يقولون: بدأ من غيرهِ، ومقصودُهُم أنَّه هو المتكلِّمُ به، كما قالَ تعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} وقالَ تعالى: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي …} وأمثال ذلك" (67).
قال: "وأمَّا (إليه يَعودُ) فإنه يُسْرى به فى آخِر الزَّمانِ، من المَصاحفِ والصُّدور، فلا يبقى في الصُّدور منه كلمةٌ، ولا في المصاحف منه حرفٌ" (68).
قلتُ: والتنصيص على هذه العقيدةِ مأثور عن جَماعةٍ من أئمَّةِ السَّلَف، منهم:
1 - عَمْرو بن دينار (أحد خيار التابعين وثِقاتِهم وأئمَّتِهم).
قال: "أدركْتُ أصحابَ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم (69) فمَنْ دونَهم منذُ سَبعينَ سنةً، يقولونَ: الله الخالقُ، وما سواهُ مَخْلوقٌ، والقُرآنُ كلامُ الله منهُ خرجَ وإليه يعودُ".
2 - سفيان الثَّوْري (الإِمام العَلَم).
قال: "القرآنُ كلامُ الله غيرُ مَخلوقٍ، منه بَدَأ وإليه يعودُ، مَنْ قال غيرَ هذا فهو كُفْرٌ"--------------------------------------------
(67) "درء التعارض"2/ 113.
(68) "مجموع الفتاوى" 3/ 174 - 175 عن المناظرة في الواسطية.
(69) ذكر الحافظ ضياء الدين المقدسي في "اختصاص القرآن" فقرة (6) عشرة أنفس من الصحابة أدركهم عمرو بن دينار فيهم: عبد الله بن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وجابر بن عبد الله، وغيرهم، وانظر قول ابن راهُوَيْه السابق ص 139.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
3 - سفيان بن عُيَيْنَة (إمامٌ حافِظٌ).
سأله رجُلٌ: يا أبا محمَّدٍ، ما تقولُ في القرآنِ؟ فقال: "كَلامُ الله، مِنْهُ خَرجَ وإليه يَعودُ".
4 - أبو بكر بن عيَّاش (إمامٌ محدِّثٌ صاحِبُ سُنَّة).
قال: "القرآنُ كلامُ الله، ألقاه إلى جبرائيلَ، وألقاهُ جِبرائيلُ إلى محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، منه بدَأ، وإليه يعودُ" (70).
5 - الِإمام أحمدُ بن حنبل.
قال: "لقيتُ الرِّجالَ، والعُلَماءَ، والفُقَهاءَ، بمكَّةَ، والمَدينةِ، والكُوفةِ، والبَصْرةِ، والشامِ، والثُّغورِ، وخُراسانَ، فرأيتُهم على السُّنَّة والجَماعَة، وسألتُ عنها -يعني هذه اللفظة- الفُقَهاءَ؟ فكلٌّ يقولُ: القرآنُ كلامُ الله غيرُ مَخْلوق، منه بدَأ، وإليه يعودُ" (71).
وقالَ: "لم يَزَلِ الله عالماً متكلّماً، نعبُدُ الله لصِفاتهِ، غير محدودَةٍ ولا مَعلومةٍ إلَّا بما وصَفَ به نفسه، ونردُّ القرآن إلى عالمهِ تبارك وتعالى، إلى الله، فهو أعلَمُ به، منه بَدَأ وإليه يَعودُ" (72).
6 - أبو جعفر أحمد بن سِنان الواسطي (حافِظٌ ثَبْتٌ، من شُيوخِ--------------------------------------------
(70) جميع هذه الآثار الأربعة صحيحة، خرجتها في تعليقي على "اختصاص القرآن" وأثر عمرو قد سبق ص 138.
(71) ذكر هذا النص الحافظ الضياء في "اختصاص القرآن" عن المرّوذى عن أحمد، فقرة (9).
(72) رواه حنبل فى "المحنة" ص: 45 عنه به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
البُخاريّ ومُسْلم).
قال: "مَن زَعَمَ أنَّ القرآنَ شَيْئَين (73) أو أنَّ القرآنَ حِكايةٌ، فهو والله الذي لا إله إلَاّ هو، زِنديقٌ كافرٌ بالله، هذا القُرْآنُ هو القُرآنُ الذي أنزله الله على لسانِ جبريلَ على محمَّد صلى الله عليه وسلم، لا يغيَّر ولا يُبَدَّل: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42]، كَما قالَ الله عز وجل: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِه …} [الِإسراء:88]، ولو أنَّ رجلاً حلفَ لا يتكلَّمُ اليومَ، ثمَّ قرأ القرآنَ، أو صلَّى وقرأ القرآنَ، أو سلَّمَ في الصَّلاةِ، لم يحنَثْ، لا يُقاسُ بكَلام الله شَيْءٌ، القرآنُ كلامُ الله، منه بَدَأ وإليه يَعودُ، ليس من الله تعالى شَيْءٌ مخلوقٌ، ولا صِفاتُهُ، ولا أسماؤُهُ، ولا عِلْمُهُ" (74).
ونقلَ شيخُ الإِسلام اتّفاقَ السَّلَفِ والأئمَّةِ على ذلك في غيرِ موضع من كلامه (75).
تنبيه:
ويجب أن يُعلَمَ أنَّه ليسَ معنى قولهم (منه خَرَجَ) أنَّ صفةَ الكلام فارَقَتْهُ تعالى، وحلَّتْ في غيرهِ، وأنَّ ما تكلَّم به نُسِبَ إلى غيرِه، وصارَ وصفاً لذلك الغَيْر -كما قد وَسْوَسَ به بعضُ أهل البدَع- فإنَّ هذا المعنى لا يُعقَل في حَقّ الِإنسانِ المَخلوقِ الضَّعيفِ، إذا تكلَّمَ بكلام تزولُ عنهُ صفةُ--------------------------------------------
(73) هكذا على النصب في الأصل، وهي متجهة على تقدير محذوف، ولذا أثبتها كما هي.
(74) صحيح الإِسناد، أخرجه الضياء في "اختصاص القرآن" رقم (16).
(75) انظر: "مجموع الفتاوى": 6/ 528، 12/ 164.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)
الكَلام بذلك وتفارقُه إلى غيرهِ، فإنَّ من كانَ كذلكَ لم يمكِنْه الكلامُ إلَاّ مرّةً واحدةً، فإذا تكلَّمَ هذه المرَّة فارقَتْهُ صفتُهُ، لأنَّ الكلامَ خرَجَ منه وفارقَهُ، وبمفارقته زالتْ عنه الصّفة ولَحِقَتْ غيرَهُ، هذا كلامٌ لا يقوله مَن يَدري ما يقولُ، فإنَّ مَنْ وُصِفَ بالكلام على هذا المعنى موصوفٌ بالعَجْز عنه، وهو غيرُ متصوَّرٍ في حقّ الناطق المَخلوق على ضَعْفه، فكيف تصوَّرَهُ هؤلاء الضُّلَاّلُ في حقّ الله الذي ليسَ كمثلهِ شيءٌ، فإنَّه تعالى وصفَ نفسَه بأنَّه متكلمٌ بكلامٍ متعلقٍ بمَشيئتهِ وقُدْرتهِ، يُسْمِعُه من شاءَ من خلقهِ، متى شاءَ، وأنَّ كلماتِهِ تعالى لا تَنْفَدُ، ومن كان هذا وصْفُهُ لم تفارقْهُ صفَتُهُ بتكلّمهِ مرَّةً أو مرَّاتٍ، وكانَ كلُّ ما تكلَّمَ به منسوباً إليه لا إلى غيرِهِ.
قالَ الإِمام الحافظُ أبو الوليد الطَّيالِسيُّ: "القُرْآنُ كلامُ الله ليسَ ببائنٍ من الله" (76).
وقال شيخ الإِسلام: "وإنَّ قولَ السَّلَف: (منه بدأ) لم يُريدوا به أنه فارقَ ذاتَهُ، وحَلَّ في غيره، فإنَّ كلامَ المخلوقِ، بل وسائرَ صفاتهِ لا تفارقُه وتَنْتَقِلُ إلى غيرِهِ، فكيفَ يجوزُ أنْ يفارقَ ذاتَ الله كلامُه أو غيرُهُ من صفاتِهِ" (77).
قلتُ: قالَ الله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة:6] فالَّذي يسمَعُهُ المُشْرك المستجيرُ من القارئ إنَّما هو كلامُ الله المضافُ إليه لا إلى غيرهِ، فلو أن كلامَه بانَ منه--------------------------------------------
(76) رواه أبو داود في "المسائل" ص: 266 بسند صحيح عنه.
(77) "مجموع الفتاوى" 12/ 274 وانظر: 12/ 517 - 518، 561،550.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)
وفارقَه لَما صَحَّتْ إضافَتُهُ إليه إضافةَ الصِّفَةِ إلى الموصوفِ.
وهذا الكلامُ بعَيْنِهِ هو الذي في مَصاحفِ المُسلمينَ بلا شَكٍّ ولا ريبٍ، خِلافاً لِلَّفظيةِ من الأشعريةِ وغيرهم القائلينَ بأنَّ ما في المَصاحفِ دلالةٌ على كلام الله، وليسَ هو كلامَ الله، وقد قالَ الله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فأبان أنَّ كلامَه الذي هو وحيُهُ وتنزيلُهُ يكونُ في الكتاب المكنونِ، فكذلك كونُه في المَصاحفِ، ونحنُ لا نعلَمُ القرآنَ إلَاّ هذا العربيَّ المنزَلَ، وهو الذي سمَّاه الله تعالى كلامَه.
وقَدْ قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:
"لا تُسافِروا بالقرآن إلى أرْضِ العَدُوّ، فإنِّي أخافُ أن ينالَهُ العدوُّ" (78).
ولا خِلافَ في أنَّ النَّهيَ عن السَّفر بالقرآن، إنَّما هو النَّهْيُ عن السَّفَرِ--------------------------------------------
(78) حديث صحيح.
أخرجه مالك2/ 446 والشافعي رقم (1149، 1150) وأحمد رقم (4507، 4525، 4576، 5170، 5293) والبخاري 6/ 133 ومسلم رقم (1869) وأبو داود رقم (2610) والنسائي في "فضائل القرآن" -من "الكبرى"- رقم (85) وابن ماجة رقم (2879، 2880) من طرق عن نافع عن ابن عمر به مرفوعاً.
وتابع نافعاً عليه عبد الله بن دينار، أخرجه أحمد رقم (6124) وابن أبي داود في "المصاحف" ص: 183 بسند صحيح عنه.
وكذا تابعه سالم عن أبيه، أخرجه ابن أبي داود ص: 179 - 180 بسند صالح في المتابعات.
وهذا حديث جليل قد أفردت الكلام عليه إسناداً ومتناً في جزء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)
بالمَصاحفِ، لأنَّ القرآنَ إنَّما يكونُ فيها، وهي التي تُحْمَلُ وتُنْقَلُ، ولا نعلَمُ القرآنَ إلَاّ كلامَ الله المنزَلَ على الحقيقةِ.
قال شيخُ الإِسلام: "وممَّا كانَ أحمدُ أنكرَه من قولِ الجهميَّةِ قولُ من زعَمَ أنَّ القرآنَ ليسَ في الصُّدورِ، ولا في المَصاحفِ" (79).
قلتُ: وفي الباب الثالث في إبطال اعتقادِ الأشعرية ما يتضمَّنُ إبطالَ قَوْلِ من قال: ليسَ القرآن في المُصْحَف على الحَقيقةِ، وإنَّما فيه الدلالة عليه.
والله تعالى أعلم، وما توفيقي إلَاّ به عليه توكَّلت وإليه أنيب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)
الباب الثاني: توضيح مسألة اللفظ بالقرآن ورفع ما وقع بسببها من الاشكال
وفيه تمهيد وفصلان:
= الفصل الأول: تفسير الألفاظ المجملة التي وقع بسببها الاشكال.
= الفصل الثانى: مسألة اللفظ وموقف أهل السنة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)
تمهيد
المُرادُ بمسألةِ اللَّفْظِ بالقُرآنِ هو القولُ بأنَّ (لفظَ القارئ بالقرآنِ، وقِراءَتَه له، وتلاوتَهُ) هل يُقال: (مخلوقٌ، أو مخلوقةٌ) أو لا يقال ذلك؟
وهي من المَسائل التي كان لها صَدًى واسعٌ في صفوفِ المُحدِّثينَ وغيرهم، ممَّا أدّى إلى شقاقٍ وفرقةٍ، أفرحَت الشيطانَ وأولياءَه، وضاقَتْ بسَبَبِها صدورُ أهْل السُّنَّة والجَمَاعَةِ.
وكانت هذه المسألةُ حَيْدةً من الجَهمية القائلينَ بخَلْقِ القرآنِ إلى لفظٍ يوهِم موافقَتَهم لأهْل السُّنَّةِ، مع أنَّهم يُريدون مذهَبَهم الباطلَ، فلبَّسوا بهذا على الناسِ، وفتَحوا عليهم باباً جديداً من البدعة، فقالوا: ألفاظُنا بالقرآن مخلوقةٌ.
وكانَ مبدأ ظهورِ هذه اللَّفظةِ والقولِ بها في عَهْدِ الإِمام أحمدَ، حين ظَهَرَ الحقُّ الذي أعلاهُ الله بأحمدَ بن حنبل ومن ثَبَتَ معَه من إخوانهِ، وقَوِيَتْ شَوْكةُ أهله، ونصرَهم الله، وخَذَل المبتدعة من الجهمية المعتزلة القائلينَ بخَلْقِ القرآنِ.
وكان أوَّلُ من عُرِفَ أنه قالَها الحُسَينَ الكرابيسيَّ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)
قال الإِمام إسماعيلُ بن الفَضْل الأصبهانُّي: "وأوَّل من قالَ باللَّفظ، وقال: ألفاظُنا بالقرآن مخلوقةٌ حُسَينٌ الكَرابيسيُّ، فبدَّعَه أحمد بن حنبل، ووافقَه على تبديعهِ علماءُ الأمصار … " (1).
ثم ساقَ أسماءَ جماعةٍ من الأئمَّة والعُلماءِ.
ووافقه عبد الله بن سَعيد بن كُلَاّب وداودُ الظاهريُّ.
وسبَبُ ذلك ما ابْتُلوا به من علْمِ الكلام المَذمومِ، فَوافقوا الجَهمية في حقيقةِ قولهم.
ولمَّا كان الإِمام أحمدُ قَدْ خَبِرَ باطلَ القوم، وعَرَف مَداخِلَه، لم يتردَّدْ في تَضْليلِهم، وتَبْديعِهم وتَجْهيمِهم، ونقَلَ عنه الثّقاتُ من أصحابهِ من ذلك ما فيه الكفايةُ والمَقْنَع لمَن نوَّرَ الله قلبَه بنورِ الهداية، وجنَّبه سُبُلَ الغِوايةِ.
فجاءَ من بَعْدِهِ أقوامٌ غَلِطوا في مَعرفةِ حَقيقةِ قَولهِ، وذلكَ إمَّا لخَفاءِ نُصوصِهِ الصَّريحةِ عنهم وإمَّا لهَوًى وبدعةٍ فيهم، وإنْ وقع انتسابُ الكثير منهم للعلْمِ والسُّنَّةِ.
فرأيتُ من الضِّرورةِ -وقَدْ خُضْتُ غِمارَ هذا الموضوع- أن أوضِّحَ -بما يَسَّر الله تعالى- ما وقعَ من اللَّبْس في هذه القضيةِ، ولولا ما وقعَ بسَبَبِها من النبلاء لكانَ في تركِ الكلام فيها غُنْيَةٌ.
والله المُستعان، ولا حَوْل ولا قوَّة إلَاّ به.
• • • • •--------------------------------------------
(1) كتاب "الحجة" ق 92/ ب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)
الفصل الأول: تفسير الألفاظ المجملة التي وقع بسببها الاشكال
وفية مبحثان:
= المبحث الأول: بيان هل اللفظ هو الملفوظ؟ أم غيره؟
= المبحث الثاني: تبيين المراد بقوله تعالى: إنه لقول رسول كريم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)
المبحث الأول: بيان هل اللفظ هو الملفوظ؟ أم غيره؟
وقوعُ الإِجْمالِ في إطلاق القَوْلِ: اللَّفْظ هو المَلفوظُ، أو غيرُهُ، وكذلك: القراءةُ هي المقروءُ أو غيرُهُ، وكذلك: التّلاوةُ هي المتلوُّ، أو غيره، أعظمُ مَوارد اللّبس في هذه القضيّة.
وبيانُ ذلك كما يأتي:
(اللَّفظ، القِراءة، التِّلاوة) ألفاظٌ تُطلَقُ على المَصْدَر الذي هو فِعْلُ اللَاّفظ، والقارئ، والتالى، وكَسْبُهُ الذي يكونُ بآلاتهِ وجوارحهِ، ومنه صَوْتُه وحَركةُ شَفَتَيْهِ.
وتُطْلَقُ على المَفْعول، الًذي وقعَ عليه فعل القارىءِ، وهو المَلفوظ، المقروءُ، المتلوُّ.
والأغلبُ استعمالُها في المَصادرِ في لُغَةِ العَرَبِ، لكنَّهم يستعملونَ المصدرَ بمعنى المَفْعولِ.
قال إمامُ العربية سِيبَوَيْه رحمه الله: "وقد يجيء المصدرُ على المفعول، وذلك قولُكَ: (لَبَنٌ حَلَبٌ) إنَّما تريدُ: مَحلوب، وكقولهم:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)
(الخَلْق) إنَّما يُريدونَ: المَخلوق، ويقولونَ للدِّرْهم: (ضَرْبُ الأمير) وإنَّما يريدون: مضروب الأمير".
قال: "وربَّما وقع على الجَميع" (2).
قلتُ: ومثالُه قوله تعالى: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ} [الزمر: 6] فالخَلْقُ هُنا المَصْدر، وهو فعلهُ تعالى، وقوله: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء: 119]، فالخَلْق هنا المخلوقُ، الذي هو مفعولُ الربّ تعالى.
قال ابنُ قُتَيْبَةَ رحمه الله: "القراءةُ قد تكون قرآناً، لأنَّّ السَّامعَ يسمَعُ القراءةَ، وسامعُ القراءةِ سامعُ القرآنِ، وقال الله عز وجل: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ} [الأعراف: 204]، وقال: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ} [التوبة: 6].
قال: "والعربُ تُسمّي القراءةَ قرآناً، قال الشاعرُ في عثمانَ بن عفَّان رضي الله عنه:
ضَحّوا بأشْمَطَ عنوانُ السُّجودِ به … يُقَطِّعُ الليل تَسْبيحًا وقرآناً
أي: تسبيحًا وقراءةً.
وقالَ أبو عُبيد: يقالُ قَرأتُ قِراءة، وقُرآناً، بمعنى واحدٍ.
فجعَلَها مَصْدَريْن لقرأتُ.
وقال الله تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] أي: قراءة الفَجْر" (3).--------------------------------------------
(2) "الكتاب " 4/ 43، 44.
(3) "الاختلاف في اللفظ" ص: 245 - ضمن عقائد السلف-.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)
وفي هذا جميعاً كانت القراءة هي المقروءَ.
وكذلك فإن القراءةَ عَمَلٌ، يُثابُ عليها فاعلُها، وكذا يقَعُ المَدْحُ لِقراءة قارىءٍ، والذَّمُّ لِقراءةِ آخر، والمُفاضَلةُ بين قِراءةِ قارىءٍ وآخر، وفي هذا كانت القراءةُ فعلَ القارىء.
فلمَّا كانت هذه الألفاظُ تأتي بالمَعْنيين، بمعنى فِعْلِ اللَاّفظ، والقارىء والتالي، وما وقَعَ عليه فعلُهُ، وهو الملفوظُ المقروءُ المتلوّ، منعَ
الإِمامُ أحمدُ وغيرُهُ من أئمَّة السُّنَّة من إطلاقِ كِلَا اللَّفْظين في كَلامِ الله تعالى -كما سيأتي- فلا يقالُ: اللَّفْظ هو المَلفوظُ، ولا يقال: غيره، وكذلك القراءةُ والتّلاوةُ، لمِا في الإطلاقِ من إيهامِ مَعانٍ فاسِدةٍ.
فلو أطْلِقَ القولُ: (لَفْظي بالقرآن مخلوقٌ) دخَلَ في الإِطلاق فعلُ اللافظ، وحركتُهُ، وصوتُهُ، وهو حَقٌّ، ودخلَ الملفوظُ الذي هو كلامُ الله المؤلّفُ من الحُروفِ المَنطوقة المَسْموعةِ المَفْهومةِ، وهو باطلٌ.
وهذا هو مُرادُ من أطلقَ ذلكَ، لأنَّ أوَّلَ من أطلقه الجَهْمِيَّةُ القائلون بأنَّ القرآنَ مخلوقٌ (4).
وإنْ أطْلَقَ القولُ: (لَفْظي بالقرآن غيرُ مخلوقٍ) دخَلَ في الإِطلاق أيضاً فعلُ اللافظ، وهو باطلٌ، فإنَّ أفعالَ العباد جَميعاً مخلوقةٌ لله تعالى، كما قال الله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] ودخلَ الملفوظُ الذي هو كلامُ الله، وهو حَقٌّ، فإنَّ كلامَ الله تعالى غيرُ مخلوقٍ، حُروفَه ومعانِيَهُ.--------------------------------------------
(4) كما قالَ ذلك شح الإِسلام، "مجموع الفتاوى" 8/ 407.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)
قال شيخُ الإِسلام: "واللَّفظُ في الأصْلِ: مصدرُ (لَفَظ، يَلْفِظ، لفظاً) وكذلك: التلاوةُ، والقراءةُ، لكنْ شاعَ استعمالُ ذلك في نفسِ الكلام المَلفوظ المقروء المتلوّ، وهو المُراد باللفظ في إطلاقهم، فإذا قيلَ: (لفظي، أو: اللفظ بالقرآن مخلوق) أشْعرَ أنَّ هذا القرآنَ الذي يقرؤُهُ ويَلْفِظُ به مخلوقٌ، وإذا قيل: (لفظي غيرُ مَخلوق) أشْعر أنَّ شيئاً ممَّا يُضافُ إليه غيرُ مخلوقٍ، وصوتُهُ وحركَتُهُ مخلوقانِ، لكنَّ كلامَ الله الذي يقرؤه غيرُ مخلوقٍ، والتلاوةُ قد يُرادُ بها نفسُ الكلام الذي يُتلى، وقد يُرادُ بها نفسُ حركَةِ العبدِ، وقَدْ يُرادُ بها مَجموعُهما، فإذا أريدَ بها الكلامُ نفسُه الذي يُتلى فالتلاوةُ هي المتلوُّ، وإذا أريدَ بها حركةُ العَبْدِ فالتلاوةُ ليسَتْ هي المتلوَّ، وإذا أريدَ بها المجموعُ فهي متناولةٌ للفعلِ والكلامِ، فلا يُطلَق عليها أنها المتلوُّ، ولا أنَّها غيرُهُ" (5).
قلتُ: ولِذا قالَ الِإمام أحمدُ رحمه الله: "مَن قالَ: لَفْظي بالقرآن مخلوقٌ فهو جَهْمِيٌّ، ومَن قالَ: غيرُ مخلوقٍ، فهو مُبْتَدِعٌ، لا يُكلَّم" (6).
وقال عبد الله ابنُه: وكانَ أبي رحمه الله يكرَهُ أنْ يُتَكَلَّمَ في اللَّفْظِ بشَيْءٍ، أو يُقالَ: مخلوقٌ، أو غيرُ مَخلوقٍ (7).--------------------------------------------
(5) "مجموع الفتاوى" 12/ 306 - 307.
(6) رواه الخلاّل في "السنة" -كما في "مجموع الفتاوى" 12/ 325 - بسند صحيح عن أحمد.
وكذا رواه ابن جرير في "صريح السنَّة" رقم (32) -وعنه: اللالكائي في "السنَّة" 2/ 355 - عن جماعة عن أحمد نحوه.
(7) "السنَّة" لعبد الله رقم (186).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
وسيأتي شرح قولِ الطائفتين: النافيةِ، والمثبتةِ.
المقصودُ هنا بيانُ عدَمِ صحَّةِ إطلاقِ القولِ بخَلْق اللَّفظِ وعدَمهِ في كلام الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)
المبحث الثاني: تبيين المراد بقوله تعالى {إنه لقول رسول كريم}
قول الله تعالى هذا جاءَ في موْضِعَيْن من كتابه:
الموضع الأوَّل: في سورة الحاقَّة [آية: 40].
والموضع الثاني: في سورة التكوير [آية: 19].
والمُرادُ بالرَّسولِ في آية الحاقَّة نبيّنا صلى الله عليه وسلم، وفي آيةِ التَّكوير جِبريلُ عليه السلام، فأحدهُما الرَّسول البَشريُّ، والآخَرُ الرَّسولُ المَلَكيُّ.
قالَ تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75] وقال سبحانه: {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [فاطر: 1]
وأمَّا الدليلُ على تَعيين المرادِ في الموضعِ الأولِ أنَّه محمَّد صلى الله عليه وسلم فمِنْ وجُوهٍ دلَّ عليها سياق الآياتِ.
قال تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} الآيات [الحاقة:40: 48].
فالوجه الأوَّل: دلَّ السّياقُ على أنَّ المرادَ تنزيهُ كونِ هذا القول الذي هو القرآنُ قولَ شاعرٍ أو كاهنٍ.
والذي وصفَه الكفَّارُ بالشّعر والكَهَانَةِ هو رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم، كمَا قال تعالى: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} [الأنبياء: 5] وكما قالَ تعالى: {وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 36] فأبطَلَ الله تعالى وصفَهم إيَّاه بذلكَ بإثباتِ أنَّه قولُ رسولٍ كريم، اجتمعَتْ فيه مَعاني الكرَم، والتي منها طَهارتهُ ونزاهَتهُ وصِدْقهُ وأمانَتهُ، التي تمنَعهُ من التَّقوُّل والافتراءِ، والشِّعرِ والكَهانة، إذ أنَّها جَميعًا مَعاني باطلةٌ لا تَليقُ بمَقامهِ، لأنَّه الكريمُ في خُلُقِهِ وطَبْعهِ وأصْلِهِ.
والوجه الثاني: قوله: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا} أضْمَرَ الفاعلَ للعلمِ به، وهو المذكورآنفًا بوصْفِهِ الرَّسول الكَريم، وهذا ظاهرٌ، فلو لم يكن محمَّداً صلى الله عليه وسلم فمَنْ يكونُ إذًا؟
أجاب عن هذا بعضُ المُبتدعةِ فقالَ: هو جبريلُ عليه السلام، بقرينة آية التكوير.
قلنا: يردُّهُ ظاهرُ الخِطابِ، قالَ تعالى: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} وهذا خِطابٌ لقُريشٍ، فلو كانَ جبريلُ عليه السلام هو المفترَض تقوُّلُهُ، فلا مَعنى إذًا لتَحدِّي قُرْيشٍ بقولِهِ: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} لأنَّ حِمَايَتَهُمْ وَحِفْظَهُمْ لجبريلَ غيرُ مقدورٍ لهم، فلا فائدةَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)
من تحدِّيهم فيهِ.
والوجه الثالث: أنَّ هذا قولُ عامَّة المفسِّرينَ، إلَاّ مَنْ شَذَّ لبدعةٍ أو عدَم أمانةٍ، كالكلبيّ ومُقاتلٍ (8).
والدَّليلُ على تَعيين المُرادِ في المَوضِع الثاني، وأنَّه جبريلُ عليه السلام، فمِنْ وُجوهٍ أيضًا:
الأول: وصفُه بقوله: {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} كقولِهِ في النجم: {شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ} ومعلومٌ هناك أنَّه جبريلُ.
والثاني: قولُهُ: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} الهاء في قوله: {رَآهُ} عَائدةٌ على الرَّسولِ الكَريمِ، والذَي رآه صَاحبُنا محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم بالأفُق المُبين إنَّما هو جبريلُ عليه السلام كما صرَّحَ به الخبرُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقَدْ سُقناهُ في الباب الأول (9).
والثالث: قولُهُ: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} رَدٌّ على الكفَّارِ القائلينَ: إنَّما يأتي محمَّدًا شيطانٌ يعلِّمُهُ، وهو نظيرُ قولِهِ تعالى: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء: 210 - 212]، وكانَ هذا بعدَ قولهِ: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ--------------------------------------------
(8) "زاد المسير" 8/ 354.
والكلبي هو محمد بن السائب مفسّر مشهورٌ، وكان كذّابًا معروفًا بالكذب، ليس بثقَةٍ ولا مأمون، وكان صاحبَ ضلالةٍ، يؤمنُ برَجْعة عليّ، وأمَّا مقاتل فهو ابن سُليمان مفسّر مشهور أيضًا، ولم يكن ثقةً ولا مأمونًا واتُّهم بالكذب، وكانَ مجسّمًا مشبّهًا للرب تعالى بخلقهِ.
(9) ص 104.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)
رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192 - 195]، وهذا ظاهرٌ في كونهِ جبريلَ عليه السلام.
والرابع: اتّفاقُ المفسّرينَ على أنَّه جبريلُ.
فهذه الوجوهُ التى سُقْتُها كافيةٌ للدَّلالةِ على تَعيين المُرادِ بالرَّسولِ في كِلا المَوْضعَيْن لمَنْ هَداهُ الله تعالى وبصَّرَهُ، مَعَ أنّي أرى الفرقَ بينهما ظاهرًا بأدنى تأمُّلٍ.
• معنى إضافة القول إلى جبريل ومحمد عليها الصلاة والسلام:
المُرادُ بالقوْلِ ظاهِرٌ في أنَّه القرآنُ المُنْزَلُ بهذا اللّسان العَربيّ المُبين، الذي هو تنزيلُ ربّ العالَمينَ، وإضافَتهُ إلى الرَّسولَيْنِ لأجْلِ أنَّ كُلاًّ منهما بَلَّغَهُ وأدَّاهُ، فهو قولهُ من هذهِ الجهَة، وليسَ قولَهُ بمعنى أنَّه أنَشأه وابتدَأهُ لامتناع ذلك، إذ أنَّه لو كانَ من إنشاءِ أحدِهما ونظْمهِ لمَا صحَّت إضافَتهُ إلى أحدِهما دونَ الآخر، لأنَّ كُلاًّ منهما يكونُ قَدْ أنشأه وقالَه، وهو باطلٌ.
وهو كلامُ الله بألفاظهِ ومَعانيه جَميعًا، ألقاهُ إلى جبريلَ عليه السلام، فبلَّغَهُ جبريلُ إلى محمَّد صلى الله عليه وسلم، فبلَّغهُ محمَّد صلى الله عليه وسلم إلى أمَّتهِ، وليس لجبريلَ عليه السلام ولا لمُحمَّد صلى الله عليه وسلم إلَاّ التبليغُ والأداءُ.
والدليل عليه من وُجوهٍ:
الأوَّل: أنَّه قال: {لَقَوْلُ رَسُولٍ} ولم يَقُلْ: لَقْولُ مَلَكٍ، أو: نَبِيّ،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)
والرسولُ يقتَضي مُرْسِلاً وَمُرْسَلاً به، والمُرْسِل هو الله تعالى، والمرسَلُ به كلامُه ووحيُهُ، لا معنى للرسالةِ إلَاّ هذا.
قالَ ابن قُتيبة رحمه الله: "لم يُرِد أنَّه قولُ الرَّسولِ، وإنَّما أرادَ أنَّه قولُ رَسولٍ عن الله جَلَّ وَعَزَّ، وفي الرَّسولِ ما دلَّ على ذلك، فاكتفى به من أن يقولَ: عن الله" (10).
والثاني: أنَّه لَوْ كان الرَّسولُ قدْ أنشَأهُ لمَا كانَ أميناً على رِسالتهِ، لأنَّ المُرسِلَ ائتمَنَه على تبليغ كلامهِ على وَجْهِهِ بألفاظِهِ وَمَعانيه -لأنَّ الكلامَ لا يكونُ إلَاّ كذلكَ كما سبقَ تقريرُه في الباب الأوَّل- فأنشَأ له الرَّسول نَظْماً آخرَ، وهذا خِيانةٌ للأمانَةِ.
والثالث: أنَّه لو كانَ من إنشاءِ أحَدِ الرَّسولين لامتنعَ أن يكونَ من إنشاءِ الآخر -كما سَبَق قريبًا-
والرابع: أنَّ الله تعالى قالَ عقبَ إضافةِ القَوْلِ إلى الرَّسولِ الكَريم في سورة الحاقَّة، وبعدَ أنْ نزَّهَه أن يكونَ قولَ شاعرٍ أوكاهنٍ {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فجَعلَ ابتداءَهُ منه لا مِنْ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، ولا من جبريلَ عليه السلام، يُجَلّيه ويوضِّحُهُ قولُهُ فى الشعراء: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} فَبيَّن أنَّ المنزَلَ بلسانٍ عربيٍّ مُبينٍ -واللّسانُ: اللُّغة- هَو الذي نزلَ به الرُّوحُ الأمينُ جبريلُ من عندِ رَبِّ العالَمين تعالى، فبانَ بهذا أنَّه قولُه تعالى وكلامُهُ ووحيُهُ.--------------------------------------------
(10) "تفسير غريب القرآن" ص: 484.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)