والدَّليلُ على ذلكَ قولُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "زيّنوا القرآنَ بأصواتِكم" (47).
فأضافَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الأصواتَ إلى القُرّاء، لأنَّها اكْتِسابُهُمْ وفعلهُمْ، وفرَّقَ بينها وبينَ القرآن الذي هو كلامُ الله ووحيُهُ وتنزيلُهُ، الذي لا يكونُ من التالي سِوى قراءتِه وأدائِه وتبليغهِ.
فالقرآنُ كلامُ الله مُضافٌ إليه تعالى لأنَّه منهُ، لا يُضافُ للتالي لأنَّه أدّاه بصَوتِهِ وحَرَكَتهِ، شأن كلّ كلامٍ سواه يُبلِّغهُ الواحدُ مِنَّا، فإنَّهُ إنَّما يُضافُ إلى مَن قالَه مُبتدئاً.
فقولُكَ: "إنَّمَا الأعمالُ بالنّياتِ، وإنَّما لكلّ امرئٍ ما نَوى" (48) تُبلّغُه أنتَ بصَوْتِكَ وحَرَكَتِكَ، وليسَ لك من نظْمهِ شيْءٌ، إنَّما هو كلامُ النَّبي صلى الله عليه وسلم بلفظهِ ومعناه، ولو قلتَ: هو كَلامي، لكذّبكَ مَن يسمَعُك، إذ ليسَ لك من ذلك إلَاّ التبليغُ والأداءُ.--------------------------------------------
(47) حديث صحيح.
أخرجه أحمد 4/ 283، 285، 296، 304، وأبو داود رقم (1468) والنَّسائي 2/ 179 وفي "فضائل القرآن" -من "الكبرى"- رقم (75) وابن ماجة رقم (1342) والبخاري في "خلق أفعال العباد" رقم (250 - 254، 256) والدارمي رقم (3503) وابن حبان رقم (737) والحاكم 1/ 571، 572، 573، 574. 575 وغيرهم من طريق عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب به مرفوعاً.
وهو مروي من طرق أخرى عنه، وعن غيره من الصحابة، خرجتها في غير هذا الموضع.
وشذَّ بعض رواته فقلب المتن: "زينوا أصواتكم بالقرآن" وهو خطأ.
(48) حديث صحيح معروف، خرجه الشيخان في "صحيحيهما" من حديث عمر رضي الله عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
فكذلكَ كلامُ الله تعالى إذا تلاه التالي، وقرأه القارئ.
قال الله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ …} [التوبة: 6] فأضافَ الكلام إلى نفسِهِ، لأنَّه هو الذي ابتدأ نَظْمَهُ بحُروفِهِ ومعانيهِ، يسمَعُه المُشرك بأذُنَيْهِ بصَوْتِ القارئ، فإنَّه إنَّما يسمَع كلامَ الله مِنَ القارئ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
المبحث الثامن: كلام الله تعالى بمشيئته واختياره
يَعْتَقِدُ السَّلَفُ أنَّ الله تعالى يتَّصفُ بالصِّفاتِ الاختياريَّةِ، كَالكَلامِ، والنَّداءِ، والرَّضا، والغَضَبِ، والحُبَّ، والبُغْضِ، والرَّحْمَةِ، والرَّأفَةِ، والانْتقامِ، والإِتيانِ، والنُّزَولِ، والاسْتِواءِ على العَرْشِ، والخَلْقِ، والرَّزْقِ، وغَيْرِ ذلكَ من صفاتِهِ العَليَّةِ التي تقومُ بمَشيئتهِ واختيارهِ، ومعنى تعلُّقِها بمشيئتهِ واختياره أنَّه تعالى لا يَزالُ متكلِّماً إذا شاءَ، ولا يَزالُ رَحيماً إذا شاءَ، ولا يزالُ خالقاً إذا شاءَ، وهكذا، فالصِّفَةُ ثابتةٌ له تعالى في الأزَلِ، وهي متعلِّقةٌ بمشيئتِهِ، فإنْ شاءَ تكلَّمَ وإن شاءَ سَكَتَ (49) وإن شاءَ--------------------------------------------
(49) وصفُه تعالى بالسكوت جاءت به السُّنَّة، وجَرى ذكرُهُ في كلام الأئمة، ولا تَعارُضَ بين إثباته وإثبات الكلام، لأنَّ كلامه تعالى متعلقٌ بمشيئته، فإن شاءَ تكلم، وإن شاءَ لم يتكلم، وهذا ينقضُ اعتقادَ أهل البدع نَقْضاً في كلامه تعالى، وذلك واضحٌ لمن تأمَّله.
وأمَّا الاستدلال لثبوت هذه الصفة من السنة والأثر:
1 - فحديث أبي الدرداء رضي الله عنه رفعَ الحديثَ قال:
"ما أحلَّ الله في كتابه فهو حَلالٌ، وما حرَّم فهو حرامٌ، وما سكت عنه فهو عافيةٌ، فاقبلوا من الله عافيَتَه، فإنَّ الله لم يكن نسيّاً" ثمَّ تَلَا هذه الآية: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .--------------------------------------------
= نَسِيًّا} [مريم: 64].
حديث صحيح.
أخرجه البزار رقم (2231 - كشف الأستار) وابن أبي حاتم -كما في "تفسير ابن كثير" 4/ 474 - والدارقطني 2/ 137 والحاكم 2/ 375 والبيهقي 10/ 12 من طريق عاصم بن رجاء بن حَيْوَة عن أبيه عن أبي الدرداء به.
قال البزار: "إسناده صالح".
وقال الحاكم: "صحيح الإِسناد" وأقَرَّه الذهبي.
قلت: إسناده جيد، عاصم بن رجاء صدوق جيد الحديث، وأبوه ثقة مشهور روى عن أبي الدرداء.
وللحديث شاهد من حديث أبي ثعلبة الخُشَني وغيره يرتقي به إلى الصحة.
2 - وحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:
كان أهل الجاهلية يأكلونَ أشياء، ويتركون أشياءَ تقذّراً، فبعثَ الله تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وأنزلَ كتابه، وأحلَّ حلالَه، وحرَّم حرامه، فما أحلَّ فهو حَلالٌ، وما حرَّمَ فهو حرامٌ، وما سَكَتَ عنه فهو عفوٌ، وتلا: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا …} إلى آخر الآية [الأنعام: 145].
حديث صحيح.
أخرجه أبو داود رقم (3800) والحاكم 4/ 115 من طريق محمد بن شَريك المكي عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس به.
قلت: وهذا سند صحيح، وقد صحَّحه الحاكم وأقرَّه الذهبي.
والأئمة والفقهاء منذ القرون الأولى يقولون: هذا تكلّم به الشارع، وهذا سكت عنه الشارع، ويقولون: دلالة المنطوق، ودلالة المسكوت، والشارع هو الله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم.
قال شيخ الإِسلام: "فثبت بالسنَّة والإِجماع أنَّ الله يوصف بالسكوت" "مجموع الفتاوى" 6/ 179.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)
خلَقَ، وإن شاءَ لم يَخْلُقْ، وإنْ شاءَ غَضِبَ، وإنْ شاءَ رَضِيَ.
ومن الأدلَّة الموضِّحةِ لذلك:
1 - قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا …} [الأعراف: 11].
تضمَّنت الآيَةُ ثلاثَ صفاتٍ: الخَلْقَ، التَّصويرَ، الأمْرَ، وقد وصف الله بها نفسَه، وهي صفاتُه قبل خَلْق الخَلْق، متعلَّقةٌ بمشيئتهِ، فشاءَ أن يخلقَ فخلقَ، وبعدَ الخَلْق صَوَّرَ، وبعدَ التَّصوير أمرَ الملائكةَ بالسُّجود، فهيَ أفعالٌ متعاقبةٌ، لم يقعْ تصويرٌ لآدم قبلَ خلقِهِ، ولا أمرٌ بالسُّجودِ للملائكةِ قبلَ خلقهِ وتصويرهِ، وإنَّما كان ذلك بعدَ الخَلْق والتَّصوير، ولا يزال الله تعالى خالقاً، مصوِّراً، آمِراً، إذا شاءَ.
2 - وقوله تعالى: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [الزخرف: 55].
فقوم فرعونَ لَمَّا أغضَبوا ربَّهم تعالى انتقمَ منهم، لم يقَعِ انتقامُهُ منهم قبل ذلك، مَعَ أنَّه لا زالَ متَّصفاً بالانتقام من أعدائِه، كما قالَ: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة: 22].
3 - وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 28].
فإحباطُ أعمالِهم لم يكنْ قبلَ اتِّباعِهم ما أسخَطَ الله وكراهِيَّتِهم رضوانَه، فدلَّ ذلك على أنَّ فعلَ الإِحباط الذي هو صفةُ الرَّبّ تعالى إنَّما أوقَعَه الله بعدَ استحقاقِ العبدِ ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
وأمثلة هذا لا تدخلُ تحتَ الحَصْر، وهو أمرٌ أبْيَنُ مِنْ أنْ يُستدلَّ له، ولكنَّ أهلَ البدعِ أبَوْا إلَاّ إنكارَ الحقائقِ.
وهذا الذي بَيَّناهُ هو قولُ السَّلَفِ.
قال البخاري رحمه الله: "وقالَ أهل العلم: التَّخليقُ فعلُ الله، وأفاعيلُنا مخلوقةٌ، لقوله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ …} [الملك: 13، 14] يعني: السرّ والجهر من القول، ففعلُ الله صفةُ الله، والمفعولُ غيرُه من الخَلْق" (50).
قلتُ: ويَجْري هذا في سائر أفعاله تعالى، فكلّ أفعاله تعالى صفاتٌ له، والمخلوقُ إنَّما هو مفعولُهُ.
قالَ شيخ الإِسلام: "هو المأثورُ عن السَّلَف، وهو الذي ذكرَه البخاريُّ في خلق أفعال العباد عن العلماءِ مُطلقاً، ولم يذكُرْ فيه نِزاعاً، وكذلك ذكَره البغويُّ وغيره عن مذهب أهل السُّنَّة".
وقال: "وهو قولُ السَّلَف قاطبةً، وجمهورِ الطوائف … " (51).
وكلامُ الله تعالى ونداؤه كذلكَ، فهو تعالى موصوفٌ بالكلام والنَّداء وصْفاً أزليّاً، متعلّقاً بمشيئتهِ واختيارهِ، يتكلَّم إذا شاء متى شاء، ويُنادي إذا شاءَ متى شاء، يتكلَّم كلاماً بعدَ كلام، ويُنادي نِداء بعدَ نداء، وكلّ ذلك غيرُ مخلوقٍ لأنَّه صفتُهُ.--------------------------------------------
(50) "خلق أفعال العباد" ص: 188.
(51) "شرح حديث النزول" ص: 152.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
والأدَّلةُ على ذلك كثيرةٌ جداً في الكتابِ والسُّنَّةِ والمعقولِ الموافِقِ لهما.
فمن ذلك:
1 - قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82].
فهو تعالى يقول لكلِّ ما يُريدُ خلقَه وتكوينَه: {كُنْ} ليكونَ، وقولُه: {كُنْ} كلامُهُ وصفتُه، جعلَه متعلقاً بإرادتِهِ، فمتى يريد تكوينَ شيء قال: {كُنْ} فيكون، فقوله تعالى: {وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ} [الأنعام: 73] هو يَوْمُ القيامةِ، ويومُ القيامةِ لم يكنْ بعد، والله تعالى لم يقل له بعدُ: {كُنْ} وإنَّما يقولُ ذلك حين يشاءُ ذلك.
وهذا من أظهر الأدلَّة على تعلُّق كلامهِ تعالى بمشيئتهِ.
والأشعريَّةُ وأشباهُهم يحتجُّون بهذه الآية وأمثالِها على أنَّ القرآنَ غيرُ مخلوق ويَردّون بذلك على المُعتزلةِ الجهميَّةِ، وأغفَلوا دلالةَ الآيةِ نَفسها على تعلُّق قولِه تعالى بمشيئتِهِ، وهو من حَيْدَتِهم عن الحَقَّ والصَّراط المُستقيم كما سيأتي شرحه في الباب الثالث.
2 - أخبرَ تعالى عن تكليمهِ لموسى ونِدائهِ له في مواضِعَ عدّةٍ من كتابِهِ، وإنَّما وقعَ ذلك بعد خَلْق موسى، لم يكلِّم موسى ولم ينادهِ قبل أن يخلقه، بل لم ينادِهِ ولم يكلِّمْه قبل أن يأتِيَ الشَّجرة، كما قال تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى} فلم ينادِه قبل إتيانِهِ، خِلافاً لأهل البدع، وهذا مقتضى اللُّغَة التي نزلَ بها القرآنُ، والله تعالى إنَّما خاطب العبادَ بألسنتهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
التي يعقلونَها ويفهمونَها.
3 - وقالَ تعالى مُخاطباً أهلَ النار: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} الآيات [المؤمنون: 105 - 108].
فهذا قولُه تعالى وكلامُه، إنَّما يُكَلِّمُ به أهلَ النار بعدَ أن يُصارَ بهم إليها، ولم يقع ذلك بعدُ، وإنَّما أخبرَنا عنْ وقوعهِ، ولا يفقَهُ مؤمنٌ، بل ولا عاقلٌ أنَّ الله تعالى قَدْ كَلَّم أهلَ النَّارِ من الأزلِ -كما يدّعيه بعضُ أهْلِ البدع- فقال لهم: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} وهم لم يوجَدوا بَعْدُ ولَمْ يُخْلَقوا.
4 - وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:
"احتجّ آدمُ وموسى … " فذكر الحديثَ، وفيه:
" … فقال آدمُ: أنتَ موسى الذي اصطفاكَ الله برسالتهِ وبكلامهِ، وأعطاكَ الألواحَ فيها تبيانُ كلّ شَيْءٍ، وقرَّبك نجيّاً، فبِكمْ وجَدْتَ الله كتبَ التّوراةَ قبلَ أن أخْلَق؟ قال موسى: بأربعينَ عاماً … " الحديث (52).
فأخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن تَكَلُّمَ الرَّبّ تعالى بالتوراة كان مُوَقَّتاً بوقتٍ، وذلك قبلَ خلقِ آدم بأربعينَ سنةً، هذا معَ أنَّ كلامَه تعالى قديمُ النَّوْعِ، وصفةَ الكَلامِ له ثابتة في الأزَلِ، إلَاّ أنَّها متعلَّقةٌ بمشيئتهِ واختيارهِ، فلمَّا شاءَ أن--------------------------------------------
(52) حديث صحيح.
سبق الكلام عنه في التعليق على المبحث الثاني ص 84 - 85.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)
يتكلَّمَ بالتَّوراةِ تكلَّمَ بها، فخطَّها لموسى بيدهِ، جلَّ وعَلَا.
5 - جميْعُ ما سقتُهُ من أدلَّةِ التكليم في الآخرةِ لم يقَعْ منه شيْءٌ بعدُ، وإنَّما يقَعُ في الآخرة، وهو أبْيَنُ من أن يُفصَّلَ.
وقد سبقَ النقلُ عن الإِمام أحمدَ رحمه الله من طريق حنبل بن إسحاق قال: قلتُ لأبي عبد الله -يعني أحمد-: الله عز وجل يُكَلِّمُ عبدَه يوم القيامةِ؟ قال: "نَعَمْ، فمنْ يقضي بين الخَلائق إلَاّ الله عز وجل، يكلِّمُ عبدَه ويسألهُ، الله متكلِّمٌ، لم يزَل الله يأمرُ بما يَشاءُ وَيَحْكُم، وليس له عَدْلٌ ولا مِثْلٌ، كيفَ شاءَ، وأنَّى شاءَ" (53).
6 - وفي حديث جابرِ بن عبد الله رضي الله عنهما في حَجَّةِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قوله صلى الله عليه وسلم: "نَبْدأ بما بدأ الله به" فبدأ بالصَّفا وقرأ {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ …} [البقرة: 158] (54).
وفي هذا دليل على أنَّ كلامَ الله يتلو بعضُه بعضاً، ويسْبِقُ بعضُه بعضاً.
قال شيخ الإِسلام: "وقد قالَ الإِمام أحمد رضي الله عنه وغيره من الأئمَّة: لم يزل الله متكلّماً إذا شاءَ، وهو يتكلَّمُ بمشيئتهِ وقدرتِهِ، يتكلَّمُ--------------------------------------------
(53) سبق تخريجه ص 114 - 115.
(54) حديث صحيح.
أَخرجه مالك 1/ 372 وأحمد 3/ 388، 394 ومسلم رقم (1218) وأبو داود رقم (1905) والترمذي رقم (862، 2967) والنسائي 5/ 236، 239 ، 240 - 241 وابن ماجة رقم (3074) من طرق عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر به.
وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
بِشَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ" (55).
وقال أبو عبد الله بنُ حامد: "ولا خلافَ عن أبي عبد الله -يعني أحمد- أنَّ الله كانَ متكلِّماً قبلَ أن يخلُقَ الخَلْقَ، وقبل كلّ الكائناتِ، وأنَّ الله كان فيما لم يزَل متكلِّماً، كيف شاءَ، وكما شاءَ، وإذا شاءَ أنزلَ كلامَه، وإذا شاءَ لم يُنْزِله" (56).
قلتُ: فأفادَ هذا النقلُ عن الإِمام أحمدَ أمرين:
الأوَّل: أنَّ صفةَ الكلام لله تعالى ثابتةٌ له في الأزَل ليسَتْ مُحْدَثَةً ولا مَخلوقةً.
والثاني: أنَّ كلامَه تعالى متعلقٌ بمشيئتهِ، فهو يتكلَّم إذا شاءَ، ويسْكُتُ إذا شاءَ.
وأمَّا قولُ ابنِ حامد في نقله الذي حَكَينا: "وإذا شاءَ أنزلَ كلامَه … " إلخ ففيه نَظَرٌ، ذلك لأنَّهُ مُفهِمٌ أنَّه تعالى لا يتكلَّمُ بعدَ خلق الخَلْق، وإنَّما يُنزِل كلامَه الَّذي تكلَّمَ به، وهذا المعنى ليسَ هو قولَ الإِمام أحمد -كما ينقله شيخ الإِسلام وغيره- وإنَّما قولُه: إنَّ الله تعالى يتكلَّم بكلامٍ بعدَ كلام، وفي الأدلَّة التي سُقْنا دَلالةٌ بَيّنةٌ على ذلك، وهذا الذي قاله أبو عبد الله بنُ حامد إنَّما هو على طريقة بعض فُضَلاءِ الحنابلة الذين كانوا يَذْهَبون إلى قِدَمِ الكَلام المُعَيَّنِ قبلَ خلقِ الخَلْقِ، والتَّحقيقُ أنَّ هذا ليسَ--------------------------------------------
(55) "مجموع الفتاوى" 12/ 588 وانظر: "شرح حديث النزول" ص: 155.
(56) "درء التعارض" 2/ 76 عن كتاب ابن حامد في أُصول الدين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)
مذهبَ السَّلَفِ، وهو خلافُ ما دلَّتْ عليه الأدلَّةُ من أنَّ كلامَه تعالى متعلقٌ بمشيئتهِ ولا نُؤوّلُ ذلك بأنَّ إنزالَ كلامه متعلقٌ بمشيئتهِ، وقد أرادَ ابنُ حامد معنى اعتقادِ أحمدَ ولكنَّه أخطأه، وأصابه شيخُ الإِسلام حين قالَ: " … وهو يتكلَّم بمشيئتهِ، يتكلَّم بشيء بعدَ شيء".
وسَبَقَ أن قرَّرنا أنَّ الله تعالى له الكمالُ المُطلَقُ، والمتكّلمُ بمشيئته واختياره أكمَلُ ممَّنْ لا يتكلَّمُ بمَشيئتهِ واختياره، بلْ إنَّه لا يُتَصوَّر متكلمٌ بغير مشيئةٍ ولا قُدْرةٍ ولا اخْتيارٍ، وإنَّما يوصَفُ بذلك الأخرسُ، فإنَّه لو قَدَّر الكلامَ في نفسهِ لا يَقْدِر على التكلُّم به والتلفُّظِ به للآفةِ التي فيه، والله تعالى مُنَزَّهٌ عن هذا النَّقْصِ، وهو أعلى وأجلُّ من أن يتَّصف به، فمَنْ لَمْ يُثْبِتْ له الكلام بمشيئتهِ واختيارِهِ فهو واصفٌ له بالنَّقْصِ والآفَةِ، تعالى عن ذلك عُلُوّاً كبيراً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)
المبحث التاسع: تفاضل كلام الله تعالى
كَلِماتُ الله تعالى لا نِهَايَةَ لهَا، وهي باقيةٌ لا تَنْفَدُ كما قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109].
ومِن كلماتهِ تعالى: كُتُبُه المنزَلَةُ، كالتَّوراةِ، والِإنجيلِ، والقرآنِ، وكلماتُهُ التي يخلقُ بها الخَلْقَ، وكلماتُهُ التي كلَّمَ بها آدمَ، والَّتي كلَّم بها موسى، والتي كلَّمَ بها محمَّداً صلى الله عليه وسلم، وكلماتُهُ التي يُكلِّمُ بها عبادَه في المَحْشَر، وفي الجنَّةِ، وكلماتُهُ التي يُخاطِبُ بها أهلَ النار توْبيخاً وتَقْريعاً، وغيرُ ذلك من كلامِهِ تبارك وتعالى.
فكلامُهُ تعالى متبعّضٌ مُتَجَزّىءٌ، فالتَّوراةُ بعضُ كلامِه وجزءٌ منه، والإنجيلُ كذلك، والقرآنُ كذلكَ، والقرآنُ أبعاضٌ وأجزاءٌ، وسُوَرٌ وآياتٌ، وكلماتٌ.
وجَميعُ هذا من المُسَلَّماتِ المَعْلومةِ لدى الكافَّةِ، دَلَّ عليها الحِسُّ، والعقْلُ، والشَّرْعُ، وهي أجلى من أن تحتاجَ إلى ضَرْبِ الأمثلةِ، وسِياق البَراهينِ والأدلّة، ولكن مَنْ رامَ الهدى باتباع الهوى فقد ضلَّ السَّبيلَ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)
فكلامُهُ تعالى الذي هو أجزاءٌ وأبعاضٌ، بعضُهُ أفضَلُ من بعضٍ، وليس ذلك من جِهَةِ المُتكلِّم به وهو الله تعالى، وإنَّما هو من جهةِ ما تضمَّنَ من المَعاني العَظيمةِ، فإنَّ كلامَ الله المتضمِّن للتَّوحيدِ والدَّعْوةِ إليه، أفضلُ من كلامهِ المتضمِّنِ ذكرَ الحُدودِ والقِصاصِ ونحو ذلكَ، وما يُخْبِرُ به عن نفسهِ وصفاتِهِ أعظمُ مما يُخْبِرُ به عن بعضِ خلقهِ، وذلكَ لشَرَف الأوَّلِ على الثاني.
وقد ورَدَ في السُّنَّةِ الصَّحيحةِ ما يُثْبِتُ ذلك ويوضِّحُه ويُجَلّيهِ، فمِنْ ذلك:
1 - حديث أنَس بن مالكٍ رضي الله عنه قال:
كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم في مَسيرٍ لَهُ، فنزَلَ ونزَلَ رجُلٌ إلى جانِبِهِ، فالتفتَ إليه
النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقال:
"ألا أخْبركَ بأفضَلِ القُرآنِ؟ ".
قال: فتلا عليه {الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (57).
2 - وعن أبي سَعيد بن المُعلَّى رضي الله عنه قال:
كنتُ أصلِّي في المَسْجدِ، فدَعاني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فلَمْ أجِبْهُ، فقلتُ: يا رسولَ الله! إنِّي كنتُ أصلّي، فقالَ:--------------------------------------------
(57) حديث صحيح.
أخرجه النسائي في "فضائل القرآن" -من "الكبرى"- رقم (36) و"عمل اليوم والليلة" رقم (723) من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس به، وسنده صحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)
"ألَم يَقُلِ الله: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنفال: 24].
ثمَّ قالَ لي:
"لأعلِّمَنَّكَ سورةً هي أعظمُ السُّوَرِ في القرآنِ، قبلَ أن تَخْرُجَ من المَسجدِ".
ثمَّ أخَذَ بيَدي، فلَمَّا أرادَ أنْ يَخرُجَ قلتُ لهُ: ألَمْ تَقُلْ: "لأعلِّمنَّكَ سورةً هي أعظَمُ سورةٍ في القُرآنِ"؟
قال: "الحَمْدُ لله ربّ العالَمينَ، هيَ السَّبعُ المَثاني، والقُرآنُ العظيمُ الذي أوتيتُهُ" (58).
3 - وعن أبَيّ بن كَعْبٍ قال: قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"يا أبا المُنْذر، أتَدْري أيُّ آيةٍ مِن كتابِ الله معَكَ أعظَمُ؟ ".
قال: قلتُ: الله ورسولُهُ أعلَمُ.
قال: "يا أبا المُنْذِرِ، أتَدْرِي أيُّ آيَةٍ من كتابِ الله مَعَكَ أعظَمُ؟ ".
قال: قلتُ: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ …} [البقرة: 255].
قال: فضربَ في صَدْرِي، وقالَ:--------------------------------------------
(58) حديث صحيح.
أخرجه أحمد 3/ 450 و 4/ 211 والبخاري 8/ 156 - 157، 307، 381 و 9/ 54 وأبو داود رقم (1458) والنسائي 2/ 139 وفي "فضائل القرآن" -من "الكبرى"- رقم (35) وابن ماجة رقم (3785) من طرق عن شعبة عن خُبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي سعيد بن المعلّى به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)
"والله، لِيَهْنِكَ العِلمُ أبا المُنْذر" (59).
4 - وعن أبي سَعيد الخُدْريّ رضي الله عنه أنَّ رجلاً سَمعَ رجلاً يقرأ: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} يُرَدِّدُها، فلمَّا أصبَحَ جاءَ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له -وكأنَّ الرَّجُل يتقالُّها- فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:
"والذي نَفْسِي بيده إنَّها لَتعْدِلُ ثلُثَ القُرآنِ" (60).
5 - وعن عُقْبَة بن عامر رضي الله عنه قال:
كنتُ أقودُ برسولِ الله صلى الله عليه وسلم في ناقَتَهُ في السَّفر، فقالَ لي:
"يا عُقْبَةُ، ألَا أعلّمكَ خيرَ سورتين قُرِئَتا؟ ".
فَعلَّمَني: {قُلْ أَعوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}.
قال: فلَمْ يَرَني سُرِرْتُ بهما جدّاً، فلمَّا نَزَلَ لِصَلاةِ الصُّبْحِ صلَّى بِهِما صلاةَ الصُّبْحِ للناسِ، فلمَّا فرَغَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم من الصلاةِ التفتَ إليَّ--------------------------------------------
(59) حديث صحيح.
أخرجه مسلم رقم (810) وأبو داود رقم (1460) من طريق عبد الأعلي بن عبد الأعلى عن الجُرَيْري عن أبي السَّليل عن عبد الله بن رَبَاح الأنصاري عن أبيّ بن كعب به.
(60) حديث صحيح.
أخرجه مالك 1/ 208 ومن طريقه: أحمد 3/ 23، 35، 43 والبخاري 9/ 58 و11/ 525 و 13/ 347 وأبوداود رقم (1461) والنسائي 2/ 171 وفي "اليوم والليلة" رقم (698).
وانظر تعليقي على "المفاريد" لأبي يعلى الموصلي رقم (60).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)
فقالَ: "يا عُقْبَةُ كيفَ رأيتَ؟ " (61).
ويُوجِّهُ شيخ الإِسلام حديثَ فضْل سورةِ الإِخلاصِ فيقولُ: "وذلك أنَّ القرآنَ إمَّا خبرٌ، وإمَّا إنشاءٌ ، والخبَرُ إمَّا خبَرٌ عن الخالقِ، وإمَّا عن المَخلوقِ، فثلُثُهُ قَصَصٌ، وثُلثُهُ أمْرٌ، وثُلُثُهُ توحيدٌ، فهيَ تَعْدِل ثُلُثَ القرآن بهذا الاعتبارِ" (62).
قلتُ: فدلَّتْ هذه النُّصوصُ على تَفْضيلِ كلامِ الله بعضِهِ على بعضٍ، وذلكَ حسبَ ما يدلُّ عليه من المَعاني، وهو مَذْهَبُ جُمهورِ السَّلَفِ وأهلِ السُّنَّةٍ.
قالَ شيَخُ الإِسلام: "والصَّوابُ الَّذي علَيْهِ جُمْهورُ السَّلَف والأئمَّة أنَّ بَعْضَ كلامِ الله أفْضَلُ من بَعْضٍ، كما دلَّ على ذلك الشَّرعُ والعقلُ" (63).
.....--------------------------------------------
(61) حديث حسن أو صحيح.
أخرجه أحمد 4/ 153 وأبو داود رقم (1462) والنسائي 8/ 252 - 253 من طريق معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن القاسم مولى معاوية عن عقبة به. قلت: وهذا سند حسن، والقاسم هو ابن عبد الرحمن صدوق جيد الحديث، وقد صحَّ سماعُهُ من عقبة بن عامر.
والحديث مروي عن عقبة من غير هذا الوجه معناه.
(62) "درء التعارض" 7/ 272.
(63) المرجع السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)
المبحث العاشر: كلام الله تعالى منزل منه ، منه بدأ وإليه يعود
يَعْتَقدُ السَّلَفُ أنَّ القرآنَ كلامُ الله تعالى، منه خرجَ وبدأ، تكلَّمَ به بحُروفِهِ ومَعانيهِ، فأسمَعَهُ جبريلَ عليه السلام، ونَزل به جبريلُ على قلبِ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، وهو هذا اللِّسانُ العربيُّ المُبينُ، النّازلُ بلغةِ قُرَيْشٍ.
وهذا مُبَيَّن في غيرِ مَوْضع من كتاب الله تعالى، فمِنْ ذلك:
1 - قولُه تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1].
2 - وقولُه عز وجل: {تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى} [طه:4].
3 - وقولهُ تعالى: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} [النمل:6].
4 - وقولُه تعالى: {الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} [السجدة: 1 - 3].
5 - وقولُه جلَّ وَعَلا: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) إِنَّا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ …} [الزمر: 1 - 2].
6 - وقولُه تعالى: {حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [فصّلت:1 - 4].
7 - وقولُه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41 - 42].
فأخبرَ تعالى في هذه الآيات وما يشبَهُها أنَّ القرآنَ العربيَّ الذي هو كلامهُ، إنَّما هو تنزيلُه، نَزلَ منهُ، فمنه بدَأ وَخَرَجَ لا مِنْ سِواه.
8 - وقولُه تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 101 - 103]
فأنبأ تعالى في هذه الآياتِ أنَّ القرآنَ العربيَّ نزَلَ به رُوحُ القُدُس منه، ورُوحُ القُدُس هو جبريلُ عليه السلام، كما قال تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 97].
فليسَ هو كلامَ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم-كما زعَمَ الكفَّارُ- ولا كلامَ جبريلَ عليه السلام -كما زعمَه بعضُ أهلِ البِدَع- وإنَّما هو كلامُ الله تعالى، منه بدأ وخَرَجَ، وهو الذي أنزلَه بواسطةِ رسولهِ الملَك جبريلَ، فمن قال غير هذا فقَدْ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
كَفَرَ، لأنَّه كذَّبَ الله في قولِهِ، وجَحَدَ ما أنبأتْ به رسلُه، وإنِ ادّعى الإِسلامَ وانتسبَ إليه، فالإِسلامُ يَبْرأ منه.
وقد ذكرتُ في المَبْحث الخامس أنَّ الله تعالى لم يُضِف شيئاً ممَّا أنزله إلى نفسِهِ غيرَ كلامهِ، وذلك لأنَّه صفتُهُ.
* وأمَّا عَوْدُ كلامهِ تعالى إليه فقد تأوَّلَهُ بعضُ أهلِ السُّنَّة بعَودِ تلاوته وقراءته التي هي كَسْبُ العبدِ.
وهذا المعنى حَق، فإنَّه تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] ولكن ليسَ هو المُرادَ في تفسيرِ هذه اللَّفْظَة (وإليه يعودُ) وإنَّما المرادُ أن كلامَ الله تعالى يُسرى عليه في ليلةٍ فَيُرْفَع من المَصاحفِ، وصُدور الحُفَّاظ، فلا تَبْقى في الأرضِ منه آية.
وبهذا جاء الخبرُ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وغيرِه من أصحابه.
فأمَّا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعَنْ حذيفةَ بن اليَمان وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"يُسْرى على كتاب الله لَيْلاِّ، فيُصْبحُ الناسُ ليس في الأرضِ، ولا جوفِ مسلمٍ منه آية" (64).
وأما الخَبَرُ عن أصحابهِ، فوردَ عن أبي هريرة وابن مسعود.
1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:--------------------------------------------
(64) حديث صحيح، خرجته وحققته في التعليق على "اختصاص القرآن" لضباء الدين المقدسي تعليق (68).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
"يُسْرى على كتاب الله، فيُرْفَعُ إلى السَّماءِ فلا يُصْبِحُ في الأرض آيةٌ من القرآنِ، ولا من التوراةِ، والإِنجيل، ولا الزَّبورِ، ويُنْتَزَعُ من قُلوبِ الرِّجالِ، فيُصْبِحونَ ولا يَدْرون ما هو" (65).
2 - وعن شَدَّاد بن مَعْقِل أنَّ عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال:
"لَيُنْتَزَعَنَّ هذا القرآنُ من بين أظْهُرِكُمْ".
قال: قلتُ: يا أبا عبد الرَّحمن! كيفَ يُنْتَزَعُ وقد أثْبَتْنَاهُ في صُدورِنا، وأثبتناهُ في مَصاحِفنا؟
قالَ: "يُسْرى عليهِ في ليلةٍ، فلا يَبقى في قَلْبِ عَبْدٍ منه، ولا مُصحَفٍ منه شَيْءٌ، ويُصْبِحُ الناسُ فُقَراءَ كالبَهائم".
ثمَّ قرأ عبد الله: {وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا} [الإسراء: 86] (66).
وهذان الأثران تضَمَّنا الِإخبارَ عن غيبٍ، لا يقال إلَاّ بتوقيف.
فبهذا يظهرُ لكَ معنى قولِ من قال من السَّلَفِ: (القرآنُ كلامُ الله، مُنْزَلٌ غيرُ مَخْلوقٍ، منه بدّأ وإليه يَعودُ).
والمَصيرُ إلى هذا التفسير واجِبٌ لدلالةِ ما ذكرنا من الأخبار.
وقال شَيْخُ الإِسلام: "فقالوا: (منه بدأ) ردّاً على الجَهْميةِ الذين--------------------------------------------
(65) حديث صحيح، وانظر تحقيقه في التعليق على "اختصاص القرآن" تعليق (68).
(66) حديث صالح الإِسناد وانظر تحقيقه في التعليق على "اختصاص القرآن" تعليق (74).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)