Arabic source text

📘 আল-আকীদাতুস সালাফিয়্যাহ ফী কালামি রাব্বিল বারিয়্যাহ ওয়া কাশফি আবাতীলিল মুবতাদিআতিল রাদিইয়্যাহ (আবদুল্লাহ আল-জুদাই)

📘 العقيدة السلفية فى كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية (عبد الله الجديع)

📘 আল-আকীদাতুস সালাফিয়্যাহ ফী কালামি রাব্বিল বারিয়্যাহ ওয়া কাশফি আবাতীলিল মুবতাদিআতিল রাদিইয়্যাহ (আবদুল্লাহ আল-জুদাই)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
• من الأثر:
1 - عن نِيار بن مُكْرَم -وكانَتْ له صحبةٌ- أنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه خاطَرَ قَوْمًا مِنْ أهْلِ مكَّةَ على أنَّ الرُّومَ تغلِبُ فارسَ، فغلَبَت الرُّومُ، فنزلَتْ {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ} [الروم: 1 - 2] فأتى قُريْشًا، فقرأها علَيهم، فقالوا: كلامُكَ هذا؟ أم كَلامُ صاحِبك؟ قال: "ليسَ بِكَلامي، ولا كَلامِ صاحِبي، ولكنَّه كَلامُ الله عز وجل".
وفي لفظٍ: "الله عز وجل أنزلَ هذا" (8).--------------------------------------------
= أبي كثير - ثنا زيد -يعني ابن أبي سَلّام- عن أبي سلَّام أنه حدّثه عبدُ الرحمن بن عائش الحضرمي عن مالك بن يَخامِر أنَّ معاذ بن جبل قال: فذكره.
زيد بن أبي سلّام هو زيد بن سلّام بن أبي سلّام نُسِبَ إلى جده.
قلتُ: وإسناده صحيح.
قال الترمذي: "حديث حسن صحيح، سألتُ محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- عن هذا الحديث؟ فقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ … ".
قلت: وأورِدَ على إسنادِ الحديث اختلافٌ، غير ضارّ في ثُبوتهِ، ولَه شاهد عن جَماعةٍ من الصحابة، تفصيلها في غير هذا الموضع.
(8) أثر صحيح، وله حكم الرفع.
أخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" ص: 166 - 167 وعبد الله بن أحمد في "السنة" رقم (116) "البيهقي في "الاعتقاد" ص: 102 و"الأسماء والصفات" ص: 239 وإسماعل بن الفضل في "الحجة" ق 61/أ - ب من طريق سُريْج بن النُّعمان حدثني عبد الرحمن بن أبي الزِّناد عن أبيه عن عُروة بن الزبير عن نيار بن مُكْرَم به.
قلت: وإسناده جيد.
وهو عند الترمذي رقم (3194) من غير موضع الشاهد، وصححّه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)

2 - وعن عائشةَ رضي الله عنها قالَتْ -في قصَّةِ الإِفكِ-:
"والله ما كنتُ أظنُّ أنَّ الله يُنْزِلُ بَراءتي وَحْيًا يُتْلى، ولَشأني في نفسِي كانَ أحْقَرَ منْ أنْ يتكلَّمَ الله فِيَّ بأمْرٍ يُتلى … " (9).
3 - وعن فَرْوَةَ بن نَوْفَل الأشْجَعيّ قالَ:
كُنْتُ جارًا لخبّابٍ، فخرجْنا يومًا من المسجدِ، وهو آخِذٌ بيَدي، فقال:
"يا هَناهُ، تقَرَّبْ إلى الله ما استطعتَ، فإنَّكَ لن تقرَّبَ إلَيهِ بشَيءٍ أحَبَّ إليه من كَلامِهِ -يعني القرآن-" (10).--------------------------------------------
(9) متفق عليه.
(10) أثر صحيح.
أخرجه أحمد في "الزهد" ص: 35 وأبو بكر بن أبي شيبة 10/ 510 - 511 وعبد الله بن أحمد في "السنة" رقم (111، 112، 113) والدارمي في "الرد على الجهمية" رقم (310) والآجري في "الشريعة" ص: 77 والحاكم 2/ 441 واللالكائي رقم (558) والبيهقي في "الاعتقاد" ص: 103 - 104 و"الأسماء والصفات" ص: 241 من طرق عن منصور بن المعتمر عن هلال بن يساف عن فَرْوة بن نوفل الأشجعيّ به.
قلت: وإسناده صحيح.
قال الحاكم: "صحيح الإِسناد" وأقرّه الذهبي.
وقال البيهقي: "هذا إسناد صحيح".
قلت: خَبَّاب، هو ابن الأرَتّ، صحابيٌّ معروفٌ.
وقوله: "يا هَنَاه": أي: يا هذا، وهي مختصَّة بالنداء، وقد قيل: إنها تكون للأبله أو لتنبيه الغافل.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)

4 - عن نافع (هو مولى ابن عمر) قال:
خطَبَ الحَجَّاجُ (هو الثَّقفيُّ) فقال: إنَّ ابن الزُّبَيْر (هو عبد الله) يُبدِّلَ كَلامَ الله تعالى، قال: فقال ابنُ عُمَرَ رضي الله عنهما:
"كَذَبَ الحَجَّاجُ، إنَّ ابنَ الزُّبَيْر لا يُبَدِّلُ كلامَ الله تعالى، ولا يَسْتطيعُ ذلكَ" (11).
5 - عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ (تابعيٌّ ثِقَةٌ إمامٌ) قال:
"فَضْلُ القرآنِ على سائِرِ الكَلَامِ كَفَضْلِ الرَّبِّ على خَلْقِهِ، وذلكَ أنَّهُ مِنْهُ" (12).
6 - وعن قَتادةَ (بن دِعامَة السَّدُوسيّ، ثِقَةٌ عالمٌ من خِيَار أصْحاب أنَس) قال:
{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ …} [البقرة: 26]--------------------------------------------
(11) أثر صحيح.
أخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" ص: 244 بسند صحيح.
(12) أثر جيد الإِسناد.
أخرجه الدارمي في "الرد على الجهمية" رقم (341) واللالكائي في "السنة" رقم (556) والببهقي في "الاعتقاد" ص: 101 و"الأسماء والصفات" ص: 237 من طرق عن إسحاق بن سليمان قال: ثنا الجَرَّاحُ بن الضَّحَّاك الكِنْدي عن علقمة بن مَرْثَد عن أبي عبد الرَّحمن به عقبَ روايتهِ لحديث عثمان رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "خيركم من تعلَّمَ القرآنَ وعلَّمه".
وهذا الحديث في "الصحيح" دونَ قول أبي عبد الرَّحمن.
قلتُ: وإسناده جيدٌ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)

قالَ: "أي: يعلَمونَ أنَّهُ كلامُ الرَّحمن" (13).
والخبَرُ عن رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابهِ المَرْضِيِّينَ رضي الله عنهم، وأتباعِهم رحمهم الله في ذلك لا يَدْخلُ تَحْتَ الحَصْرِ، وفيما أوْرَدْناهُ من ذلك كافٍ لمَنْ طلبَ الحقَّ وأرادَهُ.
• من المعقول:
وأما دَلالةُ المَعقول على إثباتِ صفةِ الكلام لله تعالى فمنْ وَجْهَيْنِ:
الوجه الأول:
إنَّ الكلامَ صفةُ كمالٍ، وضِدَّها صفةُ نَقْصٍ، وهي: البكَم والخَرَس، وهذه الصِّفةُ إنْ وُجِدَتْ في المخلوقِ العاجزِ الضَّعيفِ كانتْ نقْصًا بيّنًا، فكيفَ يصلحُ إثباتُها لِمَن لَه الكمالُ المطلقُ سبحانه؟ وكيفَ يصحُّ ذلكَ وهو واهبُ الكمالِ للكاملينَ؟ أفيصحُّ أن يهبَ عبدَه ما هو عاجزٌ عن الاتّصافِ به من صِفاتِ الكَمال؟
إنَّ لله تعالى المثلَ الأعلى، والكمالَ من جَميعِ وجوههِ، وهو السَّلامُ المَلِكُ القُدُّوسُ المُتعالي عن المَعايب والنّقائص، فحيثُ نَفَيْنا عنه كلَّ عَيْبٍ ونَقْص فهو إذًا المتّصف بكَمال ضِدِّ ذلك، فلمَّا كانَ ضِدُّ الكلام نقْصًا نزَّهْناه عنه وأثبتنا لَه كَمالَ ضدِّهِ، ألا وهو الكلامُ الذي لا نظيرَ له، كسائرِ صفاتهِ.--------------------------------------------
(13) أثر صحيح.
أخرجه الدارمي أبو محمد في "السنن" رقم (3355) وابن جرير في "تفسيره" 1/ 180. وإسناده صحيح.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)

ولقَدْ جاءَ القرآنُ العظيمُ بتقرير هذا المعقولِ أحسن تقرير، فقال تعالى في العِجْل الَّذي اتَّخَذه قومُ موسى إلهًا يعبدونَهُ من دون الله: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا} [الأعراف: 148] وقال تعالى: {أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} [طه: 89] فعابَ العِجْلَ بكونهِ قَدْ سُلِبَ صِفَةَ الكلام، فدلَّ على أنَّ سَلبَها صفةُ نَقْصٍ لا تَليقُ بالإِله المعبودِ، وما كانَ ليَعِيبَ إلهَهُم الباطلَ، بما هو عَيْب فيه، تعالى وتقدّس.
وقال سُبحانَهُ في حكايةِ قَوْلِ إبراهيمَ عليه السلام لقَومِهِ حين حَطَّمَ أصنامَهم: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 63] فكانَ جوابُهُمُ الإِقرارَ بسَلْبِ لهذه الصِّفَةِ عن آلهتهم، والاعتراف بأنَّ ذلكَ نقصٌ فيها {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 64 - 65] فكانَتْ هذه حُجَّةَ إبراهيمَ عليهم لإِظهار فَسادِ دينِهم {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 66، 67].
فَدَلَّت الآياتُ على أنَّ سَلْبَ صِفَةِ الكَلَامِ صِفَةُ نَقْصٍ فيمَنْ سُلِبَتْ عنه، فكانَ من حُجَّةِ إبراهيمَ عَلَيهم: أنَّ آلهتَهم لَا تتكَلَّم، فلو لم يَكن ضدُّ هذه الصِّفةِ لازِمًا لربّه تعالى، لم يكُنْ له في إلزامهِ إيّاهم حجْةٌ عليهم، لمُساواةِ إلهِهِ لآلِهَتِهِم في سَلْبِ لهذه الصِّفَةِ، ولصَحَّ لقومِهِ أنْ يقولوا لَه: ما وصفتَ به آلهتنَا منَ النَّقْصِ هو صفةٌ لإلهكَ أيضًا، فتبطلُ بذلك حُجَّتُهُ، ولكن لمَّا كانَ الله تعالى مَوْصوفًا بصفةِ الكلامِ لمْ يكن لهم أنْ يعْتَرضوا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)

عليه بمِثْلِ ما اعترضَ عليهم.
والوجه الثاني:
إنَّ العبادَ لا غِنى لهم عن إرسال الرُّسُلِ، وإنزالِ الكُتُب، لأنَّ أحوالَ الدُّنيا والآخرةِ لا تَستقيمُ لهم إلّا بذلكَ، بَلْ إنَّ الحكمةَ من خَلقِهم تنتفي بدونِ ذلكَ، ويَعيشُ الناسُ في الدُّنيا عيشَ البَهائِم بغيرِ تَكليفٍ، فلا أمرٌ ولا نَهْيٌ.
فلمَّا كانوا لا غنى لهم عن ذلك أرسَلَ الله تعالى الرُّسُلَ وأنزَلَ عليهم الكتبَ، إذ لو تركَهُمْ لعقولهم لضلّوا، وليس للرَّسول معنى إلَّا تبليغ الرِّسالة، والرِّسالةُ إنَّما هي وحيُ الله الذي يوحيهِ إلى رسلِهِ، ووَحْيُهُ إنَّما هو كلامه تعالى، ومنه كتبه المُنْزَلَةُ الهاديةُ.
فبانَ بما شَرَحْنَاه ثبوتُ صفةِ الكلامِ لله تعالى، على رَغْمِ أنوفِ الجَهْمِيَّةِ الكُفَّار، ولله الحمدُ والمنَّة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)

‌‌المبحث الثالث: التكليم في الدنيا
قالَ الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51].
فأخبرَ تعالى في هذه الآيةِ أنَّ تكليمَه للبَشَر يقعُ على ثلاثِ مَراتب:
• المرتبة الأولى: الوحي المجرد:
ودليلُهُ قولُهُ: {إِلَّا وَحْيًا}.
وهذا غير الوَحْي العامّ الذي يشمَل جميعَ أنواع التكليم، وإنَّما هو نوعٌ منه، وقد فُسِّرَ بالإِعلام السَّريع الخَفيّ، ويقعُ للأنبياءِ عليهم السلام مَنامًا.
ومن الدَّليل عليه:
1 - رؤيا إبراهيبم عليه السلام:
قال تعالى: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)

تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ الله مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 101 - 105].
قَالَ عُبيد بن عُمير: "رُؤيا الأنبياءِ وحيٌ"، ثمَّ قرأ: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} (14).
2 - وعَن عائشة رضي الله عنها قالت:
"أوَّلُ ما بُدِىءَ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من الوَحي الرُّؤيا الصَّالحةُ (وفي لفظ: الصّادقةُ) في النَّوْم، فكانَ لا يَرى رؤيا إلَاّ جاءت مِثْل فَلَقِ الصُّبْحِ" (15).
3 - وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:
"إنّي قُمْتُ من اللَّيل، فصَلَّيْتُ ما قُدِّرَ لي، فنَعَسْتُ في صَلاتِي حتى استثقلْتُ، فإذا أنا بربّي عز وجل في أحسَن صُورة، فقال: يا محمَّدُ، أتَدْري فيمَ يختصمُ المَلأ الأعلى؟ … " الحديث وقد سبق بطوله في المبحث السابق (16).
وليسَ الإِلهام الذي يحصَلُ لآحاد النَّاس من هذا النوع، لأنَّه لا يَصِحُّ تسميتُه تكليماً خِلافًا لما ذهبَ إليهِ بعضُ أهْلِ العلم من المتأخْرينَ.--------------------------------------------
(14) رواه البخاري، وعُبيد بن عمير هو الليثي تابعي ثقة عالم.
(15) متفق عليه.
(16) ص 89 - 90.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)

• والمرتبة الثانية: التكليم الخاص من وراء حجاب بلا واسطة:
والدَّليلُ عليه قوله: {أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}.
وهذا تكليمٌ مباشرٌ منَ الرَّبِّ تعالى، بكَلامٍ يُسْمِعُهُ مَنْ شاءَ من رسُلِهِ، من وراءِ حجابٍ.
وهذه المَرتبة أعلى مَراتب التَّكليم وأشْرَفُها وأفضَلُها، قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ …} [البقرة: 253].
وقد وقعَ هذا النوعُ لثلاثةٍ من الأنبياءِ فيما جاءَ به السَّمعُ، هم:
1 - آدم عليه السلام:
والدليلُ عليه قولُه تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ …} [البقرة: 37].
ومن السُّنَّةِ: حديثُ أبي أمامَة رضي الله عنه أنَّ رجُلًا أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، قال: يا نبيَّ الله، أنبيًّا كانَ آدم؟ قال: "نعَمْ، مكلَّمًا" (17).
2 - موسى عليه السلام:
والأدلَّة عليه من الكتاب كثيرةٌ منها:
قَولُهُ تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] وقَولُهُ تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف: 143] وقَوْلُهُ تعالى: {يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي}--------------------------------------------
(17) سبق الحديث وتخريجه في المبحث السابق ص 86 - 87.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)

[الأعراف: 144].
ومن السُّنَّةِ: حديثُ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:
"إنَّ مُوسى قال: يا ربِّ أرِنا آدمَ الَّذي أخرجَنا ونفسَهُ من الجَنَّةِ، فأراه الله آدم، فقال: أنتَ أبونَا آدمُ، فقال له آدمُ: نَعَمْ، قال: أنتَ الذي نَفَخَ الله فيكَ من رُوحِهِ وعلَّمَكَ الأسماءَ كلَّها، وأمَرَ الملائكةَ فَسَجَدوا لكَ؟ قال: نَعَمْ، قالَ: فما حملَكَ على أنْ أخرَجْتَنَا ونفسَكَ من الجنَّةِ؟ فقال له آدمُ: وَمَنْ أنْتَ؟ قال: أنَا مُوسى، قال: أنتَ نبيُّ بني إسرائيل الَّذي كَلَّمكَ الله من وَراءِ الحِجابِ، لم يَجْعَلْ بينَكَ وبينه رَسولاً من خَلْقِهِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أفما وَجَدْتَ أنَّ ذلك كانَ في كتابِ الله قبلَ أنْ أخْلَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فِيمَ تلومُني؟ في شَيْءٍ سَبَقَ من الَله تعالى فيه القضاءُ قَبْلي؟ "قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "فحَجَّ آدمُ مُوسى، فحَجَّ آدمُ مُوسى" (18).
وقد سَمّى الله تعالى هذا التَّكليم نِداءً، كما قال: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ--------------------------------------------
(18) حديث صحيح.
أخرجه عبد الله بن وهب في "القدر" رقم (3) ومن طريقه: أبو داود رقم (4702) وأبو يعلى رقم (243) وابن أبي عاصم في "السنة" رقم (137) وآخرون. وإسناده جيد.
وقد استوعبت الكلام عليه في جزء مستقل، كما أشرت إليه فيما سبق في التعليق على حديث أبي هريرة ص 85.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)

لِذِكْرِي} [طه: 11 - 14]، وكَما قالَ سبحانه: {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [النمل: 8 - 9] وكَما قال تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص: 30].
3 - نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم:
ووقعَ لَه ذلك في قِصة المِعراج عندَ سِدْرةِ المُنْتَهى.
قال صلى الله عليه وسلم: "فأوْحى الله إلىَّ ما أوْحى، ففرَضَ على خَمْسينَ صلاةً في كلّ يومٍ وليلةٍ، فنزلتُ إلى موسى صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ما فَرَضَ ربُّكَ على أمَّتِك؟ قلتُ: خَمْسينَ صَلاةً، قالَ: ارْجِعْ إلى ربِّكَ فاسْألهُ التَّخفيفَ، فإنَّ أمَّتَكَ لا يُطيقونَ ذلكَ، فإنيِّ قدْ بلَوْتُ بني إسْرائيلَ وخبَرْتُهم، قال: فرَجَعْتُ إلى رَبِّي، فقلتُ: يا ربّ، خَفِّفْ على أمَّتي، فحَطَّ عنِّي خمْساً، فرَجَعْتُ إلى مُوسى فقلتُ. حَطَّ عنّي خَمْساً، قال: إنَّ أمَّتَكَ لا يُطيقونَ ذلكَ، فارْجِعْ إلى ربِّكَ فاسألْهُ التَّخفيفَ، قالَ: فَلَمْ أزَلْ أرجِعُ بينَ رَبِّي تبارك وتعالى وبينَ موسى عليه السلام، حتى قال: يا محمَّدُ، إنَّهُنَّ خمسُ صَلَواتٍ كُلَّ يومٍ وليلةٍ، لكُلِّ صلاةٍ عشرٌ، فذلك خَمْسونَ صَلاةً، ومَنْ همَّ بحَسَنةٍ فلمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ له حسنةً، فإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ له عَشْراً، ومَنْ هَمَّ بسيِّئةٍ فلمْ يعمَلْها لمْ تُكْتَبْ شيئاً، فإن عَمِلَها كُتِبَتْ سيَّئةً واحدةً، قال: فنَزَلتُ حتى انتهَيْتُ إلى موسى صلى الله عليه وسلم فأخبَرْتُهُ، فقالَ: ارجعْ إلى ربِّكَ فاسألْهُ التَّخفيف"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فقلتُ: قَدْ رَجَعْتُ إلى رَبِّي حتَّى استحيَيْتُ منه" (19).--------------------------------------------
(19) متفق عليه من حديث أنس بن مالك، والسياق لمسلم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)

قلتُ: ولهذا التكليمُ هو المرادُ بقوله تعالى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10].
وقَدْ ذَهبَ بعضُ أهل العلم إلى أنَّ هذا التكليمُ كانَ بواسطةِ جبريلَ، فقالوا: فأوحى إلى عبدِهِ بواسطةِ جبريلَ ما أوحى، أي: جبريلُ.
وهذا مَرْدودٌ، إذ الأصل عدَمُ الحَذْفِ في الكَلام، وظاهرُ الحديثِ أنَّ الخطابَ منَ الله تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم كانَ بغير واسطةٍ، ومِنْ قَرائِنِهِ مُراجعةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَبَّهُ، وكذا يؤكِّدُهُ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم رُفِعَ إلى موضعٍ لَمْ يُرْفَع إليه موسى عليه السلام الَّذي فُضِّلَ بكَلام الله، ولا إبراهيمُ عليه السلام الَّذي فُضِّلَ بالخُلَّةِ، فذلكَ مُسْتَوْجبٌ أنْ يكونَ فَضْلُه أعظمَ من فَضْلِ مَنْ دونَه، فجَديرٌ به أنْ يَنالَ دَرَجاتِ الفَضْلِ التي حصَّلها مَنْ دونَهُ.
والَّذي ألْجَأ القائلينَ بهذا إلى هذهِ المَقالَةِ أنَّهم التَزموا أنَّه صلى الله عليه وسلم إنْ أثْبتَ له تكليمُ الله تعالى إيَّاه بغير واسطةٍ، فإنَّ ذلك يستجبُ رُؤْيَتَه صلى الله عليه وسلم لِرَبِّه، والتَّحقيقُ الَّذي عليه جُمهورُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّه صلى الله عليه وسلم لَمْ يَرَ ربَّه تعالى ليلةَ الإِسراءِ.
والصَّواب أنَّ هذا الَّذي التزموه ليسَ بلازمٍ، لأنَّ التَّكليمَ غيرُ الرُّؤْيَةِ، وهو مُمْكِنُ الوقوع بخِلافِ الرُّؤْية، وذلك من وَراء حِجابٍ، كَما وقَعَ لمُوسى عليه السلام، فإنَّ موسى لمْ يَرَ ربَّه، معَ أنَّهُ كَلَّمَهُ وناداه.
وقد عَلِمْنا أنَّ هذه المرتبةَ من التَّكليمِ أكْمَلُ المَراتبِ وأعلاها، فهي فضلٌ عظيمٌ، ودرَجةٌ رَفيعةٌ، فحَرِيُّ أن تكونَ لسيّدِ ولدِ آدمَ عليه الصلاة والسلام.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)

• والمرتبة الثالثة: التكليم بواسطة الرسول:
والدَّليلُ عليه قولهُ: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ}.
والرَّسولُ جبريلُ عليه السلام، وربَّما كانَ غيرَهُ، إلَاّ أنَّ ذلك قليلٌ، وهذا في الرُّسُلِ من المَلائكةِ، أمَّا الرُّسُلُ من البَشَر فإنَّ الله تعالى يكلّم أمَمَهم بواسِطَتِهم، كَما يكَلِّمُهم بواسطةِ الرَّسولِ المَلَكيّ.
وبيانُهُ:
أنَّ الرَّسولَ المَلكىَّ يسمَعُ كَلامَ الله من الله بغير واسطةٍ، فَيُبَلِّغُهُ إلى الرَّسولِ البَشَريّ، فهذا تكليمٌ بالواسطةِ، والرَّسُولُ البَشَرِيُّ يُبلِّغُهُ أمَّته، وهذا أيضاً تكليمٌ بالواسطةِ، وكُلُّ مَنْ كلَّمَهُ الله بالواسطةِ فهو سامعٌ لكَلامهِ من الواسطةِ لا مِنَ الله تعالى.
وجبريلُ عليه السلام هو الذي كانَ يأتي نبيَّنا صلى الله عليه وسلم بالوَحْي من ربَّهِ، قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192 - 195]، وقالَ: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ....} [النحل: 102]، وقالَ تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 97]، وقال تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ} [النجم: 1 - 6] وهو جبريلُ عليه السلام.
ولقدْ كانَ يأتي النبيَّ صلى الله عليه وسلم بصورةِ بشَر، تأنيساً لَه، فإنَّه عليه السَّلام

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)

خَلْقٌ عَظيمٌ من خَلْقِ الله تعالى، ولم يره النبُّيُّ صلى الله عليه وسلم على صُورتهِ إلَاّ مَرَّتين، كَما قالَتْ عائشةُ رضي الله عنها لمَسْروقٍ حين سألَها عن قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} [التكوير: 23]، وقولِه: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم: 13]: أنا أَوَّل هذه الأمَّةِ سألَ عَنْ ذلك رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالَ: "إنَّما هو جبريلُ، لَمْ أرَه على صُورتِهِ الَّتي خُلِقَ عَليها غيرَ هاتَيْن المَرَّتَيْنِ، رأيْتُهُ مُنْهَبِطاً من السَّماءِ، سادّاً عِظَمُ خَلْقِهِ ما بَيْنَ السماء إلى الأرْضِ" (20)
وقالَ ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه في هذه الأية {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى}: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيْتُ جبريلَ عند سِدْرةِ المُنتْهى، عليه سِتُّ مِئَةِ جَناح، يُنْثَر من ريشِهِ التَّهاويلُ: الدّرُّ والياقوتُ" (21).
ولقَدْ أنبأنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نفسُه عن صِفَةِ إتيانِ الوَحْيِ إلَيْهِ، حينَ سألَه الحارثُ بن هِشام رضي الله عنه، فقال: يا رسولَ الله، كيفَ يأتيكَ--------------------------------------------
(20) قطعة من حديث صحيح.
أخرجه أحمد 6/ 236، 241 ومسلم رقم (177) والترمذي رقم (3068) من طرق عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق به.
قال الترمذي:"حديث حسن صحيح، ومسروق بن الأجدَع، يُكْنى أبا عائشة، وهو مسروق بن عبد الرحمن … ".
قلت: وأصلُ الحديث عند البخاري في "الصحيح".
(21) حديث جيد الإِسناد.
أخرجه أحمد 1/ 412، 460 وابن طَهْمان في "مشيخته" رقم (126) والنسائي في "الكبرى" -كما في "تحفة الأشراف" 7/ 25 - وأبو يعلى في "مسنده" رقم (4993) وابن خزيمة في "التوحيد" ص: 203 وابن جرير في "تفسيره" 27/ 49 من طرق عن حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زِرّ عن ابن مسعود به.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)

الوَحْيُ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحْياناً يأتيني مِثْلَ صَلْصَلةِ الجَرَسِ وهو أشدُّهُ عَلَيَّ، فيفْصِمُ عَنِّي وقَدْ وَعَيْتُ عنهُ ما قالَ، وأحْياناً يتمثَّلُ ليَ المَلَكُ رَجُلاً فَيكلِّمُني، فأعِي ما يَقولُ" (22).
ولَقَدْ أتى مَرْيَمَ عليها السلام بصُورةِ بَشَر، كمَا قالَ تعالى: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} [مريم: 17 - 19].
وجاءتْ الملائكةُ رسلُ الله إلى إبراهيمَ ولوطٍ عليهما السلام بصورةٍ بشريّة، كما حكى الله في سُورةِ هودٍ وغيرِها.
وإنَّما كانَ ذلك يَقَعُ كذلكَ لأنَّ البشَر يأْنَس جِنسَه، ولا يَرتاعُ لرؤيته، ففيه من تهدئةِ القلبِ ما لا يكونُ لو أتى بصورة المَلَكِ، ومنْ طبيعةِ بني آدمَ النفرةُ من الأمورِ غيرَ المألوفة، ولذا كانت هذه من حكمةِ الله تعالى في إرسال الرُّسلِ إلى البشر من أنفسِهم، كما قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا--------------------------------------------
(22) حديث صحيح.
أخرجه مالك في "الموطأ" 1/ 202 - 203 وأحمد 6/ 158، 163، 256 - 257 والبخارى 1/ 18 و 6/ 304 ومسلم 4/ 1816 - 1187 والترمذي رقم (3634) والنسائي في "المجتبى" 2/ 146، 147 وفي "الكبرى" كما في "فضائل القرآن" له رقم (4) وكما في "تحفة الأشراف" 12/ 193 - 194 من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله … الحديث.
قال الترمذي: "حديث حسن صحيح".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)

لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 8 - 9] وقالَ تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا} [الإسراء: 94 - 95].
قال الحافظُ ابنُ كَثير: "فمِنْ رحمتهِ تعالى بخلقِه أنَّه يرسلُ إلى كُلِّ صنفٍ من الخَلائق رسُلاً منهم، ليدعوَ بعضُهم بعضاً، ولِيُمْكِنَ بعضُهم أنْ ينتفعَ ببعضٍ في المُخاطبةِ والسُّؤالِ" (23).
قلتُ: ولذا امتنَّ الله تعالى على المؤمنينَ بذلكَ، فقال: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ....} الآية [آل عمران: 164].
فهذا بيانُ أنواعِ ومراتب التكليمِ العامَّ الَّذي جاءَت به آيةُ الشورى، وهو متضمَّنٌ إبطالَ أقوَالِ كثيرٍ من المبتدعةِ الَّذين لم يفرِّقوا بين تكليم الله لموسى وتكليمِهِ لغيرهِ بواسطةِ الملَك، ولا بينَ الِإيحاءِ المجرَّد والتكليم الخاصِّ، فوقَعوا بسَببِ ذلك في ضَلالاتٍ، أوْقَعَتْهم في الِإلحادِ في صفاتِ الله تعالى، وتعطيلِ صَريح النُّصوصِ، وإبطالِ حقائِقها.
ومما ينبغي التنبيهُ عليه دَفْعاً لِمَا قد يُشْكِل في إطلاقِ لفظ (الوحي) ولفظ (التكليم) في مواضِعَ من كتاب الله تعالى، فالقاعدة في ذلك كما يقول شيخُ الإِسلام رحمه الله: "فيهما عُمومٌ وخُصوصٌ، فإذا كانَ أحدُهما--------------------------------------------
(23) "تفسير ابن كثير" 3/ 9.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)

عامّاً اندرجَ فيه الآخر، كما اندرجَ الوحيُّ في التكليم في هذه الآية، واندرجَ التكليمُ في الوحيِ العامِّ، حيث قال تعالى: {فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} [طه: 13] " (24).
• • • • •
(24) "مجموع الفتاوى" 12/ 402.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)

‌‌المبحث الرابع: التكليم في الآخرة
تكليمُ الله تعالى لعبادِه في الآخرةِ يَقَعُ منه إليهم من غير وسائطَ بينَه وبينَهم، والمقصودُ به غيرُ المقصود بالتكليم في الدُّنيا، فإنَّ التكليمَ في الدُّنيا، إنَّما كانَ المرادُ بهِ تقويمَ السُّلوكِ إلى الدَّارِ الآخرةِ، وأمَّا وقوعهُ في الآخرةِ، فعلى أوجهٍ ثلاثةٍ:
• الوجه الأول: للحساب والقضاء بين العباد في المحشر:
وتستوي الخلائقُ في هذا التكليم إلَاّ أقواماً شاءَ الله أن يَحْرِمَهم ذلك، تَنكيلاً وزيادةً في العذابِ.
ومن الدليل على ما ذكرنا:
1 - قولُه تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 65].
2 - وقوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ} [فصلت: 47].
3 - وحديث أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)

"يَقبِضُ الله الأرضَ، ويَطْوي السَّماواتِ بيمينه، ثمَّ يقول: أنا المَلِكُ؛ أَينَ مُلوكُ الأرضِ؟ " وفي لفظ: "يَقبِضُّ الله الأرضَ يوم القيامة … " (25).
4 - وحديث عَدِىّ بنِ حاتِم رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:
"ما مِنْكمْ من أحَدٍ إلا سيكلِّمُهُ الله، ليسَ بينَه وبينَه تُرْجُمانٌ، فينظُرُ أيْمَنَ منه فلا يَرى إلَاّ ما قدَّم، وينظُرُ بينَ يدَيْهِ فَلَا يَرى إلَاّ النَّارَ تِلقاءَ وَجْهِهِ، فاتَّقوا النَّارَ ولو بشِقِّ تَمْرةٍ".
وفي لَفْظٍ:"ما مِنْكُمْ من أحْدٍ إلَاّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، ليسَ بينَه وبينَه تُرْجُمانٌ ولا حِجَابٌ يَحْجُبُه" (26).
5 - وحديث عبد الله بن أنَيْس رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ:--------------------------------------------
(25) حديث صحيح.
أخرجه أحمد 2/ 374 والبخاري 8/ 551 و 11/ 372 و 13/ 367 ومسلم رقم (2787) والنسائي في "الكبرى" -كما في "تحفة الأشراف" 10/ 62 - وابن ماجه رقم (192) والدارمي رقم (2802) من حديث أبي هريرة به.
ونحوه في "الصحيحين" وغيرهما من حديث ابن عمر.
(26) حديث صحيح.
أخرجه أحمد 4/ 256 والبخاري 11/ 400 و 13/ 423، 474، ومسلم 2/ 703 - 704 والترمذي رقم (2415) وابن ماجة رقم (185) و (1843) من طرق عن الأعمش عن خيثمة بن عبد الرحمن عن عَدِيّ بن حاتِم به، وربَّما أدخَل الأعمشُ بينه وبين خيثمةَ في بعض أسانيده عَمْرو بن مُرَّة، وهو محفوظٌ من الوجهين.
وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح" قلت: واللفظ الثاني للبخاري.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)

"يَحْشُرُ الله العِبادَ -أو النَّاسَ- عُراةً غُرْلاً بُهْماً".
قلنا: [ما] بُهْماً؟ قال:
"ليسَ مَعَهم شيءٌ، فيناديهم بصَوْتٍ يَسْمَعُه مَنْ بَعُدَ -أحسَبهُ قال: كَمَا يَسْمَعُه مَنْ قَرُبَ-: أنا المَلِكُ، [أنا الدَّيَّانُ]، لا يَنبغي لأحَدٍ مِنْ أهلِ الجَنَّةِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ وأحَدٌ مِنْ أهْلِ النَّارِ يَطْلُبُهُ بمظلمةٍ، ولا يَنبغي لأحَدٍ منْ أهل النارِ يدخُلُ النَّارَ وأحَدٌ مِنْ أهَلِ الجَنَّةِ يطلُبُه بمَظلمةٍ".
قلتُ: وكيفَ؟ وإنَّما نأتي الله عُراةً بُهْماً؟ قالَ:
"بالحسناتِ والسيئاتِ" (27).
6 - وحديث صَفْوانَ بن مُحْرِز قال: قالَ رجُلٌ لابن عُمَر: كيفَ سمعتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ في النَّجْوى؟ قال: سمعتُهُ يقولُ:
"يُدْنى المُؤمِنُ يومَ القيامة من ربِّه عز وجل، حتَّى يضَعَ عليهِ كنَفَه (28)، فيقرِّرُهُ بذُنوبهِ، فيقولُ: هَلْ تعرِف؟ فيقولُ: أيْ رَبّ أعرِفُ، قال: فإنِّي قد سَتَرْتُها عليكَ في الدنيا، وإنِّي أغفِرُها لكَ اليومَ: فيُعْطى صَحيفةَ حَسَناتِهِ، وأمَّا الكفّارُ والمنافقونَ فَيُنادَى بهم على رُؤوس الخلائقِ: هؤلاءِ--------------------------------------------
(27) حديث حسن.
أخرجه أحمد 3/ 495 والبخاري في "الأدب" رقم (970) وآخرون من حديث جبر عن عبد الله بن أنَيس.
وقد فصَّلت القولَ فيه في تحقيق جزء "الحديث الذي رحَل فيه جابر بن عبد الله مسيرة شهر" لابن ناصر الدين.
(28) أي: سِتره.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)