٍ يَتَلقَّوْنَ الاعتقادَ فيه عن مبتدعٍ؟! فالله المستعانُ ولا حولَ ولا قوَّة إلَاّ بالله.
وكتابي هذا الذي بين يَدَيْكَ للتَّنبيه على خُطورَةِ البِدَع وأهلِها، والتَّبْصِير بالاعتقادِ السَّلفيّ الصَّحيح، على ما سَتراه مبسوطًا، إن شاء الله.
ومن أعْظَم ما حَدا بي لتأْليفهِ ما رأيتُه من كثيرٍ من إخْوانِنا من الحَيْرَة في شَأْنِ أهل البدع، خاصَّةً الأشعريةَ الذين ابتُلينا بهم في لهذا الزَّمان، يأْتي الواحدُ منهم في الجامعاتِ الإِسلاميةِ أو غيرِها متستِّرًا ببدعتهِ وضَلالَتهِ، فيُمَوِّهُ على الطلَبَة المتعلِّمينَ، بَلْ وعلى عامَّةِ المسلمينَ، ورُبَّما صَنَّفوا المصنَّفات، ونشروا الكتُبَ، وفي ثَناياها سُمومُهم التي تَفْتِك بالعقيدة السَّلَفيَّة فَتْكًا، وإخوانُنا في حَيْرَة: الأشعريةُ من أهْلِ السُّنَّة؟ أمْ من أهْلِ البِدْعَة؟ مغترِّينَ بما يُشوّشُ عليهم به كثيرٌ من الناسِ بأن في الأشعريةِ أئمَّةً؛ كفُلانٍ وفلانٍ، فكيفَ يصحُّ وصْفُهم بالبدعةِ؟!
سُبْحان الله! لقد كانَ الحارثُ المُحاسبيُّ مذكورًا بالعلْم والزُّهْدِ والعِبادة، ومعَ ذلك فقد تكلّمَ فيه إمامُ أهل السُّنَّة أحمد بن حنبل، ونفّرَ عنه، وحذَّرَ منه لبدعتهِ، وقد كشَفنا في كتابنا هذا عن عدّة أعيان كأبي بكر الباقلاني وغيره، صرَّحوا بما يُخْرِجُهم عن جُمْلَة أهل السُّنَّة، معَ ما عُرفوا به من العلْم والدّيانة، ولم يَزَلْ هَدْيُ سَلَفِنا في ذلك مشهورًا، وكلامُهم فيه مذكورًا، في التحذير من البِدَع وأهلها؛ صيانةً للعقيدة والشريعة.
ولقَدْ فرضَ الله تعالى العَدْلَ والإِنْصافَ، ومِنْ أعْظَم ذلك التفريقُ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)

بين أهْلِ البدْعةِ وأهْلِ السُّنَّة، لتُعْلَمَ طائفةُ أهْلِ الحقِّ فتتّبعَ، وتُحْذَرَ طوئفُ أهل اَلبدع فَتُجْتَنَب، والحقُّ لا مُحاباةَ فيه ولا مُجاراةَ لأحَدٍ أيًّا كانَ، وجَنابُ العَقيدة أغلى من كل جَناب؛ إذْ هو الذي بصَلاحهِ صَلاحُ الدُّنيا والآخِرَة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)

‌‌التنبيه على مسائل يحتاج إليها قبل الشروع في المقصود
•‌‌ المسألة الأولى:
من أصُولِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ: أنَّ العقلَ المجرَّدَ ليسَ له إثباتُ شَيْء من العقائِدِ والأحكام، وإنَّما مَرْجِعُ ذلك إلى السَّمعِ الذي هو المنقولُ عن الله تعالى ورسولِهِ صلى الله عليه وسلم، والعقلُ آلة الفهْم.
قال الإِمام أبو المظفّر السَّمْعانيُّ: "اعلَمْ أنَّ مَذْهَبَ أهْل السُّنَّةِ أنَّ العقلَ لا يوجِبٌ شيئاً على أحدٍ، ولا يرفعُ شيئاً عنه، ولا حَظَّ له في تحليلٍ أو تَحريمٍ، ولا تَحسينٍ ولا تَقبيحٍ، ولَوْ لم يَرِد السَّمْعُ ما وجبَ على أحَدٍ شَيْءٌ، ولا دخَلوا في ثَوابٍ ولا عِقابٍ" (10).
وقالَ: "أهلُ السُّنَّةِ قالوا: الأصْلُ في الدِّينِ الاتِّباعُ، والمَعْقولُ تَبَعٌ، ولو كانَ أسَاسُ الدِّينِ على المَعْقُولِ؛ لاسْتَغْنَى الخَلقُ عن الوَحْي وعن الأنبياءِ ولبَطَلَ معنى الأمرِ والنَّهيِ، ولقالَ مَنْ شاءَ ما شاءَ" (11).--------------------------------------------
(10) ذكره عنه تلميذه إسماعيل بن الفضل في "الحجة" ق 82/ ب.
(11) "الحجة" ق 85/ أ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)

واعْلَمْ أنَّ مِنَ السَّمْع ما هو معقولٌ يمكنُ للعباد أن يُحيطوا به عِلماً، ومنه ما ليس بمَعقول لا يمكنُهم أن يُحيطوا به عِلماً، والاتِّباع والتسليمُ في جميعهِ واجبٌ؛ لأنَّهُ العلْمُ الذي لا يَرِدُ عليه الباطلٌ، وليسَ للشيطانِ عليه من سَبيل.
عن عَبْد الله بن عَمْرو رضي الله عنهما؛ قال: لقد جلَسْتُ أنا وأخي مجلساً ما أحِبُّ أنَّ لي به حُمْرَ النَّعمِ، أقبلتُ أنا وأخي، وإذا مشيخَةٌ من صَحابةِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم جلوسٌ عند بابٍ من أبوابه، فكَرِهْنا أنْ نُفَرِّقَ بينَهم، فجلَسْنا حَجْرَةً؛ إذْ ذكَروا آيةً من القرآنِ، فتمارَوْا فيها، حتى ارتفعَتْ أصواتُهم، فخرجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مُغْضَباً، قدِ احمرَّ وَجْهُهُ، يَرْميهم بالتُّرابِ، ويقولُ: "مَهْلاً يا قوم! بهذا أهْلِكَتِ الأمَمُ من قَبْلِكم، باختِلافهم على أنْبيائِهم، وضَرْبِهم الكتُبَ بعضَها بِبَعْضٍ، إنَّ القرآنَ لَمْ يَنْزِلْ يُكَذِّب بعضُه بَعْضاً، بَلْ يُصَدِّقُ بعضُه بَعْضاً، فَما عَرَفْتُم منه؛ فاعمَلوا به، وَما جَهِلْتم منه؛ فرُدُّوهُ إلى عالِمِهِ" (12).
قال الإِمام أحمدُ: "ونردُّ القرآنَ إلى عالِمِه تبارك وتعالى، إلى الله، فهو أعلَمُ به" (13).--------------------------------------------
(12) حديث جيد الإسناد.
أخرجه أحمد رقم (6702) من طريق أبي حازم عن عمرو بن شعب عن أبيه عن جدّه به.
وإسناده جيد، وأبو حازم هو سلمة بن دينار ثقة.
وقد رواه أحمد وغيره من غير هذا الحجه عن عمرو بن شعب، وهذا السياق أتمّ.
(13) رواه في بن إسحاق في "المحنة" ص: 45 عن أحمد.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)

وهذه العقيدةُ السَّلَفيَّةُ خِلافُ طَريقةِ أهْل البِدَع؛ فإنَّ عقولَهم عندَهم هي التي تُثْبتُ وَتَنْفي، والسَّمْعُ مَعروضٌ عليها، فإنْ وافقَها قُبِلَ، وإنْ عارضَها رُدَّ وَطُرِحَ، وهذا أعْظَمُ أسْبَابِ الضَّلالِ التي دخَلَتْ على هذهِ الأمَّة.
وصَدقَ السَّمْعانيُّ حينَ قالَ: "فقد جَعلوا عُقولَهم دُعاةً إلى الله، ووَضعوها مَوْضِعَ الرُّسُل فيما بَيْنهم، ولو قالَ قائلٌ: لا الهَ إلَاّ الله، عَقْلي رَسولُ الله، لم يكن مُسْتَنْكراً عنْدَ المتكلِّمينَ من جهَةِ المَعنى" (14).
قُلْتُ: وما كَثُرَت البدَعُ في هذه الأمَّةِ وفَشَتْ إلَاّ بتقديم العُقول على ما جاءَ به الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم، وريُّنا تبارك وتعالى أتَمَّ دينه وأكمَله، ولم يَدَع نَقْصاً لِيُتمَّمَه أصحابُ المعقولات (!) كما قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]؛ فمَنِ استدركَ بعقلِهِ على الشَّرع؛ فإنَّما يَسْتَدْرِكُ على ربِّهِ، والله تعالى يقول: {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} [الرعد: 41]، ويقول: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [القصص: 68].
فإذا استقرَّ العلمُ بهذا في قُلوبِ أهْل الإِيمان؛ عَقَلوا أنَّهم قَدْ كُفُوا، فَلَمْ يَدَع لهم الشَّرْعُ ما يتكلَّفونَ لإِثباته، وما هو إلَاّ الاتِّباعُ وتركُ البِدَع؛ كَما يقول عبدُ الله بن مسعود: "اتَّبعوا وَلا تَبْتَدِعوا فقد كُفيتم، وَكل بدعةٍ ضَلالة" (15).--------------------------------------------
(14) "الحجة" ق 83/ أ.
(15) أثر صحيح.
أخرجه أحمد في "الزهد" ص: 162 ووكيع في "الزهد" أيضاً رقم (315) =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)

فهذا أصلٌ من الأصول التي فارقَ بها أهلُ السُّنِّةِ أصحابَ البدع.

•‌‌ المسألة الثانية:
تسميةُ المُبتدعةِ علمَ التَّوْحيد الذي هو أشْرَف العلم وأزْكاها بعِلْم الكلام من أظْلَم الظُّلْم وأبْطَل الباطل.
ذلك لأنَّ علم التَّوحيدِ مَصْدَرُه الوَحْيُ المَعْصوم، وعِلْمَ الكَلَام مصدَرُه الجدَل المَذموم فأيْنَ هذا مِنْ هذا؟
إنَّ ما أحْدَثَتْهُ المبتدعة من الجَدَل والخُصومات، مِمَّا ادَّعوا أنَّهُ أحْسن الطُّرُق لمَعْرفَةِ الله تعالى ودين الإِسلام، مِمَّا هو مَحْض العُقول التي لَمْ تُقَوَّم بمَنْهَج الرَّسول صلى الله عليه وسلم، وإنَّما قوِّمت برأي جَهْم وطريقة بشْر بن غِياث، المستمدَّةِ من طريقةِ أهْل الكِتاب ومن رَأْي عُبّاد الكَواكب، الذي فَتَنوا به المُؤمنين والمُؤمنات، هو الذي سَمَّؤْه بـ "علم الكلام"، تلقَّفَه عنهم ابنُ كُلاّبٍ والأشعريُّ وأبو مَنْصُور الماتُريدي وأمثالُهم من أهْل البِدَع، فَحَلَّوْه ببعض السَّمعيات، فأخرَجو للناس على أنَّه علْمُ التَّوحيد، وصاروا يقولون: علمُ الكلام: هو علْمُ التَّوحيد، وهو أشْرَف العلوم؛ لتعلّقه بذاتِ الله وأسمائِهِ وصفاته، وهو على هذا المَعنى يُدَرَّس اليَوْم في مَدارِس المُسلمينَ ومعاهدِهم وجامعاتِهم إلَاّ من عافى الله.
ولكن ولله الحَمْدُ ألقى الله تعالى على ألْسِنَتهم بَراءَتهم من تَوْحيد--------------------------------------------
= الدارمي رقم (211) وابن نصر في "السنة" ص: 23 وابن وضاح في "البدع" ص: 10 والطبراني في "الكبير" 9/ 168 وابن مجاهد في "السبعة" ص: 46 وابن الطبري في "السنة" رقم (104) والبيهقي في "المدخل" رقم (204) وسنده صحيح.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)

الرَّسول صلى الله عليه وسلم، فتَراهم يقولونَ في واضع هذا العِلْم: واضعُه أبو الحَسن الأشْعَريّ وأبو مَنْصور الماتُريدي، وهذا إنْصافٌ من أنْفُسِهم؛ فإنَّهُمْ إنَّمَا يُوَحِّدُونَ الله بِجَدَل الأشعريّ والماتُريدي، لا باتباع الرَّسول صلى الله عليه وسلم وسَلَف الأمَّة.
واعلَمْ - وفَّقكَ الله - أنَّ السَّلَفَ كانوا من أشدّ الناس نَفْرةً وتنفيراً من الكلام وأهلهِ.
قال البَغويُّ رحمه الله: "واتَّفقَ علماءُ السَّلفِ من أهل السُّنَّةِ على النهي عن الجدال والخُصوماتِ في الصِّفاتِ، وعلى الزَّجْر عن الخَوْض في علم الكلام وتعلّمهِ" (16).
وقال الشافعي رحمه الله: "لأن يُبْتَلى العبدُ بكلِّ ما نَهى الله عنه سوى الشِّرك، خيرٌ له من الكَلام، ولقد اطَّلعتُ من أصحابِ الكلام على شَيْءٍ ما ظَننتُ أنَّ مُسْلِماً يقولُ ذلك" (17).
وقال: "مَن أظهرَ العصبيّةَ والكلامَ، ودَعا إليها؛ فهو مردودُ الشَّهادة، ولأن يَلقى العبدُ ربَّه عز وجل بكلِّ ذَنْبٍ ما خَلا الشركَ خيرٌ له من أنْ يلقاه بشيءٍ من الأهواء" (18).
وقال الإِمام أحمد رحمه الله للمعتصم أيَّامَ المحْنَة: "ولستُ صاحبَ مِراءٍ ولا كلامٍ، وإنَّما أنا صاحبُ آثارٍ وأخبارٍ" (19).--------------------------------------------
(16) "شرح السنة" 1/ 216.
(17) رواه ابن أبي حتم في "آداب الشافعي" ص: 182 بسند صحيح.
(18) رواه إسماعيل بن الفضل في "الحجة" ق 7/ ب بسند صحيح.
(19) رواه حبل في "المحنة" ص: 54 عنه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)

وألفاظُ الأئمَّةِ في ذلك لا ندخل تحتَ الحصر، ولكنَّ أهلَ البدع -خاصَّة من المنتسبين إلى الأئمة الفقهاء في الفروع- يتأوّلونَ كلامَ الأئمة في ذمّ الكلام على أنَّهم يُريدونَ الكلامَ الذي يناقض الكتابَ والسُّنَّة!!
سبحان الله! وهل في علم الجَدل والكلام إلَّا ما يناقضٍ الكتابَ والسُّنَّة؟! ولو لم يكن هناك دليلٌ إلَاّ الإحداث؛ لكفى به مناقضةً للكتاب والسنة.
وأيضاً؛ فلو كان موافقاً للكتاب والسنة، وقد دلَّ عليه الدليلُ السَّمْعيُّ؛ فلَسْنا نُدْخِلُه في عِلْم الكلام.
وهذه الطريقة كانت طريقةَ السَّلَف، فإنَّهم وقَعَت مِن كثير منهم مناظرات لأهل البدع واحتجاجاتٌ عليهم، لكنْ بدَلائِل الكتاب والسُّنَّة، لم يخرجوا إلى شيْءٍ من البِدَع شأْنَ المُرادينَ بالذَّمِّ من أهل الكلام، ولم يكن السَّلَف يَعْرفونَ الكلامَ إلَّا محدَثات الأمور التي لم يَرِدْ في شيء منها نصُّ كتابٍ ولا سُنَّةٍ، خلافاً لكم أيُّها المبتدعة من أتباع الأشعري والماتُريدي، ممَّن تتظاهرون بالانتساب للأئمة؛ فإنَّ كلامَكُمْ ليس من قَبيل مناظرات السَّلَف، وإنَّما هو من قبيل جَدَل المعتزلةِ وأصحاب البدع، وكتبكُم شاهدةٌ على ذلك، وخروجُكم عن طريقة السَّلَف في غالب مسائل الاعتقاد وأصوله من أكبر الأدلَّة على وقوعِكم في الكلام المذموم، ولكنْ هذه حَيْدَةٌ أردتم التلبيسَ بها على الناس، لئلًا يُقال: إنكم خالفتم السَّلَفَ حيث نَهوا عن علم الكلامِ وذمَّوه.

•‌‌ المسألة الثالثة:
طريقة السَّلَف في العقائد والأحكام أحسَنُ الطُّرق، وهي الوسَط،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)

وهي الأعلَمُ والأحكَمُ والأسلَمُ، وليسَ فيها شيءٌ من البدع. ووجهه تَوضيح هذا المعنى كثيرةٌ؛ فمن ذلك:
- أنهم عاصَروا التشريع وعايَشوه، فعلِموا مواقعَ التنزيل، وورودَ الأدلّة على الوقائع والأحوال.
- وأنَّ خِطابَ الشارع متوجّهٌ إليهم في الأصْلِ وهم المُرادونَ به قبلَ غيرهم.
- وهم أهل الفَصاحة والبَيان، والوَحْيُ جاء بلسانِهم، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوضّح لهم ما يُشْكِلُ عليهم بلغتهم.
- والنُّصوص في الكتاب والسُّنَّة الدَّالَّةُ على فضْلِهم وعُلوّ قَدْرِهم قد تواتَرت، وهذه المنزلةُ لم يَنالوها إلَّا بما لهم مِنَ السَّبق في سُبل الخير.
- وقد جَعَلَ الله تعالى لهم الإِمامةَ في الدْين لمَنْ بَعْدَهم، وأثنى على مَن تَبِعهم وسلَكَ سَبيلَهم، وإنَّما نالَ التَّابعُ الفَضلَ لِفَضْلِ المَتْبوع؛ كما قالَ تَعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100].
- يؤكّده خُلوُّ زمانِهم من البدَع والأهواءِ والجَدَلِ والمِراء، وإقبالُهم على العِلْم، ولا يَرتاب المسلمُ العارفُ في أنَّ التوفيقَ للمُقبل على ما فيه رضي ربّه وطاعتُه والإعراضُ عَمَّا يُفْسِدُ القلب من البدَع والأهواء مضمونٌ.
إلى غير ذلك من الوجهه الدَّالَّة على استقامةِ طريقتهم، وكونهم أسلمَ الأمَّة اعتقاداً، وأعلَمَها بالله ودينه، وأحكَمَها منهجاً.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)

وهذا يُفسِدُ قول بَعْض متنقّصي السَّلَف والجاهلينَ بأقدارِهم: "طريقةُ السَّلَف أسْلَمُ، وطريقةُ الخَلَف أعْلَمُ وأحكمُ".
ولا يَخفى ما تَضَمَّنَت هذه المَقالةُ من الباطل عندَ العارفِ بعَقيدتِهِ ودينِهِ من أهل الإِسلامِ؛ إذ هي مبنيَةٌ على تفضيل الخَلَف -والمُرادُ بهم عندَ صاحب المَقالة: الَّذين امتازوا بمَعْرِفَتهم بالجَدَل وعلْم الكلام وكانَ لهم فيه قَدَمُ السَّبْق- على أخيار هذه الأمَّةِ، على السَّلف الكِرام: أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والتَّابعين لهم بإحسانٍ، الَّذين لم يشتغلوا بالجَدلِ الباطلِ، ولا بالكلام المَذموم، وآمَنوا بما جاءَ عن الله على مُراد الله، وما جاءَ عن رَسول الله صلى الله عليه وسلم على مُراد رسولِهِ صلى الله عليه وسلم، الذين وقَفوا عن عِلم حين وقَفوا، وتكلَّموا بعِلْمٍ حين تكلَّموا، والَّذين لم يَعْرِف اللهَ تعالى أحدٌ معرِفَتَهم بعدَ رُسُلِهِ وأنبيائِهِ.
ولستُ أدري كيف يخفى فَسادُ المَقالَةِ على أحَدٍ تذوَّقَ طعمَ العِلْم، أو كانَ عنده ذرّةٌ من وَرَعٍ، وإني لستُ أرى لهذا القائلِ شَبَهاً إلَاّ بالرافضةِ؛ إلَاّ أنَّهُ لمَّا كَانَ أشعريّاً -اعتادَ على طريقةِ أصْحابهِ التقيّة في كِثير من المَسائل- زَيَّنَ مقالَتَه بوَصْفِ طريقة السَّلَف بالسَّلَامةِ، وغفلَ المسكينُ حبث وصفَ الخَلَفَ بالعلم والحكمة أنَّه شبّه السلفَ بالصُّمِّ البُكْمِ الذين لا يَعقلون؛ لأنَّهم على تفسير هذا المُبطل كانوا عاجزين عن نيل العلم والحكمةِ التي حصَّلَها هو وأشباهُهُ، فكانوا يحمِلون القرآنَ والسُّنَنَ ولا يدرون ما فيها؛ لأنَّهم لم يقدروا على التأويل، ولم يتورَّطوا في التعطيل، وهذا المُبْطل وأشباهُهُ خاضوا البحر الذي وقفَ عنده السَّلَفُ، فعَلِمُوا من الأسرارِ والحكمةِ ما لم يَدْرِهِ السَّلَفُ؛ فبهذا كانوا الأعلمَ والأحكمَ!

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)