فاستعاذَ النبي صلى الله عليه وسلم بالرِّضا والمُعافاة وهما مَخلوقان.
والجوابُ: أن هذا الاعتراضَ من فاسدِ الفهْم الذي أدخلَه عليهم الشيطانُ -لعنه الله- وذلك أنَّهم حَسِبوا أنَّ الرِّضا والمعافاةَ من خَلْقه تعالى، جَرْياً على سُنَّتِهِم في أنَّ الله تعالى لا يقوم به اختيارٌ ولا مَشيئة، والرِّضا والمعافاةُ إنَّما يتعلَّقان بالمشيئةِ، وكلُّ ما تعلَّقَ بالمشيئة فهو مخلوقٌ.
وهذا الأصل الفاسِدُ جرَّهم إلى الوقوع في تعطيل جميعِ الصفاتِ الاختيارية، كالرِّضا، والغَضبِ، والرَّحْمةِ، والرَّأفةِ، والحُبِّ، والبُغْضِ، والإِنْعام، والانتقامِ، وغيرِها مَما يتعلَّقُ بمشيئتهِ تعالى واختيارهِ.
والحَقُّ الأبلجُ الذي يبهَرُ أبصارَ أهلِ البِدَع أنَّه تعالى تقومُ به الصِّفاتُ الاختياريةُ، كما سيأتي تقريره بأبسط من هَذا.--------------------------------------------
= (3566) والنسائي 3/ 248 - 249 وابن ماجة رقم (1179) من طرق عن حماد بن سلمة عن هشام بن عمرو عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن عليّ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ في آخر وترِه:
"اللَّهم إنِّي أعُوذُ برضاكَ من سَخَطِكَ، وأعُوذُ بمعافاتِكَ من عقوبتِكَ، وأعوذُ بكَ منكَ، لا أحصي ثناءٌ عليك، أنتَ كما أثنيْتَ على نفسِكَ".
قال الترمذي: "حديث حسنٌ غريبٌ من حديث عليّ، لا نعرفه إلاّ من هذا
الوجه، من حديث حماد بن سلمة".
قلت: إسناده صحيح، وهشام هذا هو الفَزاري معروف برواية هذا الحديث،
وهو ثقة.
وقد رواه عن عليّ أيضاً إبراهيم بن عبد الله بن عَبْدٍ القاري.
أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم (891، 892).
وإسناده منقطع، إبراهيم عن علي مرسل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
والاستعاذة بالرِّضا والمُعافاةِ، استعاذةٌ بصفته تعالى، إذ رضاهُ تعالى صفتهُ التي يرضى بها عمَّنْ شاءَ من عبادهِ، ومعافاتُهُ صفَتُهُ التي يُعافي بها من شاءَ من عبادِهِ، والمَخلوق إنَّما هو العافيةُ الموجودةُ في الناس، والتي كانت بمعافاتِهِ تبارك وتعالى، فتأمَّل هذا رحِمَكَ الله ترشَد إن شاءَ الله.
2 - حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"فَضْلُ كلامِ الله على سائرِ الكلامِ كفَضْلِ الله على سائرِ خلقِهِ" (61).
تضمَّن هذا الحديث إثباتَ عقيدةِ السَّلَفِ (القرآن كلام الله غيرُ مخلوق) وذلك من وجهين:
الأوَّل: التفريق بين كلام الله وما سِواه من الكلام، والكلامُ إما كلامُ الله الذي هو صفته، أو الكلامُ المخلوق الذي يقَعُ من خلقِهِ، فأضافَ ما كانَ صفةً لله إلى الله، وعمَّمَ ما سِواهُ، ليشمَلَ كلَّ كلام سوى ما أضافه إلى الله، ولو كان الجميعُ مَخْلوقاً لمَا كانت هناك حاجة إلى التفريق.
والثاني: جعلَ الفَرْقَ بينَ كلام الله وكلام غيره كالفَرْقِ بينَ ذاتِ الله وذاتِ غيره، فجعلَ كلامَه مساوياً لذاتِهِ، وكَلَامَ المخلوقِ مساوياً لذات المخلوقِ، ولو كان كلامُهُ مخلوقاً لم يساوِه بذاتِهِ، فإنَّ الله تعالى ليسَ يُساويه شيءٌ غيرُ صفاتِهِ وأسمائِهِ.
وقد احتجَّ بهذا الإِمام عثمان بن سعيد الدَّارِمِيُّ في "الردِّ على--------------------------------------------
(61) حديث حسن.
سبق تخريجه ص 85 - 86.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
الجهمية" فقال بعدَما ذكَر الأحاديثَ في هذا المعنى:
"ففي هذه الأحاديث بيانُ أنَّ القرآنَ غير مخلوقٍ، لأنَّه ليس شيءٌ من المخلوقينَ من التفاوت في فَضْلِ ما بينهما كما بين الله وبينَ خلقِهِ في الفَضْلِ، لأنَّ فَضْلَ ما بين المخلوقين يُسْتَدْرَك، ولا يُسْتدركُ فَضْلُ الله على خلقِهِ، ولا يُحْصِيهِ أحَدٌ، وكذلك فَضْلُ كلامهِ على كلام المخلوقين، ولو كانَ مخلوقاً لم يكن فضْلُ ما بينَه وبين سائر الكلام كفضْلِ الله على خلقهِ، ولا كَعُشْرِ عُشْرِ جُزءٍ من ألفِ ألفِ جُزْءٍ، ولا قريباً فافْهَموه، فإنَّه ليسَ كمثله شيءٌ، فليسَ كَكَلامِهِ كلامٌ، ولن يُؤْتى بمثلِهِ أبداً" (62).
• من المعقول الصريح:
وذلك من وجهين:
الأول: أنَّ كلامَ الله إنْ كانَ مخلوقاً، فلا يخلو من أحَدِ حالَيْن:
الأولى: أنْ يكونَ مخلوقاً قائماً بذاتِ الله.
والثانية: أنْ يكونَ منفصلاً عن الله بائناً عنه.
وكلا الحالين باطلٌ، بل كفرٌ شنيعٌ.
أمّا الأولى فيَلزَمُ منها أن يقوم المخلوقُ بالخالقِ، وهو باطلٌ في قولِ أهلِ السُّنَّةِ، وعامَّةِ أهلِ البِدَعِ، فإنَّ الله تعالى مُستغنٍ عن خلقهِ من جميع الوجوهِ.
وأمّا الثانية فيلزَمُ تعطيلُ صفَةِ الكلام للباري تعالى، إذْ أنَّ الصفةَ إنَّما--------------------------------------------
(62) "الرد على الجهمية" ص: 162 - 163.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
تقومُ بالمَوصوف -كما سبق تقريرةُ- لا تقومُ بسِواه، فإنْ قامَتْ بغير الموصوف كانت وصفاً لمن قامتْ به، وهذا معناه أنَّ الرَّبَّ تعالى غيرُ متكلّمٍ، وهو كفرٌ بَيِّنٌ، كما بَيَّنا الدلالةَ عليه.
والثاني: علمتَ أنَّ الصفةَ لا تقومُ بنفسِها، فإن كانتْ صفةً للخالق قامت به، وإن كانتْ صفةً للمخلوقِ قامتْ به ولا بدَّ، فالحركةُ، والسُّكونُ، والقيامُ، والقعودُ، والقدرةُ، والإِرادةُ، والعلمُ، والحياةُ، وغيرُها من الصِّفاتِ، إن أضيفت لشيءٍ كانت وصفاً لهُ، وهي تابعةٌ لمن قامَتْ به، فهذه صفاتٌ تُضاف للمخلوقِ، فهي صفات له حيث أضيفتْ له، ومنها ما يُضافُ إلى الخالق، كالقُدْرةِ والإِرادةِ والعلمِ والحياةِ وغيرِ ذلك، فهي صفاتٌ له حيثُ أضيفت له، وحيثُ أضيفت للمخلوقِ فهي مخلوقةٌ، وحيثُ أضيفت للخالقِ فهي غير مخلوقةٍ.
فصفةُ الكلامٍ كغيرها من الصِّفاتِ، لا بدَّ أن تقومَ بمَحَلٍّ، فإذا قامت بمَحَلٍّ كانت صفةً لذلك المَحَلِّ، لا صفةً لغيرهِ، فإنْ هى أضيفت إلى الخالق تعالى فهيَ صفتُهُ، وإنْ أضيفتْ إلى غيرِهِ فهي صفةٌ لذلك الغيرِ، وصفةُ الخالقِ غير مخلوقةٍ كنفسهِ، وصفةُ المخلوقِ مخلوقةٌ كنفسهِ.
فلمَّا أضافَ الله لنفسه كلاماً، ووصَفَ نفسَهُ به، كان كلامُهُ غيرَ مخلوقٍ، لأنَّه تابعٌ لنفسِهِ، ونفسُهُ تعالى غيرُ مخلوقةٍ، والكلامُ في الصِّفات فَرْعٌ عن الكلامِ في الذاتِ.
فإنْ قيلَ: هو مخلوقٌ، قُلْنَا: إذاً يتنزَّةُ الله عن الاتّصافِ بمخلوقٍ، وأنتم تنزهونه تعالى بزَعْمِكُمْ عن قيام الحوادث به، فحيثُ نزّهتم ربَّكم تعالى عن ذلك فإنَّه يلزمُكُم أن لا تضيفوا إليه كلاماً، وبهذا تكذّبون السَّمْعَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
والعقل الشاهِدَيْنِ على أنَّ لله تعالى صفةَ الكلام، كما قدْ بيَّناه فيما مضى.
لكنَّهم أبَوُا الإِقرار بأنَّ كلامَ الله تعالى غيرُ مخلوقٍ بأدهى ممَّا سبَقَ من الباطل، فقالوا: نُثْبِتُ أنَّ الله متكلمٌ بكلامٍ قائمٍ في غيرهِ، فكلَّم الله تعالى موسى بكلامٍ مَخَلوقٍ قائِمٍ بالشَّجَرة، لا بهِ تعالى، فنحن نزَّهناه عن قيام الحوادث بهِ.
قُلْنا: جعلتُمُ الكلامَ إذاً صفةً للمَحَلِّ الذي قامَ به، وهو على قولِكم الشَّجَرةُ، فكانت الشجرةُ بهذا هي القائلةُ لمُوسى: {يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}، فانتفى حينئذ الفرقُ بين قولِ الشَّجرةِ وقول فرعونَ اللَّعين: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}؛ لأنَّ كلامَ الشجرةِ صفَتُها لا صفةُ الله، وكلامَ فرعونَ صفتُهُ، وكلٌّ ادَّعى الربوبيَّة، فلم يكن موسى إذاً محِقّاً في إنكارهِ قولَ فرعونَ وقبولهِ قولَ الشجرةِ.
سُبحان الله! كم تجُرُّ البدعُ على أهلِها من المَحاذير؟
تأمَّل رحِمَكَ الله لهذا الكُفْرَ الصُّراح، الَّذي أوقعَ أهلَه فيه الابتداعُ المُشِينُ، وعدَمُ الرِّضا والتَّسليم لحَقائق التَّنزيلِ، واستبدالُ الوحي الشريفِ بزُبالاتِ الأذْهانِ التي تُصَرِّفها الأهواءُ كيف شاءَت.
ولقد كانتْ هذه الحجَّةُ العَقْليَّة ممَّا احتَجَّ به الإِمامُ أحمدُ رحمه الله على الجَهْميةِ المعتزلةِ حين ناظرَهم بحضْرَة المعتصِم، قال رحمه الله:
"وهذه قصَّةُ موسى، قال الله في كتابهِ حكاهُ عن نفسهِ: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى} فأثبتَ الله الكلامَ لموسى كرامةً منه لموسى، ثمَّ قالَ بعدَ كلامهِ له {تَكْلِيمًا} تأكيداً للكلامِ، قالَ الله تعالى: يَا مُوسَى {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
إِلَّا أَنَا} وَتُنْكرونَ هذا، فتكونُ هذه الياءُ تَرِدُ على غير الله، ويكونُ مخلوقٌ يدَّعِي الرُّبوبية؟! ألَا هو الله عز وجل" (63).
وكذا احتجَّ بهذه الحُجَّة من أئمَّة السَّلَفِ الثِّقةُ المأمونُ أبو أيوب سليمانُ بن داودَ الهاشميُّ، فقال:
"مَنْ قالَ: القرآن مخلوقٌ فهو كافرٌ، وإن كانَ القرآنُ مخلوقاً كما زعمها فَلِمَ صارَ فرعونُ أولى بأنْ يُخَلَّدَ في النَّارِ، إذْ قالَ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}، وزعَموا أنَّ هذا مخلوقٌ، والذي قال: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي}، هذا أيضاً قد ادّعى ما ادّعى فرعونُ، فَلِمَ صارَ فرعونُ أولي بأن يُخَلَّدَ في النَّارِ من هذا، وكلاهُما مخلوقٌ؟ ".
قال البُخاريُّ رحمه الله: فأخْبِرَ بذلكَ أبو عُبَيْد فاستحسَنه وأعجَبه (64).
قلتُ: وأبو عُبَيد هو القاسم بن سلَاّم لغويُّ أهلِ الحديث.
• من كلام أئمه السلف في إثبات هذه العقيدة:
1 - عمرو بن في دينار (من خيار أئمَّةِ التَّابعينَ):
قال: "أدركتُ أصحابَ النَّبي صلى الله عليه وسلم فَمَن دونَهم منذ سبعينَ سنة، يقولون: الله الخالقُ، وما سِواه مخلوق، والقرآن كلام الله، منه خَرجَ وإليه يعودُ" (65).--------------------------------------------
(63) رواه حنبل في "المحنة" ص: 52 عنه.
(64) "خلق أفعال العباد" رقم (59) عن سليمان به.
(65) أثر صحيح الإسناد. =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
قال إسحاقُ بن راهوَيْهِ:
"وقد أدْرَكَ عَمْرُو بن دينارٍ أجلّةَ أصحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، من البَدْريينَ، والمُهاجِرينَ، والأنصار، مثل: جابر بن عبد الله، وأبي سعيدٍ الخُدْري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبَّاس، وعبد الله بن الزبير، وأجلّة التابعين، وعلى هذا مضى صدرُ هذه الأمَّةِ" (66).
2 - جَعفر بن محمَّد بن عليّ بن الحُسَين المَعروف بـ "الصادق" (إمامٌ ثقَةٌ سُنِّيٌّ):
قال معاويةُ بن عمَّارٍ الدُّهْنِيُّ: قلْتُ لجَعْفر -يعني ابنَ محمد- إنَّهم يسألون عن القرآنِ: مخلوقٌ هو؟ قال:
"ليس بخالِقٍ ولا مَخلوقٍ، ولكنَّه كلامُ الله" (67).--------------------------------------------
= أخرجه الدارمي في " الردّ على الجهمية" رقم (344) و"النقض على المريسي" ص: 116 والبيهقي في "السنن" 10/ 205 وإسناده صحيح. وانظر تعليقي على "اختصاص القرآن" لضياء الدير المقدسي، تعليق رقم (50).
(66) قول إسحاق هذا زاده البيهقي في "السنن" 10/ 205 و"الأسماء والصفات" ص: 245 عقب قول عمرو بن دينار، وسنده صحيح.
(67) أثر صحيح الإِسناد.
أخرجه البخاري في "خلق أفعال العباد" رقم (109) والدارمي في "الرد على الجهمية" رقم (345) و"النقض على المريسي" ص: 116 وعبد الله بن أحمد في "السنة" رقم (132 - 134) وأبو داود في "المسائل" ص: 265 والآجري في "الشريعة" ص: 77 البيهقي في "الأسماء" ص: 246 - 247 و"الاعتقاد" ص: 107 من طريق معاوية به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
3 - مالك بن أنس (إمام دار الهجرة):
قال عبد الله بن نافع: كان مالكٌ يقول: "كلَّم الله موسى صلى الله عليه وسلم " ويقول: "القرآنُ كلامُ الله" ويستفظِع قولَ من يقول: القرآن مخلوق (68).
4 - سفيان بن عُيَيْنَة (إمامٌ حُجَّةٌ):
سئل عن القرآن؟ فقال: "كلامُ الله، وليس بمخلوقٍ" (69).
5 - عبد الله بن المبارك (ذاكَ العَلَم):
قال: "القرآنُ كلامُ الله عز وجل، ليسَ بخالقٍ ولا مَخلوقٍ" (70).
6 - أبو عبد الله الشَّافعيُّ الإِمامُ:
قالَ الرَّبيعُ بن سُلَيْمان صاحبهُ وتلميذُهُ حاكياً المناظرةَ التي جَرَتْ بينَهُ وبينَ حفْصٍ الفَرْدِ في القرآن:
فسألَ الشَّافعيَّ، فاحتجَّ عليه الشافعيُّ وطالَت فيه المُناظرةُ، فأقامَ الشَّافعيُّ الحُجَّةَ عليهِ بأنَّ القرآنَ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، وكفَّر حَفْصاً الفَرْدَ.
قال الرَّبِيعُ:
فلقيتُ حفْصاً الفَرْدَ في المَجْلسِ بَعْدُ، فقال: أرادَ الشَّافعيُّ--------------------------------------------
(68) رواه صالح بن أحمد في "المحنة" ص: 66 بسند صحيح عنه.
(69) أخرجه أبو داود في "المسائل" ص: 265 بسند جيد عنه.
(70) رواه عبد الله بن أحمد في "السنة" رقم (144) وسنده صحيح، وكذا رواه اللالكائي رقم (426).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
قَتْلي (71).
7 - وكيعُ بن الجَرَّاح (أحدُ كبارِ الحُفَّاظ):
قال: "القرآنُ كلامُ الله عز وجل ليسَ بالمَخلوقِ" (72).
8 - يحيى بن سعيد القطَّان (رأسٌ في الحَديثِ وعِلَلِهِ):
قال الحافظُ أبو الوليد الطَّيالِسيُّ: قالَ لي يحيى بن سعيدٍ:
"كيف يصْنَعونَ بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}؟ كيف يَصْنَعونَ بهذه الآية: {إِنِّي أَنَا اللَّهُ}؟ يكونُ مخلوقاً؟ " (73).
9 - يزيد بن هارون (من كبار أئمَّةِ الحَديثِ):
قال: "مَنْ قالَ: القرآنُ مخلوقٌ فهو كافرٌ" (74).
10 - عبد الله بن إدريس (ثقَةٌ ثَبْتٌ):
قال: "القرآنُ كلامُ الله، ومنَ الله، وما كانَ مِنَ الله عز وجل فليسَ بمخلوقٍ" (75).
11 - أبو الوليد الطَّيالِسي: هشامُ بن عبد الملك (ثِقَةٌ حافِظٌ):--------------------------------------------
(71) رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في "آداب الشافعي" ص: 194 - 195 وسنده صحيح.
(72) رواه عبد الله بن أحمد في "السنة" رقم (151) بسند صحيح.
(73) رواه عبد الله بن أحمد في "السنة" رقم (157) بسند صحيح.
وكذا أخرجه البخاري في "خلق أفعال العباد" رقم (30) عن الطيالسي نحوه.
(74) رواه أبو داود في "المسائل" ص: 268 بسند صحيح.
(75) رواه عبد الله بن أحمد في "السنة" رقم (161) بسند صحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
قال: "القرآنُ كلامُ الله، وكلامُ الله ليسَ بمَخلوقٍ" (76).
12 - سليمان بن حَرْبٍ (ثقَةٌ جَبَلٌ صاحبُ سُنَّة):
قال عباسُ بن عبد العظيم -وكان ثِقَةً- سمعتُ سُليمانَ بن حَرْبٍ قال:
"القرآنُ ليسَ بمَخلوقٍ".
فقلت له: إنَّكَ كنتَ لا تقولُ هذا، فما بَدا لكَ؟
قالَ: "استَخْرَجْتُهُ من كتاب الله عز وجل: {لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ} [آل عمران: 77] فالكلام والنظرُ واحدٌ" (77).
13 - الإِمام أحمدُ بن حَنبل إمام أهل السُّنَّة:
النَّقْلُ عنه في ذلك متواترٌ، والناقلونَ عنه لا يُحصيهم العدُّ، وكَفى ما كان منه في المِحْنَةِ مع الجهميةِ المعتزلةِ القائلين بخلقِ القرآن، وقد تقدَّم ذكرُ بعضِ النقلِ عنه، وسيأتي بعض ذلك متناثِراً.
وممَّا يَحْسُنُ ذكرُهُ هنا ما قالَه الإِمام أحمدُ جواباً لسؤالِ المتوكّلِ عن مسألة القرآنِ:
"وقد رُويَ عن غير واحدٍ ممَّن مَضى من سَلَفِنا رحمهم الله أنَّهم كانوا يقولون: القرآنُ كلام الله عز وجل، وليس بمخلوقٍ، وهو الذي أذْهَبُ إلَيهِ، ولسْتُ بصاحبِ كلامٍ، ولا أرى الكلامَ في شَيْءٍ من هذا، إلَاّ ما كانَ في--------------------------------------------
(76) رواه أبو داود في "المسائل" ص: 266 بسند صحيح.
(77) رواه عبد الله بن أحمد في "السنة" رقم (169) عن عباس عنه به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
كتابِ الله عز وجل، أو في حديثٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن أصحابِهِ، أو عنِ التابعينَ، فأمَّا غير ذلك فإنَّ الكلامَ فيه غيرُ مَحْمودٍ" (78).
وقال حنبلٌ: سمعتُ أبا عبد الله يقولُ:
"لم يَزَل الله عز وجل متكلِّماً، والقرآنُ كلامُ الله عز وجل غيرُ مخلوقٍ، وعلى كلِّ جِهَةٍ، ولا يوصَفُ الله بشَيْءٍ أكثرَ ممَّا وصَفَ به نَفْسَهُ عز وجل " (79).
14 - يحيى بن مَعين (إمامُ الجَرْحِ والتَّعديلِ) وأبو خيثمة زُهَيْر بن حَرْب (حافظٌ إمامٌ ناقِدٌ):
قالا: "القرآنُ كلام الله عز وجل، وهو غيرُ مَخْلوقٍ" (80).
15 - أبو بكر بن أبي شَيْبَة (حافظٌ إمامٌ مُصَنِّفٌ):
قال له رجُلٌ من أصحابِهِ: القرآنُ كَلامُ الله وليسَ بمَخلوقٍ، فقال أبو بكر:
"مَنْ لَمْ يَقُلْ هذا فهو ضالٌّ مُضِلٌّ مُبْتَدِعٌ" (81)
16 - عثمان بن أبي شَيْبَةَ (ثِقَةٌ حافِظٌ):--------------------------------------------
(78) رواه صالح في "المحنة" ص: 122 وعبد الله في "السنة" رقم (108) عن أبيهما.
(79) رواه حنبل في "المحنة" ص: 68 وانظر ص: 74.
(80) رواه عبد الله بن أحمد في "السنة" رقم (173) بسند صحيح، وانظر "تاريخ يحيى" رواية الدوري 3/ 335.
(81) رواه عبد الله بن أحمد في "السنة" رقم (162) عنه به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
قال: "القرآنُ كلامُ الله وليسَ بمَخلوقٍ" (82).
17 - جماعةٌ من شُيوخ أبي داودَ السِّجِستاني صاحب "السُّنن":
قال أبو داود رحمه الله:
سمعتُ إسحاقَ بن إبراهيمَ بن راهُوَيهِ، وهَنَّادَ بن السَّريّ، وعبدَ الأعلي بنَ حمَّادٍ، وعُبيدَ الله بن عُمَر بنِ مَيسرةَ القواريريَّ، وحكِيم بن سيفٍ الرَّقيَّ، وأيوبَ بن محمَّدٍ، وسَوّارَ بنَ عبد الله، والرَّبيعَ بن سليمان -صاحبَ الشَّافعيّ- وعبدَ الوهّابِ بن الحَكَم، ومحمَّدَ بن الصَبّاح بنِ سُفيانَ، وعُثمانَ بن أبي شَيْبَة، ومحمَّدَ بنَ بَكّارِ بنِ الرَّيَّانِ، وأحمدَ بن جَوَّاس الحنَفيَّ، ووَهْبَ بن بَقِيَّةَ، ومَن لا أحْصيهم من عُلمائِنا، كلُّ هؤلاءِ سَمِعْتُهم يقولونَ:
"القُرْآنُ كلامُ الله ليسَ بمَخلوقٍ".
وبعضهُم [قال: "القرآنُ] غيرُ مخلوقٍ" (83).
قلتُ: وجميعُ هؤلاءِ الشيوخِ من أئمَّة الحديثِ، وكلُّهم ثِقاتٌ، سِوى حَكيم بن سَيْف فإنَّه صالحٌ لا بأس به.
18 - عليُّ بن المديني (صَيْرفيّ الحَديثِ وأهلِهِ).
قال محمَّدُ بن عثمانَ بن أبي شَيْبة: سمعتُ عليَّ بن المَديني يقولُ--------------------------------------------
(82) رواه عبد الله بن أحمد في "السنة" رقم (163) عنه به.
(83) "المسائل" لأبي داود ص: 266.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
قبلَ أن يموتَ بشَهرين:
"القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، ومَن قالَ: مخلوقٌ، فهو كافرٌ" (84).
19 - أبو يعقوب البُويْطيِّ (تلميذُ الشافعي وخرّيجُهُ):
قال:"مَنْ قالَ: القرآنُ مخلوقٌ، فهو كافرٌ" (85).
20 - المُزَنيُّ: إسماعيل بن يحيى (إمامٌ فَقيهٌ، من أخَصّ أصحابِ الشافعي به):
قال: "القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، ومَن قالَ: إنَّ القرآنَ مخلوقٌ، فهو كافرٌ" (86).
21 - البخاريّ: محمَّد بن إسماعيل (إمامُ المحدّثين):
قال: "القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ" (87).
22 - أبو حاتِمٍ وأبو زُرْعَة الرّازيانِ (عالمانِ حافظانِ، من كبارِ أئمَّةِ الحديثِ):
قال عبدُ الرَّحمن بن أبي حاتِم:--------------------------------------------
(84) أخرجه ابن الطبري في "السنة" رقم (453) والخطيب في "تاريخ بغداد" 11/ 472 بسند صحيح، وانظر "مسائل ابن أبي شيبة لابن المديني" نص: (113).
(85) رواه أبو داود في "المسائل" ص: 268بسند صحيح عنه.
(86) رواه البيهقي في "الأسماء والصفات" ص: 252 بسند صحيح، ورواه هو وابن الطبري بإسنادين آخرين عنه.
(87) "خلق أفعال العباد" ص: 37.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
سألتُ أبي وأبا زُرْعةَ عن مَذاهبِ أهل السُّنَّة في أصولِ الدّينِ، وما أدركا عليه العلماءَ في جميع الأمصارِ، وما يَعْتَقِدان من ذلك؟
فقالا: "أدْرَكْنَا العُلَماءَ في جَميع الأمصار: حِجازاً، وعِراقاً، وشاماً، ويَمَناً، فكان من مذهبهم: الإِيمان قولٌ وعَمَلٌ يَزيدُ وينقصُ، والقرآنُ كلامُ الله غير مخلوقٍ بجميع جهاتِهِ" (88).
فهؤلاءِ بِضْعةٌ وثلاثونَ من الأئمَّةِ، قد سمِّيناهم، عامَّتهم ممَّن يُقْتَدى بهم، وجميعهم من أهلِ القُرونِ المُفَضَّلَة التي هي خيرُ القرون.
قال الإِمام أبو عثمانَ الصابونيُّ:
"ويشهَد أصحابُ الحديث، ويعتقدونَ: أنَّ القرآنَ كلام الله وكتابُه، وخِطابُه، ووحيُهُ، وتنزيلُهُ، غيرُ مخلوقٍ، ومَنْ قالَ بِخَلْقِهِ واعتقدَه فهو كافرٌ عندهم" (89).
ولو أرَدْنا استيعاب ما بلَغنا من أقوالهم في إثباتِ هذه العقيدةِ (القرآنُ كلامُ الله غيرُ مَخْلوقٍ) لاحتاجَ ذلك إلى تصنيفٍ مُستقلٍّ.
وقد ساقَ الإِمامُ أبو القاسِم هبةُ الله بن الحَسَن الطَّبريُّ اللَّالكائي في كتابه العَظيم (شرحِ أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) أو (كتاب السنة) القولَ بذلك عن خَمْسِ مِئَةٍ وخَمسينَ نَفْساً من علماءِ الأمَّةِ وسَلَفِها، كلُّهُم يقولونَ: "القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، ومَن قال: مخلوقٌ، فهو كافرٌ".
قال رحمه الله:--------------------------------------------
(88) أخرجه ابن الطبري في "السنة" 1/ 176 بسند صحيح.
(89) "رسالته في السُّنَّة" نص/6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
"فهؤلاء خَمْسُ مِئَةٍ وخمسونَ نَفْساً أو أكثر، من التَّابعينَ، وأتباع التَّابعينَ، والأئمةِ المَرْضييّنَ، سوى الصحابة الخيّرين، على اختلاف الأعصارِ، ومُضِيّ السّنين والأعوامِ، وفيهم نحوٌ من مِئة إمامٍ، ممَّن أخذَ الناسُ بقَوْلهم، وتَديَّنوا بمَذاهبهم، ولو اشتغلتُ بنقلِ قولِ المُحَدِّثينَ لبلَغتْ أسماؤهم ألوفاً كثيرةً" (90).
قلتُ: وفيما ذُكر كفايةٌ لإِثباتِ قوَّةِ هذه العقيدةِ، وأنَّها المَذْهبُ الحقُّ وحدَه، ومُجانَبَةِ مُخالفِهِ للحَقِّ البيّن الصَّريحِ الذي أطبقَ على اعتقادهِ سادةُ علماءِ الأمَّة، فهو إجماعُ أهلِ السُّنًّة الَّذي لا يقعُ فيهِ امتراءٌ، والله أعلم.
• • • • •--------------------------------------------
(90) كتاب "السنة" رقم (493).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
المبحث السادس: الوقف في القرآن
المُراد بهذه المَسْألة السُّكوتُ عن القولِ: القرآنُ مَخلوقٌ، أو غيرُ مَخلوقٍ، والاكتفاء بالقول: إنَّه كلامُ الله.
وقد ذَكَرْنا فيما مضى أنَّ الناسَ في صَدْرِ الإِسلام كانوا في غِنًى عن الزِّيادةِ على القول: (القرآنُ كلامُ الله) لأنَّهم لم يكونوا يفقَهون مِنْ هذهِ الإِضافةِ إلَاّ أنَّها صفةُ الله، وهم أجَلُّ مِن أنْ يجْهَلوا أنَّ صفاتِهِ تعالى تابعةٌ لذاتهِ، غيرُ مَخلوقةٍ.
فلمَّا ظهرَت بدعةُ القَول بخَلْقِ القرآن عَقَلَ أئمَّةُ السُّنَّة خَطَرَها، فردُّوها وأبطَلوها، وليسَ بعدَ ذلكَ من سَبيل إلَاّ القولُ: (القرآن كلام الله غيرُ مخلوق) لإِبطالِ دين أهل الضّلالةِ، وإحقاقِ دينِ أهل السُّنَّةِ.
وقدْ أقَمْنا الحُجَجَ على صحَّة هذا الاعتقادِ، وموافقتهِ للكتاب والسُّنَّة.
ولكنَّ طائفةً من المُنْتَسبينَ إلى العِلْمِ لم يفقَهوا حقيقةَ هذه البِدْعَةِ، ولم يفْهَموا مُرادَ أهلِها جَهلاً منهم، فتعسَّروا القولَ: القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوق، كما تعسَّروا القولَ: كلامُ الله مخلوق، خَوْفاً من البدعَةِ، فوقَفوا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
عن وَرَعٍ مبنيٌ على جَهْلٍ، وإنَّما أكَّدَ ذلكَ أنَّها كانت مسألةً حديثةَ الوُرود على أذهانِهم، لم يكن لهم بها سابقُ عِلْمٍ.
ولكن الناسَ حين وقَعوا في ذلك، وعَظُمَت بسَبَبهِ البليّةُ، وجَبَ إظهارُ الحقّ والإِبانةُ عنه، وذلك ما كان من الأئمَّةِ، وأعلامِ الأمَّة، الذين هم قُدْوةُ الناس -كما حكيناه عنهم فيما مضى …
ولقد سُئِلَ الإِمامُ أحمدُ رحمه الله: هَلْ لهم رُخْصَةً أنْ يقولَ الرجلُ: القرآن كلام الله تعالى ثمَّ يَسْكت؟ فقالَ: "ولِمَ يسكُت؟ لولا ما وقَعَ فيه الناس كان يسَعُهُ السُّكوتُ، ولكن حيثُ تكلَّموا فيما تكلَّموا لأيِّ شيءٍ لا يتكلَّمون؟ " (1).
قال الحافظ أبو بكر الآجُريُّ:"معنى قول أحمدَ بن حنبل في هذا المعنى، يقول: لم يختلفْ أهلُ الإِيمان أنَّ القرآنَ كلامُ الله عز وجل، فلمَّا جاءَ جَهْمٌ فأحْدَثَ الكُفْرَ بقولِهِ: إنَّ القرآن مخلوقٌ، لم يسَع العلماءَ إلَاّ الرَّدُّ عليه بأنَّ القرآنَ كلامُ الله عز وجل غيرُ مخلوقٍ بلا شكٍّ ولا تَوقُّفٍ فيهِ، فمَنْ لم يَقُلْ: غيرُ مخلوقٍ، سُمّيَ واقفيّاً شاكاً في دينه" (2).
وقال أحمدُ أيضاً: "كنا نرى السُّكوتَ عن هذا قبلَ أن يخوضَ فيه هؤلاء، فلمَّا أظهروهُ لم نَجِدْ بُدّاً من مُخالفتهم والرَّدِّ عليهم" (3).
والأئمةُ جميعاً على إنكارِ مَسْلَكِ هؤلاءِ، والتَّشديد عليهم،--------------------------------------------
(1) رواه أبو داود في "المسائل" ص: 263 - 264ومن طريقه: الآجري ص: 87 وإسماعيل بن الفضل ق 114/أ.
(2) "الشريعة" للآجري ص: 87.
(3) ذكره عنه عثمان الدارمي في "النقض على المريسي" ص: 110.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
وتَبْدِيعهم، وأبو عبد الله أحمد بن حنبل أشدُّهم إنكاراً.
قال أبو داود السِّجِستانيُّ: سمعتُ أحمدَ ذَكَرَ رَجُلينِ كانا وَقَفا في القرآنِ، ودَعَوَا إليه، فجعَلَ يَدعو علَيْهما، وقالَ لي: هذا لأحدِهما فِتْنةٌ، وجعَلَ يذكرهما بالمَكْروهِ (4).
وقالَ: رأيتُ أحمدَ سلَّمَ عليه رجلُ من أهْلِ بغداد ممَّن وقَفَ -فيما بلَغني- فقال: "اغْرُبْ، لا أرَينَّكَ تَجِيءُ إلى بابي -في كلام غَليظ-" ولَمْ يرُدَّ عليه السلام، وقالَ لَهُ:
"ما أحوَجَكَ إلى أنْ يُصْنَعَ بك ما صنَعَ عُمَرُ بصَبِيغٍ".
قال أبو داودَ: فهَّمَني بصَبيغ بعضُ ولَد أحمدَ -[فدخَلَ بيتَه وردَّ البابَ] (5).
وقالَ أبو طالب: سألتُ أبا عبد الله عمَّن أمسكَ، فقال: لا أقولُ ليسَ هو مخلوقاً، إذا لَقِيَني بالطريقِ وسلَّمَ عليَّ، أسَلِّمُ عليه؟
قال: "لا تُسَلِّمْ عليه، ولا تكلِّمْهُ، كيفَ يعرفُه الناسُ إذا سلَّمتَ عليْهِ؟ وكيفَ يعرفُ هو أنَّك مُنكرٌ عليه، فإذا لَمْ تُسَلِّم عليه عَرَفَ الذّلَّ، وعرفَ أنك أنكرتَ عليه، وعرفهُ النَّاسُ" (6).--------------------------------------------
(4) رواه أبو داود في "المسائل" ص: 264 ومن طريقه الآجري ص: 87.
(5) رواه أبو داود في "المسائل" ص: 264ومن طريقه: الآجري ص: 87. وصَبيغ هذا بصريٌّ قَدِم على عُمَر فكان يجادل في متشابه القرآن، فجلَده عمر رضي الله عنه لذلك، وقصته صحيحة مشهورة، رويت موصولةً بسند صحيح عند ابن عساكر 8/ 117/أوغيره، ورويت مرسلةً من وجوه متعددة.
(6) رواه الآجري ص: 88 بسند صحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
وقال أبو داودَ: سمعتُ أحمدَ وقيلَ له: ما تَرى في الصَّلاةِ خَلْفَ من يقولُ في القرآنِ: كلامُ الله، ويَقِفُ؟ قال: "يُعْجِبُني أنْ يُجْفَوا" (7).
وسيأتي عنه البيانُ أنَّ الجاهلَ من هؤلاءِ يَسألُ ويتعلَّمُ.
وسيأتي عن الإِمامين أبي حاتِمٍ وأبي زُرْعَةَ الرازيَّيَّنِ أنَّه مبتدعٌ ولا يُكَفَّر، لأنَّه وقفَ عن جَهْلٍ وضَعْفِ بَصيرةٍ.
وبعدَ انكشافِ المِحْنَة عن الناس في عَهْد المتوكِّل، وقُوَّةِ شَوْكةِ أهل السُّنَّةِ حينئذ، وإخمادِ نارِ الفتنةِ وخُذلان أهْلِها، لجَأتْ طائفةٌ من الجَهميةِ إلى استعمال التَقِيَّة خَوْفاً من سَيْفِ أهْلِ السُّنَّةِ، فقالوا: نحن نقولُ: القرآنُ كلامُ الله، ولا نَزيدُ، فلا نقولُ: مخلوقٌ، ولا غيرُ مخلوقٍ.
وتابعهم علي ذلك بعضُ مَنْ لا يَفْهَم.
ووجَدوا في وَقْفِ من كانَ يقِفُ تورّعاً مِنْ بعضِ من خَفِيَه الحقُّ من المنتسبين إلى الحَديث مِمَّنْ أشَرْنا إليهم آنفاً، حِيلةً يَتَشَبثون بها، ويحتجّون بها على صحَّةِ مذهَبِهم، وهم يُبْطنونَ الحقيقةَ الفاسدةَ.
ولكنَّ الأئمَّةَ كانوا حَديثي عَهْدٍ بالفتنةِ، وقَدْ عالَجوها وخَبرُوها، فلم يغترّوا بهذه المَقالةِ، فأنكَروها وشدَّدوا على مُعْتَقِدِها وقالوا: هو شاكٌّ، وهذا أدنى أحوالِهم عندَهم.
فألحقوهم بالجَهميَّةِ الأوائِلِ، ولذا يقولُ الإِمامُ أحمدُ رحمه الله:
"افترقَت الجَهميَّةُ على ثَلَاثِ فِرَق: فِرْقَةٍ قالوا: القرآنُ مخلوقٌ، وفرقةٍ--------------------------------------------
(7) رواه أبو داود في "المسائل" ص: 264.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
قالوا: كلامُ الله وتسْكُتُ، وفرقةٍ قالوا: لفظُنا بالقرآنِ مخلوقٌ" (8).
ومقالاتُ الإِمام أحمدَ فيهم كثيرةٌ مُستفيضةٌ، وكذا عن غيرِه من أئمَّةِ السُّنَّة، فمِنْ ذلك:
1 - قال مُهَنّا أبو عبد الله السُّلَميّ (وكان من خيار أصحاب أحمد):
سألتُ أحمدَ بن حنبل بعدَ ما أخْرجَ من السِّجنِ بسنتين: ما تقول في القرآنِ؟ فقَالَ: "كلامُ الله غيرُ مخلوق" وقال: "مَن رَوى عنّي غيرَ هذا القولَ فهو مُبْطِل" قلتُ له: إنَّ بعضَ مَن ذكَرَ عنك أنَّك قلتَ له: هو كلام الله، لا مَخلوق ولا غيرُ مخلوق، ولكن هو كلام الله، فقال أحمد: "أبْطَلَ، ما قلتُ هذا، ولكنَّه هو كلامُ الله غير مخلوقٍ" (9).
2 - وقالَ سلَمةُ بن شَبيب: دخلتُ على أحمد بن حنبل فقلتُ: ما تقول فيمن يقول: القرآن كلامُ الله؟ فقال أحمد: "مَنْ لم يَقُلْ: القرآن كلامُ الله غيرُ مخلوق فهو كافرٌ".
ثمَّ قالَ: "لا تَشُكَّنَّ في كُفْرِهم، فإنَّ مَن لم يَقُلِ: القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوق فهو يقول: مخلوقٌ، ومَن قال: هو مخلوقٌ، فهو كافر بالله عز وجل".
قال سلمَةُ: وقلتُ لأحمدَ: الواقفة كفّارٌ؟ فقال:"كفّارٌ" (10).
3 - وقال عبد الله بن أحمدَ: سمعتُ أبي -وسُئلَ عن الواقفة- فقال--------------------------------------------
(8) رواه صالح في "المحنة" ص 72 عن أبيه به.
(9) رواه عبد الله في "السنة" رقم (529) عن مهنّا عن أحمد.
(10) رواه ابن الجوزي في "مناقب الإِمام أحمد" ص: 157 بسند جيد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)