يكون هنا أيضًا المراد ذلك، إنما قدم الثاني لأنه أشقى وأفظ وأغلظ، وعسكر بن هوسر كناية عن بعض خلفاء بني أمية أو بني العباس، وكذا أبي سلامة كناية عن أبي جعفر الدوانيقي، ويحتمل أن يكون عسكر كناية عن عائشة وساير أهل الجمل؛ إذ كان اسم جمل عائشة عسكرًا وروي أنه كان شيطانًا" (1) .
كما يردّ في كثير من نصوصهم الإشارة إلى هذين العظيمين بلقب "فلان وفلان"، كما في روايتهم التي تقول: عن أبي عبد الله في قوله: {وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} (2) . قال: وخطوات الشّيطان والله ولاية فلان وفلان (3) .
وفي قوله سبحانه: {..أَوْ كَظُلُمَاتٍ} قالوا: فلان وفلان {فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ} يعني نعثل {مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ} طلحة والزبير {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} (4) . معاوية.. (5) .
قال المجلسي: المراد بفلان وفلان أبو بكر وعمر، ونعثل هو عثمان (6) .
ومن مصطلحاتهم أيضًا للرمز للشيخين ما جاء في تأويلهم سورة الليل وفيها {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا} هو قيام القائم {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} حبتر ودلام غشيًا عليه الحق (7) .
قال شيخ الدولة الصفوية - في زمنه - (المجلسي) : حبتر ودلام: أبو بكر وعمر (8) .--------------------------------------------
(1) البحار: 4/378، 8/220
(2) البقرة، آية: 168، 208، الأنعام، آية: 142
(3) تفسير العياشي: 1/102، البرهان: 1/208، تفسير الصّافي: 1/242
(4) النور، آية: 40
(5) تفسير القمي: 2/106، بحار الأنوار: 23/304-305
(6) بحار الأنوار: 23/306
(7) كنز الفوائد: ص389-390، بحار الأنوار: 24/72-73
(8) بحار الأنوار: 24/73
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 726)
وتجد بعض النصوص التي فيها الرمز للشيخين في كتب أوائلهم، ولكن حينما ينقلها عنهم بعض شيوخ الدولة الصفوية يستبدل الرمز بالاسم الصريح (1) .
كما تطاولوا بالسب والتكفير، وعلى سبيل التعيين على كثير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويختارون منهم أعيانهم وخيارهم، فكما طعنوا وكفروا الخلفاء الثلاثة، فكذلك يفعلون في آخرين من فضلاء الصحابة وعظمائهم كعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبي عبيدة بن الجراح، وسالم مولى أبي حذيفة، جاء في تفسير القمي والصافي: "عن الصادق: لما أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم كان بحذائه سبعة نفر من المنافقين وهم: أبو بكر، وعمر (2) ، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة، وسالم مولى أبي حذيفة، والمغيرة بن شعبة. قال عمر (3) .: أما ترون عينه كأنما عين مجنون يعني النبي، الساعة يقوم ويقول: قال لي ربي (4) . فلما قام قال: أيها الناس من أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: الله ورسوله. قال: اللهم فاشهد، ثم قال: ألا من كنت مولاه فعلي مولاه، وسلموا عليه بإمرة أمير المؤمنين فنزل جبرائيل وأعلم رسول الله (5) .--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير القمي: 1/301، حيث رمز للشيخين بفلان وفلان، ولكن حينما ينقل شيخهم الكاشاني هذا النص يصرح بالاسمين. (تفسير الصافي: 2/359)
(2) هكذا في تفسير الصافي، أما في تفسير القمي فقال: "وهم: الأول والثاني.. إلخ"
(3) هكذا في تفسير الصافي، وفي تفسير القمي "قال الثاني"
(4) لا يخفى على عاقل أن واضع هذا القول قد رام الطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه وفي نبوته بادئ ذي بدء، لأنه يريد أن يقال: إذا كان كبار صحابته لم يؤمنوا به، وهم الذين عاصروه وتلقوا عنه، وشاهدوا معجزاته.. فغيرهم أحق، كذلك يريد أن يقال: رجل سوء له أصحاب سوء، كما كشف عن هذا الهدف بعض السلف، كما يريدون الطعن في الإسلام ذاته بطريقة ماكرة خفية على الأغرار والدهماء وهو الطعن في الناقل لإبطال المنقول
(5) هكذا في الأصل المنقول منه بدون ذكر للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولاحظ: الرسول يعلمه جبريل، وأئمتهم يعلمون ما كان وما يكون ولا يخفى عليهم شيء، كما بوب عليه صاحب الكافي. (أصول الكافي: 1/260)
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 727)
بمقالة القوم فدعاهم وسألهم فأنكروا وحلفوا فأنزل الله: {يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ} " (1) .
ومثل هؤلاء أيضًا يتناولون آخرين من فضلاء الصحابة ونقلة الشريعة كأبي هريرة (2) ، وأنس بن مالك (3) ، والبراء بن عازب (4) ، وطلحة والزبير بن العوام (5) . وغيرهم.
أما كلام شيوخهم في هؤلاء العظماء فقد سود الصفحات، فإنه لا يخلو مصنف من مصنفاتهم في مسألة الإمامة ونحوها إلا وفيه من التكفير والسب واللعن ما لا يخطر ببال مسلم، لأنهم لا يرونهم على الإسلام أصلاً، وفضلاً عن ذلك فإنهم يرونهم من ألد أعدائهم، ومن الظالمين لهم، لأنهم بايعوا أباب بكر وعمر وعثمان وكانوا في عهدهم على كلمة سواء، وكانوا بنعمة الله إخوانًا فأقاموا دولة الإسلام، وفتحوا البلاد ونشروا الإسلام بين العباد، وأطفأوا نار المجوسية، وحطموا طاغوت الوثنية، وأخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد وخالقهم، فأوغروا بذلك صدور الزنادقة الحاقدين من أصحاب تلك البلاد المفتوحة، وأتباع تلك الديانات الموضوعة، فكان من كيدهم الدخول لإفساد أمر هذه الأمة من طريق التشيع، وكان من الطبيعي أن تكون مسألة الإمامة هي هدفهم، وشغلهم الشاغل، فكان من أمرهم ما كان، ثم أصبح كيدهم وخلاصة مكرهم عقيدة لهؤلاء الشيع--------------------------------------------
(1) تفسير القمي: 1/301، تفسير الصافي: 2/359
(2) انظر: بحار الأنوار: 22/242، الخصال: 1/190. وقد ألف الرافضي المعاصر عبد الحسين الموسوي كتابًا في أبي هريرة رضي الله عنه انتهى فيه إلى القول بأنه كان منافقًا كافرًا (انظر: الموسوي/ أبو هريرة) وانظر في الرد على افتراءاته: محمد عجاج الخطيب، أبو هريرة راوية الإسلام ص201 وما بعدها، عبد المنعم العزي/ دفاع عن أبي هريرة، عبد الرحمن الزرعي/ أبو هريرة وأقلام الحاقدين
(3) انظر: رجال الكشي: ص45
(4) رجال الكشي: ص45
(5) وقالوا فهيما: "كانا إمامين من أئمة الكفر" انظر: تفسير العياشي: 2/77-78، البرهان: 2/107، تفسير الصافي: 2/324
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 728)
كفروا بها الحاكم والمحكوم.
قال ابن بابويه في الاعتقادات: "فمن ادعى الإمامة وليس بإمام فهو الظالم الملعون، ومن وضع الإمامة في غير أهلها فهو ظالم ملعون" (1) .
فهذا تكفير للحاكم والمحكوم في مختلف العصور (ما عدا حكم علي والحسن) وحينما سئل شيخهم المفيد الملقب عندهم بركن الإسلام وآية الله الملك العلام عما ورد عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنه قال: لا أوتى برجل يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري. فأجاب: عليه من الله ما يستحق "إن الوجه فيه أن المفاضل بينه وبين الرجلين إنما وجب عليه حد المفتري، لأن المفاضلة لا تكون إلا بين متقاربين في الفضل، وكان الرجلان بجحدهما النص قد خرجا عن الإيمان بطل أن يكون لهما فضل في الإسلام فكيف يحصل لهما من الفضل ما يقارب فضل أمير المؤمنين؟ ومتى فضل إنسان أمير المؤمنين عليهما فقد افترى بالتفضيل لأمير المؤمنين عليهما، من حيث كذب في إثبات فضل لهم في الدين، وجرى في هذا الباب مجرى من فضل المسلم البر التقي على الكافر المرتد، ومجرى من فضل جبرائيل على إبليس، ورسوله الله على أبي جهل بن هشام" (2) .
فانظر كيف عدّ أفضل الأمة بعد نبيها بمنزلة إبليس وأبي جهل. وهذا موضع إجماع طائفته حيث يقول: "فقد حصل الإجماع على كفره (يعني عمر) بعد إظهاره الإيمان" (3) .
وقال شيخهم المجلسي: "وممّا عدّ من ضروريّات دين الإماميّة (4) . استحلال--------------------------------------------
(1) الاعتقادات: ص112-113، بحار الأنوار: 27/62
(2) العيون والمحاسن: 2/122-123
(3) العيون والمحاسن: 1/9
(4) انظر كيف يستخدم كلمة "دين" وكأنّه يلوح بأنّ ما عليه الإماميّة دين مستقلّ بذاته، منفصل عن دين الإسلام، ولا ريب أنّ ما سطّره المجلس في بحاره وعقائده هو في الغالب دين آخر لا يمتّ لدين الإسلام بصلة
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 729)
المتعة، وحجّ التّمتّع، والبراءة من أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية" (1) .
ومن لم يبرأ من أبي بكر وعمر وعثمان فهو عدو وإن أحب عليًا (2) .
ولذلك يتعبّدون الله سبحانه بعد كلّ صلاة بلعن الخلفاء الثّلاثة وغيرهم من فضلاء الصّحابة، وبعض أمّهات المؤمنين رضوان الله عليهم أجمعين. وعقد لذلك الحرّ العاملي بابًا بعنوان: "باب استحباب لعن أعداء الدّين عقيب الصّلاة بأسمائهم"، وذكر فيه ما روى الكليني عن ابن ثوير والسّراج قالا: سمعنا أبا عبد الله رضي الله عنه وهو يلعن في دبر كلّ مكتوبة أربعة من الرّجال وأربعًا من النّساء، فلانًا وفلانًا وفلانًا (الخلفاء الثّلاثة) ويسمّيهم ومعاوية، وفلانة وفلانة (عائشة، وحفصة رضي الله عنهما وهندًا وأمّ الحكم أخت معاوية (3) .
وفي مستدرك الوسائل لشيخهم النّوري الطّبرسي عقد بابًا بعنوان: "باب استحباب لعن أعداء الدّين عُقيب الصّلاة بأسمائهم" (4) . وساق فيه جملة من رواياتهم ومنها: "عن أبي عبد الله أنّه قال: إنّ من حقّنا على أوليائنا وأشياعنا أن لا ينصرف الرّجل فيهم حتى يدعو بهذا الدّعاء: اللهمّ.. ضاعف لعنتك وبأسك ونكالك وعذابك على اللّذين كفرا نعمتك، وخوّفا رسولك.. وحلا عقده في وصيه، ونبذا عهده في خليفته من بعده، وادعيا مقامه، وغيّرا أحكامه، وبدّلا سنّته، وقلبا دينه، وصغّرا قدر حجّتك وحججك، وبدءا بظلمهم، وطرقا طريق الغدر عليهم، والخلاف عن أمرهم، والقتل لهم.. ومنعا خليفتك من سدّ الثّلم، وتقويم العوج، وإمضاء الأحكام، وإظهار دين الإسلام، وإقامة حدود القرآن، اللهمّ العنهما، وابنتيهما، وكلّ من مال ميلهم، وحذا حذوهم، وسلك طريقتهم وتصدّر ببدعتهم لعنًا لا يخطر على البال، ويستعيذ منه أهل النّار، العن اللهمّ من دان بقولهم،--------------------------------------------
(1) الاعتقادات للمجلسي: ص 90-91
(2) انظر: وسائل الشيعة: 5/389
(3) فروع الكافي: 1/95، الطّوسي/ التّهذيب: 1/227، وسائل الشّيعة: 4/1037
(4) مستدرك الوسائل: 1/342
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 730)
واتّبع أمرهم، ودعا إلى ولايتهم، وشكّ في كفرهم من الأوّلين والآخرين" (1) .
فانظر كيف لعنوا في هذه "الكلمات المظلمة" المسلمين جميعًا من الأوّلين والآخرين، وخصّوا بمزيد من اللّعن والتّكفير من أقاما دولة الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونشرا دين الله في العالمين، وعدوهما وجميع من ابتعهما (أي جميع المسلمين) من أعداء الدين، فأي دين يعتقده هؤلاء الذين يعدون صحابة رسول الله ومن اتبعهم بإحسان هم أعداء للدين؟ فليكن أي دين ونحلة إلا دين الإسلام، إن هذه "اللعنات" تؤكد أن واضعها من أتباع تلك الديانات التي قضى عليها الإسلام بقيادة أبي بكر وعمر وإخوانهما رضوان الله عليهم جميعًا.
وفي مزاراتهم يجري أيضًا - بواسطة الأدعية التي وضعها لأولئك الأتباع زنادقة العصور البائدة - غرس الأحقاد وبثّ الضّغائن، وتأجيج العداوة في لعنات متتالية ومتتابعة على خير القرون، ففي زيارة فاطمة - مثلاً - يلعنون أبا بكر وبقيّة الصّحابة رضوان الله عليهم في دعاء يقولون فيه: "السّلام عليك يا فاطمة يا سيّدة نساء العالمين، لعن الله مانعك إرثك، ودافعك عن حقّك، والرّادّ عليك قولك، لعن الله أشياعهم وأتباعهم وألحقهم بدرك الجحيم" (2) .
وتلاحظ أن واضع هذا الدعاء يقصد فيه لعن صديق هذه الأمة ثم يلحق فيه كل من شايعه، فيدخل فيهم أمير المؤمنين علي، لأنه من شيعة أبي بكر وأعوانه ووزرائه. ولا تخفى هذه الحقيقة على واضع هذا الدعاء، ولكنه عدو للجميع ويتستر بالتشيع لأن العقل الشيعي في غيبوبة بفعل العواطف المشحونة - زورًا - بظلم آل البيت وقهرهم وضياع حقهم، وصراعهم مع أعدائهم وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد حشدوا في ذلك ركامًا هائلاً من الأساطير لا تبقى في قلب من يؤمن--------------------------------------------
(1) مستدرك الوسائل: 1/342
(2) بحار الأنوار: 100/197، باب زيارة فاطمة، وانظر: ص198 رقم16، وانظر: ص200 من الجزء نفسه
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 731)
بها إلا الحقد، والتعطش لسفك الدماء، والرغبة في الانتقام (1) . وواقعهم يشهد بذلك.
مثالب الصحابة (المزعومة) :
ومع اللعن والتكفير لخير القرون، فإن الشيعة ملأت الصفحات فيما يسمونه بمثالب الصحابة ومعايبهم (2) ، وانشغل بعض أهل السنة في الرد عليهم (3) ، والحقيقة المهمة في هذا الموضوع أن إثارة الشيعة لهذه القضايا هو في حقيقة أمره تستر على السبب الحقيقي من موقفهم من الصحابة، ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم لو كانوا في عصمة من كل خطأ، وفي حرز من كل ذنب، لما رضي عنهم الإمامية، لأن ذنب الصحابة عند هؤلاء هو بيعتهم لأبي بكر دون علي، وكل ذنب يغتفر إلا هذا الأمر، كما أن من جاء بقراب الأرض خطايا ومعه "جواز الولاية" فقد نجا.--------------------------------------------
(1) انظر بعض أخبار هذا الصراع المزعوم، في إثبات الوصية الذي ينسبونه للمسعودي صاحب مروج الذهب ص122 وما بعدها
(2) انظر: ابن المطهر الحلي/ منهاج الكرامة: ص132
(3) وقد أجاب شيخ الإسلام عما يثيره الروافض في هذا الباب بجواب مفصل (انظر: منهاج السنة 3/19 وما بعدها) وبجواب مجمل ملخصه ما يلي: أن المثالب التي تنقل عن الصحابة نوعان:
أحدهما: ما هو كذب، إما كذب كله، وإما محرف قد دخله من الزيادة والنقصان ما يخرجه إلى الذم والطع، وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة هو من هذا الباب، يرويها الكذابون المعروفون بالكذب مثل أبي مخنف لوط بن يحيى، وهشام بن السائب الكلبي، وأمثالهما من الكذابين الذين شهد الأئمة بكذبهم، وسقوط أخبارهم.
النوع الثاني: ما هو صدق، وأكثر هذه الأمور لهم فيها معاذير تخرجها من أن تكون ذنوبًا، وتجعلها من موارد الاجتهاد التي إن أصاب المجتهد فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، وعامة المنقول الثابت عن الخلفاء الراشدين من هذا الباب.
وما قدّر من هذه الأمور ذنبًا محققًا، فإن ذلك لا يقدح فيما علم من فضائلهم وسوابقهم وكونهم من أهل الجنة، لأن الذنب المحقق يرتفع عقابه في الآخرة بأسباب متعددة، منها: التوبة، ومنها الحسنات الماحية للذنوب؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات، ومنها المصائب المكفرة.. (منهاج السنة: 3/19)
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 732)
وقد تنبه إلى هذه الحقيقة المهمة القاضية عبد الجبار فقال: "وكثيرًا تسأل الإمامية عما كان من عثمان في تولية أقاربه وغير ذلك، وفي سير طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة، وما ذاك إلا لضعفهم وانقطاعهم؛ لأن عثمان لو لم يول أقاربه ولم يصنع ما صنع لكان كافرًا مشركًا عندهم بادعائه الإمامة لنفسه ولأبي بكر وعمر، ولو كان طلحة والزبير وعائشة في عسكر أمير المؤمنين وفي المحاربين معه ما كانوا إلا مشركين باعتقادهم إمامة أبي بكر وعمر وعثمان، فمن يكلم الإمامية في إثارتهم لهذه المسائل كمن يكلم اليهود في وجوب النية في الطهارة، أو يكلم النصارى في استحلالهم الخمر، وإنما يكلم في هذا من قال: لا ذنب لعثمان إلا ما أتاه من الحمى، وتولية الأقارب، ولولا ذلك لكان مثل عمر، ومن قال: لا ذنب لطلحة والزبير وعائشة إلا مسيرهم إلى البصرة، ولولا ذلك لكانوا مثل أبي عبيدة وعبد الرحمن وابن مسعود.
فاعرف هذا ولا تكلمهم فيه البتة، وكلمهم فيما يدعونه من النص فهو الأصل" (1) .--------------------------------------------
(1) تثبيت دلائل النبوة: 1/294
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 733)
2- تكفيرهم أهل البيت:
هذه الرّوايات التي تحكم بالرّدة على ذلك المجتمع المثالي الفريد، ولا تستثني منهم جميعًا إلا سبعة في أكثر تقديراتها، لا تذكر من ضمن هؤلاء السّبعة أحدًا من أهل بيت رسول الله باستثناء بعض روايات عندهم جاء فيها استثناء علي فقط، وهي رواية الفضيل بن يسار عن أبي جعفر قال: صار الناس كلهم أهل جاهلية إلا أربعة: علي، والمقداد، وسلمان، وأبو ذر. فقلت: فعمار؟ فقال: إن كنت تريد الذين لم يدخلهم شيء فهؤلاء الثلاثة (1) .
فالحكم بالرّدّة في هذه النّصوص شامل للصّحابة وأهل البيت النّبويّ من زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته، مع أن واضعها يزعم التشيع لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل هذا إلا دليل واضح على أن التشيع إنما هو ستار لتنفيد أغراض خبيثة ضد الإسلام وأهله، وأن واضعي هذه الروايات أعداء للصحابة وللقرابة؟
ولا يستعبد - كما سبق - أن تلك الأسماء التي تستثنى هي «أسماء مستعارة» للزنادقة الذين يشكلون الخلية الأولى "للرفض"، ولا يعني بهم الصحابة، وإلا لماذا لم يذكر أحد معهم من أهل البيت؟ ولماذا هؤلاء الصحابة الذين يستثنون ما ظهر منهم منابذة ومناوأة للخليفتين الراشدين بل ظهر منهم الحب والمؤازرة؟!
لقد حكموا بالردة في نصوصهم التي مر ذكرها، على الحسن والحسين وآل عقيل وآل جعفر، وآل العباس، وزوجات رسول الله أمهات المؤمنين.
بل إن الشيعة خصت بالطعن والتكفير جملة من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كعم النبي العباس، حتى قالوا بأنه نزل فيه قوله سبحانه: {وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً} (2) .
وكابنه عبد الله بن عباس--------------------------------------------
(1) تفسير العياشي: 1/199، البرهان: 1/319، تفسير الصافي: 1/389
(2) رجال الكشي: ص53، والآية (72) من سورة الإسراء
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 734)
حبر الأمة وترجمان القرآن، فقد جاء في الكافي ما يتضمن تكفيره، وأنه جاهل سخيف العقل (1) . وفي رجال الكشي: "اللهم العن ابني فلان واعم أبصارهما، كما عميت قلوبهما.. واجعل عمى أبصارهم دليلاً على عمى قلوبهما" (2) .
وعلق على هذا شيخهم حسن المصطفوي فقال: "هما عبد الله بن عباس وعبيد الله بن عباس" (3) .
وبنات النبي صلى الله عليه وسلم يشملهن سخط الشيعة وحنقهم، فلا يذكرن فيمن استثنى من التكفير، بل ونفى بعضهم أن يكن بنات للنبي صلى الله عليه وسلم ما عدا فاطمة (4) . - فهل يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم من يقول فيه وفي بناته هذا القول؟!
وقد نص صاحب الكافي في رواياته على أن كل من لم يؤمن بالاثني عشر فهو كافر، وإن كان علويًا فاطميًا (5) ، وهذا يشمل في الحقيقة التكفير لجيل الصحابة ومن بعدهم بما فيهم الآل والأصحاب؛ لأنهم لم يعرفوا فكرة "الاثني عشر" التي لم توجد إلا بعد سنة (260هـ) .
كما باءوا بتفكير أمهات المؤمنين أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إذ لم يستثنوا واحدة منهن في نصوصهم.. ولكنهم يخصون منهن عائشة (6) . وحفصة (7) .رضي الله عنهن جميعًا - بالذم واللعن والتكفير.
وقد عقد شيخهم المجلسي بابًا بعنوان "باب أحوال عائشة وحفصة" ذكر فيه (17) رواية (8) ، وأحال في بقية--------------------------------------------
(1) أصول الكافي: 1/247
(2) رجال الكشي: ص53
(3) رجال الكشي: ص53 (الهامش)
(4) انظر: جعفر النجفي/ كشف الغطاء: ص5، حسن الأمين/ دائرة المعارف الإسلامية، الشيعة: 1/27
(5) انظر: الكافي، باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل، ومن جحد الأئمة أو بعضهم، ومن أثبت الإمامة لمن ليس لها بأهل: 1/372-374
(6) انظر: أصول الكافي: 1/300، رجال الكشي: ص57-60، بحار الأنوار: 53/90
(7) انظر: بحار الأنوار: 22/246
(8) بحار الأنوار: 22/227-247
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 735)
الروايات إلى أبواب أخرى (1) ، وقد آذوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل بيته أبلغ الإيذاء.
حتى اتهموا في أخبارهم من برأها الله من سبع سماوات؛ عائشة الصديقة بنت الصديق بالفاحشة، فقد جاء في أصل أصول التفاسير عندهم (تفسير القمي) هذا القذف الشنيع (2) المتضمن تكذيب القرآن العظيم، قال ابن كثير في تفسير سورة النور: "أجمع أهل العلم رحمهم الله قاطبة على أن من سبها ورماها بما--------------------------------------------
(1) حيث قال: "قد مر بعض أحوال عائشة في باب تزويج خديجة، وفي باب أحوال أولاده صلى الله عليه وسلم في قصص مارية وأنها قذفتها فنزلت فيها آيات الإفك (انظر كيف يقلبون الحقائق) وسيأتي أكثر أحوالها في قصة الجمل" (بحار الأنوار: 22/245)
(2) ونص ذلك: "قال علي بن إبراهيم في قوله: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا} التّحريم، آية:11 … ثم ضرب الله فيهما (يعني عائشة وحفصة زوجتي رسول الله مثلاً فقال: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا} … التّحريم، آية10 … قال: والله ما عنى بقوله {فَخَانَتَاهُمَا} إلا الفاحشة، وليقيمنّ الحدّ على فلانة فيما أتت في طريق البصرة، وكان فلان يحبّها، فلمّا أرادت أن تخرج إلى البصرة قال لها فلان: لا يحلّ لك أن تخرجين - كذا - من غير محرم فزوّجت نفسها من فلان..
هذا نصّ القمّي كما نقله عنه المجلسي في بحار الأنوار: 22/240، أمّا تفسير القمّي فقد جاء فيه النّصّ، إلا أنّ المصحّح حذف اسم البصرة الذي ورد مرّتين ووضع مكانه نقط (انظر: تفسير القمّي 2/377) .
والنص فيه عدم التصريح بالأسماء، فقوله: "ليقيمن الحد" من الذي يقيم؟ وقوله: "فلان، وفلانة" من هما؟ لكن شيخ الشيعة المجلسي كشف هذه التّقية وحلّ رموزها وذلك لأنه يعيش في ظل الدولة الصفوية فقال: قوله: وليقيمنّ الحدّ أي القائم عليه السلام في الرّجعة كما سيأتي (وقد نقلت ذلك عن المجلسي في فصل الغيبة، وصرّح بالاسم وأنّها عائشة أمّ المؤمنين، إلا أنه قال بأنه بسبب ما قالته في مارية، فلم يجرؤ أن يصرح مع ذكر الاسم بما صرح به هنا من القذف الصريح) والمراد بفلان طلحة (بحار الأنوار: 22/241) .
هذا النص كما ترى قد جاء في تفسير القمي الذي يوثقه شيوخهم المعاصرون، ولم يتعقبه المصحح والمعلق على تفسير القمي بشيء، فهو عار يلف السابقين والمعاصرين من شيوخهم، إلا أن المعلق على البحار عقب على النص المذكور بالدفاع عن شيخهم القمي لا الدفاع عن عائشة أم المؤمنين، وأم المؤمنين لا تحتاج إلى شهادة أحد بعد شهادة الله لها.. ولكن نذكر ذلك لبيان عظيم جرمهم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 736)
رماها به بعد هذا الذي ذكر في الآية فإنه كافر، لأنه معاند للقرآن" (1) .
وقال القرطبي: "فكل من سبها مما برأها الله منه مكذب لله، ومن كذب الله فهو كافر" (2) .
هذا وظاهرة التكفير عند الشيعة لا تخص جيل الصحابة، وإن كان الصحابة ينالهم النصيب الأوفى من السب والتكفير باعتبار أنهم حملة الشريعة، ونقلة الكتاب والسنة، والمبلغون عن رسول الله دين الله، ولذلك صار "الطعن فيهم طعن في الدين" (3) . وكان هذا هو هدف الزنادقة من وراء الحملة الضارية عليهم، ولكن سلسلة التكفير عند الشيعة مستمرة.
فكما قالت كتب الشيعة: إن الناس ارتدوا بعد وفاة الرسول إلا ثلاثة، قالت أيضًا: "ارتد الناس بعد قتل الحسين إلا ثلاثة: أبو خالد الكابلي، ويحيى أم الطويل، وجبير بن مطعم" (4) .
فأنت ترى أن هذا النص لا يستثني أحدًا من أهل البيت ولا الحسن بن علي الذي تعده الاثنا عشرية إمامها، ويبدو أنها لا تستثنيه لأنها عليه ساخطة لقيامه بمصالحة معاوية حتى خاطبه بعض الشيعة بقوله: "يا مذل المؤمنين" (5) ، ووثب عليه أهل عسكره فانتهبوا فسطاطه، وأخذوا متاعه، وطعنه ابن بشير الأسدي في خاصرته فردوه جريحًا إلى المدائن (6) .--------------------------------------------
(1) تفسير ابن كثير: 3/289-290، وانظر: الصارم المسلول لابن تيمية ص571
(2) تفسير القرطبي: 12/206
(3) ابن تيمية/ منهاج السنة: 1/5
(4) رجال الكشي: ص123، أصول الكافي: 2/380
(5) انظر: رجال الكشي: ص111
(6) انظر: المصدر السابق: ص113
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 737)
3- تكفيرهم خلفاء المسلمين وحكوماتهم:
في دين الاثني عشرية أن كل حكومة غير حكومة الاثني عشر باطلة، وصاحبها ظالم وطاغوت يعبد من دون الله، ومن يبايعه فإنما يعبد غير الله.
وقد أثبت الكليني هذا المعنى في عدة أبواب مثل: باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل، ومن جحد الأئمة أو بعضهم، ومن أثبت الإمامة لمن ليس لها بأهل، وذكر فيه اثني عشر حديثًا عن أئمتهم (1) ، وباب فيمن دان الله عز وجل بغير إمام من الله جل جلاله، وفيه خمسة أحاديث (2) .
وفي البحار "باب عقاب من ادعى الإمامة بغير حق أو رفع راية جور، أو أطاع إمامًا جائرًا" (3) .
وكل خلفاء المسلمين ما عدا عليًا والحسن طواغيت - حسب اعتقادهم - وإن كانوا يدعون إلى الحق، ويحسنون لأهل البيت، ويقيمون دين الله، ذلك أنهم يقولون: "كل راية ترفع قبل راية القائم (4) . رضي الله عنه صاحبها طاغوت" (5) . قال شارح الكافي: "وإن كان رافعها يدعو إلى الحق" (6) ، وحكم المجلسي على هذه الرواية بالصحة (7) . حسب مقاييسهم.
أما من قبل سنة (260هـ) فيقول شيخهم المجلسي عن الخلفاء الراشدين: "إنهم لم يكونوا إلا غاصبين جائرين مرتدين عن الدين، لعنة الله عليهم وعلى من اتبعهم في ظلم أهل البيت من الأولين والآخرين" (8) .--------------------------------------------
(1) الكافي: 1/372-374
(2) الكافي: 1/374-376
(3) بحار الأنوار: 25/110 وما بعدها
(4) هو: مهديهم المنتظر
(5) الكافي: بشرحه للمازندراني: 12/371، بحار الأنوار: 25/113
(6) المازندراني/ شرح جامع: 12/371
(7) مرآة العقول: 4/378
(8) بحار الأنوار: 4/385
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 738)
4- الحكم على الأمصار الإسلامية بأنها دار كفر:
جاء في أخبارهم تخصيص كثير من بلاد المسلمين بالسب، وتفكير أهلها على وجه التعيين، ويخصون منها غالبًا ما كان أكثر التزامًا بالإسلام واتباعًا للسنة، فقد صرحوا بكفر أهالي مكة والمدينة في القرون المفضلة، ففي عصر جعفر الصادق كانوا يقولون عن أهل مكة والمدينة: "أهل الشّام شرّ من أهل الرّوم (يعني شرّ من النّصارى) ، وأهل المدينة شرّ من أهل مكّة، وأهل مكّة يكفرون بالله جهرة" (1) .
"وعن أبي بصير، عن أحدهما عليهما السلام قال: إن أهل مكة ليكفرون بالله جهرة، وإن أهل المدينة أخبث من أهل مكة، أخبث منهم سبعين ضعفًا" (2) .
ومن المعلوم أن أهل المدينة كانوا - ولا سيما في القرون المفضلة - يتأسون بأثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من سائر الأمصار، ولهذا لم يذهب أحد من علماء المسلمين إلى أن إجماع أهل مدينة من المدائن حجة يجب اتباعها غير المدينة (3) .
وقد ظل أهل المدينة متمسكين بمذهبهم القديم، منتسبين إلى مذهب مالك إلى أوائل المائة السادسة أو قبل ذلك أو بعد ذلك، فإنهم قدم إليهم من رافضة المشرق من أفسد مذهب كثير منهم (4) .
وهذا الالتزام بالإسلام قد أغاظ هؤلاء الزنادقة، فعبروا عن حقدهم بهذه--------------------------------------------
(1) أصول الكافي: 2/409
(2) أصول الكافي: 2/410
(3) اشتهر عن مالك وأصحابه، أن إجماع أهلها حجة، وإن كان بقية الأئمة ينازعونهم في ذلك، والمراد إجماعهم في تلك الأعصار، المفضلة، أما بعد ذلك فقد اتفق الناس على أن إجماعهم ليس بحجة (مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 20/300)
(4) انظر: الفتاوى: 20/299-300
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 739)
الكلمات، والتاريخ يعيد نفسه، ففي هذا العصر خطب خطيبهم وقال: بأن مكة يحكمها شرذمة أشرَّ من اليهود (1) .
وقد كشف شيخهم المعاصر والذي علق على نصوص الكافي عن وجه هذه الكلمات، وأبان عن فحوى هذه النصوص فقال: "لعل هذا الكلام في زمن بني أمية وأتباعهم، كانوا منافقين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، والمنافقون شر من الكفار وهم في الدرك الأسفل من النار.. ويحتمل أن يكون هذا مبنيًا على أن المخالفين غير المستضعفين مطلقًا شر من سائر الكفار كما يظهر من كثير من الأخبار" (2) .
فهو يرى أن هذا التكفير حق، ويخرج الحكم عليهم بأنهم شر من الكفار بأحد أمرين: إما باتباعهم للأمويين أي: بمقتضى مبايعتهم لخلفاء المسلمين من الأمويين، وهذا نفاق أكبر عندهم، أو لأن المخالف شر من الكافر.. وبهذا التخريج الأخير يشمل التفكير ديار المسلمين في كل الأزمان.
وقالوا أيضًا عن مصر وأهلها: "أبناء مصر لعنوا على لسان داود عليه السلام، فجعل الله منهم القردة والخنازير" (3) . "وما غضب الله على بني إسرائيل إلا أدخلهم مصر، ولا رضي عنهم إلا أخرجهم منها إلى غيرها" (4) .
"بئس البلاد مصر! أما إنها سجن من سخط الله عليه من بني إسرائيل" (5) .
"انتحوا مصر لا تطلبوا المكث فيها (لأنه) يورث الدياثة" (6) .--------------------------------------------
(1) وسيأتي ذكر ذلك بنصه في فصل «دولة الآيات» من الباب الرابع ص1174
(2) علي أكبر الغفاري/ أصول الكافي: 2/409-410 (الهامش)
(3) بحار الأنوار: 60/208، تفسير القمّي: ص596 ط: إيران
(4) بحار الأنوار: 60/ 208-209، قرب الإسناد: ص 220، تفسير العياشي: 1/304، البرهان: 1/456
(5) تفسير العياشي: 1/305، بحار الأنوار:60/210، البرهان: 1/457
(6) بحار الأنوار: 60/211
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 740)
وجاءت عندهم عدة روايات في ذم مصر، وهجاء أهلها، والتحذير من سكناها، ونسبوا هذه الروايات إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى محمد الباقر، وإلى علي الرضا، وهذا رأي الروافض في مصر في تلك العصور الإسلامية الزاهرة، وقد عقب المجلسي على هذه النصوص بقوله بأن مصر صارت من شر البلاد في تلك الأزمنة، لأن أهلها صاروا من أشقى الناس وأكفرهم (1) .
كل ذلك لأنها لم تأخذ بنهج الروافض، ويحتمل أن هذه الروايات قبل أو بعد الحقبة الإسماعيلية من تاريخ مصر، لأن من يشاركهم في رفضهم.. ويقيم دولة تسمح بكفرهم لا ينالون منه بمثل هذا.
ولا يبعد أن هذه النصوص هي تعبير عن حقد الرافضة وغيظهم على مصر وأهلها بسبب سقوط دولة إخوانهم الإسماعيليين على يد القائد العظيم صلاح الدين الذي طهر أرض الكنانة من دنسهم ورجسهم.
وأين هذه الكلمات المظلمة في حق مصر وأهلها من الباب الذي عقده مسلم في صحيحه "باب وصية النبي صلى الله عليه وسلم بأهل مصر" (2) .
وجاء عندهم ذم كثير من بلدان الإسلام وأهلها (3) . ولم يستثن من ديار المسلمين إلا من يقول بمذهبهم وهي قليلة في تلك الأزمان، حتى جاء عندهم "إن الله عرض ولايتنا على أهل الأمصار فلم يقبلها إلا أهل الكوفة" (4) .--------------------------------------------
(1) انظر: بحار الأنوار: 5/208
(2) صحيح مسلم: 2/2970
(3) انظر: الخصال: ص506-507، بحار الأنوار: 60/206 وما بعدها
(4) بحار الأنوار: 60/209، وعزاه إلى بصائر الدرجات
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 741)
5- قضاة المسلمين:
تعد أخبارهم قضاة المسلمين طواغيت لارتباطهم بالإمامة الباطلة بزعمهم، فقد جاء في الكافي عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتًا، وإن كان حقًا ثابتًا له؛ لأنه أخذ بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به. قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} (1) . (2) .
فأنت ترى أنهم اعتبروا قضاة المسلمين وحكامهم طواغيت، واعتبروا أحكامهم باطلة، ومن يأخذ حقه بواسطتها فإنما يأكل الحرام، وهذا الحكم يعم قضاة المسلمين على مدى القرون وتعاقب الأجيال، وهذه الرواية تحكم على القضاء والقضاة في عصر جعفر الصادق، كما يظهر من إسنادهم للرواية إلى جعفر، فإذا كان هذا نظرهم في قضاة المسلمين في القرون المفضلة فما بالك فيمن بعدهم.
ويبدو أنهم يريدون قضاة يحكمون بحكايات الرقاع، وبالجفر والجامعة، ومصحف فاطمة، وحكم آل داود، ولا يسألون البينة، كما جاء ذلك في أخبارهم (3) . لا في حكم الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، فهم الذين تتناولهم الآية التي استدلوا بها، لأنها نزلت في بعض المنافقين الذين فضلوا حكم الطاغوت على حكم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم (4) . وهؤلاء الروافض من جنس أولئك--------------------------------------------
(1) النساء، آية: 60
(2) أصول الكافي: 1/67
(3) انظر: "فصل السنة، ومبحث الإيمان بالكتب، وفصل الغيبة"
(4) انظر: تفسير الطبري: 8/507 وما بعدها (من الأجزاء المحققة) ، تفسير البغوي: 1/446
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 742)
المنافقين.
وهذه النظرة لم يتغير منها شيء في نفوس شيوخهم في هذا العصر؛ فها هو الخميني يعقب على حديثهم هذا فيقول - مؤكدًا معناه -: "الإمام عليه السلام نفسه ينهى عن الرجوع إلى السلاطين وقضاتهم ويعتبر الرجوع إليهم رجوعًا إلى الطاغوت" (1) .
ويقول المعلق على الكافي: والآية بتأييد الخبر تدل على عدم الترافع إلى حكم الجور مطلقًا، وربما قيل بجواز التوسل بهم إلى أخذ الحق المعلوم، اضطرارًا مع عدم إمكان الترافع إلى الفقيه العدل (2) .
ولكن يظهر أن هذه المبادئ التي وضعها الزنادقة لم تجد القبول لدى بعض أتباعهم، لأنه يجد في ظل قضاة المسلمين العدل والإنصاف ما لا يجد عند قومه، وقد اعترف بعضهم لشيخ الإسلام ابن تيمية فقال له: أنتم (يعني أهل السنة) تنصفوننا ما لا ينصف بعضنا بعضًا (3) .
وقد اشتكى بعض رجالهم لإمامه بأنهم يجدون عند أهل السنة كثرة الأمانة، وحسن الخلق، وحسن السمت، ويجدون على الضد من ذلك في الشيعة فيغتمون لذلك (4) .--------------------------------------------
(1) الحكومة الإسلامية: ص74
(2) أصول الكافي: 1/67 (الهامش)
(3) منهاج السنة: 3/39. وقد حدثني بعض قضاة السنة وقد تولى القضاء في بعض المناطق التي يقطنها شيعة بأنه يجد رغبة في التحاكم إلى أهل السنة لاستخلاص حقوقهم ولا يرجعون لشيوخهم. ويبدو أنهم لا يلجأون إلى شيوخهم إلا مكرهين تحت سياط الوعيد والتهديد بإصدار صكوك الحرمان، والوعيد بالنيران
(4) أصول الكافي: 2/4
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 743)
6- أئمة المسلمين وعلماؤهم:
حذروا من التلقي عن شيوخ المسلمين وعلمائهم، وعدوهم كملل أهل الشرك "عن هارون بن خارجة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنّا نأتي هؤلاء المخالفين (1) . فنسمع منهم الحديث يكون حجّة لنا عليهم؟ قال: لا تأتهم ولا تسمع منهم، لعنهم الله ولعن مللهم المشركة" (2) .
وجاء في الكافي عن سدير عن أبي جعفر قال: ".. يا سدير فأريك الصّادّين عن دين الله، ثم نظر إلى أبي حنيفة وسفيان الثّوري في ذلك الزّمان وهم حلق في المسجد، فقال: هؤلاء الصّادّون عن دين الله بلا هدى من الله ولا كتاب مبين، إنّ هؤلاء الأخابث لو جلسوا في بيوتهم فجال النّاس، فلم يجدوا أحدًا يخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يأتونا فنخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم" (3) .
فيبدوا أن الغيظ أخذ من هؤلاء الباطنيين مأخذه، وهم يرون أئمة أهل السنة يعلمون الناس القرآن والسنة، ويدعون إلى دين الإسلام والناس مقبلون عليهم، ينهلون من علمهم ويأخذون عنهم، فترى حلقهم في المسجد، عامرة بالرواد، مزدانة بالعلم.. تغمرها السكينة، وتحفها الرحمة، وتغشاها الملائكة، وكان هؤلاء العلماء الأعلام للمتقين أئمة وقادة، وأولئك الباطنيون قد قبعوا في بيوتهم، لا يلتفت إليهم، ولا يحفل بهم، قد استولت عليهم الذلة، والمسكنة وباءوا بغضب الناس، واحتقارهم. فكانت أمنياتهم التي وضعوها على ألسنة أهل البيت للتغرير بالأتباع، ومحاولة إيجاد الفتنة والعزلة بين أهل البيت وأئمة المسلمين، كانت هذه الأمنيات تكفر أئمة المسلمين وتتمنى أن تخلو الأرض منهم لتتهيأ لهم الفرصة لتحقيق أغراضهم.--------------------------------------------
(1) هذا اللّقب يطلق عندهم في الغالب على أهل السّنّة، وقد يتناول كلّ مخالف
(2) بحار الأنوار: 2/216، وعزاه للسّرائر لابن إدريس
(3) أصول الكافي: 1/392-393، تفسير نور الثّقلين: 4/132
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 744)
7- الفرق الإسلامية:
ويخصون كثيرًا من الفرق الإسلامية بالتكفير والطعن، ولا سيما أهل السنة والذين يلقبونهم حينًا بالنواصب، وأحيانًا بالمرجئة. جاء في الكافي: "عن أبي مسروق قال: سألني أبو عبد الله عن أهل البصرة ما هم؟ فقلت: مرجئة وقدرية (1) ، وحرورية. فقال: لعن الله تلك الملل الكافرة المشركة التي لا تعبد الله على شيء" (2) .
ويعنون بالمرجئة أهل السنة، ولهذا تجد شيخهم المجلسي يشرح حديثهم الذي يقول: "اللهم العن المرجئة فهم أعداؤنا في الدنيا والآخرة" (3) .
ويرجح أن المراد بالإرجاء في هذا النص تأخير عليّ عن الدرجة الأولى إلى الدرجة الرابعة (4) .
ويكفي أن تعرف أن الزيدية وهي من الشيعة نالهم من الذم والتكفير مالا يخطر بالبال. قالوا - مثلاً - عن الزيدية عن عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله عن الصدقة على الناصب وعلى الزيدية قال: لا تصدّق عليهم بشيء ولا تسقهم من الماء إن استطعت، وقال لي: الزيدية هم النصاب (5) .
وفي الكافي "عن عبد الله بن المغيرة قال: قلت لأبي الحسن رضي الله عنه: إنّ لي جارين أحدهما ناصب والآخر زيدي ولا بدّ من معاشرتهما فمن أعاشر؟ فقال: هما سيان، من كذب بآية من كتاب الله فقد نبذ الإسلام وراء ظهره هو المكذّب بجميع القرآن والأنبياء--------------------------------------------
(1) صارت الشيعة قدرية فيما بعد - كما سلف - فاللعن يشملهم
(2) أصول الكافي: 2/387، 409
(3) فروع الكافي (مع شرحه مرآة العقول: 4/371)
(4) مرآة العقول: 4/371
(5) رجال الكشي: ص199، بحار الأنوار: 72/179
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 745)