سبحان الله! أيُّ عِلم وأيُّ حكمةٍ يُحَصِّلُها من كانت بضاعتُهُ اللّغوَ والجَدَلَ والكلامَ الذي لا يورث إلَاّ قسوةَ القلوب بل والحيرةَ والشَّكَّ؟! فإنَّ رؤوسَ هؤلاء والأعلامَ فيهم، من ذوي الأقدام الراسخة، أمثال: إمام الحَرَمين، والشّهرستانيّ، والرّازِيّ، والآمِدِيّ، عاشها غالبَ الأعمار في الحَيْرة والشَّكِّ، معَ ما حَصَّلوا من المعرفةِ بالكلام والجَدَلِ، ومُناظَرَةِ مُخالفيهم من أهل الأهواءِ، حتى تكونَ خاتمةُ الواحدَ منهم أنَّ يسأل ربَّه الموتَ على دين العجائزِ.
فأقْبِلْ - رَحِمَك الله - على طريقة سلفِكَ الكرامِ، واعتصم بسَبيلهم.
قال الأوزاعي رحمه الله: "عليكَ بآثار مَن سلفَ وإنْ رفَضَكَ الناسُ، وإيَّاك ورأي الرِّجالِ وإنْ زخرفوه بالقول؛ فإنَّ الأمرَ ينجلي وأنتَ منه على طريقٍ مستقيمٍ" (20).
وقالَ: "فاصبر نفسَك على السُّنَّة، وقِفْ حيثُ وقَفَ القوم، وقُلْ فيما قالوا، وكُفَّ عَمَّا كَفّوا عنه، واسْلُكْ سَبيلَ سَلَفِكَ الصالح؛ فإنَّهُ يَسَعُكَ ما وَسِعَهم" (21).
• المسألة الرابعة:
أهل البدع والكلام لا يميّزونَ اعتقادَ السلف من غيره، وربّما لم--------------------------------------------
(20) رواه البيهقي في "المدخل" رقم (233) وسنده صحيح.
(21) رواه قِوَام السنة إسماعيل بن الفضل في "الحجة" ق 6/ أ - ب وسنده صحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
يَعرِفوه؛ فلذا تجدُهم يذكرونَ في كتبهم في العقائدِ والفرقِ اعتقادَ جَميع الطوائف، وحين يذكرون اعتقادَ السَّلَفِ لا يذكرونه على ما هو عليه؛ فإنَّك ترى العارفَ فيهم يَصِفُ مذهبَ السلف في الصفات بأنَّهمٍ كانوا مفوّضة، لا يَدْرون ما معاني الصفات، وهذا جَهلٌ على السَّلَف؛ فإنَّهم كانوا أعظمَ الناس فَهْماً وتدبُّراً لايات الكتاب وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، خاصّةً ما يتعلقُ بمعرفة الله تعالى، فكانوا يَدْرون معاني ما يقرؤون ويَحْمِلونَ من العلم، ولكنَّهم لم يكونوا يتكلَّفون الفهمَ للغيب المحجوب، فلم يكونوا يخوضونَ في كيفيَّات الصفاتِ، شأنَ أهل الكلام والبِدَع؛ فإنَّ هؤلاء حين خاضوا في ذات الله وصفاته، وَوَقعوا في التأويل والتَّعطيل، إنَّما ألجأهم إلى ذلك الضِّيقُ الذي دخَلَ عليهم بسبَب التثبيهِ، فأرادوا الفِرارَ منه، فوقَعوا في التَّعطيل، ولم يَقَعْ تعطيلٌ إلَاّ بِتَشبيهٍ، ولو أنَّهم نزّهوا الله تعالى ابتداءً -كفعل السَّلَفِ- عن مشابهة الخلق، وأثبتوا الصفةَ مع نفي المُماثلة؛ لسَلِموا ونَجَوْا، ولوافَقوا اعتقادَ السَّلَفِ، ولَبانَ لهم أنَّ السَّلَفَ لم يكونوا حَمَلَةَ أسفارٍ لا يَدْرون ما فيها.
قال شيخ الإِسلام ابنُ تيمية وهو يصف طريقةَ السَّلَفِ في باب الاعتقاد: "ومَنْ تدبَّرَ كلامَ أئمة السُّنَّة المشاهير في هذا الباب؛ عَلِمَ أنَّهم كانوا أدَقَّ الناس نَظَراً، وأعلمَ الناس في هذا الباب، بصحيحِ المنقولِ وصَريح المعقولِ، وأنَّ أقوالَهم هي المُوافقةُ للمنصوص والمعقول، ولهذا تأتلفُ ولا تختلفُ، وتتوافقُ ولا تتناقضُ، والذين خالَفوهم لم يفهموا حقيقةَ أقوالِ السَّلَفِ والأئمةِ، فلم يعرفوا حقيقةَ المنصوص والمعقول، فتشعَّبَتْ بهم الطرقُ، وصاروا مختلفينَ في الكتاب، مخالفينَ للكتاب، وقد قالَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
تعالى: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [البقرة: 176] (22).
وهؤلاء تراهم يذكرونَ المذهبَ، يَحْسَبونَهُ مذهب السَّلَفِ، وهو من كلام أهل البدعِ، وإنَّما ذلك لجَهْلِهم بالمنقولِ عن السَّلَفِ، بَلْ ربَّما وافَقَ ذكرُهُم بعضَ أقوالِ السَّلفِ، يَحْسَبُونها من أقْوال أهْل البدع، فيردّونَها ويَسْتنكرونَها، بل ربَّما كفَّروا القائلَ بها مِن غير أنْ يَعْلَموا أنَّها مذهبُ السَّلَفِ واعتقادُهُم.
ولذلك فقد يَصِفون اعتقادَ السَّلَفِ بأنَّه اعتقادُ المجسِّمة، أو المشبّهة، أو الحَشْوية (23).
سبحان الله! إنَّ قلوبَ أصحاب البدع تتشابَهُ؛ فإنَّ الجهميةَ -أوَّلَ الأَمر- كانوا يَصِفون بذلك أئمَّةَ السُّنَّة ومَن يُتابِعُهم، ثمَّ لمَّا مضى العهدُ فظهَرَ الأَشعريَّةُ والماتُريديَّة وأشباهُهم؛ كانتَ هذه الأوصافُ لأهل السُّنَّة على ألسنتِهِم.
وهذه الأوصاف إنَّما يُطلقها أهلُ البدع على أهل السُّنَّة لِيُنفِّروا الخلقَ عن اعتقاد السَّلَف، ويرغّبوهم في بدعهم، خاصّةً وأنَّهم يصفون أنفسَهم بمقابل ذلك بأنَّهم أهلُ السُّنَّة.--------------------------------------------
(22) "درء تعارض العقل والنقل" 2/ 301.
(23) بل إني رأيت بعض هؤلاء المبتدعة جعل اعتقادَ السلف الصحيح القويم هو اعتقاد المعتزلة والكرّامية، ذلك هو ابن خليفة عليوي الأشعري، الهالك في تعصّبه ضدّ أهل السنة في كتابه المحشو بالأغاليط الذي سمَّاه زورًا "هذه عقيدة السلف والخلف في ذات الله وصفاته وأفعاله … ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
ولقد أدركَ ذلك أئمَّتنا الأوائلُ، فجَعَلوا من شعار الجَهْمية والزَّنادقة وصفَهم أهلَ السُّنَّة بهذه الأوصاف.
قَال الإِمام أبو حاتِمٍ الرازيُّ: "وعلامَةُ أهل البدع: الوقيعةُ في أهلِ الأثَرِ، وعلامةُ الزَّنادقةِ: تسميتهُم أهلَ السُّنَّةِ حَشْويةً، يُريدون إبطالَ الآثار، وعلامةُ الجَهْمية: تسميتُهم أهلَ السُّنَّة مُشبّهةً، وعلامةُ القَدَرِيَّة: تسميتُهم أهلَ الأثَر مُجْبِرةً، وعلامةُ المُرْجئَةِ: تسميتهُم أهلَ السُّنَّةِ مُخالِفةً ونُقصانيَّةً، وعلامةُ الرَّافضةِ: تسميتهُم أهلَ السُّنَّةِ ناصبةً، ولا يلحَقُ أهلَ السُّنَّةِ إلَاّ اسمٌ واحدٌ، ويَستحيلُ أنْ تَجْمَعَهم هذه الأسماءُ" (24).
قلتُ: أرادَ يلحَقُهم اسمُ أهلِ السُّنَّة دونَ هذه الأسماء.
وقال الإِمامُ الحافظُ أحمدُ بن سِنانٍ الواسطيُّ: "المشبّهةُ الذين غَلَوا فجاوزوا الحديثَ، فأمَّا الذين قالوا بالحديثِ؛ فلم يزيدوا على ما سَمِعوا؛ فهؤلاء أهل السُّنَّةِ، والمتمسِّكونَ بالصَّوابِ والحقِّ، وليس هم بالمشبهةِ، ما شبّهوا هؤلاء، إنَّما آمَنوا بما جاء به الحديثُ، هؤلاء مؤمنونَ مصدِّقون بما جاء به النبيُّ صلى الله عليه وسلم والكتابُ والسُّنَّةُ" (25).
فالسَّلَف والأئمة لم يكونوا كما يصفهُم هؤلاء المبتدعةُ، وكيفَ يُظَنُّ ذلك بحَمَلَةِ القرآن والسُّنَن والآثار؟!
ولكنَّ أهل البدعِ أعداءُ السُّننِ أرادوا أن يُعْرِض الناس عن السنن،--------------------------------------------
(24) رواه ابن الطبري في "السنة" 1/ 179 بسند صحيح، وانظر: ص 182.
(25) رواه إسماعيل بن الفضل في "الحجة" ق 32/أبسند صحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
فكذبوا على أهلِها.
• المسألة الخامسة:
إطلاقُ الألفاظ المجمَلة التي لم تَرِدْ في الكتاب والسُّنَّة في أبواب الاعتقاد مِن طريقةِ أهل البدع وليس من طريقة السَّلَف.
وقد ذكرتُ في هذا الكتاب بعض هذه الِإطلاقات، كإطلاقهم القولَ في مسألة اللفظ وغيرها، وأبَنْتُ عن كون هذه الطريقة ليست هي طريقة السَّلَف، وطريقةُ السلف إنَّما هي إطلاق ما أطلقه الكتابُ والسُّنَّةُ، أمَّا ابتداعُ ألفاظٍ لم تَرِد في الكتابِ والسُّنَّة؛ فليسَ مِنْ مذهب السَّلَفِ، وقد استنكرَ الأئمَّةُ كأحمد وغيره تلك الإِطلاقات المبْتَدَعَة التي ظهَرَ بها أهل البدع.
قالَ شيخ الإِسلام: "إنَّ الأئمةَ الكبارَ كانوا يمنعون من إطلاقِ الألفاظ المبتَدَعة المجمَلَةِ المشتَبِهَةِ؛ لِما فيها مِنْ لَبْسِ الحَقِّ بالباطل، مَعَ ما توقِعُه من الاشتباهِ والاختلافِ والفتنةِ؛ بخلافِ الألفاظ المأثورة، والألفاظِ التي بُيّنتْ معانيها؛ فإنَّ ما كانَ مأثورًا حصلَت به الألفة، وما كانَ معروفًا حصَلَت به المعرفة، كَما يُروى عن مالك رحمه الله أنَّه قالَ: إذا قلَّ العلمُ ظَهَر الجَفاء، وإذا قلَّت الآثار كثرت الأهواء، فإذا لم يكن اللفظ منقولًا، ولا معناه معقولًا، ظهرَ الجفاءُ والأهواءُ … " (26).
هذه بعض التنبيهات التي يُحتاج إليها لتوضيح ما قد يُشكل، أو لدفع إيهام، وكذا لتوضيح منهجي العام في هذا الكتاب.--------------------------------------------
(26) "درء تعارض العقل والنقل" 1/ 271.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
مجمل خطة تأليف الكتاب
الخطَّة التي انتهجتُها في تأليف هذا الكتاب هي أنِّي فصَّلت الكلام والاستدلال لإِثبات العقيدة السلفية في كلام الباري تعالى، وعقدتُ لذلك بابًا مستقلًا، وهو الباب الأول.
ثمَّ تناوَلتُ قضية اللَّفظ بالقرآن، فوضَّحْتُها بما يُزيلُ عنها الإِشكال إن شاء الله، مع الذبّ عن الإِمامين أحمدَ والبخاري، وتبرئتهما مما نُسِبَ إلَيهما من ذلك، وذلك في الباب الثاني.
وفي الباب الثالث تناولتُ اعتقاداتِ الفِرَقِ المبتدعةِ المنتسبةِ إلى أهل القِبْلَةِ، فذكرتُها إجْمالًا، ثمَّ عُنِيتُ بتفصيل الردِّ على الجهمية المعتزلة؛ لأنَّهم أصلُ البليّة في هذه القضيَّة، ثم أفردتُ فصلًا مطوّلًا لبَسط اعتقاد الأشعريَّهٌ والردّ عليهم، وذلك لتوضيح الصورة أمامَ مَن خَفِيَهم حالهم، فهم بين منُتسب إليهم، أو مُدافع عنهم، أو مُتواطىء معهم، أو مُعتذر عنهم.
وتخلَّلَتْ جميعَ ذلك مباحثُ عامَّةٌ لِرَفْع بعْضِ الإِشكالاتِ ودفْع بَعْض الإِيهاماتِ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
وشَرْطِي في كتابي أن لا أورد للاحتجاج والاستشهاد إلَّا ما ثبتَ إسنادُه إلى قائلهِ، ولسْتُ أقلّدُ في ذلكَ، وإنَّما أتابِعُ النُّصوصَ بنفسِي، وأحكمُ عليها باجتهادي.
وعُنِيتُ بأقوال السلف والأئمة في عامّة المسائل إن وقفتُ عليها بالإِسناد الثابت، وخاصّةً كلام إمام السنة أحمد بن حنبل؛ فإنَّه الإِمام القُدوة في ذلك، وسائر أهل السنة بعده يعتزُّونَ بالانتساب إلى طريقتهِ؛ لأنَّها طريقةُ السلف الكرام، بسَطها ونَصَرها، فرحمه الله ورضي عنه وسائر إخوانه من الأئمة.
ولقد انتفعتُ كثيرًا بكتب شيخ الإِسلام ابن تيمية وطريقته، بل إني ربَّما حَذوتُ حذوَه في كثير من المسائل، إلى جانب ما أورده عنه من النقل في ثنايا الكتاب، وحيث أطلقتُ (شيخ الإِسلام). فإنَّما أعنيهِ.
وقد سمَّيْتُه: "العقيدة السلفية في كلام ربّ البريّة، وكشف أباطيل المبتدعة الرَّدِيَّة".
وإني لأرجو الله تعالى أن يكونَ تذكرةً لأولي الألباب، يوقظهم من
غَفْلة، ويُنَبِّهُهم لخطورة شأن أهل البدع، ويُقبلوا على فَهْم اعتقاد سَلَفِهم
والدفاعِ عنه، فإنَّ الاشتغالَ بعلُومِ الاعتقاد أشرَفُ الأعْمال وأزكاها.
والله أسألُ أن يغفرَ لي زلَّتي، ويقبلَ مني ما خَطَّتْ يَدي، إنَّه نِعمَ مسؤول، وهو حَسْبي ونعم الوكيل.
الكويت
الثلاثاء 27 جمادى الأولى 1407 هـ
وكتب أبو محمد عبد الله بن يوسف الجديع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
الباب الأول: العقيدة السلفية في كلام رب البرية
وفيه ثلاثة فصول:
= الفصل الأول: بيان حقيقة الكلام.
= الفصل الثاني: عقيدة السلف في إثبات الصفات.
= الفصل الثالث: شرح اعتقاد السلف في كلام الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
الفصل الأول: بيان حقيقة الكلام
وفيه ثلاثة مباحث:
= المبحث الأول: حقيقة الكلام.
= المبحث الثاني: حقيقة المتكلم.
= المبحث الثالث: أنواع الكلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
المبحث الأول: حقيقة الكلام
الكلامُ في لغة العرب التي بها نزل القرآن كما يقول ابن فارس رحمه الله: "يدلّ على نُطْقٍ مُفهم، تقول: كلّمتهُ، أكلّمهُ تكليمًا، وهو كليمي، إذا كلّمَكَ أو كلَّمْتَه" (1).
فقوله: "نطق" للدلالة على أنه لفظ اللسان.
وقوله: "مُفْهِم" للدلالة على كونه معنى.
فهو إذًا لفظ ومعنى.
وكذلك القول.
ولفظ "الكلام" و"القول" مما تُعْلَمُ حقيقتُهُ ضرورةً، ووَقر في نفس كل عاقل من خلق الله معرفةُ ماهيّة هذَين اللفظين، لأنَّهما صفتان لازمتان لكل من وصِفَ بأنه "متكلم، قائل" ومن المحال إطباق جميع العقلاء على الجهل بتصورهما.
فكل عاقلٍ متصورٌ مدركٌ أن كلَّ ما نطقَ به اللسان من الألفاظ--------------------------------------------
(1) "معجم مقاييس اللغة" 5/ 131.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
المفيدة للمعاني فهو كلام، أو قول.
وحين يخبر مخبرٌ فيقول: "تكلّمَ زيدٌ بكذا" أو "قالَ زيدٌ كذا وكذا" يتصوّر السامع أن لسانَ زيد تلفّظ بألفاظٍ دلّت على معنى كان قائماً في نفس زيد، لا يفهم السامع أن زيداً أضمرَ في نفسه معنى مجرَّداً، بل لو لم يكن زيد تلفّظ بلسانه بما أضمر في نفسه كان المُخبِر كاذباً في إخباره: أن زيداً تكلّم.
وأيضاً، فإن السامع لا يفهم أن زيداً هذى هذياناً ليس له معنى فسمّاه المخبِرُ كلاماً، أو قولاً، وإنما يفهم أنه تكلمَ بكلام، وقال بقولٍ، مؤلَّف من الحروف التي هي الألفاظ المشتملة على المعاني.
ولا يُعقل بحال كلامٌ مجردٌ عن المعنى، أو مجرّدٌ عن اللفظ، إلَاّ بقرينة تقيّده بأحد الحالين.
فباتَ بهذا أن "الكلامَ" و"القول" إنما يُطلقان على ما كان لفظاً ومعنًى، لا لفظاً مجرداً، ولا معنًى مجرداً.
وأنبّه على أن القولَ يفارق الكلامَ من حيث وقوع المجاز فيه بأوسع من وقوعه في الكلام (2)، لكنَّ هذا غيرُ مراد فيما ذكرناه، لأن ما حقّقناه إنما هو حقيقة اللفظين لا مجازهما.
قال شيخ الإِسلام رحمه الله: "وعامّة ما يوجد في الكتاب والسُّنَّةِ وكلام السَّلفِ والأئمة، بل وسائِرِ الأمم عربِهم وعجمِهم من لفظ: الكلام، والقول، وهذا كلام فلان، أو كلام فلان، فإنَّه عند إطلاقه يتناول اللفظ--------------------------------------------
(2) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص: 109.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
والمعنى جميعاً، لشموله لهما، ليس حقيقة في اللفظ فقط -كما يقوله قومٌ-
ولا في المعنى فقط -كما يقوله قومٌ- ولا مشترك بينهما -كما يقوله قومٌ- ولا مشترك في كلام الأدميين، وحقيقة في المعنى في كلام الله -كما يقوله قومٌ-" (3).
وقال الحافظ الأمام أبو نصر السِّجزي رحمه الله: "لم يكن خلافٌ بين الخلق على اختلاف نحلِهم من أوَّلِ الزمان إلى الوقت الذي ظهرَ فيه ابن كُلاّب (4) والقلانسي (5) والأشعري (6)، وأقرانهم … من أن الكلام لا يكون إلَاّ حرفًا وصوتًا، ذا تأليفٍ واتِّساقٍ، وإن اختلفت به اللغات … " (7).
ومن الدلائل على صِحَّة ما ذكرنا ما يلي:
1 - إطباق سائر الأمم والطوائف - سوى بعض أهل البدع أمثال ابن--------------------------------------------
(3) "مجموع الفتاوى" 12/ 456 - 457.
ويشير بقوله: "كما يقوله قوم" إلى ما أحدثته المبتدعة في تعريف الكلام، ليبطلوا أن يكون كلامُ الله تعالى حروفاً وكلماتٍ.
(4) هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاّب القطان البصري، وإليه تنتسب طائفة "الكلاّبية" وعلى طريقته جرى أبو الحسن الأشعري وغيره، وسيأتي شيء من ذكر حاله في الباب الثالث.
(5) هو أبو العباس أحمد بن عبد الرَّحمن القلانسي الرازي، مذكور في أقران أبي الحسن الأشعري الآتي، وكان على شاكلته في الاعتقاد.
(6) هو أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعريّ، وإليه تنتسب طائفة "الأشعرية" وسيأتي ذكر بعض حاله في الباب الثالث.
(7) "درء تعارض العقل والنقل" 2/ 83.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
كُلاّب - على تناول "الكلام" و "القول" للّفظ والمعنى جميعاً، كما ذكرناه عن السِّجزي وشيخ الإِسلام.
2 - قوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا} [الأعراف: 148].
هذه الآية ظاهرة في كون المنفيّ عنهم الكلامَ الذي هو اللفظ والمعنى جميعاً، إذ الخطاب لهم لا يكون معنًى مجرداً يقوم في أنفسهم، ولا لفظاً مجرداً غير دالّ على معنى.
3 - وقوله تعالى: {وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [الكهف:4 - 5].
فأطلق الكلمة على اللفظ الخارج من الأفواه.
وكذلك سائر ما جاء في كتاب الله تعالى من إطلاق لفظ الكلام مراداً به الحقيقة.
ومثله القول.
قال تعالى: {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 27].
4 - حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ الله تجاوز لأمَّتي عما حدّثت به أنفسَها، ما لَمْ تكلَّم به، أو تعمل به" (8).--------------------------------------------
(8) حديث صحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
فهذا الحديث ظاهر في إخراج حديث النفس عن مطلق الكلام، ألا تراه قد فرّق بينه وبين حقيقة الكلام بقوله: "ما لم تكلّم به أو تعمل به"؟ فجعل الكلامَ الذي هو القولُ قسيماً للعمل، غيرَ حديث النفس.
5 - حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال:
يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: "ثكلتك أمّك يا معاذ، وهل يكبُّ الناس على وجوههم في النار -أو قال: على مَناخرهم- إلَاّ حصائدُ ألسنتهِم؟ " (9).
قلتُ: فهذا بَيِّنٌ في أنَّ الكلام ما كان ألفاظاً منظومةً دالَّةً على معاني مفهومةٍ؛ لأنَّ المعنى المجرَّدَ الذي يقوم بنفس المتكلم لا يحاسَبُ عليه العبدُ -كما في الحديث السابق- وهذا بخلافِ ما نَطَقَ به اللسانُ فإنَّه--------------------------------------------
= أخرجه أحمد 2/ 393، 425، 474، 481، 491، والبخاري 5/ 160، 9/ 388، 11/ 548 - 549 ومسلم رقم (127) وأبو داود رقم (2209) والترمذي رقم (1183) والنسائي 6/ 156 - 157 وابن ماجة رقم (2040 ، 2044) من طرق عن قتادة عن زُرارة بن أوفى عن أبي هريرة به مرفوعاً.
وأخرجه النسائي 6/ 156 من طريق حجاج بن محمد عن ابن جُريج عن عطاء عن أبي هريرة به مرفوعاً.
قلت: وهذا سند صحيح، وما عنعنه ابنُ جُريج عن عطاء فلا يضره.
(9) قطعة من حديث حسن.
أخرجه أحمد 5/ 231 والترمذي رقم (2616) وابن ماجة رقم (3973) من طريق معمر عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن معاذ به مرفوعاً.
قال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
قلت: هو حديث حسن بطرقه على التحقيق، ولتفصيل ذلك موضع آخر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
محاسَبٌ عليه، وهذا عينُهُ هو الذي أطلق عليه الشرعُ الكلامَ ، لا المعنى المجرَّدُ.
6 - حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيتان إلى الرحمن: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمدِهِ" (10).
قلت: وهذا ظاهر أيضاً في أنَّ الكلامَ هو المعنى الملفوظُ به بالحروف، إذ لا تُعقَل الخِفّة على اللسان في المعنى المجرَّدِ.
7 - حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إنَّ الله، يُحْدِثُ لنبيّه ما شاء، وإنَّ مِمَّا أحْدَثَ لنبيّه: أن لا تَكَلَّموا في الصَّلاة" (11).
وحديث معاوية بن الحَكَم السُّلَمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:--------------------------------------------
(10) حديث صحيح.
أخرجه أحمد رقم (7167) 2/ 232 والبخاري 11/ 206، 566، 13/ 537 ومسلم رقم (2694) والترمذي رقم (3467) والنسائي في "اليوم والليلة" رقم (830) وابن ماجة رقم (3806) من طرق عن ابن فضيل عن عمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة به مرفوعاً.
(11) حديث جيّد الإسناد.
أخرجه أحمد 1/ 377، 435، 463 وأبو داود رقم (924) والنسائي 3/ 19 من طرق عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن عبد الله به مرفوعاً في قصة. وعلَّقه البخاري رحمه الله في "الصحيح" 13/ 496.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
"إنَّ هذه الصلاةَ لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناسِ، إنما هو التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرآن" (12).
ولا خلافَ بين أهل العلم أن مَن تكلَّمَ في صَلاته عامداً لغير مصلحةِ الصلاةِ فصلاتُه باطلةٌ، ولا يرَون بما تُحَدِّثُ الإِنسانَ به نفسُه ممّا لا تعلُّقَ له بالصلاة من أمور الدنيا وغيرِها مُبطلاً للصلاةِ، لأنَّه بالاتفاق ليسَ بكلامٍ، ذكر نحوَ هذا شيخُ الإِسلام.
ونظائر هذا في الكتاب والسنَّة كثيرةٌ جداً، وهي دلائلُ قاطعةٌ بأنَّ مطلقَ لفظ "الكلام" شاملٌ للألفاظ والمعاني جميعاً، خِلافاً لأهل البدع الذين أرادوا نُصْرَةَ أهوائِهم بإبطال الدلائل الصَّحيحةِ الصَّريحةِ من المعقولِ والمنقولِ.
وقد ذكرنا أن "الكلامَ" و "القولَ" قد يراد بهما المعنى فقط، أو اللَّفظُ فقط، لكن بقرينةٍ تُبيِّنُ ذلك، لا عندَ الإطلاقِ والتجرُّدِ من القرائن.
قال شيخُ الإِسلام: "الكلامُ إذا أطْلِقَ بتناوَلُ اللفظَ والمعنى جميعاً، وإذا سُمّيَ المعنى وحدَه كلاماً، أو اللَّفظُ وحدَه كلاماً، فإنَّما ذاك مع قيد يدلّ على ذلك" (13).
قلتُ: وذلك كقول عنترةَ:--------------------------------------------
(12) حديث صحيح.
أخرجه أحمد 5/ 447، 448 ومسلم رقم (537) وأبو داود رقم (930، 931) والنسائي 3/ 14 - 18 والدارمي رقم (1510، 1511) من طريق هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم به مرفوعاً في قصة.
(13) "مجموع الفتاوى" 6/ 533.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
يا دارَ عَبْلةَ بالجِواء تكلّمي … وعِمي صَباحاً دارَ عبلةَ واسْلَمي (14)
وكقول الآخر:
وامتلأ الحَوضُ وقالَ: قَطني … قَطني رويداً قد ملأتُ بطني
فمحصَّل ما ذكرنا:
أن لفظَ "الكلام" و"القول" وما تصرّف منهما، من فعلٍ، ومصدرٍ، واسم فاعل، وغير ذلك، كلّ ذلك راجع إلى اللفظ والمعنى جميعاً.
فإذا قالَ قائلٌ في كلامٍ ما: إنَّ المرادَ بالكلام ههُنا اللفظ وحدَه، أو المعنى وحدَه، طالبناه بالقرينة المقيّدة التي صَرَفَتِ الكلامَ عن حقيقته المعلومة، وإلَاّ كانَ كاذباً.
ولنا بسط آخر لهذه المسألة في الباب الثالث عند إبطال قول بعضِ أهل البدع -الكلاّبية والأشعرية وأشباههم- إنَّ الكلامَ حقيقةٌ في المعنى، وهو ما سمّوه بـ "الكلام النفسي" وإنَّما هذا تقريرٌ موجزٌ لإزالةِ ما قد يَرِدُ من لَبْسٍ في هذا الموضوع.
*****--------------------------------------------
(14) معلقته: البيت الثاني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
المبحث الثاني: حقيقة المتكلم
المتكلِّم: اسمُ فاعلٍ من "التكلّم".
وهو مَنْ قامَتْ به صفةُ الكلام، فبها صارَ متكلِّماً.
والعقلاءُ متفقونَ على أن الحركة إذا قامَتْ بمحلٍّ صحَّ وصفُ المحلّ بكونهِ متحركاً، وإذا قامَ العِلْمُ بمحلٍّ صحَّ وصفُه بكونه عالِماً، وكذلك كلُّ صفةٍ.
فالكلامُ صفةٌ، إذا قامَتْ بموصوفٍ سمّي "متكلّماً".
فحين يَردُ على سَمْعِكَ: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} عَقِلتَ منه أنَّ لله تعالى صفةَ السَّمعِ، وصفةَ العلمِ.
فكذلكَ حينَ يَرِد على سَمْعِكَ: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى} فإنَّكَ تعقِل منه أن لله تعالى صفةَ الكلامِ.
فدلَّ هذا على أنَّ الصِّفَةَ إنَّما تقوم بالموصوف.
وفي هذا إبطالٌ لقولِ المُلحدين في أسماءِ الله وصفاتِهِ: إنَّ الصفةَ لا تقومُ بالموصوفِ، وعليهِ قالَ من قالَ منهم: إنَّ الله سميعٌ بلا سَمع،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
بصيرٌ بلا بَصر، حيٌّ بلا حَياة، خالقٌ بلا خَلْقٍ.
ويظهَرُ مما تقرر من قِيام الصفةِ بالموصوفِ أنَّ المتكلّمَ من قام به الكلامُ، ولا يصحّ وصفُه بذلك إلَاّ مع قدرتهِ عليه، إذ أنَّ قدرةَ المتكلم على الكلام لازمةٌ له ما دام موصوفاً بالكلام، لأنَّه لو لم يكن قادراً على الكلام لَوُصِفَ بضدّه، وهو: الخَرَسُ، فإن "الأخرس" هو الذي لا يَقْدِرُ على الكلامِ، ولذا صَحَّ عدمُ وصفهِ بالكلام.
ويبطلُ بما قرَّرْناه مذهبان من مذاهب أهل البدع:
الأوّل: مذهبُ المعتزلة القائلين: المتكلّم من فَعَلَ الكلامَ ولو في غيره، ومعناه عدَمُ قيامِ صفةِ الكلام بالمتكلّم.
والثاني: مذهبُ الكُلاّبية والأشعرية القائلين: المتكلم من قام به الكلامُ ولو لم يَفْعَلْهُ، وليس له قدرةٌ عليه.
وفسادُ هذين المذهبين ظاهرٌ لغةً وشرعاً وعقلاً، إذ أنَّ لازمَ المذهبِ الأوَّل أن يكون كلامُ المخلوق هو كلامَ الخالق -كما سيأتي تفصيله في الباب الثالث- ولازمَ المذهب الثاني وصفُ الأخرس بكونه متكلماً، وهذا ظاهر المناقضةِ للحسِّ والعقلِ - وسيأتي بسط ذلك عنهم في الباب الثالث.
والسَّلَفُ والأئمَّةُ لا يَعْرِفونَ المتكلمَ إلَاّ على الصورة التي شرحناها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
المبحث الثالث: أنواع الكلام
الكلام في لغة العرب يتنوع في الأصل إلى نَوْعينِ:
• الأول: الخبر:
والبَلاغيُّونَ والأصوليُّونَ على أنَّ الخبرَ كلامٌ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ والكَذِبَ لذاتِهِ.
ويعنونَ بقولهم: "لذاته" أي بغَضِّ النَّظَر عن المُخبِر إنْ كانَ صادقاً أوكاذباً في نفسهِ، لأجلِ أنْ يعُمَّ التعريفُ كلَّ خَبر.
وهو باعتبار المُخْبِر به ثلاثةُ أقْسام:
القسم الأول: ما لا يَحْتَمِلُ إلَاّ الصدقَ وحدَه.
وهو خَبَرُ الله تعالى، كقوله تعالى: {اللهُ لَا إلهَ إلَاّ هُوَ الْحَى الْقَيُّومُ}.
وخَبَرُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم الثابتُ عنه، كقوله صلى الله عليه وسلم: "منْ كَذَبَ عَلَيَّ متعمّداً فليتبوأ مقعدَه من النار" (15).--------------------------------------------
(15) حديث صحيح متواتر، جاء عن جمع كبير من الصحابة في الصحاح =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)