مقدارهم، فقال بعضهم: خمسة، وبعضهم: سبعة، وبعضهم: ثمانية، وبعضهم: اثنا عشر، وبعضهم: ثلاث عشر" (1) . وأقوالهم في هذا كثيرة وأظن أنني لو قمت بنقل اتجاهاتهم في ذلك من خلال كتب الفرق لقطع القارئ القراءة من الملل لكثرة خلافهم الذي يمضي على وتيرة واحدة، إذ بعد وفاة كل إمام من أهل البيت تنشأ بعده فرق.. منهم من يتوقف عليه ويجعل عدد الأئمة ينتهي به، ومنهم من يذهب يلتمس رجلاً آخر من أهل البيت يتخذه إمامًا، ويكتسب من خلال ذلك، ويحقق ما في نفسه من موروثات دينية سابقة، أو تطلعات عرقية وشعوبية، وينفذ من وراء ذلك أحقاده ومطامعه..
وبحسب القارئ أن يطلع على كتب الفرق ليجد ذلك.. بل إن كتب الفرق عند الشيعة نقلت صورة هذا التباين والتناقض سواء كانت من كتب الإسماعيلية كمسائل الإمامة للناشئ الأكبر، أو الزينة لأبي حاتم الرازي، أو من كتب الاثني عشرية مثل: المقالات والفرق للأشعري القمي، وفرق الشيعة للنوبختي، أو من كتب الزيدية كالمنية والأمل للمرتضى.
وقضية الإمامة عندهم ليس بالأمر الفرعي الذي يكون فيه الخلاف أمرًا عاديًا، بل هي أساس الدين وأصله المتين، ولا دين لمن لم يؤمن بإمامهم ولذلك يكفر بعضهم بعضًا، بل إن أتباع الإمام الواحد يكفر بعضهم بعضًا ويلعن بعضهم بعضًا (2) .
أما الاثنا عشرية فقد استقر قولهم - فيما بعد - بحصر الإمامة في اثني عشر إمامًا، و"لم يكن في العترة النبوية بني هاشم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم من يقول بإمامة الاثني عشر.." (3) . وإنما عرف الاعتقاد باثني عشر إمامًا بعد وفاة الحسن العسكري كما سبق (4) .--------------------------------------------
(1) مختصر التحفة: ص193
(2) ولذلك كانوا يشتكون من ذلك (انظر: رجال الكشي: ص498-4499) ، وانظر: ص (747) من هذه الرسالة
(3) منهاج السنة: 2/111
(4) مضى ص (103)
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 666)
وتجد في بعض الروايات عند الاثني عشرية ملامح من الحيرة والتردد في عدد الأئمة، مما يدل على أن تلك الروايات موضوعة قبل وفاة الحسن العسكري، وأنه قبل ذلك لم تعرف عقيدة الإيمان بالاثني عشر الذين تنتسب إليهم الاثنا عشرية، أو أنها موضوعة قبل تحدد هذه العقيدة عند الجعفرية، ولا شك أن تلك الروايات نقد واضح للاتجاه الاثني عشري.
فقد جاء في روايات الكافي أن عليًا يسر بالولاية إلى من شاء (1) . وقال شارح الكافي: إلى من شاء من الأئمة المعصومين (2) ، ولا تحدد هذه الرواية العدد، ولا تعين الشخص، فكأن الأمر غير مستقر في تلك الفترة التي وضع فيها الخبر، بينما تجد روايات عندهم تجعل الأئمة سبعة وتقول: "سابعنا قائمنا" (3) . وهذا ما استقر عليه الأمر عند الإسماعيلية.
ولكن لما زاد عدد الأئمة أكثر عند الموسوية أو القطعية والتي سميت بالاثني عشرية صار هذا النص الآنف الذكر مبعث شك في عقيدة الإمامة لدى أتباع هذه الطائفة وحاول مؤسسو المذهب التخلص منه، ونفي شك الأتباع بالرواية التالية: "عن داود الرقي قال: قلت لأبي الحسن الرضا رضي الله عنه: جعلت فداك إنه والله ما يلج في صدري من أمرك شيء إلا حديثًا سمعته من ذريح يرويه عن أبي جعفر رضي الله عنه. قال لي: وما هو؟ قال: سمعته يقول: سابعنا قائمنا إن الله. قال: صدقت وصدق ذريح وصدق أبو جعفر رضي الله عنه، فازددت والله شكًا، ثم قال: يا داود بن أبي خالد، أما والله لولا أن موسى قال للعالم: ستجدني إن شاء الله صابرًا ما سأله عن شيء، وكذلك أبو جعفر عليه السلام لولا أن قال: إن شاء الله لكان كما قال، قال: فقطعت عليه" (4) .
فكأنهم يجعلون هذا من باب البداء وتغير المشيئة والذي هو من عقائدهم ---------------------------------------------
(1) مضى ذكر النص ص (658)
(2) المازندراني/ شرح جامع: 9/123
(3) رجال الكشي: ص373
(4) رجال الكشي: ص373-374
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 667)
كما سيأتي - لأنهم يجدون به وسيلة للتخلص من أمثال هذه الأقوال.
ولقد كان أول كتاب ظهر للشيعة وهو كتاب سليم بن قيس قرر أن عدد الأئمة ثلاثة عشر، وكان هذا من أسباب القدح فيه عند طائفة من شيوخ الاثني عشرية.
كما أنك ترى الكافي أصح كتبهم الأربعة قد احتوى على جملة من أحاديثهم تقول بأن الأئمة ثلاثة عشر. فقد روى الكليني بسنده عن أبي جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني واثني عشر إمامًا من ولدي وأنت يا علي زرّ الأرض - يعني أوتادها وجبالها - بنا أوتد الله الأرض أن تسيخ بأهلها، فإذا ذهب الاثنا عشر من ولدي ساخت الأرض بأهلها ولم ينظروا (1) .
فهذا النص أفاد أن أئمتهم - بدون علي - اثنا عشر ومع علي يصبحون ثلاثة عشر. وهذا ينسف بنيان الاثني عشرية.. ولهذا يظهر أن شيخهم الطوسي في الغيبة تصرف في النص وغير فيه فأورده بهذا اللفظ: "إني وأحد عشر من ولدي" (2) .
كذلك روت كتب الشيعة الاثني عشرية عن أبي جعفر عن جابر قال: "دخلت على فاطمة وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء من ولدها فعددت اثني عشر آخرهم القائم، ثلاثة منهم محمد وثلاثة منهم علي" (3) .
فانظر كيف اعتبروا أئمتهم اثني عشر كلهم من أولاد فاطمة، فإذن علي ليس من أئمتهم لأنه زوج فاطمة لا ولدها، أو يكون مجموع أئمتهم ثلاثة عشر.
ومما يدل أيضًا على أنهم لم يعتبروا عليًا من أئمتهم قوله: ثلاثة منهم علي، فإن المسمى بعلي من الأئمة عند الاثني عشرية أربعة: أمير المؤمنين علي، وعلي بن--------------------------------------------
(1) أصول الكافي: 1/534
(2) الغيبة: ص92
(3) أصول الكافي: 1/532، ابن بابويه/ إكمال الدين: ص264، المفيد/ الإرشاد: ص393، الطوسي/ الغيبة: ص92
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 668)
الحسين، وعلي الرضا، وعلي الهادي.
ولذلك فإن ابن بابويه غير في النص فيما يبدو - في كتابه الخصال - حيث جاء النص عنده بدون لفظة "من ولدها"، ولكن لم يفطن لباقي النص وهو قوله: "ثلاثة منهم علي" فأثبته كما جاء في المصادر الاثني عشرية الأخرى (1) .؛ ولكنه في كتابه عيون أخبار الرضا غير النص في الموضعين بما يتفق ومذهبه أو غيّره غيره (2) .
ومن العجب أن بعض شيوخهم حكم بوضع كتاب سليم بن قيس لأنه اشتمل على أن الأئمة ثلاثة عشر ولم يحكم بمثل ذلك على الكافي الذي ورد فيه مثل ذلك، والمصادر الأخرى التي شاركته في هذا الاتجاه.
والقول بأن الأئمة ثلاثة عشر قامت فرقة من الشيعة تقول به، ولعل تلك النصوص من آثارها، وقد ذكر هذه الفرقة الطوسي في رده على من خالف الاتجاه الاثني عشري، الذي ينتمي إليه (3) ، وكذلك النجاشي في ترجمة هبة الله أحمد بن محمد (4) .
وكل فرقة من هذه الفرق تدعي أنها على الحق، وأن الخبر في تعيين أئمتها متواتر، وتبطل ما ذهبت إليه الفرق الشيعية الأخرى، وهذا دليل على أنهم ليسوا على شيء؛ إذ لو تواتر خبر إحدى فرقهم لم يقع الاختلاف قط بينهم … فإن هذه مزاعم افتروها على أهل البيت على وفق مصلحة الوقت، فكل طائفة تقرر إمامًا تدعو إليه ليأخذوا بهذه الذريعة الخمس والنذور والتحف والهدايا من أتباعهم باسم إمامهم المزعوم ويتعيشوا بها، ومتأخروهم قد قلدوا أوائلهم بلا دليل، وسقطوا في ورطة الضلال، {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ، فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ--------------------------------------------
(1) انظر: ابن بابويه/ الخصال: ص477-478
(2) انظر: ابن بابويه/ عيون أخبار الرضا: 2/52
(3) الغيبة: ص137
(4) حيث ذكر بأن هبة الله "كان يتعاطى الكلام، ويحضر مجلس أبي الحسين ابن الشيبة العلوي الزيدي المذهب، فعمل له كتابًا، وذكر أن الأئمة ثلاثة عشر مع زيد بن علي بن الحسين، واحتج بحديث في كتاب سليم بن قيس الهلالي: إن الأئمة اثنا عشر من ولد أمير المؤمنين" (رجال النجاشي: ص343)
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 669)
يُهْرَعُونَ} (1) . (2) .
نقد حصرهم الأئمة بعدد معين:
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} (3) . ولم يحصر سبحانه أولي الأمر بعدد معين وهذا واضح جلي.
وأمر تعيين الأئمة من أعظم أمور الدين عندهم، وهو صنو النبوة أو أعظم.. فكيف لا يبين الله ذلك في كتابه، ويذكر الأئمة بأسمائهم وأعيانهم؟
لا يوجد لأئمتهم ذكر في كتاب الله، وليس هناك نص صحيح متواتر في تعيين أئمتهم.. ولو وجد لما تخبط الشيعة وتاهوا في أمر تعيين الإمام كما حكت ذلك كتب المقالات؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الثابتة عنه المستفيضة لم يوقت ولاة الأمور في عدد معين، ففي الصحيحين عن أبي ذر قال: "إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدًا حبشيًا مجدع الأطراف" (4) .
أما كتب الشيعة الاثني عشرية فهي طافحة بالروايات التي تحدد الأئمة باثني عشر، والملاحظ أن هذه الروايات كانت موضع التداول السري، وكان الأئمة يكذبون رواتها، مما يثير الشكوك في صدقها، لا سيما وكتاب الله سبحانه - والذي أمر الأئمة بالرجوع إليه في الحكم على ما ينسب إليهم من أقوال - لا شاهد فيه لهذه الروايات إلا عن طريق التأويلات الباطنية، والروايات الموضوعة، فيصبح--------------------------------------------
(1) الصافات، آية: 69-70
(2) مختصر التحفة: ص200
(3) النساء، آية: 59
(4) منهاج السنة النبوية: 2/105، والحديث المذكور أخرجه البخاري بلفظ: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: "اسمع وأطع ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة" (صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الأذان، باب إمامة المفتون والمبتدع، جص188، ح696) ، وأخرجه مسلم بإسناده إلى أبي ذؤءصر 23 باللفظ الذي ذكره شيخ الإسلام. (صحيح مسلم/ كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية: 2/1467، 1468، ح1837)
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 670)
عمدتهم في النهاية هذه الروايات.. التي تؤكد الشواهد كذبها، كما أن الأوائل الذين جمعوا هذه الروايات وهم: الصفار وإبراهيم القمي والكليني هم من الغلاة الذين يجب اعتبارهم خارج الصف الإسلامي لنقلهم أساطير نقص القرآن وتحريفه، فهم بهذا غير مأمونين وكتبهم غير موثوقة.
وكتاب النّهج الذي هو أصح كتاب عند الشيعة لا ذكر فيه للأئمّة الاثني عشر بأسمائهم وأعيانهم؛ بل جاء فيه ما ينقض مبدأ حصر الأئمّة، حيث قال صاحب نهج البلاغة: ".. إنّه لا بدّ للنّاس من أمير برّ أو فاجر.. يقاتل به العدو، وتأمن السّبل، ويؤخذ به للضّعيف من القوي حتى يستريح بر، ويستراح من فاجر" (1) .
فلم يحدد الأئمة بعدد معين. فأين تذهب الشيعة، وهي تزعم أنها تصدق بكل حرف في النهج؟!
كما أن اختلاف أقوال فرق الشيعة في هذا الأمر، وتباين مذاهبهم في تحديد عدد الأئمة وأعيانهم يكشف حقيقة هذه الدعوى، إذ كل طائفة تدحض مزاعم الأخرى وتكذبها، وكفى الله المؤمنين القتال (2) .
ومسألة حصر الأئمة بعدد معين لا يقبلها العقل ومنطق الواقع؛ إذ بعد انتهاء العدد المعين هل تظل الأمة بدون إمام؟ ولذلك فإن عصر الأئمة الظاهرين عند الاثني عشرية لا يتعدى قرنين ونصف إلا قليلاً.
وقد اضطر الشّيعة للخروج عن حصر الأئمّة بمسألة نيابة المجتهد عن الإمام، واختلف قولهم في حدود النيابة (3) . وفي هذا العصر اضطرّوا للخروج نهائيًّا عن--------------------------------------------
(1) نهج البلاغة: ص82
(2) انظر - مثلاً - ما كتبه أبو حاتم الرازي في التشكيك بإمامة أئمة الاثني عشرية بعد جعفر الصادق في كتاب "الزينة" ص:232-233، (مخطوط)
(3) انظر: محمد مغنية/ الخميني والحكومة الإسلاميّة: ص68
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 671)
هذا الأصل الذي هو قاعدة دينهم، فجعلوا رئاسة الدّولة تتمّ عن طريق الانتخاب.. لكنهم خرجوا عن حصر العدد إلى حصر النوع فقصروا رئاسة الدولة على الفقيه الشيعي (1) .
هذا ويحتجّ الاثنا عشريّة في أمر تحدي عدد الأئمّة بما جاء في كتب السّنّة عن جابر بن سمرة قال: "يكون اثنا عشر أميرًا - فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: كلّهم من قريش" هذا لفظ البخاري (2) ، وفي مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يزال الإسلام عزيزًا إلى اثني عشر خليفة" ثم قال كلمة لم أفهمها. فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: "كلّهم من قريش" (3) . وفي لفظ: "لا يزال هذا الدّين عزيزًا منيعًا إلى اثني عشر خليفة" (4) ، وفي لفظ آخر: "لا يزال أمر النّاس ماضيًا ما وليهم اثنا عشر رجلاً" (5) . وعند أبي داود: "لا يزال هذا الدّين قائمًا حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة، كلّهم تجتمع عليهم الأمّة" (6) . وأخرجه أبو داود أيضًا من طريق الأسود بن سعيد عن جابر بنحو ما مضى قال: "وزاد فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا: ثم يكون ماذا؟ قال: الهرج" (7) .
يتعلق الاثنا عشرية بهذا النص ويحتجون به على أهل السنة، لا لإيمانهم بما جاء في كتب أهل السنة (8) ، ولكن للاحتجاج عليهم بما يسلمون به.--------------------------------------------
(1) انظر: الخميني/ الحكومة الإسلامية: ص48
(2) صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب الاستخلاف: 8/127
(3) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب النّاس تبع لقريش والخلافة في قريش: 2/1453
(4) صحيح مسلم، 2/1453
(5) صحيح مسلم، ص1452
(6) سنن أبي داود، أوّل كتاب المهدي: 4/471
(7) سنن أبي داود: 4/472، وأخرج البزار هذه الزيادة من وجه آخر فقال فيها: "ثم رجع إلى منزله فأتيته فقلت: ثم يكون ماذا؟ قال: الهرج". (ابن حجر/ فتح الباري: 13/211)
(8) انظر ممن يحتج بذلك من شيوخهم: ابن بابويه/ الخصال: ص470، الطوسي/ الغيبة: ص88، الأربلي/ كشف الغمة: ص56-57، البياضي/ الصراط المستقيم: 2/100، شبر/ حق اليقين: ص 338، السماوي/ الإمامة: 1/147، وغيرهم كثير
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 672)
وبالتأمل في النص بكل حيدة وموضوعية نجد أن هؤلاء الاثني عشر وصفوا بأنّهم يتولّون الخلافة، وأن الإسلام في عهدهم يكون في عزة ومنعة، وأن الناس تجتمع عليهم ولا يزال أمر الناس ماضيًا وصالحًا في عهدهم.
وكلّ هذه الأوصاف لا تنطبق على من تدّعي الاثنا عشريّة فيهم الإمامة، فلم يتولّ الخلافة منهم إلا أمير المؤمنين علي والحسن مدّة قليلة، ولم تجتمع في عهدهما الأمة، كما لم يقم أمر الأمة في مدة أحد من هؤلاء الاثني عشر - في نظر الشيعة أنفسهم - بل ما زال أمر الأمة فاسدًا.. ويتولى عليهم الظالمون بل الكافرون (1) ، وأن الأئمّة أنفسهم كانوا يتستّرون في أمور دينهم بالتّقية (2) ، وأن عهد أمير المؤمنين علي وهو على كرسي الخلافة عهد تقية، كما صرّح بذلك شيخهم المفيد (3) . فلم يستطع أن يظهر القرآن، ولا أن يحكم بجملة من أحكام الإسلام، كما صرح بذلك شيخهم الجزائري (4) ، واضطرّ إلى ممالأة الصّحابة ومجاراتهم على حساب الدّين، كما أقرّ بذلك شيخهم المرتضى (5) . فالحديث في جانب ومزاعم هؤلاء في جانب آخر.
ثم إنه ليس في الحديث حصر للأئمة بهذا العدد؛ بل نبوءة منه صلى الله عليه وسلم بأن الإسلام لا يزال عزيزًا في عصر هؤلاء.
وكان عصر الخلفاء الراشدين وبني أمية عصر عزة ومنعة، ولهذا قال شيخ الإسلام: "إن الإسلام وشرائعه في زمن بني أميّة أظهر وأوسع ممّا كان بعدهم، ثم استشهد بحديث "لا يزال هذا الأمر عزيزًا إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش". ثم قال: وهكذا كان، فكان الخلفاء أبو بكر وعثمان وعلي، ثم تولى من اجتمع الناس عليه وصار له عز ومنعة معاوية وابنه يزيد ثم عبد الملك وأولاده--------------------------------------------
(1) منهاج السنة: 4/210، المنتقى (مختصر منهاج السنة) : ص533، وستأتي أحاديثهم في أن الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدوا إلا ثلاثة، وبعد الحسين ارتدوا إلا ثلاثة.. إلخ
(2) مختصر الصواقع: ص231 (مخطوط)
(3) ص43-44 من هذه الرّسالة
(4) انظر: ص202-203 من هذه الرسالة
(5) ص421 من هذه الرّسالة
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 673)
الأربعة وبينهم عمر بن عبد العزيز وبعد ذلك حصل من النقص ما هو باق إلى الآن" ثم شرح ذلك.. (1) .
ونجد أن الاثني عشرية ترى دوام "ولاية المنتظر.. إلى آخر الدهر، وحينئذ فلا يبقى زمان يخلو عندهم من الاثني عشر، وإذا كان كذلك لم يبق الزمان نوعين: نوع يقوم فيه أمر الأمة، ونوع لا يقوم بل هو قائم في الأزمان كلها وهو خلاف الحديث (2) ، وخلاف ما يعتقده هؤلاء بأن عصر الاثني عشر إلى أن يخرج المنتظر هو عصر تقية من تركها من الشيعة بمنزلة من ترك الصلاة" (3) .
كما أن الأمة لم تجتمع عليهم لأنهم لم يتولوا حكمًا - ما عدا عليًا والحسن - بل الشيعة أنفسهم مختلفون في شأنهم وفي أعدادهم وأعيانهم اختلافًا لا يكاد يحصى إلا بكلفة، كما حفلت بتصوير ذلك كتب الفرق والمقالات.
ثم إنه قال في الحديث: "كلهم من قريش" وهذا يعني أنهم لا يختصون بعلي وأولاده "ولو كانوا مختصين بعلي وأولاده لذكر ما يميزون به، ألا ترى أنه لم يقل: كلهم من ولد إسماعيل ولا من العرب، وإن كانوا كذلك، لأنه قصد القبيلة التي يمتازون بها، فلو امتازوا بكونهم من بني هاشم، أو من قبيل علي لذكروا بذلك، فلما جعلهم من قريش مطلقًا علم أنهم من قريش، بل لا يختصون بقبيلة، بل بنو تيم وبنو عدي، وبنو عبد شمس، وبنو هاشم، فإن الخلفاء الراشدين كانوا من هذه القبائل" (4) .
فإذن لم يبق من الأوصاف التي تنطبق على ما يريدون إلا مجرد العدد، والعدد لا يدل على شيء.. ألا ترى أن هذا الرقم وصف به هؤلاء الخلفاء الصلحاء كما وصف به أضدادهم، فقد جاء في صحيح مسلم "في أمتي اثنا عشر--------------------------------------------
(1) منهاج السنة: 4/206
(2) منهاج السنة: 4/210
(3) انظره بنصه في فصل "التقية"
(4) منهاج السنة: 4/211
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 674)
منافقًا" (1) .
ويبد أن هذا الرقم الذي تدعيه الشيعة الاثني عشرية يعود في الأصل إلى زعم يهودي قديم ورد في كتاب دانيال (2) ، كما أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن في التوراة مثل ذلك (3) .
استدلالهم على مسألة الإمامة:
من أصول الروافض "أنه لا يجوز للرعية اختيار إمام، بل لابد فيه من النص" (4) . "فالإمامة لا تكون إلا بالنّصّ" (5) . وأن الرسول صلى الله عليه وسلم نص على علي وأولاده (6) ، فهم الئمة إلى أن تقوم الساعة.
وقد رأينا بدايات هذه العقيدة على أيدي السبئية، والهشامية والشيطانية. إلا أن شيوخ الشيعة ادعوا أن هذا الأمر هو من شرع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأقوال أئمة أهل البيت.
وأخذوا يستدلون على ذلك "بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة، بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة" (7) .--------------------------------------------
(1) صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم: 3/2143-2144، (ح2779)
(2) قال أبو الحسين بن المنادي في الجزء الذي جمعه في المهدي: فقد وجدت في كتاب دانيال: إذا مات المهدي ملك بعده خمسة رجال من ولد السبط الأكبر، ثم خمسة من ولد السبط الأصغر، ثم يوصي آخرهم بالخلافة لرجل من ولد السبط الأكبر، ثم يملك بعده ولده فيتم بذلك اثنا عشر ملكًا، كل واحد منهم إمام مهدي. (انظر: فتح الباري: 13/213)
(3) منهاج السنة: 4/210
(4) الحر العاملي: الفصول المهمة في أصول الأئمة ص142، وانظر: ابن المطهر/ نهج المسترشدين: ص63
(5) المظفّر/ عقائد الإماميّة: ص103
(6) الكليني/ أصول الكافي: باب ما نص الله ورسوله على الأئمة: 1/286 وما بعدها
(7) ابن خلدون/ المقدمة: 2/527 (تحقيق د. علي عبد الواحد وافي)
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 675)
وبالغوا كعادتهم في جمع الروايات وحشد النصوص في ذلك حتى ألف شيخهم ابن المطهر كتابًا سماه "الألفين في إمامة أمير المؤمنين" (1) .
وقل من مؤلفي الشيعة من لم يتكلم عن هذه القضية ويستدل لها (2) ، لأنها عب دينهم وعماده.
وإذا علمت أن كل هذه الروايات تفرد بنقلها حسب منطق الشيعة آحاد الناس، بل الواحد وهو علي لأنه هو الباب، ومن ادعى سماعًا من غيره فقد أشرك (3) ، كما أن ما سوى علي وبضعه نفر من الصحابة ثلاثة أو أربعة أو سبعة ما سوى هؤلاء محكوم عليهم في كتب الشيعة بالردة، فلا تقبل روايتهم.. وتفرد الواحد بالنقل موضع شك ولا سيما والجم الغفير على خلافه.. فاضطروا حينئذ للقول بالعصمة. ولكن العصمة كيف تثبت بخبر من ادعاها وهو واحد.. فاضطروا حينئذ للقول ببدعة أخرى وهي إثبات المعجزة للأئمة، فصارت قضية الإمامة ترتكز عندهم على ثلاث شعب: النص، والعصمة، والمعجزة.
قال شيخهم المفيد: "إن الإمامة توجب لصاحبها عند الاثني عشرية: العصمة، والنص، والمعجزة … " (4) .
وقد مضى القول بأن المعجزات لا يأتي بها إلا الأنبياء، وأن الشيعة قالت بها في حق الأئمة؛ لأنهم أعطتهم معنى النبوة دون اسمها، وزعمت أنهم هم الحجة على العباد، وليس لهم في ذلك من برهان إلا اتباع ما وضعه زنادقة العصور الماضية.. قال تعالى: {لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} (5) ، ولم يقل--------------------------------------------
(1) إلا أنه لم يبلغ ما يريد فلم يصل إلى الألفين، كما عنون به كتابه، حيث لم يذكر إلا ألفًا وثمانيًا وثلاثين، مما يعدها أدلة على مقصوده. (الأعلمي/ مقدمة الألفين: ص10)
(2) الذريعة إلى تصانيف الشيعة: 1/320
(3) أصول الكافي: 1/377، وقد مرّ بنصه ص346
(4) العيون: 2/127
(5) النساء، آية: 165
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 676)
سبحانه: والأئمة، فحجة الله قامت على عباده بالرسل وأيدهم سبحانه بالآيات.
ولا يملك الشيعة في باب معجزات الأئمة إلا دعاوى مجردة لا يعجز عن تأليفها المحتالون والمتآمرون (1) .
أما مسألة العصمة فلأهميتها في المذهب الشيعي، فقد خصص لها الفصل التالي لهذا الفصل.
ثم إن المعجزة على تقدير الصدور موقوفة على الخبر، وكيف يوثق بخبر مرتدين؟! وكذا الشأن في العصمة، ومع ذلك فإن الشيعة تولي مسألة الخبر المتمثل في دعوى النص والوصية أهمية كبرى، فهي الحجر الأول في بناء المذهب، والقاعدة الأساسية في كيانهم العقدي.
ولا شك أن النص على عين من يتولى إمامة المسلمين إلى أن تقوم الساعة غير ممكن، إلا في عقل الرافضة، وقد انتهى بهم هذا القول إلى الاستسلام لوهم كبير، حيث اضطروا إلى القول بحياة واحد من البشر قرونًا مديدة (وهو مهديهم الذي ينتظرونه) فأصبحوا ضحكة الأمم..
وقد رد عليهم عليّ الرضا - والذي يدعون إمامته - برد هو من أبلغ الردود وأقواها في هذه المسألة، والشيعة تنقله في أوثق كتبها في الرجال، حيث قال: "لو كان الله يمدّ في أجل أحد من بني آدم لحاجة الخلق إليه لمد الله في أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم" (2) .
لكنهم يخالفون هذا الأصل الواضح ويعتقدون أن بقاء المنتظر كل هذه القرون إنما هو لحاجة الخلق بل والكون كله إليه، ولو خلت منه الأرض لساخت بأهلها.
وبعد هذا التأصيل لقضية النص، لا أعتقد أننا بحاجة إلى أن نتتبع النصوص في هذه المسألة؛ لأن هذه القضية انتهت عندهم اليوم إلى الإيمان بهذا المنتظر الذي--------------------------------------------
(1) انظر: ص624-625 من هذه الرسالة
(2) رجال الكشي: ص458
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 677)
لا يسمع له حس ولا خبر ولا يرى له عين ولا أثر. ولو كان للناس فيه حاجة لبقي رسول الله وهو أفضل منه، ولكن الأمة في غنى بقرآنها وسنة نبيها عن كل منتظر موهوم وكتاب مزعوم، وسيأتي نقض مسألة الغيبة.
ولكن الشيعة ترى أن القرآن نص على "إمامتهم"، وكذلك تزعم أن أمر "النص" متفق عليه بين أهل السنة والشيعة، فهي تريد أن تشرك السنة في "أوهامها" وتخدع بذلك أتباعها.. وما دام الأمر كذلك فلندرس ما تقدمه كتب الشيعة في هذا الباب، وسنختار أقوى أدلتها في ذلك من الكتاب والسنة، ثم نعرج بعد ذلك على أدلتها الخاصة بها.
ونختم القول بنقد "مسألة النص" من الكتاب والسنة، والاعتبار العقلي، والأمور المعلمة والمتفق عليها.
أدلتهم من القرآن:
قال شيخ الطائفة - كما يلقبونه - الطوسي: "وأما النص على إمامته من القرآن فأقوى ما يدل عليه قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (1) ." (2) . وقال الطبرسي: "وهذه الآية من أوضح الدلائل على صحة إمامة علي بعد النبي بلا فصل" (3) .
ويكاد شيوخهم يتفقون على أن هذا أقوى دليل عندهم؛ حيث يجعلون له الصدارة في مقام الاستدلال في مصنفاتهم (4) .
أما كيف يستدلون بهذه الآية على مبتغاهم؟ فإنهم يقولون: "اتفق المفسرون والمحدثون من العامة والخاصة أنها نزلت في علي لما تصدق بخاتمه على المسكين في--------------------------------------------
(1) المائدة، آية: 55
(2) تلخيص الشافي: 2/10
(3) مجمع البيان: 2/128
(4) انظر - مثلاً -: ابن المطهر الحلي في منهاج الكرامة، حيث اعتبره البرهان الأول (ص:147) ، وشبر في حق اليقين: 1/144، والزنجاني في عقائد الإمامية الاثني عشرية: 1/81-82
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 678)
الصلاة بمحضر من الصحابة وهو مذكور في الصحاح الستة" (1) .
و"إنما" للحصر باتفاق أهل اللغة، والولي بمعنى الأولى بالتصرف المرادف للإمام والخليفة (2) .
فأنت ترى أن الشيعة تعتمد في استدلالها بالآية بما روي في سبب نزولها؛ لأنه ليس في نصها ما يدل على مرادها، فصار استدلالهم بالرواية لا بالقرآن، فهل الرواية ثابتة، وهل وجه استدلالهم سليم؛ يتبين هذا بالوجوه التالية:
أولاً: أن زعمهم بأن أهل السنة أجمعوا على أنها نزلت في عليّ هو "من أعظم الدعاوى الكاذبة، بل أجمع أهل العلم بالنقل على أنها لم تنزل في علي بخصوصه، وأن عليًا لم يتصدق بخاتمه في الصلاة، وأجمع أهل العلم بالحديث على أن القصة المروية في ذلك من الكذب الموضوع" (3) . وقوله: إنها "مذكورة في الصحاح الستة" كذب؛ إذ لا وجود لهذه الرواية في الكتب الستة (4) .
وقد ساق ابن كثير الآثار التي تروى في أن هذه الآية نزلت في علي حين تصدق بخاتمه،--------------------------------------------
(1) قوله: "الصحاح الستة" تسمية غير سليمة؛ لأن أهل السنة لا يعدون جميع الكتب الستة "صحاحًا" ولذا يسمونها "الكتب الستة"، ولكن الروافض أصحاب مبالغات، وليس هذا بكثير على من يتعمد الكذب على الله ورسوله
(2) شبر/ حق اليقين: 1/144، الزنجاني/ عقائد الإمامية الاثني عشرية: 1/81-82
(3) منهاج السنة: 4/4
(4) وهو من الكذب الذي لا يستحي الشيعة من إثباته، والغريب أن هذا الزعم يجري على ألسنة آياتهم في هذا العصر كشبر، والزنجاني، فهل يخفى عليهم أن هذا لا وجود له في الكتب الستة؟!.
وقد توفرت اليوم الفهارس والمعاجم التي تكشف الحقيقة راجع: المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، ومفتاح كنوز السنة، لفظ "علي بن أبي طالب"، وراجع الكتب المعنية بجميع الروايات المتعلقة بتفسير الآيات وسبب نزولها مثل: الدر المنثور: 3/104-106 وغيره، أو المعنية بجمع روايات الكتب الستة كجامع الأصول فلا تجد لدعواهم أصلاً.
ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وجمهور الأمة لم تسمع هذا الخبر ولا هو في شيء من كتب المسلمين المعتمدة لا الصحاح ولا السنن ولا الجوامع ولا المعجمات ولا شيء من الأمهات" (منهاج السنة: 4/5)
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 679)
وعقب عليها بقوله: "وليس يصح شيء منها بالكلية لضعف أسانيدها، جهالة رجالها" (1) .
ثانياً: أن هذا الدليل الذب يستدلون به ينقض مذهب الاثني عشرية؛ لأنه يقصر الولاية على أمير المؤمنين بصيغة الحصر "إنما" فيدل على سلب الإمامة عن باقي الأئمة، فإن أجابوا عن النقض بأن المراد حصر الآية في بعض الأوقات، أعني وقت إمامته لا وقت إمامة من بعده، وافقوا أهل السنة في أن الولاية العامة كانت له وقت كونه إمامًأ لا قبله، وهو زمان خلافة الثلاثة (2) .
ثالثًا: أن الله تعالى لا يثني على الإنسان إلا بما هو محمود عنده، إما واجب وإما مستحب، والتصدق أثناء الصلاة ليس بمستحب باتفاق علماء الملة، ولو كان مستحبًا لفعله الرسول صلى الله عليه وسلم ولحض عليه، ولكرر فعله، وإن في الصلاة لشُغلاً، وإعطاء السائل لا يفوت؛ إذ يمكن للمتصدق إذا سلم أن يعطيه؛ بل إن الاشتغال بإعطاء السائلين يبطل الصلاة كما هو رأي جملة من أهل العلم (3) .
رابعًا: أنه لو قدر أن هذا مشروع في الصلاة لم يختص بالركوع، فكيف يقال: لا ولي إلا الذين يتصدقون في حال الركوع، فإن قيل: هذه أراد بها التعريف بعلي، قيل له: أوصاف علي التي يعرف بها كثيرة ظاهرة، فكيف يترك تعريفه بالأمور المعروفة ويعرف بهذا الأمر الذي لا يعرفه إلا من سمعه وصدق به؟! وجمهور الأمة لا تسمع هذا الخبر ولا هو في شيء من كتب المسلمين المعتمدة (4) .
خامسًا: وقولهم: إن عليًا أعطى خاتمه زكاة في حال ركوعه فنزلت الآية - مخالف للواقع؛ ذلك أن عليًا رضي الله عنه لم يكن ممن تجب عليه الزكاة على--------------------------------------------
(1) تفسير ابن كثير: 2/76-77
(2) انظر: روح المعاني: 6/168
(3) انظر: منهاج السنة: جص208، جص5
(4) منهاج السنة: 4/5
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 680)
عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان فقيرًا، وزكاة الفضة إنما تجب على من ملك النصاب حولاً وعلي لم يكن من هؤلاء.
كذلك فإن إعطاء الخاتم في الزكاة لا يجزي عند كثير من الفقهاء إلا إذا قيل بوجوب الزكاة في الحلي، وقيل إنه يخرج من جنس الحلي، ومن جوز ذلك بالقيمة فالتقويم في الصلاة متعذر، والقيم تختلف باختلاف الأحوال (1) .
سادسًا: لما تبين أن الروايات التي أولوا بمقتضاها الآية باطلة سندًا ومتنًا، فلا متمسك لهم حينئذ بالآية بوجه سائغ؛ بل إن الآية حجة عليهم؛ لأنها جاءت بالأمر بموالاة المؤمنين، والنهي عن موالاة الكافرين (2) ، وليس للرافضة - فيما يظهر من نصوص وتاريخها - من ذلك نصيب.
وهذا المعنى يدرك بوضوح من سياق الآيات؛ إذ قبل هذه الآية الكريمة جاء قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (3) . فهذا نهي صريح عن موالاة اليهود والنصارى بالود والمحبة والنصرة.. ولا يراد بذلك باتفاق الجميع الولاية بمعنى الإمارة، وليس هذا بوارد أصلاً، ثم أردف ذلك بذكر من تجب موالاته وهو الله ورسوله والمؤمنون، فواضح من ذلك أن موالاة المحبة والنصرة التي نهى عنها في الأولى هي بعينها التي أمر بها المؤمنين في هذه الآية بحكم المقابلة كما هو بين جلي من لغة العرب.
قال الرازي: "لما نهى في الآيات المتقدمة عن موالاة الكفار، أمر في هذه الآية بموالاة من تجب موالاته" (4) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إنه من المعلوم--------------------------------------------
(1) منهاج السنة: 4/5
(2) حتى وإن ثبت أن لها سبب نزول خاص (راجع كتب التفسير في سبب النزول) ، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب
(3) المائدة، آية: 51
(4) تفسير الفخر الرازي: 12/25
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 681)
المستفيض عند أهل التفسير خلفًا عن سلف أن هذه الآية نزلت في النهي عن موالاة الكفار، والأمر بموالاة المؤمنين" (1) .
سابعًا: قولهم: "إن المراد بقوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ} الإمارة - لا يتفق مع قوله سبحانه: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ} ؛ فإن الله سبحانه لا يوصف بأنه متول على عباده، وأنه أمير عليهم، فإنه خالقهم ورازقهم وربهم ومليكهم له الخلق والأمر، لا يقال: إن الله أمير المؤمنين كما يسمى المتولي مثل علي وغيره أمير المؤمنين (2) ، وأما الولاية المخالفة للعداوة فإنه يتولى عباده المؤمنين فيحبهم ويحبونه، ويرضى عنهم ويرضون عنه، ومن عادى له وليًا فقد بارزه بالمحاربة (3) .
، فهذه الولاية هي المقصودة في الآية (4) ، وقوله: {وَهُمْ رَاكِعُونَ} أي خاضعون لربهم منقادون لأمره، والركوع في أصل اللغة بمعنى الخضوع، أي يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة في حال الركوع وهو الخشوع والإخبات والتواضع لله" (5) .
ثامنًا: إن الفرق بين الولاية بالفتح، والولاية بالكسر معروف في اللغة، فالولاية ضد العداوة وهي المذكورة في هذه النصوص، ليست هي الولاية بالكسر التي هي الإمارة، وهؤلاء الجهال يجعلون الولي هو الأمير ولا يفرقون بين اللفظين، مع أنه واضح "أن الولاء بالفتح وهو ضد العداوة، والاسم منه مولى وولي،--------------------------------------------
(1) منهاج السنة: 4/5
(2) بل الرسول صلى الله عليه وسلم أيضًا لا يقال إنه متول على الناس، وأنه أمير عليهم، فإن قدره أجل من هذا، بل أبو بكر الصديق رضي الله عنه لم يكونوا يسمونه إلا خليفة رسول الله، وأول من سمي من الخلفاء أمير المؤمنين عمر. (منهاج السنة: 4/9)
(3) وهذه الولاية من رحمته وإحسانه ليست كولاية المخلوق للمخلوق لحاجته إليه. قال تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ} . الإسراء: آية: 111.
فالله تعالى لم يكن له ولي من الذل؛ بل هو القائل: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} . (فاطر، آية: 10) ، (منهاج السنة: 4/9) .
(4) منهاج السنة: 4/9
(5) انظر: الكشاف للزمخشري: 1/624، تفسير الرازي: 12/25
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 682)
والولاية بالكسر والاسم منها والي ومتولي" (1) .
ولهذا قال الفقهاء: إذا اجتمع في الجنازة الوالي والولي فقيل: يقدم الوالي وهو قول أكثرهم، وقيل: يقدم الولي: فلفظ الولي والولاية غير لفظ الوالي (2) .
ولو أراد سبحانه الولاية التي هي الإمارة لقال: (إنما يتولى عليكم) ..
فتبين أن الآية دلت على الموالاة المخالفة للمعادة الثابتة لجميع المؤمنين بعضهم على بعض (3) ، ولهذا جاء قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا} بصيغة الجمع.
وإذا كانت هذه أقوى أدلتهم - كما يقوله شيوخهم - تبين أنهم ليسوا على شيء؛ ذلك أن الأصل أن يستعمل في هذا الأمر العظيم - والذي هو عند الشيعة أعظم أمور الدين، ومنكره في عداد الكافرين - صيغة واضحة جلية، يفهمها الناس بمختلف طبقاتهم، يدركها العامي، كما يدركها العالم، ويفهمها اللاحق، كما يفهمها الحاضر، ويعرفها البدوي، كما يعرفها الحضري، فلما لم يستعمل مثل ذلك في كتاب الله دل على أنه لا نص كما يزعمون، فليست الآية المذكورة - وغيرها مما يستدلون به - من ألفاظ الاستخلاف المعروفة في لغة العرب، والقرآن نزل بلسان عربي مبين. فأين يذهب الشيعة بعد هذا؟ إما إلى الكفر بالقرآن وهو كفر بالإسلام، وإما ترك الغلو والتطرف والتعصب والرجوع إلى الحق، وهذا هو المطلوب.
هذه أقوى آية يستدلون بها من كتاب الله، ويسمونها آية الولاية، ولهم تعلق بآيات أخرى ذكرها ابن المطهر الحلي، وأجاب عليها شيخ الإسلام ابن تيمية بأجوبة جامعة (4) ، ومن يراجع كتب التفسير والحديث عندهم يلاحظ أنهم--------------------------------------------
(1) المقدسي/ رسالة في الرد على الرافضة: ص220-221، وراجع مختار الصحاح، مادة "ولي"
(2) منهاج السنة: 4/8
(3) منهاج السنة: 4/8. وللمزيد من التفصيل راجع: تفسير الفخر الرازي: 12/25 وما بعدها، تفسري الألوسي: 6/167 وما بعدها
(4) وقد قدّم الدكتور علي السالوس - في رسالة له بعنوان: "الإمامة عند الجعفرية والأدلة من القرآن العظيم"- عرضًا ومناقشة للآيات القرآنية الكريمة التي يستدل بها الإمامية لقولهم بالإمامة، =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 683)
أجروا القرآن في فلك الولاية والأئمة كما مضى نقل صورة من ذلك وهذا برهان عجزهم وفشلهم.
وقد تبين أن القرآن ليس في ظاهره ما يدل على ما يذهبون إليه من النص على عليّ أو بقية الاثني عشر، وأن كل ما يستدلون به من آيات يحاولون أن يصرفوا معناها إلى ما يريدون بمقتضى روايات موضوعة، وتأويلات باطلة.. فهم في الحقيقة لا يستدلون بالقرآن، وإنما يستدلون بالأخبار، فدعواهم أخذ الأدلة من القرآن دعوى لا حقيقة لها.
أدلتم من السنة:
أما السنة المطهرة فقد تعلق الشيعة في إثبات النص من طرق أهل السنة بما ورد في فضائل علي رضي الله عنه، ويلاحظ أن باب الفضائل مما كثر فيه الكذب، ويقال بأن الشيعة هم الأصل فيه.
يقول ابن أبي الحديد: "الكذب في أحاديث الفضائل جاء من جهة الشيعة" (1) .
ولهذا تجد في كتب الموضوعات الأحاديث الموضوعة في حق علي أكثر من غيره من الخلفاء الأربعة.
والفضائل الواردة في حق علي رضي الله عنه ليست من ألفاظ النصوص والوصايا والاستخلاف، لا في لغة العرب ولا في عرفهم ولا في شريعة الإسلام ولا في عقول العقلاء، إنما هي فضائل أدخلها هؤلاء في الدعاوى. وقد قام ابن حزم بحصر الأحاديث الواردة في فضائل علي فقال: وأما الذي صح من فضائل علي فهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبيّ--------------------------------------------
= وانتهى من ذلك إلى أن استدلالاتهم تنبني على روايات متصلة بأسباب النزول، وتأويلات انفردوا بها، ولم يصح شيء من هذا ولا ذاك بما يمكن أن يكون دليلاً يؤيد مذهبهم.
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 2/134 (عن السنة ومكانتها في التشريع: ص76)
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 684)
بعدي" (1) . وهذا لا حجة فيه للرافضة (2) .--------------------------------------------
(1) ونصّ الحديث - كما أخرجه البخاري -: "أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى تبوك، واستخلف عليًّا، فقال: أتخلفني في الصّبيان والنّساء؟ فقال: ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه ليس نبيّ بعدي" صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب المغازي، باب غزوة تبوك: 8/12 (ح4416) ، ورواه مسلم في فضائل الصّحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب: 2/1870، (ح2404) ، والتّرمذي: كتاب المناقب: 5/ 640-641 (ح3730، 3731) ، وابن ماجه، المقدّمة: 1/42-43 (ح115) ، وأحمد: 1/170، 173، 174، 175، 177، 179، 182، 184، 185، 330، وجص32، 338، وجص369 و438
(2) يقول ابن حزم في إثبات ذلك: «وهذا لا يوجب له فضلاً على من سواه ولا استحقاق الإمامة بعده عليه السلام؛ لأنّ هارون لم يل أمر نبيّ إسرائيل بعد موسى عليه السلام، وإنّما ولي الأمر بعد موسى عليه السلام يوشع بن نون، فتى موسى وصاحبه الذي سافر معه في طلب الخضر عليهما السلام، كما ولي الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبه في الغار الذي سافر معه إلى المدينة.
وإذا لم يكن علي نبيًا كما كان هارون نبيًا، ولا كان هارون خليفة، بعد موت موسى على بني إسرائيل، فصح أن كونه رضي الله عنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزلة هارون من موسى إنما هو في القرابة فقط.
وأيضًا فإنما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول إذ استخلفه على المدينة في غزوة تبوك، فقال المنافقون: استقله (كذا في الأصل المحقق من الفصل، ولعلها استثقله) فخلفه، فلحق علي برسول الله صلى الله عليه وسلم فشكى ذلك إليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى"، يريد عليه السلام أنه استخلفه على المدينة مختارًا لاستخلافه، ثم قد استخلف عليه السلام قبل تبوك وبعد تبوك على المدينة في أسفاره رجالاً سوى علي رضي الله عنه، فصح أن هذا الاستخلاف لا يوجب لعلي فضلاً على غيره، ولا ولاية الأمر بعده، كما لم يوجب ذلك لغيره من المستخلفين". (الفصل: 4/159-160) .
وتشبيه علي بهارون ليس بأعظم من تشبيه أبي بكر بإبراهيم وعيسى، وتشبيه عمر بنوح وموسى (كما روى ذلك الإمام أحمد في مسنده: 1/383 (ح3632) ، والحاكم في مستدركه: 3/21-22، وروى الترمذي في كتاب الجهاد طرفًا منه 4/213) . فإن هؤلاء الأربعة أفضل من هارون، وكل من أبي بكر وعمر شبه باثنين لا بواحد، فكان هذا التشبيه أعظم من تشبيه علي، مع أن استخلاف علي له فيه أشباه وأمثال من الصحابة، وهذا التشبيه ليس لهذين فيه شبيه، فلم يكن =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 685)